أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نوال السعداوى - خروف العيد: حوارات نوال ومنى (٢)















المزيد.....

خروف العيد: حوارات نوال ومنى (٢)


نوال السعداوى

الحوار المتمدن-العدد: 3194 - 2010 / 11 / 23 - 09:08
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


فى طفولتى تصورت أن الخروف ليس له روح أو خيال، اعتقدت أنه يستحق الذبح لأنه ليس إنسانا مثلنا، إنه من جنس آخر، أو من جنسية أخرى، كنت أفرح (مثل الآخرين) بذبحه فى العيد دون أن أفرح حقيقة، كنت أتظاهر فقط بالفرح، أخشى أن أكون مختلفة عن الآخرين، أخشى أن يتهمونى بالشذوذ أو الجنون، أضحك وأغنى مع الراديو بالعيد، ثم أختفى فى غرفتى لأبكى، لم أعرف أبداً سبب بكائى، ربما كنت أضع نفسى مكان الخروف كما كنت أفعل مع «سعدية» الخادمة فى بيتنا، والحمارة «عزيزة» فى بيت الجيران.

كنت أرى «عزيزة» فى بير السلم، تمضغ التبن المعلق فى عنقها بالحبل، والبردعة الكالحة المهترئة فوق ظهرها، لم يشتروا لها بردعة جديدة فى العيد، لم تخرج الحمارة إلى الشارع لتفرح بضرب البمب مثل إخوتى الصبيان، كان ضرب البمب للذكور فقط، حتى ألعاب العيد لا تخلو من العنف وضرب النار، كانت سعدية طفلة من عمرى، تقضى أيام العيد تغسل الصحون التى أكلنا فيها الخروف المشوى، تمسح بلاط الحمام من دمه المراق، تدعك المرحاض مما يفرزه إخوتى بعد هضم الخروف، لم أر أمى تدخل المرحاض فى العيد، أو تتجشأ بصوت مسموع بعد الأكل، كانت أمى من جنس أرقى من الذكور فى نظرى.

كان الولد من إخوتى يأخذ ضعف نصيبى من لحم الخروف وضعف مصروفى فى العيد، ألقى بالقروش واللحم على الأرض، تحاول جدتى تخفيف غضبى، تقول: «ربنا قال البنت نص الولد يا عين أمك» كانت جدتى تخوفنى دائما بكلمة «ربنا»، لكنى كنت محصنة ضد الخوف، لا أدرى كيف، ربما هى حصة الموسيقى فى المدرسة، كان اللحن الجميل يسرى فى جسدى وعقلى وروحى، يشتعل دمى اشتعالا بحب العدل والحرية، حتى موتى، لم يكن مسموحاً للبنات فى العائلات الكريمة بأن يلعبن فى الشارع مثل الصبيان، أقضى أيام العيد مع أمى فى المطبخ، تعلمنى فرم الخروف وعمل الكفتة باللحم والبصل والثوم، الأم المثالية تعلم ابنتها الطبيخ لترضى زوج المستقبل، كنت ألقى شوربة الخروف فى الحوض وأحرق الكفتة عن عمد، ارتبطت فى عقلى رائحة البصل والثوم بالزوج والجنس، أرمق أخى وهو يلعب فى الشارع ويبرطع بحذائه الجديد مثل الحصان، أتطلع إلى السماء بغضب، تصورت أن القضبان خلقها الله على نوافذ بيتنا منعاً للبنات من الخروج وليس منعا للصوص من الدخول.

تسأل منى: هل العنف صفة طبيعية فى البشر يا نوال؟ هل الحروب فى العالم بسبب الهرمون الذكورى «تيستورون»؟ هل الرجال أكثر عنفاً من النساء بالطبيعة؟

قالت نوال: لا علاقة للعنف بالهرمونات فى الجسم، هناك نساء تتعطش للدماء أكثر من رجالهن، كان زوج مارجريت تاتشر أكثر رقة منها، جولدا مائير وهيلارى كلينتون وأنجيلا ميركل أكثر قسوة من رجالهن، يتعلم الإنسان العنف فى الطفولة، يتعود الطفل أو الطفلة مشهد القتل والدم المراق، يشعر بلذة القسوة على غيره المختلفين عنه جنسياً أو عرقياً أو قومياً أو دينياً أو عائلياً أو طبقياً أو غيرها من الاختلافات، لماذا يا منى يصطاد طفل عصفورة ويقتلها دون سبب؟

قالت منى: إنها اللذة النابعة من العنف على الآخر أو الأخرى التى ليست مثلى، يكبر الطفل ليصبح رجلاً فظًّا، يجد لذة فى ضرب زوجته لأنها تنتمى إلى الجنس الآخر، يعضها بأسنانه من شدة الغرام، يشد شعرها فى لعبة الحب، كما كان يشد القطة من شعرها وهو طفل أو السحلية من ذيلها، يعلمون العنف للأطفال منذ الولادة ثم يصرخون ويسألون: لماذا يملأ العالم كل هذا العنف؟

قالت «نوال»: نحن نذبح الحيوانات ونأكلها باعتبارها أشياء ليست لها روح، هذه الفكرة قديمة منذ فلاسفة العبودية، كان عقلهم ناقصاً يتصورون الكائنات الحية كلها أشياء، إلا الرجال من الأسياد، ومنهم أرسطو، الذى قسم الموجودات فى الكون إلى قسمين:

١ - البشر، وهم الرجال من طبقة النبلاء الحكام وملاك الأراضى.

٢ - الأشياء، وهى الماشية والحيوانات والنساء وعبيد الأرض، قالت منى: أرسطو كان من ملاك الأراضى الأسياد، يخرج مع النبلاء للصيد، كان الرجل منهم لا يفرق كثيراً بين صيد الغزلان وصيد النساء، كان أرسطو وفلاسفة العبودية يرون لذة الحروب وقتل الأسرى مثل لذة صيد الحيوانات واغتصاب البنات، نوع من الرياضة اللذيذة ودليل الرجولة والسيادة، هذا المفهوم عن الحرب والصيد والرجولة يعيش حتى اليوم فى العالم كله شرقاً وغرباً، ألا تقترن الحروب حتى اليوم بقتل وتعذيب الأسرى من الرجال واغتصاب النساء؟ ألا ترين ذلك يا نوال؟ قالت نوال: نعم يا «منى» لم تتغير جذريا أخلاق البشر عن ألفى عام مضت، حدث بالطبع تطور فى الأنواع والسلالات والجينات، نشهد اليوم فصائل أرقى فى الشرق والغرب، من الرجال والنساء، يقاومون الحروب والاستعمار ونهب بلادهم أو البلاد الأخرى، يقاومون احتقار النساء وسلبهن حقوقهن الإنسانية، لكن هؤلاء الأرقى نوعا هم الأقلية عدداً فى العالم، هم الذين خرجوا فى مظاهرات ضد نتنياهو وجورج بوش وأدولف هتلر وأمثالهم.

قالت منى: هؤلاء الأقلية الراقية يعاملون الإنسان والحيوان وكل الكائنات الحية، بما فيها الزوجات، برقة وحنان.

قالت نوال: أمام الجنس البشرى يا منى طريق شاق طويل لتصبح الإنسانية هى العدالة والحرية والمساواة بين الجميع، أكثر الناس يخفون الحقيقة فى أعماقهم، تظاهرا بالخير، هذه الجمعيات الخيرية فى الشرق والغرب. يتصدق على الفقراء أصحاب البلايين مثل بيل جيتس وكارتر وبيل كلينتون والأمراء والأميرات والباشوات أيام الملك والسلطان، يشعرون بالفخر والاستعلاء بالإحسان على المساكين المحرومين، اليد العليا التى تعطى تتعطف على اليد السفلى التى تأخذ، مجرد الإحساس بالسمو والفضيلة، مجرد الشفقة على الغلابة.

سألت منى: أليست الشفقة إحساساً إنساناً راقياً؟، قالت نوال: لا أظن أن الشفقة تعنى الإنسانية، أتعرفين تاريخ نشوء الشفقة لدى البشر يا منى؟

قالت منى: أظن أن كلمة الشفقة ظهرت فى التاريخ البشرى بعد أن بدأ العبيد والنساء يسلحون أنفسهم ضد الأسياد، لم يكن الأسياد يخافون من العبيد أو النساء قبل ذلك، الشفقة فى حقيقتها شعور كاذب، يخفى السيد خوفه من العبد بالشفقة عليه، كما يخفى الرجل خوفه من المرأة بالشفقة عليها، لا يشفق الرجل على امرأة لا يخافها، لا يشفق جيش الاحتلال على شعب لا يقاومه بالسلاح، الشعوب المستسلمة مثل الزوجات الخانعات لا يثرن الشفقة بل الازدراء، سألت نوال: أتعنين الكراهية؟

قالت منى: لا، الكراهية شعور أفضل من الازدراء، لا يكره الرجل زوجته المستسلمة، إنه يحتقرها، لم تعد زوجته جديرة بالاحترام، قد يفعل أى شىء بها دون أن تقاوم، يخونها علنا دون أن تعترض، يتزوج عليها نساء أخريات دون أن تتذمر، قد يتوقع منها أن تشكره لأنه لم يطلقها، نعم الاحتقار وليس الكراهية هو شعور هذا الرجل تجاه زوجته الخانعة المعدومة المقاومة، أتوافقين على ذلك يا نوال؟

قالت نوال: أتفق معك تماما يا منى، الكراهية تنتج عن الحب وليس الاحتقار، الإنسان لا يكره الخروف لأنه لا يحبه، الإنسان يحترم الأسد أكثر من الخروف، لأن الأسد قوى الشكيمة والكرامة، لا يمكن لإنسان أن يهزم الأسد دون معركة قد ينتصر فيها الإنسان أو ينهزم، هذا الخوف من الهزيمة وهذه المقاومة الشرسة هما اللتان ترفعان قيمة الأسد أو اللبؤة فى نظر الإنسان، لماذا يقولون عن الرجل الجبان إنه خروف؟.

قالت منى: لأنه لا يقاوم؟، قالت نوال: نعم مقاومة الظلم والكذب والعدوان شىء محترم لك وإن كرهك الناس، قالت منى: أنا أفضل الكراهية مع الاحترام على الحب مع الازدراء، لهذا لا أتفلسف عن خروف العيد مع من يأكلون لحمه.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,562,062,085
- خروف العيد: حوارات نوال ومنى (١)
- تمجيد المرأة والعقل الأجنبى.. وتحقير أنفسنا وزوجاتنا
- السلطة الأبوية والتجارة بالجنس
- صمتوا حين كان الكلام واجباً
- الضمير الحى فوق الهوية القومية والدينية
- وجوه تتكرر فى كل عهد
- الدكتوراة الفخرية والتعددية والنسبية
- جلسة مع كاتبات فى القاهرة
- الصورة المفبركة بدل الحقيقة المؤلمة
- المرأة الكاتبة
- «سارة بالين» وجوارى القرن الواحد والعشرين
- الدكتورة نوال السعداوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول ...
- التاريخ سينصف تجربتي والطفلة في داخلي تنتصر على الشرطي
- شهرزاد جديدة أكثر تحررًا
- خطورة قوانين الأحوال الشخصية الدينية
- عن النقاب والنفاق والسلطة
- حاربت 60 عاماً ضد الختان وفقدت وظيفتى وسمعتى وعندما صدر القا ...
- أنا أكتب إذن أنا أعيش
- خلايا العقل المظلمة
- الكتابة بين الذكورة والأنوثة وهوية النص .


المزيد.....




- مديرة مدرسة إسلامية غير مسجلة في بريطانيا تتحدى السلطات وتوا ...
- الفاتيكان يبتكر مسبحة صلاة إلكترونية بصليب ذكي
- الأردن يدين الانتهاكات الإسرائيلية في المسجد الأقصى
- ما هي أبعاد تبني تنظيم -الدولة الإسلامية- إطلاق سراح عدد من ...
- التعايش الديني في مصر الإسلامية.. مخطوطة تظهر شراء راهبين لع ...
- المنح التعليمية بالحضارة الإسلامية.. موسيقي يرعى العلماء ومس ...
- أيتام تنظيم الدولة الإسلامية يواجهون مصيرا مجهولا
- منظمة التعاون الإسلامي تُدين اقتحام المسجد الأقصى المبارك
- -قناصة في الكنائس وأنفاق-... بماذا فوجئت القوات التركية عند ...
- مسيحيون يتظاهرون احتجاجا على غلق كنائس بالجزائر


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نوال السعداوى - خروف العيد: حوارات نوال ومنى (٢)