أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم كاصد - مختارات شعرية: نوافذ















المزيد.....



مختارات شعرية: نوافذ


عبدالكريم كاصد

الحوار المتمدن-العدد: 3081 - 2010 / 8 / 1 - 17:58
المحور: الادب والفن
    


(صدرت عن دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد 2010)

1- ديوان الحقائب
(1975)


ثلاثية السفر


1- نحن والسفر

حين جلسنا صامتينْ
كان على كرسيّهِ السفرْ
يبدأ في حديثهِ الهادئ من جديد
كنّا أنا وأنتِ خائفَينْ

كنّا أنا وأنتِ نستعيد
ما قالهُ السفر
كنّا أنا وأنتِ نوقظُ السفر
نبحثُ في كرسيهِ الفارغ عن يدينْ

كنّا أنا وأنتِ نائمَينْ


2- أنتِ والسفر

أنتِ لم تلمحي في ضجيج السفر
هدأة الواقفين على الأرصفهْ
وهدوءَ القطارات قبل الرحيلْ
أنتِ لم تلمحي في هدوئي ضجيجَ السفر
وارتحالَ القطارات ..
ترتجُّ واقفةً في المحطّات
عند الوصول
أنتِ لم تلمحي قامتي تنتظر
في الضجيج المباغتِ هادئةً
أنت لم تلمحي قامتي حين تمتدّ ..
في غرف الانتظار
أنتِ لم تعرفي غرفَ الانتظار
والهدوءَ المباغتَ وقت السفر
وضجيجَ السفر
أنت لا تعرفين السفر


3- قرار هادئ

حين أدنيتِ وجهكِ في الضوء
أدنيتُ وجهي
وأبصرتُ في الضوء وجهَ السفر
حين أخفيتِ ظلّكِ في الضوء
أخفيتُ ظلّي ..
وأبصرتُ في الضوء ظلّ السفر
حين أبصرتِ وجهَ السفر
لم تريني
حين أبصرتِ ظلّ السفر
لم تريني


1973


الغرف



في ظلام الغرفْ
تنهضُ الآن وحدك
تبحثُ عن علبةٍ للثقاب..
تُراكَ نسيتَ..؟
عرضتَ ثيابكَ،
كلَّ أثاثك للبيع،
تذكرُ قرقعةَ العجلات؟
وهي تحملها، وسط همهمةِ الشرفاتْ
والصغارِ الذين يطلّون فوق السلالم..
ها أنتَ تبتعدُ الآن...
تُسرعُ بين النوافذ...
تُصغي لوقعِ خطاكَ الغرفْ

*

كيف تتّخذ الكفُّ شكلَ المفاتيح مقطوعةً
وتحدّقُ في الباب بالزائرين؟
كيف لم تبصرِ الزائرين..؟
يُعدّون في بيتكَ الشاي
يستقبلون النساء
ويقتسمون الغرفْ

*

أنتَ حين طرقتَ الفنادقَ في الفجر،
يقتادك النوم،
غادرتَ..
عند الظهيرة يستيقظ النائمون
وعند الظهيرة..
- هل يصعدُ الماء..؟
أنصتُ ..
أسمعُ وقعَ خطىً في الممرات..
يصطفق البابُ..
تهتزٌُّ منشفةٌ فوق حبل الغسيل
تلامسُ في الريح
سطحَ الغرفْ

*
- هل ترافقني للمحطّة؟
- لم يبدأ الليلُ بعد
...........................
...........................
انحني
- واطئ سقفُ غرفتك الخشبيّ،
اصطحبني إلى البيت!

نهبط فوق السلالم،
قطّين،
ننسلّ بين الغرفْ
تستفيق الغرفْ
تتفتّح جدرانُها كالمصاريع،
تلهثُ خلف الترام المسافرِ،
هل قلتِ:"رائحةٌ في الغرف"
هل رأيتِ الغرفْ
كيف تلفظ في الفجر سكّانها
ثمّ تهجعُ في الليل
بين الصفائح
مائلةً
كالغرفْ


غرفٌ للمياهْ
غرفٌ للمنازل تهبط عاريةً
غرفٌ للأسرّة تصهلُ مربوطةً في الغرف
غرفٌ ترتجفْ
غرفٌ للمجاذيب يبكون فوق القوارب مرسومةً في الجدار
غرفٌ للصغار
غرفٌ للجنود المصابين واليطقات
غرفٌ للمساجين والأمهات
غرفٌ للمواخير مفتوحةً للدخول
غرفٌ للعصافير تسكن أعشاشها في السقوفْ
غرفٌ للوقوفْ
غرفٌ للهياكل مشدودةً للمراوحْ
غرفٌ للمذابحْ
غرفٌ للعويل
غرفٌ للمهاجر يُسندُ أحزانَهُ لرصيف
مائلٌ ظهرُك المستقيم..


اقفلي راحتيك على الماء...
يغمر وجهي..
استحمّي بكفيّ
- لم يبدأ الليلُ بعد -
اطفئ الضوء
يرتفعُ الماء
ينخفضُ الماء
يشربهُ الرملُ يفرشُ بين الممرّات كلّ الغرفْ


*

كيف لم تطبع الخطواتُ على الرمل آثارَها

*

تنهض الآن وحدك .. تنقل كفيّك في الضوء
تنقل كفيّك في الظلّ
تفتح نافذةً .. وتغلّق نافذةً
ثمّ تسأل كيف؟
كيف أصغيتَ للغرفات
وهي تنبضُ بالناس..؟
كيف ارتميتْ
حزمةً من مفاتيح يحملها الزائرون

*

أنتَ أطفأتَ وجهَك بالماء في فندق
وتوهجتَ في الشرفاتْ

1974



الحقائب


لماذا نشدّ السلاسلَ عبر ألوفٍ من الكيلومترات .. ؟
نرتاحُ في غرفٍ مرّ فيها ألوفٌ من الناس .. ؟
نبصرُ أوجهَنا في الوجوه ..
ونمضي
لنمسحَ عند المساء غباراً تراكمَ فوق الحقائبْ
لماذا الحقائبْ ؟
ثلاث سنينٍ وتوقظنا عند كلّ صباحٍ
فننهض فوق أسرّتنا بالبجامات منطفئين
ونقفزُ نحملها ثمّ نرجع للباب منكفئين
لنمسحَ عن راحتينا غبارَ الحقائبْ؟
لماذا الحقائبْ ؟
تسافرُ في الليل مجنونةً ..
ثمَ تهدأ بين ضجيج البواخر ،
تجلسُ صامتةً
بين وجهي المعذّبِ والبحر ،
فوق رفوفِ القطارات ..
- سيّدتي هل تخافُ الحقائب .. ؟
تهتزّ فوق الرفوف ..
- انظري البحرَ خلفَ الزجاج يسافرُ دون حقائبْ
- كلّ شئ يسافرُ خلف زجاج القطارات إلاّ الحقائبْ
ثمّ تلمسُ خائفةً شعرَها
يحضنُ الرأسَ زندُ العشيق ..
- انظري تختفي الآن خلف ألوفٍ من الأرجل المسرعات وتظهرُ واقفةً
- آه .. أين رأيتكِ ..
هل تذكرين الحقائبْ ؟
- هل تسافرُ دون حقائبْ ؟
- منْ إذنْ ينفضُ الصمتَ عن وجهها والغبار ؟
إنها تكره الانتظار
والسلاسلَ عبر ألوفٍ من الكيلوميترات ...
إنّ السلاسلَ خبأتها في الحقائبْ
إنّ ذهني يضجّ ، تضجّ السلاسل فيهِ ..
- اشربي الخمرَ " روز "
- اكتفيتُ ..
سأمسحُ عن زهرتينا الغبار ..
سأمسحُ عن شفتينا الغبار ..
ونمضي ..
- وأين سأودعُ " روز " الحقائبْ ؟
..........................................
..........................................
يسقط الزهرُ ذبلانَ فوق الحقائبْ
.........................................
.........................................
يصمتُ الزهرُ في الفندق الرطب ..
تطفو الحقائبُ بين المراكب والجسر
أحملها للرصيف ..
- افتحي الراحتين على البحر تأتِ الحمائمُ مسرعةً
تأتِ كلُّ المراكبْ
- انظرِ البحر يقلب كفّية للطير تهوي ،
الحمائم تأتي هنا في القطارات ..
- إن الحمائم في ( سان جرمان ) يحملها الناس مذبوحةً في الحقائبْ

إنهم يقفون هناك على الجسر
هل نعبر الجسر ؟
تعبر كلّ الحقائبْ
أعبرُ الجسرَ محتشداً بالحقائبْ
يهربُ الظلّ ، تهربُ من راحتينا الحقائب
تصطفّ بين وجوه رجال الجوازات
تفتح أحشاءها
تتكاثر بين الوجوهِ الكثيرةِ ،
يُغلقها قادمٌ فجأةً
- إنّها لي
ويبسمُ معتذراً ثمّ يمضي
- إنّها لي
وأبسمُ معتذراً ثمّ أمضي
لأطرحَها في رفوفِ القطارات
يوقظها في الصباح رجالُ الجوازات
يوقظها في المساء رجالُ الجوازات
تُفتح .. تُغلق .. تُغلق .. تُفتح
تدخلُ خافتة الصوت
تمسك أحشاءها باليدين ..
وتهرع مذعورةً في الطريق
تقئ سلاسلها ، ثمّ تجلسُ بردانةً عند أقدامي المتعباتِ الحقائبْ


1973



2- ديوان النقر على أبواب الطفولة

(1976)


الجسر


أيها الجسر !
مرّت العربات
مرّت الريحُ بين الزوارق هاذيةً
وسياجُك متكئٌ عند خصري
والذي مرّ من سنواتْ
عابراً ..
يتلهّى بشمسكَ طافيةً
يرقبُ الماءَ متكئاً عند خصري


1975


صيف


النقوشُ الجميلة في الخصر
( ترفعُ أثوابَهنّ الصبيّات .. )
إغماضة الشمس فوق الحظيرةِ
( تعبقُ رائحةٌ )
صيحةُ الغاق
( ترحلُ بعضُ الحضائن في النهر .. )
إطلالة الليلِ فوق السطوح الخفيضةِ
( تهبطُ في سلةٍ نجمة ٌ )
وتنام


1976


سكينة الأهوازية


لـ (سكينة ) رائحةُ الأهواز
والطيرُ المفتوحُ على الجنّهْ
وحُبيباتُ الطلعِ الأبيض في جيبي

حين تطالعني
بالشعر المقصوصِ وثوبِ العرس ،
تفوحُ بيوتُ الطين
بالماء المرشوش ورائحةِ الأهواز
أصغي مشدوداً للخفّين
أسمع همسَ قواربَ في النهر
وأراكِ ( سُكينة ) ..
بالشعر المقصوص وثوبِ العرس
وراء الماكنة اليدويّة ،
بيضاءَ
تخيطين
كحُبَيْبات الطلع الأبيض في جيبي

آه سكينة
كيف رأيتك تبكين
جالسةً تحت شجيرة قلبي !؟

1976


انخطافات ألف ليلة وليلة

إلى ذلك الإنسان الذي روى لي في طفولتي كتاب ألف ليلة وليلة واشعل في ذاكرتي الحرائق


1- إنارة


أنينُ المراكب في البحر
تغريدة السندبادِ الشجيةِ في قفص الطير
قرعُ الطبول الخفيةِ
تهويمة الطير والخاتم الذهبيّ
عصا الطفل ملتحياً يلبسُ الطيلسان
قميصُ الصبية يرفعهُ النوم
إرخاءةُ الستر محتشداً بالطواويس
رقصُ القرودِ الخفيفةِ خضراءَ
تحمرّ عند انطفاء القناديل
وجهُ الصبيةِ يبكي
على شرفةٍ من ضياء


2- موزان الراوي

للبلاد التي سحرتها النساء
كان يحملني
موقداً نارَهُ للغزالاتِ باكية
تستحي في الضياء
لائذاً بالطبول
يحثّ النجائب مسرجةً في الرياح
تطاردهً حربةٌ وصهيل
مرخياً راحتيهِ، يجسّ التصاوير
منقوشةً في السريرالملاصقِ للنار..
ملتحفاً بالغطاء

*

أصحبهُ حين يجئ صباحُ الجمعهْ
مفتوناً اتطلع في الصور المسحورةِ في الشاشة ..
مختفياً في الكرسيّ
تبهرني كوفيّته البيضاء
وعقالُهُ يلمعُ بين الأطفال
كان يحدّثني عن كنزٍ ووليّ
يوقظهُ في الليل فيتبعهُ حتى طرَف البلدةِ
عن موزان الحمّال
والأقمار السبعهْ

*

يعشقُ الصلوات
والتمتعَِ بالأعجميات
أبصرهُ في الظلام يطوفُ على رأسهِ ملَكٌ
حين قام إلى النار
لم تنطقِِِ الطير
لم تتّبعْهُ الغزالاتُ سارحةً في المواخير
لم تختطفهُ مقاصيرهُ الذهبيّة بين المصحّات
لم تستجبْ للرحيل النجائب
لم تستجبْ للرحيل


3- بوح :

يا ابن بكّار! أضحت منازلنا
حجراً
واللصوصُ البعيدون عادوا بأمتعتي


4- قباء

انتحبْ فوق نقش القباء الجميل
حطّ كالطير في قفصٍ
وانتفضْ
ناثراً ريشكَ الذهبيّ
في الرواق الطويل
بين صمت القباء وترديدك الأنثويّ
يا بديعَ الزمان


5- فرس

يا فرسَ الأبنوس الأسود
كسّرَ اقدامي فرحُ الأطفال



1976



النقر على أبواب الطفولة
(مقتطفات)



أمام موبليات العرائس:

أركضُ حين يجئ الناس
محتشدين أمام الواجهةِ المفروشةِ بالقنفات
أهرعُ مسحوراً بين السيّارات
أحملُ كرسيّاً ومصابيحَ ملوّنةً للزينة..
لكنّي أخشى لمسَ مخدّات الأعراس
وأخافُ النسوة،
أسألُ أحياناً:
هلْ يتزوّج هذي الأيام الناس؟


موت طفل

عند الظهر
حملوهُ بلا كفنٍ أو تابوت
صوبَ التلّ
تركوهُ وحيداً تحت ترابِ القبر
يبكي..
يبكي,,
حتى يدركهُ الليل
فتضئ الشمعةُ في خدّهِ
ثمّ يموتْ


عبر بيوت الأرمن:

أفرحُ حين أزورُ المستشفى وأجوز بيوتَ الأرمن
دون سياجٍ أو سورٍ تتفتّحْ
عن أزهار الطرقاتْ
أتطلّع مبهوراً يصدمُني حبلُ غسيلْ
أو كلبٌ ينبحْ
فألوذ بأذيال النسوة حتّى طرفِ الجسر
محفوفاً بالفتيات
أتلفّتُ صوبَ النهر
وأجوزُ الردهةَ
أحلمُ مخطوفاً ببيوت الأرمن


الراقصة الغجرية

في كلّ ليالي الأعراس
أتبعُ "حمزيّة" مندسّاً بين صفوف المدعوّين
أجلسُ ملتصقاً بالثوبِ الموسيلين
وأقضّي كلّ نهاري حول الخيمةَ..
حمزيّة..!
قلبي الدينارُ الراعشُ في صدركِ
حجلكِ منهوباً يتخاطفني بين الناس


عمال السكك الحديد:

ألمحُهم في الشمس
صفّاً كقطار الشحنِ المكشوفِ العربات
أهرعُ بالصرّة حافي القدمين
مكشوفَ الرأس
ترفعني كفّ أبي وسط الضحكات
فأشدّ الصرّة بالكفين
وأقاسمهم كِسَر الخبز اليابس والتمر
آهٍ، لو أتعلّقُ في قاطرة الشحن..
وألبسُ بدلتهم في الحرّ


هدهدة:

يغيبُ الأهل
فيرقصُ في الظلال الصمتْ
وتخرجُ من ظلام الحائطِ المشقوق..
أفعى البيتْ
تهزّ الطفل

75-1974

قوارب
(مقتطفات)


توطئة:

ضجيجُ الزنابير..
صفراءَ
نارُ الكلابِ المغيرةِ في الليل
خفقُ العباءاتِ بين الطوابير
دقّ المسامير.. بكماءَ
مدّ القناطر بين القوارب والجرف..
عومُ الفوانيس في الماء
ضوضاء
نوح الجراديغ* وسط الضجيج


إقامة:

بعيداً عن الأنهار الواطئةِ السقوف
نضرمُ في الليل نيراننا
ونستيقظ قبل الفجر..
نجوماً
وديوكاً صائحةً
وسط رمادِ الأشواك
وهياكل الصرائف
مبعثرين على الضفاف
روائحَ عالقة
وعباءاتٍ يقطرُ منها الماء


منازل:

حين توشكُ الزوارقُ على الغرق
وترتطمُ الصناديق
تقفرُ المنازل
وتعبرُ القطط
والكلاب الملسّعة بالزنابير المنشورة على حبل الغسيل
وهي تتدلّى بالأسماك
وتتأرجح عند مرور طفل
أو ارتطامةِ ديك


عباءة:

من بين كلّ العباءاتِ المنحنيةِ على الصناديق
تنهضُ عباءة في الليل
بعيداً عن النيران الموشكةِ على النباح
والقناطر المهتزةِ تحت الأقدام
يتبعها جسدٌ
تنطبقُ عليهِ في الظلمة..
ويغوصان معاً في قاع النهر اليابس
بين الحلفاء


مقهى:

الكراسيّ الواقفة على حافة الجرف
تنتظر منذ الصباح
القواربَ المحملة بالصناديق
وأوراق التوت
مبقعة بالذباب
وريش العصافير
ومائلة على الطاولات
يسندها الفراغ


شجرة:

غليظةً
تمدّ أذرعها داخل النوافذ..
والغرفِ العابقةِ برائحة الخلّ والصبايا الخادمات
وحين يلامسها الماء
ترتجف..
وتنتصبُ فزّاعةً للعصافير
أو شاهدةً
لعابر سبيل


واجب مدرسيّ:

بين ظلام الكوخ وضوءِ الفانوس الراعش في السقف
تشتعلُ رائحة السمك
وجذورُ الحلفاء
والعصا المدلاّة على ظهر الطفل
وهو يقلّب كراريسهُ المغلّفة بالسليفون
بينما تغتسلُ النساء
في الضفة الأخرى
ويرحلُ قاربٌ بضوئهِ الخفيف

1974


3- ديوان الشاهدة
(1978)



الشاهدة
مرثية إلى أبي


على كرسيّك الخشبِ اتكأتَ
وحولكَ النسوان
تناشدكَ النهوض
وورقة سقطتْ على خدّي
..............................
وأدنو كلّما كُشِف الغطاء
أردتني في الموت أقربَ .. ؟
هل خشيتَ زيارتي
ورأيتَ ظلّي يعبرُ النسوان ؟
هل قاسمتني فرحي
وصوتي يملأ الغرفَ الصغيرة "أقبلوا"
وضجيج مائدتي
وهمسي يملأ الغرف الصغيرة،
والبريد،
وحزمة الأوراق
ونبضي كاللصوص على السطوح ودقّة البيبان؟
وكنتَ ليَ الصغير تعاشرُ الجيران
وصرتَ مسافتي وركضتُ ..
صرتَ سقيفتي وأفأتُ ..
صرت َ فضائيَ المفتوحَ لم أنهضْ
وزاغتْ نظرتي خجلاً على الجدران

*

أورثتني ما يورث الأحياء
دمعة الضرير
وصبرَكَ الجميل..
- من يأتي بريحٍ منكَ..؟
واكتفاءك الغنيّ بالقليل
وشرشفاً أسود،
ألقوهُ على التابوت ،
منقوشاً بأزهارك..
(من يرفعُ عن عينيّ هذي الشعرة البيضاء
في وجههِ الهادئ فوق رفّهِ المهجور؟)
أورثتني أغصانك الخضراءَ في حديقة المنزل،
فلتهتزّ أغصانُك للآتين..
إنّه احتفالك الأخير

*

أورثتني فقرَكَ أيها الفقير

*

عاملٌ في المراكب لم يركبِ البحر،
في غرفٍ أسلمتهُ مداخلُها للشوارع،
في عرباتِ الحمولة،
بين دويّ القطارات والشمس..
يفرش فوق الحصى صرّة الزاد،
والأرضُ مطليّة بالدهان
عاملٌ في "الجراديغ" عبّأ أيامَهُ في الصناديق
بعثرها حشفاً للبهائم ،
كوّمها حطباً
واصطلى بالدّخان
(حين أبصرني مرّةً أبخس الكيل أمسكني
ثمّ علّمني أن أجوع)

*

كاصد
للسارين على كتبٍ (لم يقرأ ..)، للساهر عند جدارٍ خربٍ، للأرملةِ المهجورةِ، للواقفِ خلف الكرسيّ كخادمةٍ، للمحكومين ومفرزةِ الشرطة (لن يبصم كاصد وليوثق حتّى الفجر..)، لمخفورٍ لم يكفله أخٌ، للأهل، لخرساء البيت وآنيةِ الشاي (كطفلٍ يحملها للأصحاب)، لأوجاع الليل، لأبوابٍ غلّقها الحزنُ، لمنسيين افترشوا الماء، لعائلةٍ تمسك أغصاناً وتهاجرُ، للسارق يبكي بين يديه، لمعتوهٍ خبأ عينيه ِ براحتهِ، للنازف، يتمرّغ في دمهِ، للطارق يثقبهُ النجمُ، لأمواتٍ حضروا ليلاً،
للفقر النابح في الأرجاء

*

كاصد
لم يجزعْ حين انتشر الأضياف وعادوا في الظلمة يأتمرون

*

ارقدْ
لن يُوقظ عشبتك الجافّة نجمٌ
أو يُطبق أهدابك من آويت


الفاتحـهْ

ليقبل المرضى إلى وليمتي
وحاملو الأطباق، والوحشُ الذي يلعق ركبتيّ، والمشيّعون، والمجلّلاتُ بالسواد، والنائحة الخرساءً، والأجيرة المطلية اللسان، والعصا، وغاسلوه (حين مسحوا عن وجههِ الماء بكى)، وشجرُ الكافور والسّدر، ودمعُ القارئ الأعمى، وماءُ الورد، والعمائمُ الخضراء، والأطفالُ، والمنتحبُ الراكعُ ذو العقال (لم يرَ الجسرَ الذي أوصله للبيت مغشيّاً عليهِ..) والمعاولُ السوداء، والمواقدُ المنصوبة الأحجار، والنيرانُ، والأحذية الرطبة، والماءُ الذي يقطر من سرادق العزاء،
والنائمُ في العراء
والدموع
ليقبل الجميع
فلن يجئ
لن يجئ
أعرف كاصد
لا يأتي بعد رحيل الأضياف

آية لي:
أوّاه.. يا أسفي عليك أنا الكظيم


شئ أخير إلى أمي:

على غُصُنٍ في الحديقةِ
خصلةُ شعرٍ
وأوراقُ توت

*

وقبل موتهِ بلحظتين
أطلّ في الغرفة،
واستدارَ هادئاً
يكتمُ في عينيهِ دمعتين
دعوتهُ أن يستريح
ثم نهضتُ خلفهُ
- لأفتح الباب -
عثرتُ بالضريح

*

أيها القبر
جئتك مستأنساً ركبتيّ
فمعذرةً إن تكن أيقظتك النساء

*

آه.. تخلع قلبي الظهيرة،
بيضاء
فوق القبور

*
انهضي أنتِ أيتها الأمّ..!
غادرتِ الناس
وامتدّ خيطُ شعاعٍ ضئيل

*

أيهذا العزيز
مسّني الضرّ
واستيأست منك راحلتي والدليل

*

شاهدة قبر:

في ليلةِ أقمار خضراء
تعانق ظلاّن
لم يلتقيا بعدْ
بين صرائفَ وسماواتٍ تتدلّى منها الأغنام

في ليلة أقمارٍ سوداء
حملتهُ امرأتان
اشهدتا ماءَ النهر وطيرَ السعدْ
وأسلمتاهُ إلى الآلام

1977



الموت في مشهد إعدام


حين سمعتُ الضجّةّ في الزحمةِ أيقنتْ
أنّ شجاراً يحدثُ أو أن صغيراً دهسته الأقدامْ
لكني أبصرتُهُ محموماً يتدافع نحوي، فتساءلتْ
أين رأيتهُ؟ في أيّ زحام؟
في يده– أذكرُ- صرّة أثوابٍ لمريضٍ
وعلى خدّه طعنةُ سكّين
كان يحدّق في وجهي مهموماً..
فتشاغلتْ
عن عينيه برؤية أقدام المشنوقين
ثم اعتذرَ وأغضى
ودعاني أن أبتاعَ له شيئاً في السوق
أو أن نشربَ شاياً في المقهى
حدّثني عن حمالين اقتتلا
(كان يشيرُ إلى الساحة)
ثم بأسمالهما حُملا
وبكى حين تذكّر وجهَ صديق
أيقظهُ صوتُ شجار
قال: مررتُ عليكَ.. متى؟
لا أذكرُ-
لكنّي أبصرتكَ من نافذةٍ ذاتَ نهار
تتحدّثُ عن أشياء
لا أفهمُها..
ألقيتُ على وجهكَ ظلاّ
وعبرتُ على استحياء
وارتجفت صورتُهُ المقلوبةُ في الفنجان
كنتُ أحاذر طولَ الجلسةِ من كتفيه
لكنّه جرّ ذراعي دون استئذان
وتطلّع في ساعتهِ..
ثمّ مضينا في صمتْ
قال: أمرّ عليك الليلة إن شئتْ

1969


إلى عام 1977


حذّرتكَ
أنتَ صديقي الشرّير المتلطّخ بالخمر
المتثائب فوق سريري في كلّ مساء
أنت الموقظني في الليل،
الغامس إبهامك في خاصرتي
الجالس في الصبح إلى مائدتي
أنت الشرّير المغترّ
حذّرتك
وفتحتُ شبابيكي للشمس
رششتُ مكانك بالماء
وطردتكَ أعمى عند سياجٍ
ورميتُ ثيابك للشارع
وفضحتكَ في الصبح أمام المارّة..
ثمّ رجعتُ إلى بيتي أتناولُ إفطاري
وأحدّقُ في كرسيّك..
حسناً..
لن أنسى أن أجلبَ هذي الليلة باقة أزهار



4- ديوان وردة البيكاجي
(1983)


وردة البيكاجي *


استهلال

الهنودُ ابتنوا في سقوفك أعشاشَهم، وانتهوا عند مفترق البحر يبكون أطيارَهم.. الهنودُ الأليفون، أبصرتُ آثارَهم في الطريق، شواهدَهم وهي تُمحى ويسكنها السائحون الغزاة..
حُملنا إليك مفاتيحَ سلّمها الفاتحون.. قوافلَ تبكي وتصعدُ سلّمك المتآكلَ.. تفتحُ أبوابك الغُبرَ عن حائطٍ تختفي فيه وردتُك الحجريّةُ.. أين اختفتْ؟ صار ما بيننا حجراً للتراشق، صرنا المقيمين نحن.. المضيفين، والسلّمُ المتآكلُ ما عاد يُفضي إلى البحر.. غادرَ كلُّ الهنود الأليفين إلاّك يا وردتي الحجريّة .. إلاّي، والأخوة القابعين وراء الشبابيك، والأخوة القانعين، وبضعَ خطىً للتنزه بين الحديقة والبيت (أقصد غرفتيَ المستطيلة مثل حصانٍ قتيل ).


غرفٌ تتقابلُ كالعربات ، وحين تنفتحُ الأبوابُ تصير شارعاً سمّيتُه البيكاجي.
والبيكاجي سوقٌ مقفرةٌ.. مقفرةٌ تعبرُها القططُ المسحورةُ والأطفال.
والبيكاجي شرفةٌ تُطلّ على القارات الأربع: نداءُ الصومالياتِ العذبُ على الساحل، وشمُ العدنيات على الكفّين (وفي الجبهة تلتمعُ النقطةُ حمراء)، قرابُ الأحباشِ المنقوشةُ، ضوضاءُ البحّارة..
والسائح يحمل أصدافاً ويقول:
" يسحرني الساري الهنديّْ "
والبيكاجي باحةٌ أوحشتني ذات يوم
وثقوبٌ كالثعابين
وعمودٌ يعلوهُ غرابْ
والبيكاجي عسسٌ يتآمرُ تحت الشمس
وأوراقٌ تترصّد في الغرفاتْ

وفي الغرفْ
يحتشد المهجّرون، ينامون كما في القطارات
فجأةً يستحيلُ البيكاجي محطّةً تعجّ بالمسافرين
يبيتون ليلةً أو ليلتين..

أيها البيكاجي!
يا محطّةَ المنازلِ المهاجرهْ
يا محطّتي الأخيرهْ
لقد عبرتك القطارات ولن تغادرَ أبوابَك أبدا

نزهة المهجرين

في المساء نتقاطع في الباحة.. نهبط سلّمنا المتآكل.. تحملنا ريحُ القارات الأربع: هفهفةُ الساري الهنديّ وأعشابُ البحر( والهواء راكدٌ يضجّ في مراوح الغرفْ)
وفي المساء يلتقي المهجّرون.. مقاعدُهم مبعثرةٌ يعلوها الرملُ وأشجارُهم مبلّلةٌ بالندى لا يراها أحد
يرقبون البواخرَ تضئ بعيداً.. والقواربَ وهي تنطفئ عند السياج
وحين يعودون يلتفتون إلى البحر. أشجارهم بعُدت وساحلهم عند منعطف البحر تحجبُهُ صخرةٌ
من رآهم يغيبون

يا سكانَ البيكاجي
أعلنتِ الساعةُ منتصفَ الليل
فانتشروا
حان رحيلُ العرباتْ

وفي منتصفِ الليل ينهضُ البيكاجي وحيداً.. يفركُ عينيهِ، ويزحفُ منطوياً كالحوت.. يُشرعُ عند الصباح شبابيكهُ، ويمرّغ وجهَهُ في الشمس


أغنية البيكاجي:

أنا البيكاجي
لا أدري أ أنا حجرٌ أم حوتٌ أم إنسان؟
لي عشراتُ الأبواب
ولكن لي بابٌ لا يعرفهُ غيري
أنا شاهدةُ الأحياء
يمرّون ولا يرونني
أنا الوردة الحجريّة
من يصدّقني؟
ونافورةُ الشمس في الظهيرة
في عرسي أدعو الغربانْ
أتزيّن بالأغصان
وأصدحُ كالبلبل في الشرفة..
كالبلبل..
كالبلبل..
كالبلبل..
أنا البيكاجي
وللبيكاجي مآتمُهُ
أمس صارَ البيكاجي شارعاً مرّتْ فيهِ مواكب
وعرباتٌ بلا زهر ، وصبايا يرتدين الحداد، ولا مارّةَ لا مارّةَ على الرصيف
فجأةً انفتح بابٌ ودخلَ موكب
فجأةً غادرَ الموكب
وعادَ البيكاجي ، ثانيةً، غرفاً تتقابل كالعربات، وشرفةً تطلّ على القارات الأربع
والبيوتِ المعلّقةِ كالغسيل وهي تضئ في الظلمة من بعيد



غرف البيكاجي

غرفة بابُها أصلعٌ
ذات عينين زائغتين
غرفةٌ بوجوهٍ تطلّ وأخرى تطول
غرفةٌ فمُها لا يقول
غرفةٌ بابُها مظلمٌ
وكراسيّها مجلسُ الفاتحهْ
غرفةٌ تنشرُ الرائحهْ
وتلمّ الغسيلْ
غرفةٌ بابُها شجرٌ
وشبابيكُها راحةٌ ومقيلْ
غرفةٌ بابُها مشرعٌ
عندها لا أطيقُ الوقوف
غرفةٌ بابُها مغلقٌ
وموائدُها نزهةٌ للضيوف
غرفةٌ بابُها حجرٌ
غرفةٌ تعصفُ الروح فيها
غرفةٌ آخر العرباتْ


خاتمة

ركضَ البيكاجي
رنّتْ أجراسُ الخلخال
عثرَ البيكاجي
والتمّ جميعُ الأطفال

1980

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البيكاجي : مبنىً قديم في عدن كان يسكنه الشاعر مع غيره من المهجرين العراقيين ، وقبلاً كان يسكنه الهنود


البركان العدنيّ

إلى رامبو في الذي عاش عدن


أكانَ الرحيلُ إلى عدنٍ دورةََ البحر؟(كالأشنات تقاذفنا الموج..) نهبط في غرفٍ ونغادرُ، توقفنا زرقةٌ في الشبابيك، أغربةٌ تتنزّه وسط المدينة، رائحةٌ في زقاقٍ قديم، حوانيتُ تقطر بالزيت، شمسٌ تدحرج أحجارها وهي تنزفُ حمراءَ، لمعةُ ثوبٍ، ونافذةٌ تتوهّج في الليل يحجبها جبلٌ مظلمُ الشرفات..
ورامبو يدورُ ببركانهِ العدنيّ.. وقد ينطوي بين أشيائهِ دائراً في المساء.. وقد لا يرى بحرَهُ مثل ساريةٍ مائلاً للرحيل
ورامبو النهاراتُ ممزوجةٌ بالظلام، دمٌ فاترٌ، مطرٌ يتساقط أسودَ فوق المراكب.. رامبو ارتحالٌ وحيدٌ على جملٍ، خفقُ أشرعةٍ تتفتّح في زهرةٍ.. من رأى الأبديّة في الماء.. في حبّة الرمل...؟
رامبو النهايات برقٌ توهّج عبر الفصول...

*

ورامبو إلى عدنٍ ساط أحلامَهُ كالشياطين، أوقفها عند منحدرٍ لا تحرّكُ أعشابَهُ الريحُ .. شمسٌ جحيميّةٌ لا تميلُ, وليلٌ كشمسكَ أسودُ يرشحُ فوق البيوت..
انحدرْ!
انحدرْ!
وارتميتَ بهاويةٍ
كنتَ فيها السماءَ الجميلةَ والنجمَ،
كنتَ المطلّ على صخرةٍ
والمعذّبَ في آخر الليل (منطفئٌ صبرك المتوهّجُ..)
كالضوء تنسلّ بين الأزقّة( أبوابُها نصفُ مفتوحةٍ حين تُغلقُ في الليل، تهبط كلٌ المنازل كالصخر، يبلعها جبلٌ لا يُرى غيرُهُ في الظلام) تلوح الصهاريجُ، والسلّم المتدلّي إلى القاع كالبئر، تهبطهُ النسوة العدنيّاتُ يفرشن أثوابهنّ على الرمل، يرفعن أصواتهنّ الخفيضة، والبحرُ يقذف أصدافهُ، من تُرى يوقفُ البحرَ؟ تشحبُ نظرتك القرويّة، تنأى المراكبُ مثقلةًٌ بالشياطين، أيّ جحيمٍ رأيتَ؟ المراكب تهوي إلى القاع.. تفتح بركانكَ العدنيّ، وتصعدُ محترقاً في الغناء

*

بركانك رامبو عرسٌ للرملْ
شمسٌ للرملْ
ظلٌ للبحر وعشٌّ للنارْ
بركانكَ رامبو ريحٌ أسرتها الأحجارْ
وهاويةٌ للقتلْ

*

ورامبو أفاقَ على حلمٍٍ، واستراحَ إلى زهرةٍ لا تُظلُّ المسافرَ، بيتٍ رآه وخاطبَ أشباحهُ فيهِ، قبرٍ توسّدهُ(يرفعُ الآن رامبو شعائرهُ..)، يكسر الخطوة الحجريّة، ينأى بلا أثرٍ، بين أسلحةٍ وحروبٍ محمّلةٍ بالبغال...
صدىً لا يُردّدهُ الأفْقُ حربُك رامبو...

1981

ليل عدنيّ


ليلٌ ساكن
ينحني على وحشتهِ كالأحجار
يباغتك نهاراً في الشارع
أو في باطنِ حانوتٍ منقرض
ورفّة جناحٍ أسود
متعثّراً بين المنازل والسفن
كالأعمى
أيّها الليل
أيّها العابرُ العدنيّ.. قفْ!
تمرّ هكذا وتمضي
كأنني لا أعرفُ منفاك
قابضاًُ على مملكتك المقفرهْ
كما تقبضُ على حجرٍ
راحلاً على قدمين حافيتين
أيّها الليلُ المكسوّ بالقواقع
وخرز البدو
أيها المائلُ على الماء كالمسافرين
أيها الراكد! هل تسمعُ أحجاري؟
سأخوّضُ فيك كطفلٍ أضاع وطنَهُ ومنفاه
سأغلقكَ عليّ كالتابوت
وأحدّقُ في عينيك المطفأتين
أيّها الليلُ المؤتزرُ بفوطةٍ خضراء
أيّها النائم
كيف سأوقظك؟

حتّى صمتك لن ينقذني

1980


القوارب

القواربُ عند السياج
تغادرُ في الضوء
مطليةً بالضباب
القواربُ تأتي وتذهبُ في ظلمةِ الليل
تأتي وتذهبُ في ظلمةِ الروح
بيني وبين القواربِ همهمةٌ
ضوءُ سيجارةٍ أطفئتْ
وظلالٌ تغادرُ
أيُّ هواءٍ خفيفٍ .. !
يلامسني الآن
يحملني قارباً في الضبابْ

1980


مجنون


كان ضابطاً بحريّاً
وانحسر عنه البحر

1981

5- ديوان نزهة الآلام
(1991)



عربات الأحلام

إلى طفلتي سارة



أجلْ يا صغيرتي
أنا ذلك النمسُ الوفيّ
(من يُعيد دمي إليّ؟)
أنا ذلك الغزالُ المسحور
أتوسّدُ سمائي
وأبكي
أنا تاجُكِ الذهبيّ
وأميراتك الصغيرات
في عربات الأحلام

*

في هذه المملكةِ الشاسعة
سأهديكِ بيتاً صغيراً
بحجم الكفّ

في هذه المملكةِ الشاسعة
ستهدينني شيئاً كبيراً
بحجم السماء
هو أنتِ

*

كلّما دخلتُ مملكةً
بهيئة ملكٍ أو شحّاذ
جلستُ إلى نافذة قلبي
وتطلّعتُ إلى شرفتك العاليهْ
وأشعلتُ قنديلنا
بالقصص

*

حين تكونين سمكةً
سأكونُ بحيرةً
- هل رأيتِني ؟

حين تكونين طائراً
سأكون هواءً
- هل سمعتِني ؟


*

سأمضي بسلّةٍ
وأعودُ بسلّتين
سأمضي بعربةٍ
وأعودُ بحصانين
ونضحك
وحين نسير معاً
تسير دميةٌ صغيرةٌ
وطائرٌ كبير
يسألنا فلا نردّ

*

إذا ما لمحتِني بين سربٍ من الطير
وكنتُ طائراً
ولم تعرفيني
فانظري جنحيَ المهيض


*

في شعري
أتسمعين ضرباتِ المناجل في الليل؟
إنّه الحصاد

1978

طبيعة صامتة


الأغطية البيضاء
قدحُ الثلج المائلِ فوق الرفّ
التفاحاتُ الخمس
قميصُ النوم
جواربُكِ السوداء
الكرسيّ الفارغ
ذبذبة الضوء على المرآة

1978

الصلب


عند "أربات"*
رأيتُ الله يدعوني فأقبلتُ عليه
ثمّ لم أبصرْهُ..
كان الورقُ اليابسُ يسّاقط
والريحُ تمرّ
وعلى الشارع بحرٌ هائجٌ من سَقَطِ الناس
ومحكومون يمضون إلى الصلب
وجندٌ خائفون
قلتُ لو كلّمني الله بـ "أربات"
لو انّ الشجرَ الصامتَ لم ينعقْ
وهذي الشمسَ لم تدنُ من الأرض
و"أربات" بأحجارهِ لم يهرعْ إلى الصلب
لو انّ الربّ
أطرقتُ قليلا
ثمّ ناديتُ على السائر خلفَ الموكبِ اللاهثِ في القيظ على السفح:
"يهوذا..
أيّها الخائن"
فارتجّ الصدى الغابرُ في الأفق
" يهوذا.. ا.. ا.. ا.. ا"
كان رأسي حاسراً
والناسُ يمضون بـ "أربات"
وكان الشجرُ اليابسُ يسّاقط
والريح تمرّ

ـــــــــــــــــــــ
شارع شهير في موسكو كان يسكنه كبار الفنانين والأدباء


موسكو1989


غناء

- وداعاً
ومرّت خيولُ المساء الأخير
وأطفأتِ الريحُ قنديلها
إلى أيّ ركنٍ صغيرٍ أوتْ
إلى إيّ ركنٍ صغير

سأمسحُ عن شعركِ الثلجَ..
أدخلُ قبواً وأغلقهُ،
"لستِ ميّتة
وأنا لستُ ميْتا"
وأنا
قرّبي الشمعتين
لنصبح بيتا


موسكو 1989


رحيل


الله .. مازال الهواءُ بنا يدور
محطّة أخرى
وتذكارٌ
- وليس هناك ما يبقى -
أردنا أن نقول فصرّتِ العجلات
وابتعدتْ
(ومرّتْ ساعتان)
وهوّمَ النجمُ الصغيرُ عليّ، نامتْ راحتاه
حلمتُ أنك تنظرين إليّ من خلف الزجاج
حلمتُ أنّ الثلجَ يسقط
ثمّ حين أفقتُ كان الليلُ يُسرعُ
كان أبيضَ
لو أتيتِ الآن
لو جاءتْ ملائكتي الصغار
إذن لمتّ
ودار حولي الليلُ
وارتفعتْ جنازتيَ الخفيفةُ في الهواء
وضجّ صمتي بالغناء

موسكو 1989


المخلّصة

إلى سينيدوبسكايا طبيبة العيون في معهد فييدوروف


مخلّصتي أنتِ
باركني اللهُ في أورشليم
فألقيتُ عنّي عصاي
وأقبلتُ أجري إليكِ يعينين مفتوحتين
أشقّ القوافل تعبرني
يومَ ناديتني
(دون كلّ الحجيج)
وأطلقتِ طيرين من راحتيكِ وباركتِني
ثمّ أدنيتني
لألاقي بكِ الربّ
أروي عن الطير ينقلُ مملكةً
ليؤمّ النبيّون
- فليدخلوا
(هو الضوء أخضرُ.. أبيضُ)
وليُقبلِ التائهون
هو الظلّ
شمسُكِ برجٌ
وبرجُكِ شمسٌ
وعيناي..
عيناي..
مبصرتان


موسكو1989



كتاب البصرة


أنظلّ منتظرين وجهَ الفجر؟ هل تأتين بين سلالك الخضراء؟ بين (الببّغاوات الجميلةِ) تنقرُ الأقفاص؟ في باص الجنوبِ وضجّةِ العربات؟ هل تأتين؟ أخضرُ ماؤك النهريّ نستبقيهِ أياماَ ونرحلُ.. (كم وددتُ لو انني استبقيتهُ في الحلم!) ماذا لو قلبتُ الليلَ والساعات؟ ماذا لو شربتُ وصيّتي بالماء؟ ماذا لو جلبتُ الساحرَ الهنديّ واستوقفتكِ الليلة؟ ..
ماذا حلّ بالبصرةِ؟

جوّابون يضطربون في الساحات، جندٌ يرحلون إلى قراك وقد يرون إلى قراهم تختفي في الليل، فلاّحون في زِيّ المدينة.. حين تأتي الريحُ من جهة الصحارى، يخفضون رؤوسَهم في الرمل ينتظرون مثل لقالقٍ ملويّةِ الأعناق.. مرّ الرملُ والأعناقُ مطرقةٌ، وجاء الصحو والأعناقُ مطرقةٌ.. ومرّ.. ومرّ..
أهل البصرةِ ارتدّوا تماثيلا..

وللبصرةِ ساعةٌ لا تدقّ، وجسورٌ من خشبٍ تصلُ الأعداء بالأعداء، وضريحٌ لا يعرفهُ غيري.

وللبصرة حدودٌ من الرماد، وجنودٌ من الرمل، ومساجد تُحزمُ كالقصب في الأوبئة أوالحرب..
البصرةُ
البصرةُ تحترق
بجسورها الخشب
وانهارها المحفورةِ بالدمع
بخيولها المربوطةِ في المساجد
وسفائنها المطليّةِ بالقار
هل مرّت النار بي؟
هل أصيحُ: من يدلّني عليك؟ (لن توقظ موتاكِ عصاي) هل أراكِ؟ أم تُرى ارتحلتِ بين لغط الأقوام في مدينة أخرى؟ تُراني ألمحُ الآثارَ بعد مئةٍ من السنين؟ أم تُرى يقودني الخطو إلى قبري؟
علامة البصرةِ أن تجئ
قافلةً
وناقةً تنسِلُ في الصحراء
ترفعُ المصاحف
حجرٌ
أبيضُ
أو أسودُ
لا تلمسهُ عباءة النبيّ
ولا يشيد كعبة
تسكنهُ البصرةُ
حينما قطعتُهُ استوقفني ظلّيَ
هل أقبلتِ البصرةُ؟
آتي صخرةً وأهزّها كالجذع. (قشّ صرختي في الريح).. أسواري الحجارةُ، والسماءُ سفينةٌ تمضي، وبيتي النخلُ أهجرهُ وأنتظرُ الطريقَ إليكِ..
طفلاً كنتُ
أطلالاً عبرتُ تسفها السنواتُ.. كيف عبرتُ؟
كلّ متاعيَ التمراتُ يابسة.. وكلّ سمائيَ السعفُ الذي لم يُؤوِ حتّى الطيرَ..
انطقْ!
تنطوي هذه السباخُ ونحن زنجُك أيّها التاريخ!
ندخلُ حاسرين، جباهنا ملحٌ، ونخرجُ حاسرين نقول للموتى: قفوا، ونقول: فلتمضِِ المدينةُ.. نخلها وحريقها، وكتابُها المفتوحُ، والموتى، ومن كذبوا، ومن تركوا السفائن في الغبار، ومن أحلّوا موتهم بسيوفهم، والضالعون بما يقول النجم (عن موتي)، ومن داروا على كأسٍ ولم يتدبّروا الأفلاك، من فتِنوا، ومن نصبوا السرادقَ للتلاوة يقرأون ويقرأون، ومن تنادوا صائحين بشعرهم في السوق، من جهروا برابعة النهار، وبايعوا في السرّ، من هادوا ومن نصروا، ومن يتوارثون القيل سقّائين مسقيّين، أحجارُ المدينة ربّهم وكتابُهم نعلُ الأمير، لُعنتِ من أرضٍ تورّثها القبائل..
كيف جئتِ إليّ؟ فاسودّت صحائف لم تكن بيضاء، كيف تناهت الأرحام بي وتقطّعتْ؟ في أيّ أرضٍ جاع أهلي؟ آهِ أيّ أعاجمٍ مرّوا عليك؟ عساكرٌ رفعتْ بيارقها، وبضعُ دساكرٍ مُحيتْ، وأهلي كيف قاموا من مجازرهم يسوّون الثياب (تلطّخت) ويغافلون الجند؟
أهلي كيف جاؤوا بي إلى نهرٍ تيبّسَ فانتهيتُ إلى خرابكِ؟ أوّلَ الآتين كنتُ وآخرَ الآتين، تنقطعُ السلالة فيّ، أبصرُ في غدي أمسي، فتجتمع القبائلُ فيك: هذي الرحبةُ الدهناءُ، تلك خريبة الأعراب، ذاك الجامعُ المفروشُ بالحصباء.. أين أنا؟
أ أحمل جثّتي وأطوف؟
ويحكِ يا بصرةُ.. ويلك من جيشٍ لا غبار لهْ
ولكنّني ..
لا غبارَ لي
لي حوافرُ الخيول وأرسانُها
ليَ أسوارُكِ الخبيئةُ تحت خطى الجند
وابواقكِ المكسورة
لي دواوينك المنذورة للنجم
ليَ ابوابُكِ لا يخرجُ منها غير السائق والناعق والقائد
يا بصرُ!
يا بصرُ!
يا بصرُ!
ليَ ديْنٌ عليكِ: تزورين قبري

1985


عراقيّون


عراقيّون..
هل أبقوا على شئٍ تكسّرَ في الطريق؟
أخلّفوا أمواتهم يبكون
وانتظروا مجئ الله؟
هل أغفوا على طرْقٍ خفيفٍ مثل وخزِ النار؟
هل عادوا على آثارهم يمشون؟
عراقيّون
عراقيّون
لغْطٌ كالحصى ينداح ..
تذكرُ صرخةَ الأطفال في خانٍ تهدّمَ للهنود؟
قوافلَ الأغراب في البصرة؟
أكفانَ النساء البيض؟
والأشباح تمضي بالسروايل الطويلة واللحى البيضاء
أغرابٌ
عراقيّون

يفترشون أضرحةَ الأئمة والأقارب ثمّ ينتشرون، ينسون البكاء، كأنما قدرُ العراقيّ المقابرُ والرحيل مجنّحَ القدمين، يحمل سعفَهُ ونذورَه ويؤوبُ مخذولاً يجرّ دموعَهُ، ويحطّم الألواح، يوقدُ في الهجيرةِ نارَهُ، ويغيب في ليلٍ من الأشباح ..
نجمٌ لا يضئ نراه، نتبعُهُ حقاةً كالبدائيين، نرسمُهُ على جدراننا ونُعدّ للنجم الشراك، كأننا الأقوامُ في الماضي، نجئ لخطونا وقعُ الكهولة، (من هنا مرّ العراقيّون خلف جنازةٍ وتفرقوا في السوق)، موكبُهم تقاطر في النهار، وظلّهم يزرقّ فوق الشاحنات توقفتْ..
سلامٌ للذين توقفوا عند الحدود مكبّلين..
بمخفرٍ بين السماء وأرضِ بابل يعبر الأسرى عباءاتٍ ممزّقةً، وأطفالاً يجرّون الكهول بلا عصيٍّ حاسرين، وختمُهم شمسُ الظهيرةِ.. إنها الصحراء قد جاءت بكأس الماء وانكسرتْ على الشفتين..
شيخٌ ينحني وعباءةٌ فردتْ جناحيها وطارتْ..
آه.. عمّي! هل رأيتَ عباءةً مرّت عليك؟ -
تمرّ في الأيدي فتاتُ الخبز والصدقات (هل جاعَ العراقيّون؟)
ألا فليقبل الآتون
وليمتنا حصىً
ورمادنا شجرٌ حطبناهُ
لنوقدَ نارنا فيهِ
عراقيّون
أوقفنا نبيٌّ حين غاب اللهُ
في التيه

وأرسم رايتي فوق الجدار(أرى هنالك ما يرى غيري) أرى باباً فأدخلُ: سلّمُ الخشبِ العتيقِ يصرُّ، (أين أنا؟) هواءٌ فاسدٌ (من أين جاءتْ هذه الظلمةُ؟) أخطو بين أكداس الزحام.. أكاد أعثر، ثمّ تمسكني يدٌ وأمرُّ.. أبصرُ وجهَهُ في الضوء (ماذا؟ هل أرى وجهي؟) وأعثر.. حينما استيقظتُ كان النزلُ ينفضُ جنحَهُ كالطير.. يغسلُ وجهَهُ بالماء.. يصخبُ بالعراقيين.. جاءوا من منافيهم إلى المنفى.. حقائبهم مهرّأةٌ من الأسفار. يفتتحون يوماً بارداً كالخبز، ينتظرون ساعاتٍ وقد يغفون في المقهى وينطلقون مصطحبين أحزاناً وعائلةً إلى قبرٍ عراقيّ تشردَ في دمشق وقد يضلّون الطريق إليه أيّاماً ولا يصلون، يقتسمون عاداتٍ وخبزاً في الطريق.. كأنها كُتبت على الألواح بالمسمار.. عاداتٍ من الطين..
فشايٌ للعراقيين
ومقهىً للعراقيين
ونِزلٌ للعراقيين
عراقيّون في ليل المذابح يضرمون النار..
ريحٌ تحمل الغزوات نابحةً وتعبر بين خشخشة العظام، تمرّ بين ملابس الموتى وتوغل في الدماء..
تقول: أجلافٌ لهم شكل الخيول
أقول: أجلاف، ويرعون الجواميسَ السمينةَ في المدينة، يحطبون النخل.. (ماذا؟ أضرم النار العراقيّون فاندفعوا على الأبقار؟)..
جاءوا من بيوت النمل، من ليل المآتم والقرى محمولةً فوق الدواب، ومن سراديب المدينة.. (زفةٌ للطفل) يقطعها نواحُ القادمين، وواحةٌ للنار تقطعها المواكب، أضرموا نيرانهم في الليل وافترشوا البيارق ..
حين حلّ الصبح كان رمادُهم في الشمس يلمعُ في المواقد، خلّفوا آثارَهم للبدو، وانتعلوا خفافَ الطين.. موكبُهم تفرّق.. لقلقٌ في الشطّ يرقبُ خطوَهم وترجّ صرختُهُ المشاحيفََ الصغيرةََ.. نسوةٌ هبطتْ، ومملكة من البرديّ توّجها المساء تعجّ بالأطفال والسمكِ المعلّق في العراء، عيونُهم أفقٌ تحدّر في المياهِ تقدّمته الطيرُ.. ها.. ها.. ها:
ألا فليُقبل الآتون
عراقيّون
نأتي من مغاورنا السحيقةِِ، نقضمُ الأعشابَ، والموتى نقلّبهم، ونسهرُ حولهم في الليل نُدفئهم، وعند الفجر نوقظهم، ونبتدئ الرحيلَ بعصرنا الحجريّ تصحبنا الكلابُ وضجّةُ الأنهار.. آلهةٌ سبقناها ستأتي والدوابُ توقّفتْ للطلق..
جاءوا من مغاورهم
أتى من وَحشةِ المنفى العراقيّون


1982


6- ديوان سراباد
(1997)


سراباد


سألنا في الطريق
وقد قرُبنا من سرابادَ البعيدةِ
هل سنقضي الليلَ في هذا العراء؟
ظلالنا انتشرتْ
وأقبلتِ السماء
ونجمةٌ
أو
نجمتان
تحاذيان السهل
والأشجارُ تُقبلُ
والرواحلُ تستريح
ويعتلي فردوسَك الذهبيّ
طيرٌ صاح:
"شقّ الفجرُ صدركَ
فابتردْ بالفجر"

كان الناس
حولي
والرواحل
في الطريق إليكِ
يحملنا الهواء

قبابُكِ التمعتْ
وجندُكِ من رخامٍ يرقبون الأفق
جندك من نحاسٍ
أيّ أجراسٍ
تهبّ
وأيّ أقواسٍ
تُرى من زرقةِ الشرفات
أين البابُ ندخلهُ؟
(فنبصر خلفهُ الصحراء)
أين السور؟
(نلمسهُ فينأى)
أين ذاك البرج؟
(يلمع بالبياض)
وأين؟
أين الناس؟
هل أنتِ المفازة؟
هل سمعتِ حداءنا
وأنيننا في الليل؟
قالتْ نسوةٌ: "سنموت"
قال الميّتون وقد افاقوا: "كم لبثنا؟"
صاح جوّابون:
"هل عاد الدهاقنة الكبار
يهيئون رواحلاً أخرى
لرحلتنا!"
سألنا عن سرابادَ البعيدة
قيل من عامين جزناها
وقيل لعلها البلدُ الدي يأتي
وقيل لعلّها جبلٌ
ومحضُ بحيرةٍ مسحورةِ الأسماك
قيل لعلّها شجرٌ تحجّر
قلعةٌ من صخرةٍ صمّاء
تسكنها التماثيل الغريبة
قيل
لكنا نأينا عن سرابادَ البعيدةِ
هل نعود؟
أنقطعُ السبلُ العجيبة؟
أم سنمكثُ
قانعين
نُعدّ أفراساً
وأقمطةً لرحلتنا
وأسماءً
ترى هل تنفعُ الأسماء؟
هل جئنا لنبني منزلاً
ونقول: "جئنا"
هل نعودُ وقد رمينا للكلاب عظامَنا؟
ومن الدليلُ إلى المدينة؟
من سيطرقُ بابَها المهجور؟
ماذا لو دخلناها
فلم نعثرْ على آثارنا
وقبور موتانا
أنرجعُ؟
أين؟
هل نمضي كما يمضي الغزاة؟
نجرّ قافلةً
ونهبط وادياً
ونقولُ: "مثوانا هنا
فلنبتدئ بالسفح"
نصعدُ تلّةً
أو تلّتين
ونحتفي بالليل
اسودَ
أيها النجمُ اقتربْ
إنا سنرقصُ في السلاسل منشدين
"سماؤنا قوسٌ
توهّجَ
والسهامُ نيازكٌ
والأرضُ مرمىً"
مَنْ هناك وراء تلك التّلةِ السوداء
يبكي؟
من هناك؟
تهبّ ريحٌ من وراء السفح
تهدمُ ما بنينا من بيوتٍ أو مقابرَ
تمزجُ الأحياءَ بالموتى
وتحملنا
هنالك خلف ذاك الأفق
في لجج المياه
ندور
نَمسكُ قشّة
ونصيحُ: "لم نغرقْ"
سرابٌ ما رأيناهُ
ومن خشبٍ مراكبُنا الخيولُ
سنبتني مدناً ونهدمُها
ونضحكُ مثلما الأطفال
نأتي برجَنا في آخر الصحراء
ندعو أخوة هجروا قوافلنا
ونبصق
ليت أنا ما نأينا عن سرابادَ القريبةِ
ليت أنا ما قربنا من سرابادَ البعيدةِ
ليت أنّا لمْ ..


1992



مرثية ابن خلدون


عصفتْ رياحُ المُلْك
ختمٌ لابن خلدونٍ
وختمٌ سائرٌ يطوي فضاءَ الله
تحملهُ رياحُ المُلْك
تعصفُ ..

يا ابنَ خلدونٍ أ أنتَ موكّلٌ بالريح ، بين خرائب البلدان، ترثي بلدةً وتزفّ أخرى ، طاوياً صحراء روحك.. أين تبسطها؟
أ تجمعُ ما تفرّق في الرمال؟ وتقتفي أثرَ القبائل.. شرّقتْ أو غرّبتْ، وتدور في فلكٍ من الأعراب؟ جاؤوا يُسندون ظلالهم، ويبايعون على ظهور الإبْل ..
ماذا تبتغي؟ .. ملْكاً؟
وحولك تصْفرُ الأملاك
قبراً فارغاً؟
خلّفتهُ في زحمة الأموات، ليلةَ أقبل الطاعون، وانتظرتْ ركابُك فارتجفتَ، وقلتَ: "في المنأى السلامةُ"، والسلامةُ لو دريتَ بعيدةٌ، وبعيدةٌ أعوامُك العشرون، تقذفها كما شاءت ركابُك..
أين ترحلُ؟
والدروب تقطعتْ
وخيامك احترقتْ
وخرقةُ رايةٍ
عطشان؟
خذْ
جوعان؟
خذْ
وانعبْ بباديةِ الرياح
موكّلٌ بالريح أنتَ
تخطّ سلطاناً وتُطرقُ صامتاً
من أنت؟
قاضي المالكيةِ؟ نادبُ الأوطان؟ هجّاءُ القبيلة؟ حاملُ الأختام في ليل الملوك؟ مروّضُ الأعراب؟ ريبيٌّ تهاون بالمذاهب؟ خاطبُ الأنساب؟ جبريٌّ؟ لسانُ الأشعريةِ؟ قاطعُ الأرحام؟ قطبُ السالكين؟ مشيّع الموتى وعائدُهم بآخرة الكهولةِ؟
منْ؟
تشبّثْ يا ابن خلدونٍ بقشّتكَ السفينةِ –
هاجرتْ أممٌ إلى المنفى
وعادتْ من منافيها إلى أوطانها أممٌ
وأعلنتْ القبائلُ رايةَ العصيان
أشتاتٌ مؤلّفةٌ تقاذفها رياحُ المُلْك
أشتاتٌ وظلّك تائهٌ
وكأنّما نادى لسانُ الكون :
" عمرانُ الخراب "
تَسُنّ آجالاً وتنشدُ عاجلاً
وتغورُ مثل النجم
ترقبُ كفّة الميزان،
ريبيّاً
سماؤك رقعةُ الشطرنج
" كشْ "
ويموتُ قبل جنوده مَلِكٌ
ويسقط كالمذنّب في عمامتهِ ابنُ خلدون

تعالى الله ]
ما أصفى السماءَ وأرحبَ الأرضا
تعالى الله
ما أنأى السماءَ وأضيق الأرضا
تعالى الله
تعصفُ في ممالكهِ الرياح وعبدُهُ مَلِكٌ
تعالى الله
[تعالى الله


حسناً.. لنركبْ بغلة التاريخ، ماذا لوحملناها على أكتافنا؟ ماذا لو ان الناس؟ بغلتُنا الجميلةُ لو أرحناها قليلاً.. بغلةُ التاريخ ألقتنا وسارتْ دون أن تدري إلى الأعداء..
هل نمضي بأيدينا الرقاعُ مشيّعين بهمهماتِ الجند؟ هل نمضي إلى أسوار تيمورلنك؟ ماذا يا ابن خلدونٍ!؟ أراك تغلّق الأبواب، تنأى عن دمشق..
أ مصرُ ثانيةً؟
ومصركَ شمعةٌ أطفأتَ، قبرٌ كم بكيتهُ واعتذرتَ، ومصرُعائلةٌ وألواحٌ طفتْ في أخريات العُمْر..
مصرُك أنت نائيةٌ
ونائيةٌ ركابُك والعساكرُ
لا أنيسَ سواك، فاجلس بين ظلّك والكهولةِ، نادباً مدُناً وأوطاناً رأيتَ ومارأيتَ بأرضها ناراً، ولا صرختْ لها أبداً ديوكُ الله، قفرُ لوعذرتَني مرّةً يا صاحبَ العمران..
قفرٌ والنجوم حجارةٌ، ودليلُنا حَجَرٌ ويُدعى النجمُ، أوشابٌ تشابهتْ المسالكُ: تلمسانُ المغربُ الأقصى، وبغدادُ الجزيرةُ، والأقاليمُ الطوائف
هل أرى بدواً؟
وأسأل يا ابنَ خلدونٍ
وتسألني
ويسأل بعضُنا بعضاً
ويأتي السائلون البدو من حضرٍ وأهلِ خصاصةٍ وفلاحةٍ ولعلّني من بين منْ أحصيتَ منفيّاً يسائل : هل أرى بدواً؟


من كتاب العبر:

مُعزّ بنُ زار
يخذلُ الفاطميين، مستوثقاً من طواغيت
بغداد، يخذله أخوةٌ عاهدوا الفاطميين،
يخذلهم هؤلاء، ويخذلُ هذا وذاك الطواغيتُ


رملٌ برملْ
ودمٌ يلوّث في غياب الربّ كرسيّ الخلافهْ

عصفتْ رياحُ المُلْك
ختمٌ لابن خلدونٍ
وختمٌ دائرٌ يطوي بلادَ الله
تحملهُ رياحُ المُلك
تعصفُ
يا ابنَ خلدون.. أ أنتَ موكّلٌ بالريح، بين خرائب البلدان، ترثي بلدةً وتزفّ أخرى، طاوياً صحراء روحك أين تبسطها؟


1987


جنود


مطرٌ تراجعَ
بركة في الروح موحلة
وجندٌ يهبطون
توقّفوا في البرد
كانوا متعبين
يزرّرون معاطفاً بَليتْ ويرتجفون
جندٌ تائهون
توقّفوا في البرد
جندٌ يسألون عن الطريق
ويهبطون،
ويهبطون،
ويهبطون


1987


مقهــى


مقهىً صغيرٌ عند ذاك الشطّ
يلمعُ من سنينٍ
يعتليه النخلُ
لا مقهىً
سوى قمرٍ
يجذّف في هزيع الليل من ألفٍ
وجندٍ يعبرون
وعائدين توقّفوا في الجرف
لا جندٌ
ولا قمرٌ
سوى مقهىً صغيرٍ عند ذاك الشطّ
يلمع من سنين


1987


أغنية الهواء


الهواءُ بلا منديلٍ في الشارع
من يمسحُ عن جبينه العرق؟
الهواء راكدٌ كالبئر
من يرمي فيهِ الأحجارَ وينتظرُ الصوت؟
الهواءُ يختنق
هل يسمعهُ أحدٌ؟
الهواء يتقدّمُ في الليل
من يفتحُ النوافذ
ويضئ الشرفات
ويدورُ مجنوناً في المراوح؟


1980



7- ديوان دقات لا يبلغها الضوء
(1998)


الرائي


أردتُ أن أقفَ على البحر
مثلما أقفُ على اليابسهْ
سائراً فوق حيتانه وطواطمه وقتلاه
لكنني غرقت
وها أنا أقبعُ في زاويةٍ من البحر
تمرّ بي حيتانهُ وطواطمهُ وقتلاه
لا أرى من السفن
غيرَ أسفلها
ومن الطيور غيرَ ظلالها
ومن البشر
غيرَ أصواتهم
ومن الماء
غيرَ الماء



توهّم


حين غفا الناس
وكادتْ ترحلُ آخرُ أشباحِ الليل
وجاء الطائر
يحملُ غصنَ الفجر إلى نافذتي
اشتعلتْ رائحة الورد
ومالَ الظلّ
وهمّ الطير
وكادتْ آنيتي تسقط
من أيقظني؟
فحسبتُ البرجَ المائل مئذنةً
والصوتَ المهجورَ أذان الفجر


احتفال

في الاحتفال
رأيتهم يتسابقون
إلى المنصة
كان أوّلهم كآخرهم
وكانوا يقطعونَ الليلَ بالتصفيق
كانوا يقسمونَ على المصاحف
إنهم شجرٌ
وإن الآخرين الريح
كانوا يسجرون
ويسجرون
وكان تنورُ الكلام
يفحّ مستعراً
وكانوا في النهاية
يكذبون



دقات لا يبلغها الضوء


ابتهاج الأعمى :

أنا الأعمى
لا أحبّ الأشياء الساكنة إلى الأبد
ويغيضني الضوء
والضجيجُ العابر
لعينيّ مئاتُ الأبراج
ولا برجَ لي
أرى سفينةً ولا أرى مسافرين
أمواجاً ولا أرى بحراً
وأنازلُ الظلام
بذراعين عاريتين
أنا الأعمى
أنهمر كالفرح
وأبكي


لعبة :

سأفتح أوراقي وردةً وردةً
وأغلقها
سألهو مع الماء والظلّ
واضحك كالأميرة
سأغلق أوراقي وردةً وردةً
وأفتحُها
سألهو مع الشمس والليل
مع الليل والشمس
وأبكي
من يُعيرني عينين
لأبصرَ دموعي


نحلة الضوء :

أنا نحلة الضوء
أجفاني رقيقة كالماء
وأهدابي كالظلّ
أعرفُ الصخرة الحانية على الأفق
والربيعَ القادمَ بحذاءٍ صغير
وعينين نائمتين
أنا نحلة الضوء


رثاء عين :

لقبري أجنحة أربعة
وشاهدة صغيرة
بحجم الكفّ

لدمعي ساقية وبحرٌ صغير
وفراشة واحدة
من سيحملني؟
من سيبكي عليّ؟


ساعة البياض:

أنا ساعة البياض
دقاتي لايحدّها ليل
ولا يبلغها ضوء
معصوبة كامرأةٍ تشدّ رأسها للثأر
وتتوعّد النهار
بعينين مظلمتين
أنا ساعة النهار البيضاء
لا يرهبني الليل
ولا حلباتُ الرقص
أتنصّتُ كالسرّ
ودقةٌ واحدةٌ
تنثرني كالضوء


قوس قزح:

لقد رأيتُ دوائرَ من ضوء
وقوسَ قزح بارد
في بركةٍ
وحلمتُ وأنا أحدّق في الحلم


خاتمة:

عيني التي أضعتها ، كملكٍ أضاع عرشَهُ،
في ليلةٍ حالكةٍ
آه لو أجدها ثانية لأضعها في القلب!

1989


الشبيه
مرثية الشاعر العراقي مصطفى عبدالله


كالمهد أهزّ قبرك اليتيم
منتظراً في الظلّ
خلف شمعتي الأخيره
أيّنا الميْت ؟
أيّنا عافه ُ الربّ
في هذه البريّة المقفره
بريّة الشعر ؟
أيّنا كان يكتم صرختَهُ
فتدوّي بها الروح ؟
( تنشقّ عن صخرةٍ )
لتقلْ : " إنني الميْت "
لتقلْ : " إنني الهابط من صخرة الربّ
إلى الهاوية "
إنني قادمٌ إليك
لا كما كنتُ آتيك ..
حين ينحسر الظلّ كالنهر
والنهرُ كالظلّ
والنخلُ محتفياً بملائكةٍ وشياطين
( كنتَ تُشير إليهم وتضحك )
لا
بل كطيفٍ غريبٍ تراءى بمقبرةٍ
وسيفجؤك عماي
ولربّما ستبكي
حينئذٍ سأواسيك أنا
ولكنْ
إذا ما هززتني في القبر
فلن استيقظ أبدا



ما قاله الظل


كلّمني ظلّي وقال:
سبقتني
فامكثْ حيث أنت

وقال لي:
لا تحجبْ حبّك فتنفضح
ولا تُبْدِهِ فتحتجب

وقال:
أنا لو تعلمُ نارُك التي لا تنطفئ ابداً
ثمّ انحنى عليّ كالغصن
في حضرة الماء

قادني ظلّي إلى برّيةٍ
وقال: انظرْ
فهالني مارأيت

وقال:
لا راحة لنا في دنوّ
ولا بُعد
ثمّ اختفى


كلّما أريته ناري
أراني الجنة التي لا تسعني

هيهات .. هيهات
لا راحة أهبها
ولا هبة تريحُني

قال ظلّي:
البوحُ محنهْ
والكتمانُ محنهْ
وقال:
لا تكنْ كالحرف يحرفُ المعنى
وقال:
طائرُ معناك في عنقك

وقال:
اهجرْ ما سكنت
ولا تدعِ الحرفَ يشقى بكَ فتشقى بهِ
وأنت الحائر

قال ظلّي:
شيئان لو صحبتهما لهلكت
صاحبي
وصاحبي

وقال:
ظننتُ نفسي ليلاً فاحتجبت
ونهاراً فاختفيت
فآليتُ ألاّ أعود إلى ليلٍ ولا إلى نهار



حكمة الخاتمة


لم أكن أدري
أن ما قطعتُهُ ذاهباً
كان طريقَ الأياب
وأن أحلامي ورائي
وأنني لم أكن غيرَ ظلّ يمشي
لرجلٍ واقف



8- ديوان قفا نبك
(2002(


حكايات من الحمراء

إلى أبي عبدالله الصغير آخر ملوك الطوائف في الأندلس


استهلال:

يا أبا عبدالله
الطريقُ الذي قادني إليك
قادكَ إلى السفح
حيثُ السماءُ تجلس باكيةً
والقمران
حولها يسهران
يا أبا عبدالله
أيها الصغيرُ الذي لم تحمْهِ الأدعيهْ
ما الذي قادني إليك ؟
فتقدمتُ في برنسي المغربيّ
وقد هالني ما أرى :
السماءُ جالسةٌ
الملكان
بينهما الطفلُ متشحاً بالسواد
وامرأتان
( أطرقتا في البعيد ... )

أين نمضي بهذه التركةِ يا أبا عبدالله ؟



الحكاية الأولى:

حين اقتربتْ أبراجُ الحمراء
ودقّت ساعتُها منتصفَ الليل
حمدتُ الله
وتوجّهتُ براحلتي صوبَ السهل
قرأت صلاةَ الميْت
وأشعلتُ الشمعةَ
- كانتْ في صندوق وصيّته -
فأضاء الكنز ،
وزُلزلت الأرض ،
وغام الضوء ،
وها أنذا
- منذ رحيلي تلك الليلة -
أفقرُ خلقِ الله


الحكاية الثانية:

عند بوّابة البيرة
اجتاز موسى بن غسّان
قائد فرسان غرناطةٍ
قصرَ أحزانه
تاركاً شرراً باقياً
للحصان الذي التمعتْ في الظلام حوافرهُ
ومضى بابن غسّان
قائدِ فرسان غرناطةٍ
وهو يُشرع ، ملتثماً ، رمحهُ للطعانْ


الحكاية الثالثة:

على سفح غرناطةٍ
قريةٌ من قرى السقي
أورثها عاهلٌ لـ ( ابن خلدون )
أورثها ليزيدَ بن مروان
أورثها للإمام الملقّبِ بالقرطبيّ
لمن جاء من بعدهِ من ملوكِ الطوائف
أو من ملوكِ الفرنج
لمن مات مغترباً تحت أسوارها
للمرابين
والقادمين
يودّعهم بالدموع ( ابن خلدون )
مكتهلاً ،
ينحني فوق أيامه الباقيات
وقد خانه الأقربون


الحكاية الرابعة:

من برجٍ في الحمراء
تسمعُ غرناطةُ في الريح أنيناً
وقعَ حوافرَ تنأى
وهديرَ مياهٍ يصبغها الدمُ –
غرناطةُ تبكي
غرناطة من برجٍ في الحمراء
تُدلّي في الليل ظفيرتها
وترى صورتها في بئرٍ
لم يشربْ منها الفارس ،
يأتي محمولاً فوق جوادهِ
يأتي شبحاً
لا تغمضُ عيناه ،
يطوفُ بأرجاء الحمراء
ولا يهدأ ،
أبداً ...
أبداً


الحكاية الخامسة:

في الحمراء
- قال العاشق -
أدركني الليل
ولم تفتحْ غرناطةُ ،
حين رجعتُ
استوقني نجمٌ
سرتُ وراءهُ
غرناطةُ ..
غرناطةُ ..
أعولتِ الريح
فردّدتِ الظلمةُ
غرناطةُ ..
غرناطةُ ..
أطبقتُ على حلمٍ عينيّ
وسرتُ وراء النجم
أردّد مسحوراً
غرناطة ُ ..

1997


أحلام


مفتتح:

دائماً أقفُ في الطابور
ولا يصلني الدور
حتى أنني شكوتُ أحلامي إلى عقليَ الباطن
الذي ظهر لي أنّه يعمل في الخفاء
ضدّي


حلم 1:

حلمتُ أنني عدتُ إلى دمشق
وأنني أسيرُ في أحيائها التي سكنتها من قبل
وأنّ من صادفتُهم يبتسمون لي ابتسامةً ماكرةً
وأنني حين رأيتُ صاحبي
سرنا إلى مبنىً قديمٍ


حرتُ في سلّمه المقطوع
قلتُ: كيف لي أن أصعدَ السلّم،
نصفهُ معلّقٌ
تحجبهُ الحبال والغسيل؟
قال صاحبي الذي استوى في الطابق الأعلى
تعال من هنا
ثمّ أشار صوب مكتبٍ مجاورٍ مكتبهِ المفتوح
حينما أطللتُ فيه
غار صاحبي
واقتربتْ وجوهُ من أمقتهم منّيَ
فاستيقظت


حلم 2:

حلمت أنني في ارضٍ غريبةٍ
بلا زوجةٍ
ولا أطفال
ولا ما يكسوني أو يطعمني
وأنني اتخذت شفيعاً من لا يعرفني
وأن أحداً ممن يُشفع لي عند مسامعهم
كان بوجهٍ شمعيّ يحدجني
مبتسماً
فاستيقظت
مذعوراً
وأنا لا أصدّقُ أنّه حلم

حلم3:

حلمتُ أنني أقرأ شعري
في قاعةٍ خاليةٍ
وأن صوتي انبحّ حتى التمعَ الغبار
وأنّ ليلاً حلّ حتّى عشيتْ عيناي
وأنني أركضُ من ممرّ
إلى ممرّ
تنبحني الجدران

حلم 4 :

حين دخلتُ المدينة
كانت الشوارعُ بيضاء
ولا أثرَ لبيوتٍ هناك
شوارع
تمتدّ
كأنها قطاراتٌ تسرع
أو سلالمُ تمضي
خالية
إلاّ من ظلّي
وقد استحال أسودَ من الخوف
متشبّثاً بقدميّ الواقفتين
وسط شارعٍ يمرّ

حلم 5:

ساحرةٌ
وساحلٌ تعبره الشمس إلى مملكة الجنّ
اختبأت خلف ساترٍ
من ورق الأشجار
قلتُ: هل أنا الطائرُ في الأسر؟
وهذا الجسدُ العملاقُ من ألقاهُ تحتَ قدميّ ميّتاً ؟
قالت: دع الميّتَ للنمل
وغابتْ
كنت كالسائر في البحر إلى مملكةِ الجنّ
وكان الصوتُ يأتيني من الساحل
كان الصوتُ يأتيني من البحر
وكان البحر
يأتيني
كأني ميّتٌ في الحلم

حلم6:

جلستُ إلى بركةٍ أصطاد
فاهتزّ الخيط
وانسحبتْ معه البركة
عاريةً بين يديّ
صحت بطفلي
انظر!
امرأة من ماء!
امرأة من ماء!

لقطة في حلم :

هذا الجبّ المحفورُ في الهواء
من ألقاني فيه ؟

بحر الحلم الطويل :

ولمّا انتهينا عند بغداد أظلمتْ
سماءٌ
وسارت بي خطايَ إلى قبري
وأخفيتُ آثاري
فلا أنا ميّتٌ
ولا أنا حيّ
يعتلي هامتي طيري


هوامش:

قال أبي في الحلم:
"خذ قبضةً من ترابٍ واتبعني"
فتبعتهُ حتى وصلنا إلى ماء
لا أرضَ بعدهُ ولا سماء

*

قلتُ لأبي وقد جاءني زاحفاً من قبره:
آه .. يا طفليَ العزيز!

*

إلى ساحلٍ لا بحرَ له
حملتني شجرةٌ
فالتصقتُ بغصنٍ
ومازلتُ
أتشبّثُ بالغصن
كالطفل

*

مرة عدتُ من تشييع صديق
فحلمتُ بجمعٍ ينحني على القبر
ويقهقه مبتهجاً
فنهضتُ
وقد تملّكني الخوف


*

أنّبني وقال:
"أحلامك أضغاث
وأضغاثي أحلام"

*

وقال:
"رميتُ اليقظة بسهم الحلم
فانفجر ينبوع
لم يروني بعد"


سؤال:

إذا تحققت الرغبةُ في اليقظة
فهل يتبقّى للإنسان
ما يرغبهُ في الحلم؟ "


مجمع الأحلام :

أحلامٌ تطفو
أحلامٌ من زبدٍ
أحلامٌ تتقاذفني كالموج
أحلامٌ ترتجّ
فأنهض أغلقها لأنام
أحلامٌ تنثرني أشلاء
أجمعها في اليقظة
لأعودَ خفيفَ الخطو إلى الأحلام
أحلامٌ تخذلني في الأحلام
أحلامٌ سوداء
بقرني وعل
أحلامٌ بيضاء
بذيل مقطوع
أحلامٌ كالبيضة
للتفقيس
أحلامٌ أقدم من طسمٍ وجديس
أحلامٌ
أحلامٌ
أما أحلامي الأخرى
فلها
- كم يخجلني الشعر-
حديثٌ آخر

1998


9- ديوان زهيريّات
(2005(


زهيريات



يا صاح حالي شكتْ في غربتي حالكْ
نجمي ضريرٌ ونــجمُ الناس أوحى لكْ
والدربُ ما ضــــــــرّني لكنّ أوحالكْ
حيران أبكي على همٍّ مضـى أو عادْ
ما عدتُ أدري صديقٌ عادني أم عادْ
في كلّ يومٍ لــــــــنا عرسٌ وناعٍ عادْ
هل أشتكي حالتي أم أشتكي حالكْ

*

يا نشوةَََ الروحِ في راحٍ لها من صبا
هبّتْ جنوباً وهبّـــــتْ من بعيدٍ صبا
ما كان لي أن أغنّي مــن تغنّى صبا
قاضيتُ نفسي وأوردتُ الذي لم يردْ
قلبي الذي علّنــي من وِردهم لم يردْ
أبدلتُ منفىً بمـــنفىً عارضٍ لم يردْ
أضحيتُ من وحشةٍ أرعى نجومَ الصبا

*

أمضيتُ عمري أسمّي منْ تعالى سما
أبغي مُحالاً وأرنو هازئاً بالســــــــما
ما همّني أبداً طيرٌ بدا أو ســـــــــــما
حتّى إذا امتدّ بي عمري وشـــاء القضا
أن يجمعَ الناسَ من صلّى بهم أو قضى
في غربةٍ ليلها من وحشــــةٍ ما انقضى
ألفيتُني قابعاً ترنو إليّ الســــــــــما

*

ساءلتُ نفسي وهل نفسي عليّ تردّ
تبغين ظلاّ وفي المنفى لــــنا مبتردْ
في حومةٍ أنت أم في جنّــــةٍ لم تردْ
ساءلتُ نفسي ونفســـي في لظاها تدورْ
ما بيـــــن ناسٍ تهادوا بيـــن دارٍ ودورْ
هل دارت النفس في أرضٍ لها لا تدور
أو ضلّت النفس في أرضٍ فلا تستردّ


*


أهلي أفاقوا وما فجرٌ بليلٍ صـــــــــــاحْ
شادوا صروحاً على أنقاضها من صاحْ
ما عدتُ أرثي لهم من شاربٍ أو صـاحْ
أطفأتُ نجمي وخلّفتُ الذي صــاح بي
في ليلةٍ قفرةٍ ســـــــــرحانها صاح بي
لا الأهلُ أهلي ولا من جارهم صاحبي
من حيث روحي أنا من صخرةٍ يا صاحْ

*

أعلنتُ حرباً على نفســـــي بليلٍ يجُنّ
أبكـــــــي قتيلي وأرثي قاتلي إذ يجُنّ
من دون كلّ الورى أشكو عدوّاً يجِنّ
يا ناشدَ العقل عقلي من جنوني أشدّ
عاندتُ هذا وهذا في عنادي اشـــــدّ
حتّى إذا اعتادني وهمي بوهمٍ أشـدّ
غرّبتُ شرقاً وغربي ساحراتٌ وجنّ

*

أضحت ســنيني فلولاً خلفها لم أجدّ
يا سائلي عن سـماءٍ أرضُها لم أجدّ
قلّبتُ طرفي سرابٌ ما أرى أو أجدْ
أخطو إلى الليل ممـلوكاً بقفــــرٍ ملك
يتلو وصاياهُ شــــيطانٌ هوى أو ملك
يا حاطبَ الليلِ قلْ لي من تُرى أمّلك
تُبلي جديداً وكم تُحيي قديماً أجدّ

*

زهيريّ إلى أمي:

أبكيك يامن على بعدٍ كسـرتِ الظهر
مالي إلى الناس من ناعٍ ومالي ظهر
والليل وافى ولم تبرح نجوم الظُهرْ
أنزلتني القفر في بحرٍ طمى بالناسْ
ظلّي انيسي ولي من وحشتي إيناسْ
ما كنتُ يوماً بسـالي عشرةٍ أو ناسْ
ياليت شعري أ باقٍ في مجنّي ظهرْ ؟

*

أمســـــيتُ في حيرةٍ من شاربٍ صاحِ
يمضي مع الناس في إغفاءة الصاحي
إن أســـــكروه صحا من غير إفصاحِ
ما همّــــــهم أمرُهُ يوماً ولا هو همّ
لمّا أطلّ النــدى والليـــــــلُ لمّا همّ
غنّى وردّ الصدى ما اعتادهُ من همّ
يا صاح مالي رجا في الراح يا صاحِ


*

إن غاب شـعرٌ فكم شـعرٍ جميلٍ غابْ
الشــــمسُ ما ضرّها ليلٌ بدا أو غابْ
اربأ بشــعرٍ ســـما عمّا نمى أو غابْ
الشعر أرضي إذا ارتابتْ سماءُ الله
لا أبتغي صاحباً في وحشـــتي إلاّه
أبكيه إن ســـــاقهُ مولىً إلى مولاه
أبكيه طفلاً يتيماً ضائعاً في غابْ


*

ما زلـــــــــــتُ أدفعُ أتراحاً بأتراحِ
حتّى تعبتُ وما في الكأس من راحِ
حتّام أوصــــــل منّي الراح بالراح
ليلي كفجرٍ وفجري تائهٌ كاللـــيلْ
يرنو ضريراً ويعدو صائحاً بالليلْ
يا ليــلُ يا ليــلُ يا يا لــيلُ يا يا لـيلْ
همّي استراح فما همّي وما راحي


*

أطلقتُ في الحلم يوماً كلَّ أفراسي
تعدو وتعدو وتعدو وسْط أعراســي
حتّى انتهيتُ إلــــــــى بابٍ وحرّاسِ
صـــــحتُ: الطريقَ ، فردّوا ما وراء البابْ
غيــــرُ الظلام وغيرُ الريح. صحتُ : البابْ
يرتجّ في الريح. صاحــــوا ، ثمّ غاب البابْ
في ظُلمةٍ لم تزلْ ترتجّ في راسي

(كُتبت في الفترة ما بين بداية الثمانينات ونهاية التسعينات)


10- ديوان ولائم الحداد
(2007)



أسد بابل


على بعد أمتارٍ من النهر
يجلسُ أسدُ بابل
لا مصاطبَ تحيط به ولا أطفال
لا جنائنَ ولا أبراج
وحين يمرّ به الناس
ولا يلتفتون
يهزّ رأسَهُ أسفاً
مردّداً جملةً واحدةً
لا يسمعها أحدٌ
وإن سمعها لا يعيرها انتباهاً:
"أنا أسدُ بابل
أنا أسدُ بابل"

2003


ساحة

أشجارٌ لا تسكنها الطيرُ
وبضعُ مصاطبَ
والكشكُ المهجورُ هناك
ونافذةٌ
(هي عينُ الساحة)
يأتيها الناس فرادى
وفرادى يمضون
وتكتظّ سريعاً حين تطلّ الشمس
تُعِدّ لحافاً من ورقٍ أصفرَ في الليل
وتصغي:
تأتيها امرأة
تمرقُ كالطيف وتدخل كشكَ الهاتف
تابوتَ الهاتف
تخرج شبحاً
بغدائرَ بيضاء
وأصواتٍ لا تفهمها حتّى الأشباح

- أ تسمعُني؟
- هل تبصرُ ذاك الشبحَ العائدَ في الفجر؟
- ألا تبصرُنافذتي؟
(تلك العينُ المسحورةُ)

يأتي رجلٌ
من جهة السوق
فتستيقظ من غفوتها الساحةُ وتحدّقُ:
معطفهُ ينتفخ الآن ولا ريحَ هناك
خطوتهُ تنتقل الآن ولا صوتَ هناك
يداهُ تمرّان على جسدِ الساحةِ
رجلٌ
يأتي من جهة السوق
بمعطفهِ الإسمنت
ويمضي
(قبّعة حائلة تُخفي وجهَهُ)

نافذة تغلقُ ..
نافذة تفتحُ ..
نافذة
وتمرّ جنازتُها ( مَنْ...؟)
تحت ظلال الساحة

رجلٌ
يجهشُ خلف النافذة الآن
ويُصغي
لحفيف الأشجار

2006


خريف موشكٌ على الرحيل

الخريفُ الموشكُ على الرحيل
يصبغُ بالأصفر..
أقدامَ الأشجار

*

ذلك المتقاعدالمزيّن بالنياشين
هو أنا
وقد علقتْ في صدري
أوراقُ خريفٍ صفراء

*

لماذا ترى تتسعُ المقبرة
كلّما أقبل الخريف؟

*
في خريف العمر
ما أقسى اليُتم !

*

ورقة واحدة
دمعةٌ واحدة تتعلق بالغصن ..
دمعةُ الخريف

*

تحت مطر الخريف
ترتعشُ الأوراق ..
صفراء
مبلّلةً بالدمع
مطرٌ أم دمع ؟
مطرٌ أم دمع ؟

*

الخريف
يطلّ من النافذة
ويرحل
أجنحةٌ في الهواء
تصطفقُ الآن

*

مصطبة
غطتها الأوراق
لا تزالُ تنتظر

*

في البرد
لا أحدَ يمرّ
غير حماماتٍ تتنقّل كالأحجار
فجأة ...
يدخل سنجابٌ
فتضطربُ الساحة

*

الأشجارُ وحيدةٌ
تتطلعُ في الليل وتصغي ..
لمن تُرى ..
تصغي الأشجار ؟

*

شتاءٌ مفاجئ
أوراقٌ تلطّخها حمرةٌ
إنها دمُ الخريف

*

الأشجار
- وقد شُذبت الآن
وطالتْ -
كم تبدو عاليةً في الساحةِ !
تمتدّ ..
وتمتدّ ..
تهيئ أقداماً للركض
تلامس نافذتي
وتلوّحُ ..
ماذا ؟
أ أقوم وأصطفّ مع الأشجار
أشذب أغصاني ؟

*

خريفٌ يقاتل حتّى أخرِ ورقهْ



خاتمة للخريف الموشك على الرحيل :

الشتاء يُطلق قذائفَهُ :

القذيفة الأولى : أمطار
الثانية : رعد
الثالثة : بردٌ قارس
الرابعة : عواصف
الخامسةُ .........

وهو لا يكلّ أبداً

ياله من محاربٍ قديم

2005


ذلك الوحش


ذلك الوحش
من أينَ جاءَ؟
وماذا يُريدُ؟
ثلاثين عاماً
يطاردني وأطاردهُ
ويحدّق فيّ كطفلٍ
إذا ما هجرتهُ..
وحشٌ غريبٌ
يطالعني كلّ يومٍ
ويجلسُ بين يديّ
ويبكي
وأوقظهُ حين يغفو ليحرسني
ممّ ؟
وحشٌ
أليفٌ
يروّضني
وأروّضهُ
ونجلسُ معتنقين
ثالثنا السوط
يرقبُه خائفاً
ذلك الوحش
من أين جاء؟

2006


الجسر


الجسر (1)

إثر مجزرة يوم 31/8/2005


الجسر
تُرى هل يقفُ الجسرُ
أمامَ الله؟

سيمرُّ به الأطفال
(حفاةً ..
عارين)
ولن يتذكّر..

ستمرّ به حورياتُ النهر
(بلا أثداءَ)
ولن يتذكّر..

سيمرّ به غرقى
(تلتفّ على أعناقهم الأعشاب
وحيّاتُ الماء)
ولن يتذكّر..

لن يتذكّر..
حتّى لو أقبل كلُّ الأحياء
وألقوا بمواكبهم ثانيةً في النهرْ
لن يتذكّر..

(ما أتعسَ هذا الجسرْ!)

حتّى لو أثقل ظهرَهُ جبلٌ من أحزان الأطفال
وأسمال الأطفال
وأحذية الأطفال
وجاء الربُّ بعرشهِ،

لن يتذكر
لن يتذكر هذا الجسر



الجسر (2)

إشارة إلى مثال هايدغر الشهير عن الجسرفي كتابه (الكينونة والزمان)


جسرٌ تحملهُ الأرضُ
(وقد يحملها)
ويكادُ يمسّ سماءَ الله
يراه
الطفلُ جناحاً
والشيخُ طريقاً
والنسوةُ حبلاً لغسيلٍ
ينشرن عليه ملاءات الليل
فلا يبصرن الهوّة
تلمعُ تحت الجسرْ

تُرى
من يبصرُ تلك الهوّةَ
تحت الجسرْ؟

2005


مرثيّة سوق في بابل


في هذا الأفقِ الممتدّ إلى اللهِ شواهدَ من حجرٍ
وملائكة يبكون
تُرى؟
ماذا ينتظرُ الناس؟
سفينتَهم؟!
مقبلةً
يحملها الطوفان

في سوقٍ يدخلها الآن صيارفةٌ
بلحىً
وسراويل
تُرى ؟
مَنْ يجمعُ أشلاءَ مبعثرةً؟
ويُعيد الكفّ إلى الطفل
وذاك الثديَ إلى الأمّ
ويفتح أبوابَ الطرقات
لآلهةٍ قادمةٍ
من بابلَ
بشعورٍ بيضٍ
هائجةٍ
وعيونٍ غائرةٍ
وصدورٍ حمراءَ
تُرى
مَنْ ؟

……………….
……………….

في اليوم الأول من آذار
في العام الخامس بعد الألفين
أو العام الخامس قبل الألفين
ببابلَ
حدثت مجزرةٌ

2005


صندوق باندورا (1)


كم حذّرتك
ألاّ تفتح هذا الصندوق
وحين فتحتَهُ
وانطلقتْ كلُّ شرورِ العالم منه،
فما عاد هناك سوى ناس يذوون
وريحٍ هوجاء
وشمسٍ لاهبةٍ
ومياهٍ تسودّ
ومخلوقات شائهةٍ كالنحل بأجنحةٍ
وشرورٍ صاخبةٍ
كم حذّرتك
ألاّ تفتح هذا الصندوق
وكم حذرتك
ألاّ تغلق هذا الصندوق
وقد ظلّ هنالك في قاعهِ
ما ينقذنا:
مخلوقٌ
أقوى من كلّ شرور الأرض
ألا أبصرتهُ
أصغر مخلوقات الأرض
وأجمل مخلوقات الأرض
جناحان
رقيقان
وعينان
ساحرتان
لو أبصرتهُ
لو تفتح هذا الصندوق
ألا تفتحهُ؟


2004

(1) هو الصندوق الذي حوى كلّ شرور العالم . فتحته باندورا خطأً وحين سارعت إلى غلقه كان ثمة مخلوق مجنح صغير هو الأمل ناشدها أن تطلقه ليبطل مفعول الشرور التي انطلقت من الصندوق على شكل مخلوقات كالنحل.




ولائم الحداد

إلى جبارفرج الذي شيّعناه في كوبنهاكن يوم 2-2-2006



الدفـن:


تطلعُ الشمس
أو تغربُ الشمس
أو ...
وسْط أزهارِ مَنْ شيّعوك
وأزهارِ منْ ودّعوك
وأشجارِ منْ قدموا من بعيدٍ إليك
وتبقى ..
أبداً
فوق قبرك تثلجُ بيضاء
تلك السماء
أ نقطعها
سائرين إلى القطب
نحمل نعشك أبيض .. ؟!
.............................
.............................
.............................
بعد قليلٍ
ستأتي ملائكةٌ
قد تضل الطريق


صوت أوّل:


ثلاثون عاماً
وأنتَ تعدّ الخُطى ..
وتقول : " غداً "
و" غداً "
لن يجئ
وخلفك تلك البلادُ البعيدةُ
تلك البلاد
- ثلاثون عاماً –
" سأبلغُها
- قلتَ -
حتّى وإنْ..
ضلّني النجمُ
حتّى وإنْ "
ثمّ ألفيتَ ظلّك مستوحشاً
يسأل النجم :
" أين الطريقُ ؟ "
طريقك ذاك
الطريقُ البعيد
البعيد
البعيد
الذي لم يكنْ



طائر الثلج:


أنا طائر الثلج

من يدخلْ غابتي
فلنْ يخرجَ منها أبدا

لياليّ ذؤاباتٌ سوداء
و نهاراتي أعراس

لا أعرفُ من النار غير أحطابها
ومن الشجر غير أحزانهِ

السماءُ حجري
والهواءُ أنيني

ولأحبابي الغرباء
أعددتُ ولائمَ تحت الأرض

أنا طائر الثلج



أغنية طائر الثلج:


يا للموتى
من أحياء !
يُمضون الوقتْ
بالصمتْ
فإذا جاء ..
الليل
وأغفى السهل
وأرهفتِ الآذانَ ..
الغابات
خلعوا الاكفانَ
وهاموا في الطرقات
يغنّون
العاقل منهم والمجنون
العاقل منهم والمجنون


جوقة النادبين:

حتّام تُرى
نُبدل راياتٍ بالأكفان
وأكفاناً بالراياتْ ؟

أيدينا المقطوعةُ
تمتدّ هنا
تمتدّ هناك
إلى الصدقاتْ

منْ يبصرُنا ؟
ذهب الناعون
وجاء الناعون
وما زال الأمواتْ
ينتظرون
وينتظرون


صوت ثانٍ:


البيوتُ محدّبةٌ
- قال -
واطئةٌ
تبلغ الركبتين
أ أدخلها ؟
كيف ؟
- يا للمدينة بعد ثلاثين عاماً-
أ أجتازُ أوحالها شبحاً
وأصافحُ أمواتَها
يلتقون بأحيائهم ؟
أينَ أبصرتُهم قبل ؟
……………..
……………..
- من أنتَ ؟
يسألني عابرٌ
يتطلّعُ فيّ بعينين ميّتتين
ويمضي
وأمضي
و أعبرها شبحاً يتجوّل
وسط مدافنَ واطئةٍ
وبيوت محدّبةٍ
ركدتْ في المياه


نهاية مقترحة لـ (ولائم الحداد):


في محطّةٍ مهجورةٍ
هبط اثنان
قال أحدهما :
- لا أرى مدينةً أبداً
قال الآخر :
- لا أرى بشراً أبداً

ثمّ جاءهما شبحٌ
ليقودهما إلى السماء


2006



11- هجاء الحجر


هجاء الحجر


قال الحكيم:
" السعادةُ أن تدخلَ بحرَ الناس
وتصيرَ سمكةً "
قال الآخر:
" صغيرةً أم كبيرةً؟ "
قال الحكيم:
" تلك هي المسألة "

*
" دائماً يحدثُ العكس "
قال المهرّج
وقد رأى ظلّلهُ على السقف

*
حين رأى الملكُ شعبَهُ عارياً
قال: " ما أجملَ الشعبَ في أثوابهِ الزاهيهْ !"

*

قال العابر:
" في الغابة المسكونةِ بالوحوش
نمنا بسلام "
قال المقيم:
" في مدننا الآهلةِ بالبشر
لم نأمنِ الوحوش "

*

قالتِ الأشجار
وقد سالتْ ظلالُها كالحبر:
" منْ يكتبنا على الطريق؟ "

*

قال العاشق لمعشوقته:
" سأقودك إلى غابةٍ من فضّةٍ
وعشبٍ من الذهب
لنقيم هناك "
قالت المعشوقة:" وكيف نأمنُ الوحوش؟ "
قال العاشق:
" بالذهب والفضّة يا حبيبتي "

*

كان أبي يقول:
" رصاصةٌ واحدةٌ لا تصنع غيرَ ميْتٍ واحد
وفكرةٌ واحدةٌ تصنع آلافاً من الناس "
وحين مات أبي متشبّثاً بفكرته الواحدة
التي أطلقها كالرصاص على الناس
لم يسرْ في جنازته أحد

*

يحبّ الجميع
ولا يحبّ أحداً

*

قال الصحفيّ
وقد رأى صورته في المرآة
"السكوتُ من فضّةً
والكلامُ من ذهب"

*

قال اللصُّ وقد أطربهُ المديح:
"مالُ الناس للصوص
وما للصوص للناس"

*

شيئان كدّرا حياتي
أصدقائي
والشعر

*

لماذا أشهرُ المغنين
أسوأهم جميعاً؟

*

الشعراء الكبار
يأكلون الصغار
ويتضوّرون جوعاً

*

لا أريد أن أعرّف الشعر
أريدهُ أن يعرّفني

*

على النبع
انحنى فمُ الطريق
ليشرب

*

هل تقفُ الأشجار
حداداً على الطريق؟

*

صديقان يعشقان الكراسيّ
أحدهما يجلسُ على اليمين دائماً
والآخرُ على اليسار
الأوّلُ دعاني إلى بيته
والثاني إلى مكتبه
لم أذهبْ إلى هذا
ولم أذهبْ إلى ذاك
بل حضنتُ رأسي وأطرقت

*

في المنفى التقيتهُ،
قال لي:" منذ فارقتك وأنا أتقلّد المناصب
نائباً فوزيراً ووزيراً ثانيةً
ورئيساً كما ترى، وأنتَ؟ "
قلتُ له:" منذ فارقتك وأنا من أسوأ إلى أسوأ "

*

ربّما أعذرُ الصديق
حين يشربُ نخب العدوّ
ولكنْ
كيف أعذرهُ
حين يشربُ دمَ الصديق

*

قال المتدارك:
" هل نمحو الخطأ الفادح
بصوابٍ أفدح؟

*

يريدون
الجريمةَ أن تقيمَ العدل
والعدلَ أن يقيمَ الجريمة

*

ما الشجاعةُ إن أسلمتنا إلى الضعف
والأمانةُ إن أسلمتنا إلى الوعود؟

*

فضائلنا
أ ننشرها فوق حبل الرذيلة
ثم نرزمها في صرر الخاطئين؟

*

البطولات
تقاسمناها جميعاً
أشراراً وطيّبين
ولم يبق منها
ما يزوّدنا في الطريق

*

لكلّ غابةٍ شريعةٌ
- قال -
ولم يخطر في بالهِ قطّ
أنّ لبعض الشرائع غابةً أيضاً

*

حاضرنا
كيف نجتازه
وقد اكتظّ بأيّامنا الماضية؟

*

بابليّون
أكديّون
سومريّون
ولا بأسَ أن تحفرَ بعد

*



لماذا الأشرار
يقصدون السماء؟
والأخيار
يريدون باطن الأرض؟

(عن ابن المقفع)

*

بشفاهٍ من الحجر
ينشدون الطريق

*

سأضع كلّ شيء في مكانه - كما كان -
وأقول لنفسي: " كم تغيّرتِ "



12- نوافذ جديدة:


رقعة شطرنج


-1-

رقعة شطرنج

-2-

جنديّ
في الرقعة
وحدهُ..
لا يدري هل يتقدّمُ
أمْ
يتوقف منتظرا

ً
-3-

جملٌ يُقبل
(من أين؟)
يحمل ظلّ الجنديّ ويرحل


-4-

رقعة شطرنج
أم صحراء؟

-5-


سماء
تتطلعُ
في قافلة
تزحف كالنمل

-6-


رملٌ
رمل..
قافلة من حجرٍ


-7-

ظلّ
يتلفتُ مذعوراً


-8-


لا أحد هناك
(أين اختفت القلعة؟)

-9-

جنديّ
يتفيأ ظله ثانيةً
ويحدّق..

-10-


جنديّ في الرقعة


-11-


رقعة شطرنجٍ


2007


أبراج


1-

في الساحة
يجلس زحلٌ
وبجانبه القوس
وقد نام الحوت بعينٍ واحدة
وعلى مقربة كم يبدو السرطان ضئيلا
والعقربُ
وهو يحدّق بالحَمَل القادم
تتبعه العذراء
(ترى من جاء بها الليلة؟)
ثمّ أتى الباقون
الميزان يوازن خظوتهُ
الدلو يحاذر أن يندلق الماء
الأسد
الثور
الجدي (ترنّ جلاجله)
الجوزاء
ما ألطفهم هذي الليلة!
ما ألطف كلّ الأبراج!

(هناك
على الأرض
ظلّ يلوّح
مبتعداً في الظلام
لمن؟)

2-

عند برجي
رأيت الحصى يتطايرُ
والخيل تعدو
وفرسانها يتدلون
والعربات تمرّ
وترتدّ صيحاتها في البعيد
صدىً خافتاً
ثمّ ألفيتني عائدا
أرقب النجم..
يسبقنيً


(ذلك الظلّ
منتظراً
في الطريق
لمن؟)


3-

ثانية
تجتمع الأبراج


نهاية غير متوقعة للأبراج:


الثلاثاء
برجيَ يستقبل القوس
برجي سيُطلقني


2008


الضحك


سأقفُ على منحدرٍ من الناس
وأقهقه .. أنا الضحك

*
على قدمٍ واحدةٍ
أمرّ
وبريشةٍ واحدةٍ
أطير

*
البحار
أحملها
على إصبعٍ
وأدور
ثمّ أقرشها
لأنام


*
مملكتي
هذا السيرك الواسع
من البشر
والسماء
والنجوم

*
بسعفةٍ أسوق الكآبة إلى حظيرتي
راضعاً
ثديها الحزين

*
أنا الطائر في الهواء أبداً
ولا مستقرّ لي هناك

*
الحواريّ تعرفني
والبلاطات تعرفني
وأنا ذاك أنا
معلناً عن قدوميَ السفيه بالطبول

*
أنا المزمار الفارغ
والمعدة الخاوية
بولائم جوعي أقيم الأعراس

*
بعصاي
أرفع الغطاء عن البحر
مختبئاً
خلف حوريّة عارية

*

لتضحك أيها السيّد
وقد تلطّخ السرير بالوحول
لتضحك أيها العبد
وقد تلطّخ السيّد بالوحول
لتضحكي أيتها السيّدة
وقد تلطخ الاثنان بالوحول


*
ردائي أوسع من مملكتي
ومملكتي أضيق من حاشية
أقطعها بحصان من خشبٍ
أنا الضحك

*
للبيوت التي أدخلها أجنحة
من رآها تطير؟

*
عند كلّ عزاء
أقف بعيداً
وأنتظر
لعلّ من يمرّ
يتذكّرني

*
الجلاد
أفزعه بضجيجي
والقاتل
أفزعه بهدوئي
وأنا أتطلع من زاويةٍ في حافة طاقيتي
مائلاً بعصاي

*

الكبار يحملونني
والصغار أحملهم
وبجنحٍ واحدٍ
نطير

*
حين أبكي
تسقط الغصون من الأشجار
والأجنحة من الطيور
ولا يحضر غير الأشباح

*
لماذا الأشباح
تعول
عند حضوري

*
مرةً خفتُ
فأنستني ضحكاتي
الخوف

*
ها ها
أنا الضحك


2008


غروب

غروب ماكر
يمزج الليل بالنهار
ضاحكاً
وينطفئ

*

غروب
يجرجر أشباحه
في النهار

*

على مدارج السماء
يصعد الغروب
متمهلاّ
ويلتفتُ بفزع

*

غروبي
عتبة جمر
إلى الأبدية

*

العباءات سود
المواكب سود
والليل أسود
ولا أدري
ما سيكون لون الغروب في مدينتي

*

قال لي الغروب مرّةً:
"احذر الليل!"
ومرّةً:
"احذر النهار!"
وحين ظلّ صامتاً
- مرّةً-
خفت

*

من يقف على الجسر
ليبصر الغروب
باكياً عند الضفّة؟

*

ذات نهار
وقد نسيت الصلاة
أرادني الغروب أن أسجد

*

ظلال الغروب الطويلة
ألبسها عادةً
من رآني أمثّل دور المهرّج؟

*

لماذا يطرح الغروب
أسئلته
على العابرين إلى الليل؟

*

على البحر
سال
مداد الغروب

*

في "المهديّة"
عند الشاطئ
ما الذي أراد الغروب أن بقول لي؟

*

لماذا ترى يخلع القلب
هذا الغروب الجميل؟

*

أتذكر غروباً
ظلّ يصيح طوال الليل
غروباً أعمى

*

كم يتخبط هذا الغروب السفيه في دمه
وهو يضحك

*

خفيفاً
يقفز الغروب إليّ
من الشرفة

*

أيها الغروب
أرني وجهك!
حتام ترى تتخفّى خلف الحائط؟

*

لماذا تتبعني
أيها الفظ
وسط الزحام؟

*

كم يحزنني
ذلك الغروب الضارب في التيه!

*

تمهلْ
الغروب الطالع من الشطّ
سيبزغ من هناك

*

غروبٌ يدوّي-
سيارة إسعافٍ تمرّ

*

أيحضر الغروب نادماَ
وليمة النهار؟


*

تسألني الشمس:
" لماذا تسمّي الغروب غروباً؟"

*

صيحة
أم حجرٌ
يرميه طائرٌ
في بركة الغروب؟


*

لماذا يهرّج هذا الغروب
ولا أحد هناك

*

ما الذي يفعلهُ الغروب
وحيداً
في الصحراء؟

*

في الغروب
يشتعل جناح الطائر
وهو يمرّ

*

سأقف كالممثل
على شرفتي
وأقهقه
في مسرح الغروب


*

شرفتي
تلطخت
بدم الشمس

*

فجأة
في الغروب
تتصلب الأشجار
وتكتسي بالصدأ

*

في الغروب
من يسمع نبض الشجرة
في إطراقة الأوراق؟

*

يا لليل من بركان خامد
فوّهته الشمس!

*

غروب-
الشجرة العارية المطرقة
تنصتُ
لحفيف الأوراق

*

الشجرة البيضاء
الواقفة كالشبح في الساحة
فجأة
تدبّ فيها الدماء
ساعة الغروب

*

هل الغروب عشّ
لهذا الطائر؟

*

غُصُنٌ يابسٌ-
جمرةٌ
تتوهّج عند الغروب

*

لماذا تحذر الليلَ
أيّها الغروب
المتكبّر

*

الغروب
يضؤل الآن شيئاً
فشيئا
يصير ظلاماً
تراني استحلتُ غروباً ؟

*

غروب يتهادى بأسماله:
ملكٌ أم شحّاذ؟

*

خصلة من غروبٍ تبقّت
شمعةٌ من غروبٍ تبقت
شبحٌ من غروب

*

سُهُبٌ كالصحيفة يذرعها
منذ بدء الخليقة
غولُ الغروب (1)

*

كيف أسلّي النفس
بغروبٍ ميْت؟

*

غروبٌ
أبيض
تلمع فيه الأسماك

*

يا لأذني
كم ترهف السمع عند الغروب!

*

غروبٌ
أنعبرهُ مسرعين
إلى ظلمةٍ،
كالظلال؟

*

منذ عشرين عاماً
وهذا الغروب
يلوّح لي
هل يقول:" وداعا " ؟


*

الغروب الذي ينهض الآن في شرفتي

*

الغروب الذي ينهض الآن من شرفتي

*

الغروب الذي يتمدّد فوق سريري

*

الغروب الذي تتردّد أصداؤه في السماء

*

الغروب الذي تتساقط أوراقهُ

*

الغروب الذي يتفجّرمنتحراً

*

الغروب الذي يتدافع والناس

*

(يا للغروبْ!
وهو ينسج خيطاً على حائطي واهياً )

*

الغروب الذي يفصل الآن بيني وبين حبيبي

*

الغروب الذي يفتح الآن أبوابهُ
ويغادرني غاضباً

*

الغروب..
الغروب..
الغروب





(1) إشارة إلى بيت تأبط شرّاً

وإني قد لقيت الغول تهوي بسُهْبٍ كالصحيفة صحصحانِ


2007


نوافذ


مفتوحة في الصيف
مغلقة في الشتاء
وفي الخريف
لا أدري لماذا أغلقها
أو أفتحها!
وقد لا أتذكّر في الربيع ماذا أفعل؟

*

مرّة حملتُ أمتعتي
وسرتُ
كانت النوافذ تتبعني

*

آه..
لو في السماء نوافذ
منها يطلّ الإله!

*

في طفولتي
لكلّ نافذةٍ شجرةٌ
ولكلّ شجرةٍ..
نافذة..
يتدلّى منها عشّ

*

أجمل النوافذ
نافذة في قطار

*

الببغاء الخضراء
المعلّقة في النافذة
أين؟

*

النافذة القريبة من الجسر
لماذا تبتسم
كلّما مررت؟

*

نهرٌ
وجسرٌ صغير
تعلوهما نافذة
تعلوها شجرةٌ
تعلوها سماءٌ
تعلوها..

*

من يغلق النافذة هناك؟
إنها تحدّق بي

*

ريح
أجنحة تصطفق
نافذةٌ تهمّ أن تطير

*

ورقة تطير
وتحطّ عند نافذتي
ورقة وحيدة

*

كثيراً
ما تهرع النوافذ في الطريق
كالبشر

*

كم شهدت النوافذ
من بشرٍ
يطيرون في الهواء

*

تنفتح النافذة
للحصاة الصغيرة
ولا تنفتح للحجر

*

كيف يكون هناك
نافذةٌ
وشجرةٌ
ولا يكون بحر؟

*

ما أوحش نافذةً
لا تُفتح أبداً!


*

النوافذ
واطئة
أو عالية
تسحرني

*

أحبّ النافذة
تدير وجهها إليّ

*

في الزقاق الذي عدوتُ فيه
ما أكثر النوافذ
وما أقلّ الغرف !

*

يا لتلك النوافذ
تعبق بالخلّ
ورائحة أمّي!

*

مرّة جلستُ قبالة نافذتي في الساحة
أتطلع فيها وأسأل:
من الذي يتقدّم هناك
ليغلق النافذة؟
(لا أحدَ في البيت!)

*

يا لنافذتي
تلتمع كالمرآة
فأرى الجسر والطريق
الشجرة والهواء
أجل..
الهواء
أزرق كالبحر..

*

أتذكّر نافذة
في مستشفىً
زرقاء
تزيّنها الأزهار
ويملؤها
-حين أجئ بصحبة أمي-
وجهُ أبي

*

لا ادري
لماذا تدخل الأشباح
من النافذة
ولا تدخل من الباب؟

*

حين تزدحم الأبواب بالشياطين
ما تفعل النافذة؟

*

من نافذة مغلقة
يطلّ هذا الناقد التعيس

*

لماذا يقفز المهرجون إلى النوافذ
وينتظر الشعراء
على الأبواب؟

*

في غرفتي المطلة على الطريق
في طفولتي
كنتُ أقرأ بعد منتصف الليل
فاهتزّت الستارة
كانت الطريق ترتفع
والنافذة تهبط

*

أعرف نافذة
حين يمرّ بها النهر
يعلوها الماء

*

لماذا عند نافذة الليل
تُبطئ النجوم؟

*

نافذة بلا جدار
نافذتي

*

نوافذ كثيرة تحيط بي
أريد أن أنام
تقول الساحة

*

من يهب النافذة
شريطاً أسود
هذا اليوم؟

*

أنا من رأى الشارع يبكي
تقول النافذة وتضحك

*

بيتٌ
بلا نافذة
أعمى

*

حتى النوافذ المغلقة
تنفتح
عند مرور العاشق

*

ما أتعس نافذة
لا تكلم غير الحائط!

*

نافذة السجين
ما أرحبها!

*

في جدار السجن
من يجد النافذة؟

*

خيوط
تصل السماء بالنافذة:
مطر الربيع

*

قنديل يشتعل
نافذة تصغي
ومنشد ضرير يمتدح الليل

*

صرخات
من يطلق الصرخات
في غياب النوافذ؟

*

هناك
في الدروب البعيدة
حيث الجبال شواهدُ غابرة
والمياه غامضة
نافذة صغيرة
تطلّ

*

في الصحراء
نافذة
لِمَ لمْ يرها غيري؟

*

نوافذ البحر
أ تفتحها الحوريات
للبحّارة حين يمرّون ؟

*

قبرك
أم نافذة سوداء
في جزيرة نائيةٍ
هذا الذي أراه
يا حبيبتي؟

*

قال طفلي
وقد رأى مقبرة
من خلف نافذة القطار
"ما أجمل المقبرة!"
غير أن الطفل الجالس أمامه لم يفهم
بينما انحدرت دمعتان على خديّ

*

في نوافذ شعري
سأوقد للزائرين
الشموع

*

تلك النافذة الخفيفة
كظلّ
هل يثقلها الضوء؟


*

عين الإبرة
نافذة للخيط

*

النافذة المحاذية للطريق
وطئتها الأقدام

*

هذا الرجل
يحمل نافذته معه،
ويسير

*

بالألواح والمسامير
يهيئون نافذة
للصلب

*

النوافذ المزينة بالأعلام
تشهد جنازة الشارع

*

"لا تمددْ عُنُقاً
من نافذةٍ
أضيق من رأسك ! "
قال الحرف

*

كثيراً ما أسمع أنين النوافذ
وهي تدير ظهرها للطريق
وتنتحب

*

الملاك الذي مرّ
كيف علق جناحاه بالنافذة؟

*

عصفور
يقف على النافذة
يحملها ويطير

*

يا لتلك النافذة المطلة على ساحة الإعدام
ما أبشع نظرتها!



قالت النافذة:


أنا الفانوس السحريّ
للغرفة الوحيدة
أعكس كلّ شيء على السقف
وأبتهج


*

كلّما رأيت خريفاً
يصفرّ
ارتجفتُ

*

لا أريد للعابر
أن يتوقف
ليراني


*

تذهب الجدران
وأبقى أنا




تسأل النافذة:


هل يعرف الحكيم
أنني عينُ الأبدية؟

*

يدٌ تصفعني
لماذا؟

*

لماذا تصبغني الشمس
بالدم كل مساء
و يرجفني الشارع في الليل؟

*

لماذا
حين يمر الجنرال
لا يراني؟

*

هذه القطة
أ تنصتُ لثرثرتي؟

*

من يقيم الحداد
على الشارع بعدي؟

*


حتّام يقف الغراب
عند رأسي ناعقاً:
"أبداً..
أبداً..
أبدا"؟

*

أنا النافذة
أنا الشاهد الوحيد
من يسمعني؟



نافذة للطفل:


النخل الواقف أبداً
برؤوس مرفوعةٍ إلى السماء
وجذوع مكشوفةٍ في الظلّ
الناحل أبداً
لا يرى الجسر
يعبره الطفل
(في النهار)
ولا السدرة الساهرة هناك
بأغصانها الممدودة كالأسلاك
حين ترفعني
إلى الشرفة المطلّة على النهر
والنوافذ العالية
وهي ترقب الطريق الذي يمتدّ
ولعلها لا تزال ترقبهُ
أوترقبني
النوافذ..


نافذة أخيرة:

النافذة يغمرها الضوء
فينهضُ يفتحها كالممسوس:
تلوح سماء خالية
إلاّ من بعض ظلالٍ
تتحرك
صامتة
لأناسٍ (موتى أم أحياء؟)
ظلالٍ لا تلتفتُ إليهِ
ولا يوقفها قمرٌ
أو شمسٌ أبداً
أو شجرٌ يهتزّ
وقد يبصر ظلّه
فيحار
ويسأل:
"ماذا يفعل ظلّي
بين ظلال الناس هناك؟
تراني متّ؟ "



خاتمة:


أنا عبدالكريم كاصد
أتبرأ من نافذتي




فهرست


1- ديوان: الحقائب (1975)
ثلاثية السفر
الغرف
الحقائب

2- ديوان: النقر على أبواب الطفولة (1976)
الجسر
صيف
سكينة الأهوازية
انخطافات ألف ليلة وليلة
النقر على أبواب الطفولة
قوارب

3- ديوان: الشاهدة (1978)
الشاهدة
الموت في مشهد إعدام
إلى عام 1977

4- ديوان: وردة البيكاجي (1983)
وردة البيكاجي
البركان العدنيّ
ليل عدنيّ
القوارب
مجنون

5- ديوان: نزهة الآلام(1991)
عربات الأحلام
طبيعة صامتة
الصلب
غناء
رحيل
المخلصة
كتاب البصرة
عراقيّون

6- ديوان: سراباد (1997)
سراباد
مرثية ابن خلدون
جنود
مقهى
أغنية الهواء

7- ديوان: دقات لا يبلغها (1998 )
الرائي
توهم
احتفال
دقات لا يبلغها الضوء
الشبيه
ما قاله الظلّ
حكمة الخاتمة

8- ديوان: قفا نبكِ (2002)
حكايات من الحمراء
أحلام

9- ديوان: زهيريات (2005)
زهيريات

10- ولائم الحداد (2007)
أسد بابل
ساحة
خريف موشك على الرحيل
ذلك الوحش
الجسر
مرثية سوق في بابل
صندوق باندورا
ولائم الحداد

11- ديوان: هجاء الحجر
هجاء الحجر

12- نوافذ جديدة
رقعة شطرنج
أبراج
الضحك
غروب
نوافذ





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,327,232,085
- عن المسرح الشعريّ
- ديوان: وردة البيكاجي
- عن الملائكة- رافائيل ألبرتي
- ديوان الأخطاء
- ديوان : ولائم الحداد
- قصيدة طائفية
- مقاهٍ لم يرها أحدٌ
- هايكو: جاك كيرواك
- لعبة واحدة، اثنتاعشرة قصيدة، والشاعر العربيّ في المنفى
- من مختارات هارولد بنتر الشعرية
- الشاعر خارج النص: قصائد مختارة
- الشاعر خارج النص:الفصل الخامس
- الشاعر خارج النص: الفصل الرابع
- الشاعر خارج النص: الفصل الثالث
- الشاعر خارج النص: الفصل الثاني
- الشاعر خارج النص: المقدمة والفصل الأوّل
- غابات الماء أم غابات الأخطاء؟
- الأيديولوجيا لا تأسرني - حوار: عدنان البابليي
- ترجمات إليوت إلى اللغة العربية
- ما أوسع المقبرة.. ما أضيق الجبل!


المزيد.....




- بنعبد القادر يدعو إلى الانتقال إلى تدبير مهني مبني على الكفا ...
- فنانات يكشفن عن أعمارهن وأخريات يتكتمن عليه
- جائزة البوكر العربية.. تسريبات واعتذارات
- هؤلاء هم رؤساء اللجان البرلمانية الجدد
- لأول مرة..ذكاء اصطناعي يبتكر موسيقى من نوع الميتال...من دون ...
- حادث خطير يدفع إلى إخلاء دار الأوبرا في سيدني!
- رواية «النبيذة».. سرد سينمائي عن العراق
- ترامب يتعرّف إلى -توأمه- الصيني الغائب في الأوبرا الصينية
- مرشح للرئاسيات الموريتانية يتعهد بحل النزاع في الصحراء المغر ...
- لجنة -خيلوطة بزعلوك- وخلط الأوراق: مولاي والآخرون !


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم كاصد - مختارات شعرية: نوافذ