أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نصير عواد - الحياةُ لحظةٌ- رواية التفاصيل الخَرِبة للبطولة















المزيد.....

الحياةُ لحظةٌ- رواية التفاصيل الخَرِبة للبطولة


نصير عواد

الحوار المتمدن-العدد: 3118 - 2010 / 9 / 7 - 15:52
المحور: الادب والفن
    



إحساس مختلف يتصاعد مع تقليب الصفحات عندما يجد نفسه القارئ شخصا من شخوص الرواية، عاش الحوادث وصاحب صنّاعها وعرف الأمكنة. إنها تجربة جديدة للقراءة، يفرح معها القارئ بصوت عال ويشتم المؤلف ويمسح دموعا لا يعرف مصدرها ثم يسعى إلى ملأ الفراغات وتصويب التفاصيل وجر المعلومة إلى تنور آخر.



في روايته "الحياة لحظة" الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية يأخذنا الكاتب سلام إبراهيم في أكثر من خمسمائة صفحة إلى تجربة مؤلمة عاشتها شرائح اجتماعية عراقية متنوّعة في الربع الأخير من القرن العشرين، وهي باختصار سجل مؤلم لتجربة الشيوعيين العراقيين في سجون الديكتاتور وفي جبال كردستان بعد أن كذّبَتْ الأحداث والتطورات مشروعهم السياسي فوجدوا في تيه المنفى فسحة خراب وبلادة لذيذين. أحداث رواها المؤلف بأكثر من ضمير وبلغة صادمة فضحت الكثير من المسلمات والمبالغات التي أدمنت الذاكرة الشفهية ترديدها عن صلابة ونظافة المناضل السياسي، لغة نفذت إلى العالم السري للمناضلين السياسيين الذين عاش بينهم المؤلف لتكشف بألم وسخرية عن هشاشة الذات الإنسانية المستغرقة في صراع الطبقات وسعادة الشعوب ومشكلات الكون وهي في نفس الوقت عاجزة عن التخلص من خرابها الداخلي وليس لها الخبرة أو القدرة على تذوق أبسط متع الحياة كالحب والجنس وتكوين عائلة. وتأتي خصوصية هذا الكشف، الذي لا يخلو من خبث وشجاعة، من حقيقة أن المؤلف عاش التجربة وفقد فيها أحبابه ورئتيه بسبب السلاح الكيماوي وعرف عن قرب تناقضات الذات الإنسانية للمناضلين الحقيقيين بعد أن أثخنتهم الجراح وبعد أن أثبتت الحياة سذاجة أفكارهم وعبث نضالهم. أي أن الرواية وثيقة الصلة بسيرة المؤلف الذاتية وهي أشبه ما تكون بواجهة زجاجية شفافة نستطيع عبرها النظر إلى معاناته وتلصصه وأشعاره الخجولة في شوارع مدينة الديوانية المنسية على نهر الفرات، لكن الواجهة الزجاجية تخدعنا أحيانا وتخبئ رموزا ودلالات غريبة ومنتجة للشك، تشير إلى أن معرفتنا بسيرة حياة المبدع قد لا تكون كافية لفهم منجزه الإبداعي.

لابد من التوقف والإشارة إلى موهبة الفنانة هنادي سليط في تنفيذها غلاف الرواية باستخدامها ألوان الخريف والثلج الروسي حيث يسير المنفي وحيدا بمعطفه الأسود إلى نهايات الأبيض.

تبدأ الرواية من شقة صغيرة بمدينة موسكو الشديدة البرودة. ترحل الزوجة وطفلها إلى منفى آخر أكثر رحمة ويبقى الزوج وحيدا لتتحول شقته إلى ملاذ للعراقيين الهاربين من جحيم الديكتاتور، يلتقون فيها كل مساء للحوار وترميم الذاكرة، يستحوذ فيها سقوط الاتحاد السوفيتي وعزلة الأحزاب التي تدور في فلكه على السرد الروائي ليزيد من مساحة العزلة والخيبة عند المنفيين. ومع أن أكثر أحداث الرواية تجري في مدن كبيرة وجميلة، موسكو وكييف وكوبناغن، إلا أن الواجهة الخلفية للأحداث خانقة على نحو لا نهائي، سجون ومتاريس وجبال موحشة وشهداء ورجال دراويش صعدوا للقتال ببنادق عتيقة لمواجهة أقسى ديكتاتورية في شرقنا الدامي. طبيعة الشخصيات التي تلتقي كل مساء حول طاولة مليئة بالخمور يصورها السرد من خلفيات وأصول لا يمكن لها أن تلتقي في الظروف الاعتيادية، فهي خليط من مناضلين وعاهرات وطلاب وبائعات ومثقفين ومشردين، يتَسَمّون _ باستثناء الشخصية المحورية "إبراهيم السلامي" وهو أسم المؤلف مقلوبا_ باسم واحد من دون ألقاب اجتماعية أو سياسية، أغلبها أسماء مستعارة يكشف عن دلالتها لاحقا تطور الحوادث وطبيعة الحوارات. في سياق القص نجد أن الحالة الملتبسة لطبيعة الحوارات والصراعات التي يخوضها الشخوص في عزلتهم وسكرهم المتواصل قد ساهمت بتجاوز الخطوط التي رسمها لهم المؤلف وسَهّلت مد خيوط التواصل على الرغم من التناقض الظاهري بينهم وخصوصا بين السياسي والعاهرة، وهذه الأخيرة يحرص المؤلف على أن يصورها أكثر شاعرية وبساطة. أحداث الفصول الأولى جرت بمدينة موسكو التي تشكو من كثرة الثلج والنساء والخمر يشعر معها القارئ بالبرد والبلل، فلقد سُكِبَ خمرٌ في الرواية أكثر مما بيعَ منه في حانة "شريف وحداد" عند شارع الرشيد ببغداد، وتشابكت أجساد وسيقان أكثر مما تناكحت الحمير في إسطبل "الكَرفت" المفتوح على السماء في مركز مدينة الديوانية القديم الذي عرفه المؤلف في بداية تسكعه. إلا أن الخمر والجنس لم يجر استخدامهما كعكازين لاستمرار السرد ومسك القارئ من رقبته، ولا حتى تبريرا حياتيا لفشل المناضلين السياسيين في مواصلة نهجهم بل هي طبيعة الحياة القاسية بموسكو والتي لا يمكن تحملها بدونهما ومن شاهد تلك الديار في أيام الانهيار الكبير للاشتراكية سيدرك ذلك، وتصادف أن انسجمت هذه الطبيعة مع عبثية الحالة التي وجد الرجال المنفيين أنفسهم فيها، تجلت في تصوير السرد خروج الشاعر والسياسي والعاهرة سكارى إلى شوارع موسكو لمشاهدة الفقراء الروس يتظاهرون ضد سلطة الفقراء الاشتراكية.

ليس سرا القول أن موضوع الرواية أثار حفيظة شريحة اجتماعية واسعة لها حضورها وتاريخها في الشارع العراقي، فتجربة الأنصار المسلحة عند أصحابها وضحاياها عظيمة ولا يمسها الزمن، ولذلك يجدونه مؤلما التوقف في استحضارها فقط عند الجانب السلبي للأحداث، ولا يفرحهم كشف غوامضها وحك المتخثر خلف مفردات البطولة والوعي والنضال، بلغة ملغمة وتفصيلية تكشف عن حياة السياسي الخالية من الدفء تقريبا. تجربة الأنصار الشيوعيين بكردستان العراق بطولية ومهمة وصوفية أنهكها أنصارها بالأغاني والشعارات واجترار الذكريات ولم يبادروا إلى أخراجها إلى النشاط العام للفعاليات الاجتماعية والثقافية، ونستطيع القول أنه لم يحدث أن تناول هذه التجربة روائي عراقي عن قرب وفضح العالم البائس للمناضلين بهذا القدر من التفصيل والعمق والتهكم كما فعل سلام إبراهيم. ومع ذلك فأن رواية "الحياة لحظة" الصادمة لذوق اليسار العراقي هي ابنة هذا اليسار ونتاج تجربته بحلوها ومرها وتبقى مشكلتها أنها رويت وفق أدوات وأولويات وأخيلة المؤلف. ولو توقفنا عند الجانب الإنساني للموضوع لأدركنا بيسر أن الرواية خرجت في أكثر من فصل عن تحديدات السياسة على الرغم من أن موضوعها سياسي بحت، ولا يمكن حصرها بين مفردتي اليسار واليمين، بين التقدمية والرجعية، بين الخير والشر لأنه كبح لعوالمها وحرمان للقارئ من متعة كشف أخرى. فالغوص في أسرار البطل المخذول، كذات إنسانية مليئة بالمتناقضات، أكثر تعقيدا من ذلك بكثير ولا يمكن حصره في مفردتين سطحيتين. فكيف نرسم لوحة بلونين فقط لملامح مناضل سياسي يتعرض يوميا للموت وهو يخبئ في نفس الوقت حفنة جوز مخلوط بالسكر عن زوجته، ومقاتل آخر معروف بالطيبة ونكران الذات وقد عذب رفيقه الذي يأكل معه في صحن واحد حتى الموت بسبب اختلاف في الرأي، ورفيق درويش ثالث يحاول الاعتداء جنسيا على رفيقه بعد عودتهما من أرض المعركة، إضافة إلى الكثير من الحوادث المشابهة والتي تسيء إلى تجربة الأنصار المسلحة (عند البعض) ولكنها في نفس الوقت تشير إلى إنسانيتها وواقعيتها وتؤكد أن أبطالها وصنّاعها هم أبناء بيئتهم وظروفهم مهما فعلوا.

في رواية"الحياة لحظة" نشهد حضورا للماضي القريب، الربع الأخير من القرن العشرين، لم يلجأ فيه المؤلف إلى تقنية للحفاظ على وحدة الموضوع رغم وسعه وضياع الشخصيات الثانوية فيه، ساعده في ذلك وحدة الثيمات في فصول الرواية الخمسة عشر التي انتهت بموت "إبراهيم السلامي" مع أنه ذاق الموت أكثر من مرة. وحضور الماضي القريب لا يقلل من أهمية أن المؤلف في سرده للحوادث استخدم ذاكرة قوية تنبش في التفاصيل وتوسل مخيلة مغرمة بالسلبي والغامض، تتكشف في العبور السريع على المواقف المُشَرّفة للمناضلين والتوقف طويلا عند حادثة اغتصاب أو سرقة رغيف خبز في حراسة ليلية. سرد الحوادث من زاوية ضيقة ومن ثم المبالغة في التفاصيل للحط من هيبة السياسي تبدو أحيانا ليست في سياقها السردي وكأنها عملية قصدية تخبئ الكثير من النوايا، نجد بعضها في فرح الراوي وهو يتأمل معاناة رفاقه في شقة موسكو وهم يتهربون من أسئلة الحب والجنس التي تفتقر إليها حياتهم، ونلمسها أكثر في لغة السرد الطافحة بالشعر والحب والأمثال الشعبية ولكنها ما أن يحضر السياسي حتى تتحول إلى التهكم والسخرية والمرارة والبحث في أدق التفاصيل التي تساهم في مسخ السياسي، وجدنا فيها المؤلف ينحدر إلى أسرار وفضائح مؤلمة ما زال أصحابها على قيد الحياة. فهو"المؤلف" في تحرره من وصايا الخطاب السياسي أحرق خلفه الكثير من مراكبه الاجتماعية والسياسية ولكنه لم يعلن تنصله عن مسؤوليته.

إن محاولة الراوي للنيل من ضيوفه، خصوصا السياسي، لا يمكن اختزالها بالثأر من رفاقه فهو ببساطة لا يكرههم ولا يستطيع أخراجهم من ذاكرته وكوابيسه رغم لجوئه في كثير من الأحيان إلى الود الهادم لعالمهم المتصحر الذي يتغنون به ليل نهار. ففي سياق القص نلمس أن لا نية عند الراوي للثأر للأعوام التي تفرقت والوجوه التي رحلت دون قبور، وليس لديه رغبة فردية للنيل من السياسي مع أن بينهما أندست أكثر من مفردة وأكثر من نظرة إلى زوجته الحسناء، بل يقف خلف ذلك حاجة وجودية لموازنة الخراب العام الذي حدث للراوي بعد سقوط المثال، وتاريخ من الصراعات الفكرية مع المؤسسة السياسية، إضافة إلى رغبات وتأثير الكثير من أصدقاء ورفاق الراوي الذين شربوا من نفس الكأس.

الرواية لم تقدم شرحا تفصيليا لفلسفتها الحياتية وعرضت بدلا عن ذلك نماذج مليئة بالبطولة والخيبة والتناقض. فعلى الرغم من التجربة المأساوية لـ"إبراهيم السلامي" في الحروب والسجون والجبال إلا أن سلوكه لا يحاذي تجربته الحياتية، مليء بالتناقض، يفتقد للأيمان بالأفكار والأحزاب والقضايا الكبيرة التي بدد عمرا في الدفاع عنها. فهو يتفهم معاناة الصعلوك والمتشرد أكثر من تفهمه أصحاب المشاريع الوطنية والأممية الذين ناضل بين صفوفهم، ينحني للعاهرة ويسخر من السياسي. "إبراهيم السلامي" في سياق الأحدث لم يكن أفضل حالا من باقي الشخوص الذين سخر منهم وتهكم عليهم فهو الآخر يعاني من خراب وخذلان مضاعفين، بل هو يزيدهم خبثا وتلصصا وتناقضا. ففي الانتقال من فصل إلى آخر يكشف لنا السرد عن مشكلة أن الشخص الذي خاض كل هذا التجارب ليس لديه في النهاية موقفا سياسيا راسخا وأن الظروف المحيطة به هي التي تتلاعب بمواقفه، ولو كانت قد سنحت له ظروف أخرى لما جازف بحياته على هذا النحو، ومناخ السرد يشير ولا يفصح إلى أن قسوة وغباء الديكتاتورية وحصارها للمواطنين وتهديداتها الدائمة لسلامتهم هي التي صنعت من "البعض" أبطالا ومناضلين، ليس إلا.

كاتب عراقي/الأهرام المسائي/31آب/2010





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,469,854,071
- إنهم يفترون على الشهداء
- مواقع إلكترونية أم قبائل سياسية؟
- في مديح الهزيمة
- حذاءٌ وطنيٌّ آخر من تركيا
- في ذهاب المهنة وبقاء المهانة
- يا أهل الشام أحيو المعروف بإماتته
- فنانو المنفى في ضيافة كامل شياع
- تعقيب على-محاولة-الناصري
- -أوراق من ذاكرة مدينة الديوانية- لزهير كاظم عبود
- نعم تآمرنا على وطن!!
- فنانو المنفى شعراء عاطلون
- المكانية في الفكر والنقد والفلسفة
- إعادة إنتاج الحادثة
- َظاهِرة الأدب الشَخصي عند العراقيين
- العراقيون ومهرجان روتردام للفيلم العربي
- طف كربلاء.. الحادثة التي أتت عليها أحوال
- حروبنا الأهلية..بين سوريا والسعودية
- ثلاث هُجْرات..ثلاثة حُرُوب..ثلاثة عُقود
- المنفى .. دليل كاظم جهاد إلى دانتي
- الإرث إلاسماعيلي.. وأحزابنا السياسية


المزيد.....




- إليسا تعلن اعتزال صناعة الموسيقى -الشبيهة بالمافيا-
- الأدب العربي ناطقًا بالإسبانية.. العدد صفر من مجلة بانيبال ي ...
- حصون عُمان وقلاعها.. تحف معمارية وشواهد تاريخية
- قداس بكنيسة صهيون.. الفنان كمال بلاطة يوارى الثرى بالقدس
- للحفاظ على اللغة العربية... حملة مغربية ضد إقرار اللغة الفرن ...
- اللبنانية إليسا تصدم متابعيها بقرارها الاعتزال .. والسبب &qu ...
- اللبنانية إليسا تصدم متابعيها بقرارها الاعتزال .. والسبب &qu ...
- تعز.. تظاهرات حاشدة تطالب بتحرير المحافظة وترفض الاقتتال الد ...
- الفنانة شمس الكويتية -تختبر الموت- في صورة لافتة (صورة)
- الفنانة إليسا تعتزل الغناء


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نصير عواد - الحياةُ لحظةٌ- رواية التفاصيل الخَرِبة للبطولة