أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالحكيم الفيتوري - صناعة المعجزة عند الرواة (2)















المزيد.....

صناعة المعجزة عند الرواة (2)


عبدالحكيم الفيتوري

الحوار المتمدن-العدد: 3162 - 2010 / 10 / 22 - 18:06
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



وهكذا قدم الرواة وصانعو الاسانيد صورة الرسول الكريم للمسلمين الجدد في ثوب الاسطورة والخيال فهو صانع المعجزات، وخارق قوانين وسنن الله في الكون والانفس والاشياء، على الرغم من نفي القرآن الكريم القاطع من دعم رسوله بالمعجزات الحسية والخوارق ( وما منعنا أن نرسل بالآيات الا أن كذب بها الأولون)، وتأكيده على بشرية الرسول( قل إنما أنا بشر مثلكم... )، وحث الاتباع على النظر والتفكر والتدبر في الآيات المسطورة والمنظورة. ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الالباب).

وللسائل أن يسأل عن معجزة الاسراء التي جاء ذكرها في سورة الاسراء من القرآن الكريم. نظرا إلى توخينا تحديد الكلام وتركيزه، نقول: الشيء المحير أن القرآن صريح في منع إتيان الرسول بالآيات والمعجزات، إلا أنه في سورة الاسراء يثبت آية للرسول حيث تم الاسراء به من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى، والاشكال أن الآيات التي ترافق الرسول في تبليغ دعوته يؤتى بها من أجل تثبيت المؤمنين، وإقناع الاتباع الجدد، ولكن حادثة الاسراء كانت عكس ذلك، من حيث أنها تمت بالليل والناس في سبات، كذلك كانت فتنة لشريحة من المؤمنين،كما ذكر ابن هشام في سيرته، وابن كثير في بدايته، والنص لابن كثير: وارتد ممن آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام. وفي رواية عائشة عند البيهقي قالت: لما أسرى بالنبي إلى المسجد الاقصى، أصبح يحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه.

وكذلك قام خلاف بين الصحابة هل كانت حادثة الاسراء بروحه وجسده، أم بروحه، ومنهم من ذهب أنها كانت رؤية منامية لا غير. ذكر ابن القيم تلك الاراء فقال: ... ثم أسري بروحه وجسده إلى المسجد الاقصى، ثم عرج به إلى فوق السموات بجسده وروحه إلى الله فخاطبه وفرض عليه الصلوات وكان ذلك مرة واحدة، هذا أصح الأقوال. وقيل: بل يقال: أسري به، ولا يقال يقظة ولا مناما، وقيل: كان الاسراء إلى بيت المقدس يقظة، وإلى السماء مناما. وقيل: كان الاسراء مرتين: مرة يقظة، ومرة مناما. وقيل: بل أسري به ثلاث مرات، وكان ذلك بعد المبعث بالاتفاق. وقال القاضي: نص أحمد على أن الاسراء كان يقظة. وحكى له أن موسى بن عقبة قال: أحاديث الاسراء منام فقال: هذا كلام الجهمية. ونقل حنبل أن الرؤية منام. ونقل الاشرم وغيره أنه رآه ولا يطلق سوى ذلك. ( الضوء المنير على التفسير، مجموع من كتب ابن القيم، للصالحي، تفسير سورة الاسراء) ولعل رأي الاشرم هو الذي ذهب إليه بن عربي الصوفي بل وزاد عليه بأن حادثة الاسراء جملة كانت مجازية واستعارية (انظر: تفسير ابن عربي الفتوحات المكية، سورة الاسراء)


ويزيد أصحاب الاسانيد الطين بله حين تقدم رواياتهم المساجلة التي دارت بين الرسول ومشركي مكة في اليوم التالي لحادثة الاسراء، حيث تذكر رواية أن رسول الله قال: فأصابني كرب لم أصب بمثله قط. أي خوفا من تكذيب قريش له، وأرتياب الاتباع في منطق الإيمان جملة، صورت رواية النسائي تلك الحالة بقولها: لما كان ليلة أسري بي ثم أصبحت بمكة قطعت بأمري وعرفت أن الناس مكذبي، فقعدت معتزلا حزينا..(فتح الباري، كتاب التفسير)، بل تتمادى الرواية في تعميق الاستفهامات المنطقية حول الحادثة برمتها، فتصور الرسول وهو في حالة المساجلة مع قريش بأنه حار في وصف المسجد الاقصى، وإذ بجبريل يجلي له مسجد الاقصى. ذكر الراوي.... وفي القوم من سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد قال: فهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فذهبت أنعت لهم، قال: فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت، فجيء بالمسجد، حتى وضع فنعته وأنا أنظر إليه. (رواه أحمد، والبزار، وللفظ للنسائي ، انظر فتح الباري)، وفي رواية البخاري، قال رسول الله: لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه.( صحيح البخاري، كتاب التفسير)، وفي رواية:... فصرت أنظر إليه وأصفه لهم باباً بابا وموضعاً موضعا. علما بأن المسجد الاقصى لم يكن قد بنى أصلا في ذاك العهد!! ولعل الرواية المشهورة عن عمر بن الخطاب عندما استلم مفاتيح بيت المقدس لم يجد مسجدا قائما له ابواب ونوافذ كما يزعم الراوي، وإنما مساحة فارغة جعلت مكبا لزبالة سكان تلك الناحية، فقد جاء في رواية أبو سلمة عن بن آدم قال: سمعت عمر يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ قال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة. فقال عمر ضاهيت اليهودية، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط رداءه وكنس الكناسة في ردائه ، وكنس الناس. إلى أن قال الراوي: فلم يعظم الصخرة تعظيما يصلي وراءها وهي بين يديه... ولا أهانها إهانة النصارى الذين كانوا قد جعلوها مزبلة من أجل قبلة اليهود، ولكن أماط الأذى، وكنس عنها الكناسة بردائه.( أخرجه أحمد في مسنده، تفسير ابن كثير، سورة الاسراء)

ولم يكتفى خيال الرواة بتلك المتناقضات بل روى يونس بن بكير عن ابن اسحاق لما أسرى برسول الله وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير. قالوا متى تجيء قال يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون، وقد ولى النهار ولم تجىء، فدعا رسول الله فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس.(الشفاء بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض)

ولا يتسع المجال للاسترسال في رصد اختلالات تلك الروايات وبصمات الرواة فيها، فحسبنا أن ننتهي بالاشارة إلى ما هو أغرب وأنكى من ذلك أن مفردة ( المسجد) كما وردت في الروايات لم تستعمل في السياق القرآني لنعت دور العبادة اليهودية والنصرانية ،فالقرآن الكريم استعمل مفردة (صوامع) لمكان عبادة النصارى، ومفردة ( بيع) لدور عبادة اليهود، ومفردة (صلوات) لمقار عبادة الصابئة، ومفردة ( مساجد) لساحات عبادة المسلمين. كما جاء في قوله تعالى: ... ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت، صوامع، وبيع، وصلوات، ومساجد، يذكر فيها اسم الله كثيرا...( سورة الحج)

وبعد.. إنه من المجدي جدا أن نسأل ونلح في السؤال عن حالة إصابة حسنا النقدي السجالي، بما يشبه الانحسار والبوار في ممارسة حق راسخ مشروع قرره القرآن الكريم وحث عليه بصورة مستفضية، حق التفكير، والتدبر، والنقد، وحرية القول والتعبير، وإعلان المغايرة والاختلاف مع الأباء والاسلاف فيما يخالفون فيه منطق الوحي والعقل (إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه أباءنا،أولو كان أباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ).(المائدة)، ولكأني بتلك القيم القرآنية بقيت مجرد كلمات تزين بها الخطب والمجالس ولم نذهب بها بعد إلى مستوى (المفهوم الاستراتيجي) كحجر أساس وتقليد طبيعي لا طعن فيه ولا رجعة.

والغريب أن العقل الإحالي المعاصر لم يكتفي بتلك المجلدات والاعداد الضخمة للمعجزات ودلائل النبوة فطفق في كتابة كتب جديدة تحمل مضامين وأبعاد كتب الاسلاف في دلائل النبوة ولكنها دلائل مرتبطة بالقرن العشرين، فقد كتب مبارك البراك كتابا بعنوان ( دلائل النبوة في القرن العشرين) حشر فيه حزمة من النبوات المزعومة في السياسة المعاصرة، والكوارث الطبيعة، والازمات الاقتصادية، والاجتماعية، وقضايا التكلنولوجيا، وظهور السيارات وغير ذلك من الابداعات الحديثة. بل ثمة كتاب في ذات المنحى نال صاحبه درجة الدكتوراة من جامعة عربية تحت عنوان( معجزات الرسول الحسية في كتب السنة)، لعلي محمد سواعد. وذهب أخر إلى ترويس بحثه بعنوان( معجزات النبي في عصرنا الحديث) حيث ذكر فيه جملة من روائع الاعجاز الغيبي المزعوم في كلام النبي منها: إشارة إلى الاقتصاد العالمي، ووسائل النقل الجديدة، وإشارة إلى ناطحات السحاب، وإشارة إلى الكمبيوتر والطباعة، وإشارة إلى المخترعات المذهلة، وكثرة الزلازل، وكثرة الأغاني والفنانات، وأسماء جديدة للخمر.... وختم بحثه بملاحظة هامة! جاء فيها: أحبتي في الله!! نرجو نشر هذه المعجزات للتعريف بنبي الرحمة. كتبه عبدلدائم الكحيل.

وبالتالي، قد لا نغالي إذا قلنا إن تلك الكتابات، تدعو بصورة سافرة إلى التماهي مع الاسطورة والمصادقة الطيعة على ما جاء في كتب الأباء والاسلاف، واعتبار ذلك حقيقة الدين القيم وعنوان محبة النبي ونصرته(لبيك رسول الله). بصياغة أخرى: كن خياليا، تمجيديا، إحاليا، تكن من الصالحين!!

يتبع





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,388,108,520
- صناعة المعجزة عند الرواة
- تاريخية ليلة القدر (2)
- تاريخية ليلة القدر (1-2)
- الفرق بين الكفارة والفدية في القرآن
- أمة حالمة !!
- النبوءة السياسية وتغييب الوعي (3)
- النبوءة السياسية وتغييب الوعي (2)
- النبوءة السياسية وتغييب الوعي (1-3)
- جناية العقل الفقهي على العلم (2)
- جناية العقل الفقهي على العلم (1-2)
- مقاربة نقدية لحديث خير القرون قرني (7)
- مقاربة نقدية لحديث خير القرون قرني (6)
- مقاربة نقدية لحديث (خير القرون قرني) (5)
- مقاربة نقدية لحديث (خير القرون قرني) (4)
- مقاربة نقدية لحديث خير القرون قرني (3)
- مقاربة نقدية لحديث (خير القرون قرني) (2)
- مقاربة نقدية لحديث (خير القرون قرني) (1-6)
- رجال المخزن... وتدجين الاتباع
- القدرية ضربة لازب للتفكير الديني
- النقد سبيل النهضة


المزيد.....




- -الإخوان- تعتبر وفاة مرسي -جريمة قتل مكتملة الأركان-.. وتُحم ...
- جماعة -الإخوان المسلمين- تصدر بيانا حول وفاة مرسي
- القرضاوي والبرادعي من أوائل المعلقين على وفاة مرسي.. وابنه: ...
- الإخوان: هذه آخر كلمات مرسي قبل وفاته داخل القفص
- -الإخوان المسلمون-: وفاة مرسي جريمة قتل متعمدة والسلطات المص ...
- سنافر ومخالب وأتلاف حشرة الارضة والعنكبوت والقمل أصبحوا الان ...
- ماأشبه تلك الايام بهذه نزاع وقتل وجشع وسقوط اقوى امبراطورية
- افتتاح كنيسة ودير صير بني ياس.. الموقع الأثري المسيحي الوحيد ...
- كاتدرائية نوتردام: أول قداس في كاتدرائية نوتردام بعد الحريق ...
- خبير: روسيا ستجذب 10 مليارات دولار عبر إصدار السندات الإسلام ...


المزيد.....

- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالحكيم الفيتوري - صناعة المعجزة عند الرواة (2)