أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جاسم المطير - قراءة في ذاكرة الفنان ناظم رمزي






















المزيد.....

قراءة في ذاكرة الفنان ناظم رمزي



جاسم المطير
الحوار المتمدن-العدد: 3119 - 2010 / 9 / 8 - 00:57
المحور: الادب والفن
    


قراءة في ذاكرة الفنان ناظم رمزي
شرارة الفن التشكيلي تضيء الظلمة في وقت الظهيرة
جاسم المطير
تحت يدي ، هذا الأسبوع ، كتاب جديد عنوانه (من الذاكرة) وصلني ، إهداءً ، من مؤلفه مباشرة . له مني شكري الجزيل وامتناني الكبير . ليس هو كبقية الكتب التي اقرأها ، عادة ، فقد وجدت فيه عملا مؤثرا ، جديد النوع ، من أعمال الفن والتدبير المؤثر في أسلوب كتابة المذكرات . بدا لي من النظرة الأولى لغلافه ، ومن التقليب المباشر لصفحاته ، أنه حامل لمنظر مذهل ولمحتوى مرغوب ولحوادث فنية وسياسية متنوعة . الكتاب من الحجم الكبير (حجم مجلة أسبوعية) في ذروة التصميم الحداثي ، الذي بـَلـَغه ربما المؤلف نفسه ناظم رمزي (المولود عام 1928) في بغداد من عائلة كردية ، والمعروف بروعة فنه في تصميم المطبوع العراقي ، أو ربما بـَلـَغه مصمم الدار العربية للعلوم – بيروت ، ناشرة الكتاب ، المعروفة بجمال تصميم كتبها وأغلفتها . لم أجد أشارة أو ذكر لاسم المصمم على صفحة الكتاب الأولى كما هي عادة دور النشر .
تميزت صفحات الكتاب بثلاثة أقطاب تدعوني إلى إعطاء لمحة تفصيلية سريعة لرؤية جمالية فنون صاحبه وتحسس التأثير على واقعيته في الأصول المادية لبعض جوانب الحياة الفنية العراقية .
(1) القطب الأول تضمن كتابة ذكريات فنية – سياسية – اجتماعية بأكثر من أربعين صفحة ، عن بعض الجوانب من حياة مؤلفه ، الذي بدا لي فيها أن حياته كانت قوية ، حيوية ، مناضلة ، من اجل إحداث تغيير ملموس في الفن الفوتوغرافي وفي الفن التشكيلي ضمن طبيعتهما الداخلية ، التي لا سبيل إلى معرفتها من دون الاطلاع على ميزتها المتفردة ، أي من دون استكشاف تجارب ناظم رمزي وشراكته مع زملائه من أبناء جيله ، جميعا ، لوضع الفن العراقي بعد الحرب العالمية الثانية في طريق الروح العصرية ، العقلية والثقافية ، يمكن لأي ناقد فني عراقي أن يتباهى بها .
(2) القطب الثاني الظاهر في كتاب (من الذاكرة) هو في واقع صفحاته الـ(254) هو في قدرة المؤلف على جعل القارئ جائلا في أرجاء معرض تشكيلي جديد للفنان ناظم رمزي ، يمكنه أن يجد لوحات فوتوغرافية وتشكيلية مستوحاة من ذاكرة فنية نشيطة ، منذ خمسينات القرن الماضي حتى يومنا هذا ، واجدا ، بسهولة ، مسعى ناظم رمزي ، كواحد من رواد الفن التشكيلي والفوتوغرافي والطباعي لتوحيد هذه الظاهرات الحرفية الثلاث ، آليا ، بإبداع كائن فني واحد ، اجتمعت في يديه (الكاميرا) و(الريشة) و(القلم) لتعيد تشكيل نفسها وتمكين الفنان من الاستغراق في التأمل الاجتماعي كما نصح أفلاطون كل الموهوبين بذلك .
(3) أما القطب الثالث فقد تركز على نشر مجموعة من الكتابات الصحفية ، ومن رسائل أصدقاء الفنان القريبين من حياته ومن فنونه ، ومن الذين عملوا معه في ميادين الفنون الطباعية ، مستوعبا روح تلك الكتابات الفائضة بالمحبة والوفاء والاعتزاز ، كاشفا عن رابط العقل بالروح الفنية ، مقابل الصراع والتعددية في الواقع الاجتماعي خلال فترات التحول الرئيسية في التاريخ العراقي الحديث .
أنا اعرف ناظم رمزي منذ أربعة عقود . لم أجده في أي يوم من الأيام متحرقا أو مندفعا أو متشوقا نحو الشهرة ، رغم انه كان على الدوام مندفعا نحو تحقيق النجاح الفني ، ليس لشخصه ، بل للفن العراقي عموما ولأصحابه الفنانين من جيله ومن الأجيال الشابة اللاحقة . لذلك كان يخفي نفسه عن الأنظار ، معتادا على أن يكون متواضعا أمام الجميع ، صادقا مع الجميع إلى الحد الأقصى ، حريصا على دعم وإسناد كل شاب طموح من الفنانين الذين يجاهدون ليحتلوا موقعا ما يستحقونه في الحركة الفنية التشكيلية .
اعتقد أنني وجدتُ في كتابه (من الذاكرة) أن عادة ناظم رمزي في (الصمت) علامة بارزة من أخلاقيته موجودة في الكتاب ذاته ، هي ليست انعكاسا لعادة الغموض حسب ميزة بعض الفنانين العالميين . حين تجلس مع ناظم رمزي فأنك تكون قادرا في جلسة واحدة على النفاذ إلى أعماقه حسب قول عبد الرحمن منيف وتستطيع اكتشاف بساطته المتواضعة منتشيا فيها ، بل ربما تجده محاولا التطوع في كشف مكنونات نفسه أمامك من دون أن يتذمر من أي شيء في هذه الدنيا . لذلك فقد اكتشفت أن كلمات ناظم رمزي هي ألوان بذاتها ، وأن ألوان ريشته هي كلمات محضة في معانيها ، وان عدسة كاميرته هي في عينيه إشعاع ، كنور ٍ ساطع على أفعاله ومواهبه التجديدية دائما .
يبدأ هذا الكتاب بصورة فوتوغرافية ، على ص7 ، للفنان نفسه رأيت فيها وجهه بأفضل شكل ، فهو (شاب) لكن جبينه لا يخلو من (تجاعيد كثيرة) معبرة عن حضوره المعرفي ، وعن جهده الفني ، قريبا جدا في صورته هذه المختارة بعناية لتعبر عن وجه المثال الصوفي ، المتشكل في تعبير نظرات عينية ، وربما يبدو للناظر إليه صورة متماثلة مع كل الفنانين العراقيين المستنيرين والمتعبين في عصره .
وجدتُ ، في الصفحة التالية ، خطوة تجديدية في التصميم حيث علاقته مع أصدقائه من الفنانين والأدباء دعته ينشر صورهم ، قبل كتابة المذكرات عن نفسه وعن تاريخه ، مؤشرا في نفس الصفحة بأنها تحتوي على صور بعض الشخصيات التي أغنت الفن والأدب العراقيين ، مقدما عذرا لمن لم تتوفر لديه صورهم بسبب سرقة داره في بغداد أتت على نهب أرشيفه الفني وأوراقه . كانت الصور المنشورة في كتابه مصممة بحجم الطابع البريدي الكبير ومنشورة ، ثلاثيا ، وأفقيا . أول ثلاثة أسماء ضمت علاء بشير ونوري الراوي وصورة ثالثة مشتركة تضم إبراهيم جلال وعبد الله العزاوي . ثم تتوالى صور أسماء كثيرة تضم شفيق الكمالي وجميل حمودي وغسان العطية ورافع الناصري وطارق إبراهيم وإسماعيل الشيخلي وجبرا إبراهيم جبرا ونزار سليم وقحطان المدفعي وصبيح شكري وجواد سليم وفائق حسن وصورة تجمع كل طلاب كلية فيصل وهشام المدفعي وخالد القصاب ومحمد مهر الدين وسلمان شكر وخالد الرحال ومحمد المخزومي وجاسم المطير ومحمد عارف وكاميران قره داغي ويحي الشيخ وميسون الدملوجي ومكي حسين وخالد الجادر وحافظ الدروبي ونيران السامرائي ورفعة الجادرجي وشاكر حسن وقتيبة الشيخ نوري وفرج عبو ومحمد غني حكمت ولمعان البكري وعبد الرحمن منيف وارداش كاكافيان وسعاد العطار ودلال المفتي وبلند الحيدري وفيصل لعيبي وغازي عبد الله ووداد الاورفه لي ثم نشر صورا لوالدته ووالده و بعض صور طفولته .
كان الفنان رمزي قد استدعى هذه الصفحات المصورة لتكشف بهجة حياته في علاقاته الواسعة مع الفنانين والأدباء العراقيين . ثم تعاقبت أسماء عديدة أخرى ، لامعة في الفن والأدب العراقيين ، من أمثال زيد صالح وعيسى حنا وعطا صبري ومحمد مكية وفاضل عجينة وعلى كمال وهنري زفوبدا وسعيد علي مظلوم وهشام منير وبرهان يوسف وهشام المدفعي ونجم الدين السهروردي ورافد صبحي أديب وعدنان ساجد ومظفر النواب وأنور شاؤول وسعد شاكر وعبد الرزاق عبد الواحد وباسل فيضي وعبد الحميد فيضي وهاشم سمرجي وفرج عبو ونوري الراوي وفهمي القيسي وروضان الخطاط وصالح الجميعي وإبراهيم جلال وكاظم كمونة الخطاط ومحمد دحام وليث الكندي وقحطان عوني ومريوش فالح ومحمد عبد الوهاب المهندس وميسلون فرج ومي مظفر وجميل أبو طبيخ وسالم الدملوجي ومعاذ الالوسي وفيصل الدملوجي وإبراهيم رشيد ومهدي مرتضى ومحمود احمد عثمان ونجيب المانع ونجدة فتحي صفوت وهادي علي مرزا ومحي الدين اللباد ونزيهة سليم وغيرهم من أصدقائه الذين وصفهم بالعطاء والإبداع خلال نفس الحقبة الماضية ، مؤكدا ، بذلك ، أن هذه العلاقات تشكل إكليلا من أكاليل تجربته و ثقافته وفنونه رغم فاجعة سرقة أرشيفه الرئيسي من أدراج بيته ، التي حالت دون نشر الكثير مما يملكه من صور ورسائل ومقالات كتبت عنه ، والتي لا اشك أنها تشكل بمجموعها كرنفالا في الوثائق الفنية العراقية .
حتى باب السينما العراقية الضيق دخله بسرعة ( مساعدا للمصور في فيلم عليا وعصام ) فور تأسيس أستوديو بغداد ، في أواخر أربعينات القرن الماضي ، لكنه خرج منه بسرعة ، أيضا ، من دون أن يذكر ، لا أسباب الدخول ولا أسباب الخروج . غير أنني استطيع الاستنتاج انه لم يجد (الثريا) في سقف السينما العراقية الوليدة لتنير موهبته الفوتوغرافية ، ولم يجد في هذا الباب مفتاح موهبته ، التي كان يكتشف دروبها بنفسه ليجدها خارج السينما ، في التوثيق الفوتوغرافي للناس والأرض والمجتمع . لكن حين اعد كتابه للنشر انحاز لبعض صور الذكرى ، يستعيد بها بعض أحداث ماضيه ، من ثقب الباب السينمائي ، فنشر بعض مدونات علاقاته مع سينمائيين معروفين جاءوا إلى بغداد ، من أمثال بعض السينمائيين الفرنسيين اندريه شوتان المخرج ومدير التصوير جاك لامار والمصور شنايدر وكذلك المصور الانكليزي فرانس ، الذي توفي ببغداد في تلك الفترة . كذلك أورد الكثير من الأسماء المشاركين في أول فلم عراقي (عليا وعصام) من أمثال مهندس الصوت عبد الخالق السامرائي وخبير المكياج مهدي وعامل الديكور والزخرفة اسطه عبد وكاتب القصة الأديب أنور شاؤول والمطرب عبد السلام النعيمي والرسام دانيال قصاب ومساعد المخرج أكرم جبران ومساعدا التصوير ألبير مهران وسعيد حبيب وأبطال الفيلم الفنانة عزيمة توفيق بدور عليا وإبراهيم جلال بدور عصام والمطربة سليمة مراد ويحي فائق وجعفر السعدي وعبد الله العزاوي وفوزي محسن الأمين .
يقول في بدء سطور ذكرياته أن فكرة كتابتها تبلورت عنده عام 1986 ثم سافر إلى لندن ، مهاجرا من بغداد المحببة لديه بعمق شديد ، منشغلا في أول إقامته فيها بمتابعة نشاطه الفني والطباعي وقد زرته شخصيا في الأستوديو ، الذي أسسه هناك مرتين في عامين متعاقبين في نهاية الثمانينات وجدته فيهما منكبا على انجاز عملين مهمين : الأول هو انجاز كتاب مصور عن العراق ، تتوفر عندي نسخة منه استعارها ، ذات يوم ، الفنان التشكيلي المقيم في لاهاي ( فاضل نعمة ) وعندما أعاده لي وصفه بقوله ( انه كتاب فني متميز في تصوير دفق الحياة العامة للإنسان العراقي ) . بالفعل لم يكن هذا الكتاب مجرد صفحات مصورة ، بل كان توثيقا فوتوغرافيا كفؤا لنماذج مصغرة عن مجتمع متعدد الأعراق مسكون بظلم الفقر والمرض وبيروقراطية العهود الحاكمة المتعاقبة .
في لندن ، أيضا ، أنجز المتطلبات الفنية في فرز ألوان (مصحف روزبهان) للخطاط محمد الطبعي . يعود تاريخه إلى حوالي 500 سنة . كما توجه منذ تلك الفترة لتخطيط وانجاز تصميم مصحف جديد اطلعتُ على عدد من صفحاته عند زيارتي إلى بيته في لندن عام 2000 . مثلما عاش مناسبات الوطن وتقلباته وانقلاباته وانتفاضاته وثوراته وانتكاساته بروح الوعي الفني فأنه ظل في غربته يتوق إلى وطنه . يفكر في زيارته . حين وجد عقبات كثيرة تحول دون تحقيق أمنيته فكر في إقامة معرض تحت إلحاح بعض أصحابه في بغداد كي يحقق وجوده في قاعة جمعية التشكيليين في حي المنصور( حزيران 2010) ليجده المثقفون والسياسيون العراقيون في لقاء معهم خلال 40 صورة فوتوغرافية وتشكيلية وطباعية ، تحدث عنها بكلمة افتتاح المعرض مفيد الجزائري وزير الثقافة الأسبق واصفا أعمال الفنان رمزي بالتاريخ الفني الحافل بالريادية . ربما هذا الكلام الدقيق ينطبق على كتاب (من الذاكرة) . فهو ، أيضا ، تاريخ حافل بالعطاء المتواصل ، الذي تطور ، وتجدد ، واستقر في الطريق الفني العراقي المضيء بالريادة المتعددة الأنواع والأجيال . بادئا خطوته الأولى في معرضه الأول عام 1959 ، الذي توافرت فيه مزية افتتاحه من قبل زعيم ثورة 14 تموز عبد الكريم قاسم ، حيث ظلت ذكرى ذلك الافتتاح لصيقة بافتتاح المعرض الأخير ، فكلا معرضيه ، الأول والأخير ، ازدهرا بوجود وافتتاح شخصيتين وطنيتين( عبد الكريم قاسم ومفيد الجزائري ) جذابتين في معانيها .
كانت طفولة ناظم رمزي ، كما بدا لي ، من أولى صفحات كتابه ، طفلا متمردا على بعض عادات والده ، الموظف في وزارة الداخلية برتبة مدير ناحية . كان (الأمر) الأبوي يستفزه ، لكنه يلتزم (الصمت) في البيت احتراما وتقديرا للعلاقة العائلية . ذلك (الصمت) ينعكس عليه في أستوديو العمل ، فهو ينجز الكثير والوفير من الأعمال الفنية بـ(صمت) حتى أني وجدت في بيته ببغداد ولندن وفرة من اللوحات مكومة بعضها فوق بعض من أرضية غرف البيت حتى سقفها تحتاج إلى كثرة من المعارض كي تتوفر رؤيتها للآخرين من الفنانين والنقاد . كذلك نجد (صمته) خارج البيت علامة من علامات إصغائه لكلام (الآخر) مادحا له أو ناقدا لأعماله .
ارتبط مع عدد من أصدقائه في المحلة والمدرسة حتى نشأ من ( الصمت) في سلوكه وأعماقه نوع من التحدي والتمرد ، كأنما أصبح منذ طفولته كيانا مستقلا ، يريد دائما ضمان استقلاليته في اتخاذ القرار . كان والده بالضد من هوايته الأولى (الرسم) لكن (الابن) ضاعف قدرته الإبداعية بالرسم سرا ، في (ليل البيت ) وفي (خارج البيت) في إعلانات الصحف . التحدي دفعه ، أيضا ، منذ الطفولة إلى نوع بدائي من الاستقلال المالي عن والده ، فراح متوجها بالتغلب على حاجته المالية لشراء مواد وقرطاسية الرسم ، بابتداع وسائل كفيلة بتحقيق غاياته . نجح في ذلك حين أوجدت طفولة التحدي والمغامرة والمشاكسة واقعا حيا ، وعمليا ، وجادا .
من الطفولة ، من المدرسة الابتدائية ، نبعت عنده إرادة التغيير وإرادة الانضمام إلى الفن كأداة من أدوات التغيير ، والى فن الرسم والتصوير بالذات كامتياز من امتيازات بلوغ حريته في الإبداع والتجديد . ثم استعاض عن (الصمت) بهواية (الحركة) بما في ذلك (حركة) هروبه من مدرسة الأمريكان الابتدائية ، بما في ذلك حركة المشي على قدميه متجولا بأماكن مختلفة من الاعظمية وبغداد ، متحركا نحو ممارسة هواية المصارعة ، بما في ذلك حركته لتحدي (عصا) السيد عبد القادر مدير مدرسة المأمونية ، يتلقاها عند كل تأخير عن موعد الدوام في المدرسة ، بما في ذلك هوايته في صيد (الكطا) . كل تلك التحديات وغيرها نضجت نواتها الأولى مذ كان صغيرا في ناحية اليوسفية ، التي انتقل إليها والده مديرا لها .
بدأت مواهبه (المتحركة) تتجه نحو رسم النقوش واللوحات الأولية البسيطة مستعينا بالمربعات حسبما يتوفر له من أدوات ومستلزمات الرسم . كان يريد بأولياته تحدي قسوة والده في مقاومة حب ابنه للرسم والألوان . هذا التحدي دفعه إلى نوع ما من الاندماج في بيئة أصدقائه الفقراء وأبناء الفلاحين ، باحثا عن مواهب فياضة وعن مهارات العقل العراقي القريب من برج بابل ، متنازلا عن امتيازات أبيه كمدير للناحية التي كان يجد فيها قيودا من ارتباطه مع أحكام والده عليه ونصائحه القسرية إليه.
لقد وجد حريته الإنسانية والفنية في أجواء الفقراء والمحتاجين وقد شاهدت بنفسي عن قرب مساعداته المالية لعدد من أصدقائه المحتاجين حتى حين أقام في لندن أيام الحصار الدولي الاقتصادي في تسعينات القرن الماضي، التي آذت الناس العراقيين ومنهم بعض أصدقائه ، فكان يرسل لهم مساعداته المتواضعة .
ترى هل هي رومانسية طفولية استمرت معه حتى شيخوخته النشيطة ، أم أنها تعكس رغبة واستمرارية الطفولة الغامضة نحو الفن ، نحو الانتقال المتواصل من مكان إلى آخر ، من فعالية نحو أخرى ، بحثا عن جذور فنية وعن رسوم زهرية ، متغيرة ، دائما ، منذ أن وجد نفسه يوم 14 تموز 1958 متساوقا ومتناغما مع الثورة باعتبارها تغييرا كبيرا فزاد انغماسه في الفنون الجميلة وليس في أمور السياسة الصعبة .
كانت شخصيته تتطور تدريجيا بلمسات فنية ، لم تكن مهووسة ، بل كانت متدرجة ، حتى انكشفت نواياه الطيبة الجديرة بالتقدير خلال المعرض الفوتوغرافي الأول ، الذي افتتحه عبد الكريم قاسم شباط 1959 في قاعة النادي الاولمبي . وجد ناظم رمزي نفسه عند ذاك أنه تخلص من (الصمت الطفولي) إلى الأبد ، مستخدما لغة متحضرة ، لغة الفن الفوتوغرافي و التشكيلي ، حتى اختزنت ذاكرته جزءا من تاريخ هذا الفن من زمان مراد الداغستاني حتى زمان قتيبة الجنابي .
هذا الانتقال ضاعف حبه للحركة فصار يسافر من مكان إلى مكان ، داخل وطنه ، من شقلاوة الجميلة حتى اهوار الجبايش البائسة . ثم انتقلت حركته إلى أمكنة عديدة أخرى ، إلى بيروت حيث سافر إليها بصحبة جواد سليم وفائق حسن ، وإلى لندن وباريس حيث التقى فيها مع خالد الجادر وأديب الجادر وجميل حمودي وارداش كاكافيان والقاص عبد الملك نوري وفي براغ حل ضيفا على محمود صبري وغيرها من الأسفار ، التي لم يكن فيها متعلقا بالحرير النسائي الشفاف ، حيث بعض هوايته في حب المرأة ، بل غالبا عن بحث واع لأصول الفن التشكيلي ، الذي يتجاوب مع تطلعه إلى حياة أجمل تثير مونولوجه الداخلي ومشاعره الفنية ، خاصة في أيام صعبة واجهها في حياته التي أورد بعضها بسطور مكثفة في صفحة من صفحات كتابه إذ أشار أنه قضى فيها 90 يوما في قصر النهاية محبوسا ، معذبا ، يدافع فيها عن وطنيته وفنونه . انتهت محنته في قصر النهاية بمقابلة ٍ خاصة ٍ مع (المنافق) صدام حسين الذي قاله له أن اعتقاله في قصر النهاية وفر لقادة حزبه فرصة التعرف عليه ، ثم أبدى صدام إعجابه خلال الدقائق الأولى من اللقاء بكتاب( العراق .. الأرض والناس) في طبعته البغدادية الأولى معلقا ، نفاقا ، على صور الكتاب .
مهما بدت ذاكرة ناظم رمزي في كتابه صعبة ومريرة ، في بعض الأحيان وفي بعض الزمان ، لكن مكنونات نفسه تحققت بصراحة ريشته وكاميراته ، التي أنجزت خلال نصف قرن من الزمان ، هيمنة خصوصية على حياته وإبداعاته ، في الفوتوغرافيا والطباعة والفن التشكيلي ، محققا فرادته التجريبية الفاعلة في ساحة الفن العراقي ضاربا بجذور علاقته مع المدارس الفنية العراقية .
كتاب الذكريات لا يحمل أية لمحة من لمحات الشكوى من حياته رغم أن حياته كانت لا تخلو في بعض مساراتها من منغصات أليمة اعرفها شخصيا ، كما يعرفها مقربون آخرون من أصحابه ، رغم انه لم يتطرق إليها في كتابه إلا لماما ، بل يمكنني تذكر ما وصفه به ذات يوم عبد الرحمن منيف في جلسة عشاء جمعتنا بمطعم في بغداد بحضور جبرا إبراهيم جبرا وحمودي الحارثي ومحمد غني حكمت وخالد الرحال إذ قال كما سجلت ذلك في ذكرياتي : ( أن ناظم رمزي استثمار خيالي صبور ونبيل لكل الفنانين العراقيين من خلال مؤسسته الطباعية التي يتنفس فيها الفنان العراقي هواء نقيا ..) .
في نهاية الكتاب مجموعة من اللوحات التي رسمها ناظم رمزي في فترات مختلفة لكنها جميعا تحتفظ بوصف خاص ، وبانفعال خاص ، وبإبداع خاص ، تجعل من صمت هذا الفنان وتاريخه رواية وردية فعالة في الحياة الثقافية – الفنية العراقية . يا حبذا لو يطلع الجيل التشكيلي الجديد خلال الفترة القادمة على تجربة فنان أصيل خلال نصف قرن من الزمان العراقي ، المرير والصعب ، لازمته فيها بصبر وعناد وتضحية سيدة بيته الأولى وروحه الوثابة وحبه الأبدي سها ثنيان (أم خالد) التي من دونها ما وجد ناظم رمزي سلاما لفنونه وحبا في حياته .
ذكريات ناظم رمزي في كتابه الجديد هي ذكريات العلاقة بين صداقة عراقية حقيقية ، بين القلم والريشة ، بين عين الكاميرا وأزمات المجتمع ، بين القهر اليومي للإنسان العراقي والمقدرة على التوثيق الفني . تلك هي رحاب موهبة امتلكها ناظم رمزي في فنونه المتعددة جعلته اسما يحظى باحترام وتقدير وإعجاب فنانين وكتاب عراقيين كبار الخبرة والتجربة منحوه تقييما عاليا في معرضه الأخير (حزيران 2010 ) من أمثال نوري الراوي والدكتور خالد السلطاني والدكتور روضان بهية وحسين المليجي ومريوش فالح الربيعي ونوري مصطفى بهجت وعبد الجبار العتابي والدكتور مالك المطلبي وغيرهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,589,726,526
- نواب الشعب العراقي : موبايل حتى مطلع الفجر ..‍ !
- شاشة فضائية اسمها ( قناة الله) ..‍‍ !!
- الوصاية على الفنون عبوة ناسفة للإبداع
- الاحتباس الوزاري
- الشاعر إبراهيم البهرزي عاشق القرية الباحث عن الحرية
- تهديم سلطة تقديس النصوص بآلية النور والعلم والتنوير
- الوطن العراقي المفضل هو الوطن الثقافي المليء بخمائل الإبداع ...
- عن ثقافة النائبات المحجبات في البرلمان العراقي ..
- نبوءة كارل ماركس عن فشل الرأسمالية في معالجة الأزمة المالية ...
- علّمنا استبصار الاشتراكية واستنطاق الأدب الساخر وأقنعنا أن ا ...
- تهريب النفط العراقي مستمر والأخلاق مغلولة ..
- عن جمهورية الموز والقرود ..!!
- عن رؤية رشيد الخيون في لاهوت السياسة ..
- الفاسدون يصومون في رمضان ويسرقون ..!
- البرلمان العراقي ليس حرا .. عاطل رغم انفه ..
- عن بغداد والأربعين حرامي
- بغداد مدينة تتميز بعجائب الزمان والمكان ..!
- مؤتمر القمة العربي رقم 47 في بغداد ولعبة الفساد المالي
- فريق الإسلام السياسي الصومالي يتغلب على فريق طالبان الأفغاني ...
- حقوق اليهود العراقيين والفيلية و ثورة 14 تموز


المزيد.....


- براعة الحوار الثنائي في النص القصصي / صالح جبار محمد
- مؤامرة عشق مجنونة / عبدالحسين الساعدي
- عندما ندم الله.. (3) / وديع العبيدي
- كفى تذلُّلا ًوسجودا / حميد أبو عيسى
- ابتسامة أعرض (قصة قصيرة) / بشير زعبيه
- أحنه والفرح والحزن / عبد الرضا حمد جاسم
- الفنون الجميلة: من الوظيفة والحاجة الاجتماعية الى المتعة الع ... / عبير علي
- الجواهري في المقامة الباريسية / رواء الجصاني
- الهروب من خندق الموت / هاشم معتوق
- سيكولوجيه تقنيات الممثل في المونودراما / سامي الحصناوي


المزيد.....

- -دولة الخرافة-.. مسلسل عراقي كوميدي يسخر من -داعش-
- القبض على الممثلة أماندا بينز لقيادتها سيارة تحت تأثير المخد ...
- ليلي غفران تستعد لطرح أغنيتين من ألبومها الجديد
- بالفيديو: وزير الثقافة تمثيل الأنبياء يقوي الوازع الديني
- معرض قطري لدعم جهود إعمار مدارس غزة
- أميركا تمنع الكاتب أمجد ناصر من دخول أراضيها
- موقع "كود" يسقط مرة أخرى
- بالفيديو.. شبيه خالد صالح يعبر عن إعجابه بالفنان الراحل
- «الصحفيين» تعرض فيلم «بعد الحب» على مسرحها غدًا
- آثار العراق المسروقة والمدمرة


المزيد.....

- مجموعة مقالات أدبية / نمر سعدي
- موسى وجولييت النص الكامل نسخة مزيدة ومنقحة / أفنان القاسم
- بليخانوف والنزعة السسيولوجية فى الفن / د.رمضان الصباغ
- ديوان شعر مكابدات السندباد / د.رمضان الصباغ
- رواية -الصراصير- محمد عبد الله البيتاوي / رائد الحواري
- رواية -شهاب- صافي صافي / رائد الحواري
- جملة في تبجيل الفنان وردي / جابر حسين
- قلم وفنجان / بشرى رسوان
- جملة في تبجيل الفنان وردي / جابر حسين
- ما بعد الجنون / بشرى رسوان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جاسم المطير - قراءة في ذاكرة الفنان ناظم رمزي