أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف مفتوح -8 مارس 2010 - المساواة الدستورية و القانونية الكاملة للمرأة مع الرجل - عبد القادر الدردوري - نظرة الى قضية المرأة















المزيد.....



نظرة الى قضية المرأة


عبد القادر الدردوري
الحوار المتمدن-العدد: 2963 - 2010 / 4 / 2 - 00:29
المحور: ملف مفتوح -8 مارس 2010 - المساواة الدستورية و القانونية الكاملة للمرأة مع الرجل
    


الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان
فرع قليبية قربة
الوعي بالدوافع الأصلية للدفاع عن المرأة التونسية
1) ما لا يجوز أن يغيب عنا:
1 ـ 1 :
نود، بادئ ذي بدء، أن ننبه إلى أننا،عندما نتعرض إلى أمور دينية، لن يكون ذلك، مِنا بعقلية الفقيه وأدواته بل بعقلية المفكر، والحقوقي، الذي يرى أن من حقه ( وواجبه الإنساني) أن يفكرفي(والكائن بالفكريكون إنسانا) يفكر في نفسه وفي الكون من حوله وفي تاريخه وتاريخ غيره ، ومن ضمن ذلك تفكيره في التراث الإسلامي، الذي هو حق مشاع بين جميع الناس ، باعتباره تراثا إنسانيا عاما، يمكن التعامل معه بروح نقدية، قد نخطئ فيما نستنتجه منه ، كما أننا قد نصيب ، فإن أصبنا فأجرنا راحة الضمير وإن أخطأنا فلنا أجر التفكير الباحث عن الحقيقة والصواب، وما على من بقي متمسكا بالعقلية الفقهية، الجامدة، ألاّ يرمينا بحجارة تكفيره ولا يجلدنا بسياط زندقته، لأننا لسنا في عصر" الجَهم بن صفوان"، ولا ابن حنبل، ورجاؤنا أن يعتبرونا من " الناظرين في ملكوت السماوات والأرض"، وعصرنا عصر حرية الرأي والتعبير، وحقوق الإنسان، نناضل جميعا للحصول، والمحافظة، عليها، وقد ندخل، بسببها في معارك ضد أعدائها ومفتصبيها، وعلينا أن نعرف أن خصوم تلك الحقون لا يخجلون، عندما يستعملون" الدين لتبرير مواقفهم، ويقدمون أنفسهم ، بمساندة ممن يجعلون أنفسهم أوسياء على الدين والمحتكرين لتفسيره وقراءته، القراءة التي نعرفها، والتي لو سمع بهامحمد(ص) لأنكر إسلامها ولتبرأمنها، لأنها، في حقيقتها وأهدافها ، تكرَس العبودية والقهر والإستغلال، وبالتالي هي قراءات سطحية، تتنفس من " ثقافة الرعية/ ثقافة العار" ولا تخدم إلاّ قوى الظلم والقهر والطغيان والظلام.
1 ـ 2
إن الدراسة المعمَّقة في " أصول الدين " ترينا أن مصادر التشريع الإسلامي على نوعين : أساسية( قرآن وسنة صحيحة وإجماع، وقياس)، وتكميلية، (كالإستحسان، والإستصلاح، والإستسحاب ، والمصالح المرسلة...) ، وأن عدم التوقف عند الأصول الأساسية ، ومواصلة البحث فيما يحدث من حوادث ونوازل دفع هولاء المفكرين إلى الإجتهاد لاعتقادهم بأن الحياة تطور مستمر، ومَن يتوقف لا تنتظره الحياة، وأن " التشريع الإسلامي سُنَّ على قدر الحاجة "وبذلك توصلوا إلى استنباط تلك الأصول التكميلية تماشيا مع تطور الحياة، كما أنهم صاغوا"المذاهب الفقهية" و القواعد الشرعية".وأنهم استفادوا من نزول القرآن "منجما" طيلة ثلاث وعشرين سنة، ليؤكدوا للمسلمين أن القرآن نفسه تدرج مع الحياة . فهل أن ذلك الجهد الفكري، لإستنباطي حلال عليهم يُؤجَرون عليه، وحرام على من سيأتي من بعدهم، يعاقبون عليه، بعزلهم من وظائفهم وتجريدهم من شهاداتهم واضطهادهم في أبدانهم وعيشهم وتحركاتهم، مثلما جرى للمفكر التونسي" الطاهر الحدادن وما يجري اليوم لغيره في مختلف البلدان الإسلامية، وبأسباب ومسميات أخرى، زكأن هؤلاء الفَعَلة جعلهم الله أوصياء على الإسلام ، يكفرون كل من خرج على " السائد" من مفاهيمهم وتأويلاتهم ومقرراتهم، التي تحميها السلطة دائما، تظاهرا بأنها حامية للدين ومدافعة عنه؟
وقد وصف الشاعر أبو القاسم الشابي(،وهو من أصدقاء الحداد)، هذا الإضطهاد الذي تعرض، ويتعرض، إليه المفكرون والصلحون فقال في قصيدة له بعنوان " تونس الجميلة" التي كتبها في 02 جوان 1925، يبكي قيها حال تونس التي شوّه التعسف والإستبداد جمالها(وماذا بيد شاعر رقيق النفس ،أن يفعل ، وهو في غربته الروحيية، غير أن يبكي حالما ويحلم باكيا، بدافع من شعوره الفياض، بأنه ،بحلمه، يقاوم" ديدان العفن":
لست أبكي لعسف ليل طويل، أو لرَبْعٍ غدا العفاءُ مراحــهْ
إنما عَبرتي لخطب ثقيــل، قد عرَانا، ولم نجد مَن أزاحه
كلما قام في البلاد خطـيب موقظ شعبه يريد صلاحـــه
ألبسوا روحه قميص اضطهاد فاتكٍ شائك يردّ جمــاحــه
ومعروف أن هذه الحالة، المتخلفة، تكون في الأنظمة الاستبدادية، وهي، دائما عدوة لكل فكر حر، لأن الفكر الحر يفتح العيون وينشر الوعي، وكل ذلك لا ينخدم مصلحة الإستبداد، الذي، عادة ما ينتشر في ظلام الجهل، ثم يبحث عن حلفاء له يطبلون له ويزينون برامجه ومشاريعه. وقد قال أحدهم:" ا ذا طرق الرقيُّ بابَ أمة، سأل: هل يوجد فكر حر؟، فإن قيل له: نعم، دخل. وإن قيل له لا، انصرف" ( أنظر ما كتبه الكواكبي في كتاب له عن الإستبداد)، ومن هذه الناحية، حدّث عن البلاد الشرقية، ولا حرج، وقد تفنّنت في الإستبداد أيما تفنن، مما جعل المؤرخين يطلقون عليها:" الإستبداد الشرقي" وبعضهم سماه " الإستبداد الآسيوي"، حتى أن المتشبعين بثقافته والمكتوين بناره صاروا يتقبلونه، وكأنه أمر طبيعي، في أغلب المراحل التاريخية، فهذا ثائر هُزِم في المعركة يُقطَع رأسه ويُحمَل هدية
ثمينة للخليفة، كما حدث للحسين ابن علي، وعبد الله بن الزبيروغيرُهم وكثير، بينكا ه=ه السلطة ومعها فقهاؤها/ تنتهك جوهر الدين، باضطهاها للناس، وإغراقهم في الجبايات، وإ=لالهم بمطالبتهم بما هو فوق طاقاتهم الإنسانية، دون رحمة ولا شفقة؟
1 ـ 3
نستنتج مما سبق مشروعية أن يفكر ( في أمر المسلمين، وأمر غيرهم) ابن رشد، والطوفي، ومحمد عبده، والإفغاني، والكواكبي ، والثعالبي والطاهر الحداد وعلي عبد الرازق وعبد القادر الدردوري، وحمة الهمامي، وغيرهم، عملا بالحديث النبوي القائل:" من اجتهد وأساب فله أجران، ومن اجتهد ولم يصب فله أجرواحد" سواء كان مجال اجتهادهم دينيا أو اجتماعيا، أو سياسيا، لأن الحقيقة لا يملكها شخص واحد ولا جيل واحد، ولأنه، أيضا، ما كان يصلح لمعاوية وعلي قد لا يصلح لأنور القوصري وعلي بن سالم، وما كان يصلح لأسماء بنت أبي بكر لا يصلح لراضية النصراوي ولا لسهام بن سدرين.
1 ـ 4
أما فيما يخص حاضرنا وقضايا شعوبنا وتطلعاتها في الحرية والعيش الكريم، فله منطقه، ونضالاته، وذكرياته، وآليات عمله، ولا نظننا نرضى إلاّ بما نسطره لأنفسنا وبإرادتنا الحرة ، وقد تشبعنا بثقافة حقوق الإنسان والديمقراطية . ولعل البعض منا ما زال يتذكر إحدى مسرحيات دريد لحام بعنوان" على نخبك يا وطن"حيث أراد بطلها دريد أن يهرب من واقعه المأساوي فغرق في شرب الخمر، وتخيل أن والده المتوفى قد خاطبه من الجنة عن كذا وكذا.. فعلق الأب :" وماذا ينقصكم، إذن؟" فأجابه:" لا ينقصنا إلاّ شْوَيّ(قليل) كرامة" وهذه الـ"شويّ" تعني الكثير باعتبار أن الكرامة كل لا يتجزّأ، فإما كرامة وإلا لا كرامة. ونحن في حالتنا التي نعيشها ونتجرع عكسياتها وتناقضاتها لا نملك معها إلاّ أن نقول:" لا ينقصنا إلاّ شوي تطبيق، و" شوي"احترام للقانون والمواطن ، رغم أننا أفضل من غيرنا في البلدان الإسلامية والعربية"مما قد يجعلنا نردّد كلمة" الهَمْ فيهْ ما تِختارْ، وبالقياس نقول : الإستبداد فيه ما تختار، ولعل المهموم قد يضطر للإختيار بين كلب عضّتُه شديدة ومؤلمة، وبين كلب عضته صغيرة. والمرأة الشرقية( ومن ضمنها التونسية) وجدت نفسها غارقة في " الَهمّ" والإستبداد من قِبَل الرجل سواء كان أباها أو شقيقها أو زوجها، وفي بعض الأحيان لإبنها الكبير، عند موت زوجها، وهي بالضرورة ستقبل أن تكون " تحت" رحمة الزوج فتخدمه كما يريد، ولعل هذا ما عبّرت عنه الكلمة المصرية على لسان المرأة، تبريرا لقبولها أي زوج يتقدم إليها، حتى ولو لم يُرضي طموحاتها ، فتقول:" ظِلْ راجِلْ ولا ظل حِيطة= حائط"
وعلى كل حال فالواعون بحالهم لايختارون بين هَمٍّ وهم وبين استبداد واستبداد، بل هم يرفضون الإستبداد، أصلا، مهما كان نوعه ودرجته وأهدافه، ولا يكتفون بالرفض وإنما يتعدّونه إلى مقاومته، حسب ظروفهم وما أُتيح لهم من وسائل وقدرات، وبهذه العقلية قاوم شعبنا الوجود الإستعماري مقاومة شرسة، قادته للفوز عليه ، ومن ثم دخل في مقاومة مخلفاته وبناء دولته العصرية، بقيادة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة(1903-2000)
ومن هنا نشعر بنكهة كبيرة في كل عيد من أعيادنا الوطنية والعالمية، وهي عندما تهلّ علينا نستحضرها بكل عمق، ونستولد منها الدروس والعبر، إصلاحا لأخطائنا، الماضية والحاضرة، وتلمّسًا لطريقنا الذي اخترناه .
وقد يرى البعض، لغرض في نفسه، أن تواريخ الذكريات الإنسانية،( كأعياد الاستقلال والثورات وميلاد الأبطال، وأعياد الشغل العالمية، وانبعاث الأمم المتحدة وصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أو النصر على النازية، وسقوط الديكتاتورية.. الخ..)ـ نقول: هؤلاء "السذج" يجعلون من تلك الذكريات فرصة للإسترخاء والتمتع بـ" إجازات" خالصة الأجر، تعَطَّلُ فيها الدراسة، وتقام المهرجانات الخطابية، المموِّهة، والحفلات الغنائية، المائعة. لأن العبرة عندهم في البهرجة" الشكلانية" الخلابة، التي تأخذ بالأنظار، دون أن تمس الأفكار والعقول، ولم تكن غايتهم تحريك العقول، وجعلها تستحضر الذكريات واستخلاص العبر للتوفّق في بناء المستقبل، بل كانت غايتهم التلاعب بعواطف الناس وإبهارها الظاهري. وهذه الشكلانية، بما لاها من بريق ظاهري،إبهاري ساحر، صارت الأداة المفضلة للرأسمالية للتضليل علىالطبقات المسحوقة والمهَيمن عليها، المخدوعة في وعيها وأرزاقها، خاصة وأن الأولى ترى من الأسهل والأجمل لها أن تضع شعارات خلابة، مثل لكل المواطنين الحق في السفر إلى خارج الوطن، وهي تعلم أن هذا الحق لا يكون إلا لمن له المال لاقتطاع تذكرة للسفر والإقامة وتصريف العملة وما إلى ذلك من مستلزمات السفر، فيكون هذا الشعارالجميل أفضل، لها، لإحكام التضليل والخداع من القول " لا يحق السفر خارجَ الوطن، إلا لمن يملك المال" وهي لا تستعمل الشعار الثاني لأنه قاضح ومفضوح ومكشوف، وتستعمل الأول لأنه يتضمن الثاني، إلا أنه في الصيغة الأولى تمت تغطيته بالبهرج الشكلي فظهر خادعا. ومن هنا تم استعمال " الشكلانية" في التعامل مع الذكريات والأعياد الوطنية والعالمية والدينية، بما في ذلك اليوم العالمي للمرأة في 08 مارس من كل سنة، والذي هو ثمرة نضال المرأة لتحقيق مطالبها المشروعة، باعتبارأن لا حقّ يأخذه صاحبه دون أن يقدم لأجله الثمن الغالي من أعصابه وروحه وصحته. أما إن ظل صاحب الحق مكتوف الأيدي( ويردد :" ماضاع حق وراءه مُطالِب" ، وينتظر، دون عمل، أن يأتيه حقه إلى حيث يجلس أو ينام فلن يأتيه أبدا، وحتى إن أُعطِي إليه شيء وظنه حقه فهو واهم لأن الحق لا يعطى بل يُنتَزَع .
ونحن، في هذه الإطلالة، نود أن نتحدث عن وضعية المرأة ،امن وحهة نظرنا، (ذات الخصوصية الرابطية(نسبة إلى الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والتي قد تتفق وقد تختلف مع وجهات نظر أخرى حزبية ، لها خطها السياسي وانضباطها الحزبي) لكنها، على الأقل، بعيدة، كل البعد، عن " الخداع الشكلاني" والتضليل الاستغلالي ، الذي نراه في "سذاجة" الخبثاء، الذين، هم حقا، "يصطادون في الماء العكر"، بعدما كان الماء صافيا وقاموابتلويثه ، وأوهموا الناس بأنهم وجدوه ملوثا، كل ذلك لإبعاد الناس عنه والاستحواذ عليه. زقد كان فعلهم هذا كفعل خبيث كان في طعام مشترك بينه وبين غيره، وفكر في أن يجعل الطعام له وحده ويحرم منه شريكه، فهداه عقله "لمخروب" إلى أن يبصق في هذا الطعام لينصرف عنه شريكه ، وكذلك يفعل الرأسماليون عند معاملة غيرهم، وتفعله مدرستهم وفلاسفتهم ومنظِّروهم وأتباعهم، وما أنتجوه جميعا من "قيم فردانية" تعتمد، ظاهريا وشكليا" تنافسا نزيها، قوامه " دعه يعمل دعه يمر" ومستنسخاته ، سواء كان ذلك عن سذاجة خبيثة أو خبث ساذج، والنتيجة شيوع ما يسمى بـ" ثقافة الرعية" التي تعني، عموديا،عُلْويا، الراعي وله السيطرة المطلقة ( الحكم/ الأمر، القوة) وسفليا، الرعية ولها الخنوع والمذلة. وبالتدرج، التنازلي، يكون الزوج راعيا والزوجة رعية، لا حق لها إلا بما يجود به زوجها من فضله وكرم نفسه، وما يحقق له أن تكون زينة له يتلذذ بها، وقت ما بشاء، فهل في جو هذه الثقافة يمكن الحديث عن حقوق المرأة، بينما المجتمع برجاله ونسائه يرزح تحت السيظرة والاستغلال، وفيه ينتج المنتجون فيسرق الرعاة إنتاجهم بصورة وحشية تجعل المنتجين أكثر فقرا وحرمانا، وتجعل السراق أكثر غنى وثراء، بحكم قانونهم البراغماتي" جهدك يا علاّف" الذي يعني في أصله وحقيقته، " حوت ياكل حوت وقليل الجهد يموت" وما " قليل الجهد" هذا، إلاّ الضعيف الذي لا قوة له ولا جهد ، ومَن في هذه المعادلة المأساوية أقل جهدا، وأكثر تضررا؟ أليست المرأة؟ .
وبعد، فإن هذه الأطروحات/ المقدمات،التي عرضناها،سابفا، قد تبدو، للبعض، بعيدة عن قضايا المرأة ومشاكلها، لكنهافي حقيقتها، شكلت إطارا تاريخيا وثقافيا لةضعية المرأة والنظرة" الدونية" لها، والمكبّلات التي كبّلتها وعاقتها عن وعيها بذاتها، ومن هنا فنحن نرى أن هذه المقدمات ضرورية،أساسية، لكي نجنب " الواهمين" من الوقوع في " فِخاخ"أحكم الإستغلاليون تغطيتها بالكثير من " الزهور" التي تبدو في ظاهرها يانعة، حية لكنها في حقيقتها ذابلة، ميتة، وقد عاونهم في ذلك فقهاؤهم ومفسروهم ، ومزيّينوا بشاعاتهم. لكن بالتعرية ينكشف موت تلك الزهور، ومن يقوم بهذه التعرية غير ثقافة" حيوية، عضوية" تفضح الموت والمزورين. وعلى هذه الثقافة العضوية أن تقاوم جذور تلك الثقافة التي أُطلق عليها، بحق، ثقافة " الراعي والرعية المبنية، أساسا، على التسلط والخنوع، على السيادة والعبودية، على الأمر والطاعة العمياء " ، وأنتجت ما أنتجت من بؤس وتخلف.
2) حال المرأة التونسية:
ونخلص مما سبق، إلى أن قانون الغاب( البقاء للأقوى( وحوت ياكل حوت وقليل الجهد يموت)، والأقوى
والحوت يتحدان في النتيجة وهي القوة ، التي تجعل من كائن مسيطِرا ومن أخيه مستغَلا، يبيع عمله للقوي، ليقدر على توفير الحد الأدنى من العيش له ، وهو يقبع في أسفل " القِدْر" الإجتماعي، وتحته، في قاع القِدر، ترزح المرأة، فإذا ما تسلّط القهر الطبقي على مَن في الأسفل ضغط على مَن في القاع مصداقا للقول الشعبي:" غُـشْ البَي يرُدُّوا في الرعية"، وبالتالي فإن المرأة، بصورة عامة كانت أضعف الضعفاء، ولهذا كان الطاهر الحداد، المصلح التونسي، مُحقا عندما أفرد " العمال التونسيين" والمرأة في كتابين هامين، لإلقاء
الأضواء الكاشفة على الضعيفين: العامل والمرأة مما يجعل المعركة الحقيقية ليست بين الرجل والمرأة، كما يتوهم الواهمون ، بل بينهما، معا، وبين ظروف " القهر الإجتماعي" الذي كانا غارقين فيه ويتوجب عليهما نفض الغبار عنهما وإزالة كل " الزهور الميتة" التي تكبّل وعيهما وتغطي أغلالهما.
2 ـ 1
في عهد الإستعمار الفرنسي:
تتصف هذه الفترة من تاريخ بلادنا، أواخر القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشؤين، فكريا ودينيا، بأنها( ككل البلدان العربية والإسلامية)، فترة إنتشار الجمود والشعوذة والخرافات، والتي يمكن تلخيصهافيما قاله " علماء" الخلافة العثمانية ، عند اشتداد مرض الكوليرا بالبلاد التركية، وطُلب منهم البحث عن حلول لهذه المصيبة، فكان موقفهم أن هذا الداء اللعين يعود إلى قدر الله وقضائه، ولا دخل للإنسان فيه، ولامردّ لقضائه. وقدلخصوا للسلطان العثماني تبرير موقفهم بقولهم:"يقول أهل العلم والعرفان .. نفوّض الأمر إلى الرحمـن ... " ، ولم تكن لعقولهم المتيبّسة أن تدرك أن الكوليرا أمر دنيوي، وينبغي أن يُرَدّ إلى شؤون الدنيا ومقتضياتها، لكنهم ردوه إلى مجال الألوهية ليتمكنوا من قياسها أقيسة صورية، تعتمد على التلاعب بالألفاظ ، كقولهم:" أليس كل شيء من عند الله، وأن الإنسان عاجز أمام الله،( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)؟ إذن الكوليرا، كما تصوروا، هي من عند الله، وما كان من عند الله لا يزيله إلا الله. وعلى هذا الأساس كان الحال، مع قضايا المرأة ، الدنياوية ، حيث ردوها إلى الألوهية وأخذوا يتحدثون عن ضعف المرأة، وأنها خُلِقت من " ضلع أعوج من ضلوع آدم" تبريرا منهم لنقصها العقلي والديني ، وما كان لهم أن يفهموا أن هذا النقص والضعف هو حالة تاريخية وليست طبيعية، وأنه ما حدث في التاريخ قد يزول في التاريخ. وحتى الحكم الشرعي، نفسه، والمبني على أسباب، فإنه يتغير بتغير تلك الأسباب، وقد يزول بزوالها، أو يتطور بتطورها( كأوضاع الرق، والإماء، وتعدد الزوجات والبيعة، والخلافة، وقسمة غنائم الجيش،، ونُظم الحكم، وعلاقات الشغل، وما إلى ذلك من أمور الدنيا وحياة الإنسان فيها).
إن المرأة سواء الشرقية أوالتونسية، كانت محكومة، بشروط " ثقافة الرعية"، وبعقلية" نفوض الأمر إلى الرحمن"،مع وجود بعض الفوارق لصالح المرأة التونسية لاعتبارات( يضيق لعرضها هذا المجال المحدود) وهي عديدة تاريخية وحضارية جعلتها أكثر تنفسا من أخواتها في البلاد العربية والإسلامية، مما هيّأ لها، ولو نسبيا، الإسهام في الحركة الوطنية, والطاهر الحداد (1889-1935)في كتابه:" إمرأتنا في الشريعة والمجتمع " خصصه للمرأة المسلمة، عامة، والمرأة التونسية خاصة، حيث عرض وضعها وحالتها في الشريعة الإسلامية، حسب رايه واجتهاده( في القسم التشريعي، أي كما جاء في الشرع الإسلامي) ثم قابله بوضْعها في المجتمع( أي كما كان المجتمع يعاملها، وما كانت تعانيه من حرمان وسلْبٍ لحقوقها وحرياتها، وما اقترحه لها ، من حلول ومطالب)، ولعل الحداد قد أراد من القارئ أن يصل، من هذه المقابلة، إلى نتيجة أن ماعليه المرأة في
المجتمع مخالف لما قال به الشرع، وكأنه يسأل ضمنيا مَن منهما على صواب ومن هو على خطأ: الشرع أم المجتمع ؟ وقد هداه عقله الإصلاحي إلى أن المجتمع يتصرف بخلاف الشرع، وعلى هذا المجتمع أن يصلح نفسه ويعود إلى شرعه، المتصف بالتطور والتدرج والواقعية، وقد ضرب أمثلة على ذلك، ثم استخلص أن المرأة المسلمة مظلومة، والظلم قد حرمه الله على نفسه، كدعوة منه لتحريمه بين الناس، كما أن الله عادل، ويتجه في جوهر شرعه إلى تحقيق العدالة بين الناس وقد خلق عباده من نفس واحدة، وأنه لم يميز بينهم إلا بالتقوى ، التي هي الامتثال لأوامره ونواهيه، فمن أين للمسلمين هذه الحواجز التي يضعونها بين المرأة والحياة، حتى أن الواحد منهم عندما يعيّر غيره( كما هو الحال عند التونسيين) ينفي عنه الرجولة، وكأن الإنسانية هي الرجولة فيقول له:" ماكِشْ راجلْ"، وكذلك حين ينفي عنه القدرة على الفعل والعجز عن الإنجاز والتنفيذ،( والفعل والإنجاز هما من صفات الرجل وليست من صفات المرأة )أو عندما يرى في تصرفات إبنه نوعا من الرقة المبالغة يصفه بأنه من النساء فيقول له:" يا مْراوي"، وإذا رآه يبكي يقول له:" إنت مْرا؟" نسبة إلى المرأة؟فهل يضيع الإسلام عندما يحقق، بين الرجل والمرأة، عدالة أوسع وأكبر ؟
إن ما يهمنا في كتاب" امرأتنا في الشريعة والمجتمع" هو ما دعا إليه الطاهر الحداد في الثلاثينات من القرن العشرين من "تحرير "للمرأة التونسية"، وتمكينها من التعلم، واختيار زوجها وحقها في الطلاق ، ومساواتها مع الرجل مساواة كاملة خاصة في الميراث والولاية على أبنائها، وحقها في تولي المناصب الهامة في البلاد، وما إلى ذلك ممااعتُبر، وقتها، بحق،" ثورة " رائدة، وبالفكر المتيبس وباللغة الخشبية، اعتبركفرا وزندقة، كما ادّعؤا على صاحبها بأنه على صلة ببعض رموز السلطة الإستعمارية(؟) بينما الرجل كان مصلحا، ومن داخل الدائرة الإسلامية، وهو وطني، أختار أن يكون نضاله اجتماعيا، ولا ينقص من هذا النضال كونه أراد معالجة قضية المرأة جزئيا، ولم ينظر إليها على أساس أنها من صلب المجتمع الذي تعيش فيه، وليس من المنطقي معالجة وضعها بمعزل عن مجتمعها ، إذ هي لا تعالَج إلا بعلاج المجتمع ، نفسه، فهل تتحررالمرأةُ،ومجتمعها يكبله الاستعمار وتخنقه العبودية، التي لا تتركه يتنفس إلا بمقدار لا يجعله قادرا على رفع رأسه وتحدي شروطه؟
إن المرأة نصف المجتمع، فبأي قانون يُحكم على هذا النصف بالعجز والعزلة والحبس، تحت أي مبرر كان؟ وهي، أي المرأة، بمعنى آخر الرئة الثانية التي يتنفس بها المجتمع، فكيف يكون هذا المجتمع ونصفه مشلول ، ولا يتنفس تنفسا طبيعيا سليما ؟. المرأة أم وبنت وأخت وزوجة، منها يتنفس الطفلُ بدايات حياته وأصول شخصيته وقيمه وأخلاقه، وقد ترجم المفكر الفرنسي روسو ذلك بقوله:" يكون الرجال كما تريد النساء، فإذا أردت أن تجعل الرجال من ذوي الهمة والفضيلة فعلم النساء الهم والفضيلة" وفي هذه المعاني قال الشاعر المصري حافظ ابراهيم:
الأم مدرسة، إن أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق
ومن هنا كانت حالة البلدان الشرفية وما يتبعها من البلدان العربية( التي كانت فيها المرأة معزولة ومسجونة ومضطَهَدة) شديدة التخلف، ضائعة لا تعرف من أمرها ولا من أمر مصالحها شيئا، ولن يخرجها من هذه الحال، إلاّ ثورة شاملة، تغير مجتمعاتها وتجعلها تتصرف في إرادتها ومصيرها، وخيراتها. ومن هنا قامت حركات، مختلفة، في هذه" العوالم العربية"، قيل عن الكثير منها إنها جاءت مشوَّهة، مجهَضَة ومُجهِضة للثورة المنتظرَة، فهل تأتي هذه " الثورة الحلم " من السماء، والسماءُ " لا تمطر ذهبا ولا فضة"،ولا ينزل منها الأرزُ مطبوخا"والعقلاء يعرفون " أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" كما جاء في القرآن ، (الذي كانت أولى آياته آمرة بالقراءة( إقرَأْ))، بينما المسلمون يحكمون على أنفسهم بالجهل، وكأنهم لا يريدون إلاّ العيش في الجاهلية، فتجهّلت" روحهم" فصدق فيهم قول نزار قباني:
"خلاصة القضية، توجَز في عبارة..
لبسنا قشور الحضارة والروح جاهلية"
إذنْ :
هل تكون هذه الحركات في مستوى أحلام الشعوب وتطلعاتها وحقوقها في الحياة الحرة الكريمة، برجالها ونسائها؟
2 ـ 2 :
المرأة التونسية في عهد الاستقلال(*)
يؤرَّخ للإستقلال التونسي بداية من سنة 1956 ولعل أهم ما صدر من القوانين في تونس، وبإرادة سياسية تونسية، كان " مجلة الأحوال الشخصية" (17 أوت 1956، أي بعد ظهور كتاب الطاهر الحداد ب26 سنة) وفي هذه المجلةتم الإعتراف ببعض حقوق المرأة كحقها في اختيار زوجها، وحقها في الطلاق منه على يد المحكنة.
فهل تغير حال المرأة التونسية، بهذه المجلة، وقد اعتبِرت،رائدة و" ثورية" بالنسبة لوقت صدورها،ولمحيطها العربي والإسلامي، الذي ظل يقنن للمزيد من عبودية المرأة وإذلالها بقراءات مغرضة، وتأويلات " دينية" سطحية بعيدة كل البعد عن روح الغصر وثقافته؟
صحيح أن المرأة التونسية صارت تتعلم، وتحرز الشهادات العليا في جميع الاختصاصات العلمية والتقنية والإدارية، وصارت معلمة وأستاذة وطبيبة ومهندسة، ومديرة وقائدة طائرة وشرطية، ومستشارة بلدية وعضوة في البرلمان بمجلسيه، ووالية، وكاتبة دولة، ووزيرة، وهذه أمور إيجابية بالنسبة للمرأة والمجتمع. لكن هل هذا كل ما كانت المرأة التونسية تريده وتطلبه، وقد هنأ بالها وارتاحت نفسها لِما بلغته وتنعمت به، أم هي، رغما عن ذلك ما زالت تعاني من نقائص ومحرومة من بعض الحقوق؟وهل هناك فرق بين ما كان يطلبه
الطاهر الحداد للمرأة، في الثلاثينات من القرن الماضي، والبلاد التونسية في ظل نظام ملكي صوري تحكمه وتسيره السلطة الاستعمارية الفرنسية، وما حققته لها مجلة الأحوال الشخصية، في ظل نظام جمهوري يحكمه تونسيون،في أواخر خمسينات القرن الماضي؟
وقبل الإجابة عن ذلك ، نريد أن ننبه إلى أن الإهتمام بقضايا المرأة( كما ورد في بعض إشاراتنا السابقة) لم يكن وليد السياسة الإجتماعية للنظام البورقيبي(سنة 56 وما بعدها،) بل طهر في فكر رجال النهضة التونسية، وبخاصة عند أحمد ابن أبي ضياف، في كتاباته العديدة، وعبد العزيز الثعالبي في كتابه "روح التحرر في القرآن" ثم أخذت تنضج وتتبلور أكثر على يد المفكر والمناضل التونسي الطاهر الحداد في كتابه" إمرأتنا في الشريعة والمجتمع" بتأثير كبير من التيارات والأفكار الإشتراكية والنقابية ، فكيف عالج الطاهر الحداد قضية المرأة؟
3 ـ 2
عند قراءتنا لكتاب امرأتنا في الشريعة والمجتمع وجدنا أن صاحبه قد قسمه إلى مقدمة، وجوهر وخاتمة: 1 ـ المقدمة بين فيها قيمة المرأة، وهي بحق،" أم الإنسان ، حملته في بطنها وبين أحضانها"، والعبارة للحداد، لكنها لا تلقى إلاّ الهوان والإحتقار والغبن. نتيجة ما تعانيه هذه الأوطان من البؤس والتخلف في جميع المجالات، رغم أن الإسلام، كما ذكر، بريء مما يعيشه أبناؤه ، لكن ما عليهم، إن فهموا دينهم فهما تحرريا، إلا أن يبادروا بإصلاح حالهم وحال مجتمعهم، باعنبارأن الإصلاح الإجتماعي هو منطلق كل إصلاح. 2 _جوهر الكتاب ولبه وقد قسّمه إلى قسمين: أ: القسم التشريعي ويتمحور حول مكانة المرأة في الإسلام وما تتمتع به من حقوق، كأهلية التصرف، وما يتبع ذلك من حقوق في ولايتها على أبنائها القصر، وتمكينها من حقها، كاملا، في الميراث، والمساواة مع الرجل. ب : القسم الإجتماعي ، وفيه بين الوضعية المزرية للمرأة وطالب بتربية البنت وتثقيفها، وتمكينها من حقوقها كاملة لتكون صالحة لنفسها ولبيتها ولمجتمعها، وعند ذلك ستحسن اختيار زوجها كما أنها لن تقبل أن تتزوج بالإكراه، وما إلى ذلك. 3 ـ الخاتمة ، وفيها يلخص آراءه ، التي ساقها في كتابه ودافع عنها، معتمدا على الإستنتاج العقلي والأدلة النقلية من قرآن وأحاديث نبوية، فيقول :" لقد أوضحنا ما للمرأة، في الإسلام، من حق صريح ، وما ادّخر لها في نصوصه الخالدة من روح العطف والتقدير، حتى المساواة. وبينا حالة المرأة عندنا، وما في سقوطها من صور الشقاء الذي يغمرنا في الحياة الزوجية، وفي عائلتنا، وفي تربية أبنائنا، التي تخرجهم عاجزين عن أي عمل منتج في الحياة.. " ثم يقول، متحسرا،:" إيه أيها التونسيون ما أكبر فضيحتنا بين أمم العالم، التي تسعى للحياة والعزة من طريقهما المُوصل.. ... هذا هو صوتي ، أرفعه عاليا، بقدر ما لي فيه من قوة العقيدة وراحة الضمير، ولو أمكنني أكثر من هذا لفعلت، ويا ليتني كنت
أستطيع أن أصرخ كالبركان الهائل عسى أن أزعج، برعدي جميع الذين ما زالوا يغطّون في نومهم، غارقين في أحلامهم الضالة، التي جعلتنا، في هذا العالم، مثالا لسخرية القدر" فهل لهذا الصوت، المحب لقومه ، أن يجد من يسمعه ويعيه، فيدافع عن الحقوق لكل الناس فينخرط في الحداثة، وما تتطلبه روح العصر وتقافته؟
3-3
واليوم:
إذا كان " الأمس" مضى بسلبياته وإيجابياته، وقد نرتاح ونحن نتلمس له الأعذار والمبررات، باعتبارنا محايدين ، وبعيدينن ،عنه ، رغم أن شيئا من أظفاره مغروسة فينا،وفي ثقافتنا ومواقفنا،وتصوراتنا- فإن لليوم توهّجه فينا، وحولنا، ويظل متصارعا مع أطياف الأمس وأنيابه، التي ليس لنا القدرة على تغييرها، لكننا قادرون على أن نأخذ منها" موقفا"، فماذا نرى في هذا " اليوم" وقد تكون أجزاء كبيرة منه في مستوى إرادتنا وأعمالنا وآرائنا، خاصة ونحن مازلنا فيه ، معايشة وتفاعلا؟. لنر:
• "إن العائلة هي أساس المجتمع ، تفقد كل هناء وانسجام إذا لم تكن مرتكزة على رجل وامرأة، تسود بينهما المودة والاحترام.. وإننا بإصلاحنا الجديد لا نريد رفع مستوى المرأة فحسب، وإنما نريد كذلك رفع مستوى الأسرة التونسية".
هذا ما قاله الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة،( أول رئيس لحكومة تونسية مستقلة، وأول رئيس للجمهوريه، مدى الحياة ) بتارخ 10أوت1956، بمناسبة صدور مجلة الأحوال الشخصية،وكان يوصف، خاصة، من قِبَل عامة النساء في تونس بأنه محرر المرأة وهو، يعني بـ" الإصلاح الجديد"في قوله هذا ، مجموعة القوانين الإجتماعية المتعلقة بالنهوض بالمرأة التونسية، متمثلة في مجلة الأحوال الشخصية، في مسعى من هذه الحكومة، وبقيادة رئيسها، لبناء دولة تونسية عصرية، تقوم على" وحدة التعليم" ونشره وديمقراطيته ووحد القضاء، وقد كان تأثر هذا الزعيم بكمال أتاتورك في تركيا، كبيرا إلاّ أن الزعيم، التونسي،(وهذه مشكلته الكبرى) كان ذا نزعة تلفيقية بين" الفكر الغربي، التنويري"، وما يملكه من رصيد عقلاني، أهم مميزاته" الديمقراطية وحقوق الإنسان" / وبين واقع شرقي متخلف مثقل بموروث نصي ، محافظ ومتشدّد، يئن بمآسي التسلط والإستبداد وانعدام الحرية ( ومن بينها حقوق المرأة، قهرها وإذلالها ، لأنها انثى، مخلوقة من ضلع أعوج من أضلاع آدم، وينسى هذا الرهطُ أن آدم ، حسب اعتقادهم،مخلوق من " طين لازِبٍ"؟ )
فهذا الزعيم الأوحد والمجاهد الأكبر أراد، من جهة، أن يظهر بمظهر الرجل العلماني، المتشبع بالثقافة الغربية،الداعي إلى الصداقة مع الغرب، والإحتكاك بحضارته ، ومن جهة أخرى، يريد أن يتهادن مع الموروث الشرقي، ولا يمس إلاّ البعض من قشوره، خوفا من فلول اليوسفية(**) المسنودة من النظام المصري بشعاراته القومية.وككل تلفيق، لم يصل إلى حسم لا مع هذا ولا مع ذاك، فكانت نتائجه متذبذبة إلى أبعد حدود التذبذب، وهذا ما انعكس، بوضوح، على مجلة الأحوال الشخصية، حيث حافظت على " الوصاية الأبوية" من واجب الطاعة إلى الزوج، واحتفاظه بحق الولاية على أطفاله، وقيادته للأسرة، والتمييز في الميراث بين الرجل والمرأة( مناب المرأة نصف مناب الذكر، إعتمادا على القاعدة القرآنية:" للذكر مثل حظ الأنثيين".وفي كل هذا إرضاء للروح الشرقية السلفية، لكن ،من جانب آخر، أُعطِيَت المرأةُ حق اختيار زوجها، وقد انتزع الطلاق من يد الرجل،وصار حقا للزوج والزوجة عن طريق المحكمة.كما منعت المجلة تعدد الزوجات، ومن هنا، وبالشكل التلفيقي المدروس، لم تحرز المجلة رضا المشرقيين ولا رضا المتمغربين،كما أنها بالمقارنة مع ما كان يطلبه الطاهر الحداد للمرأ في الثلاثينات من القرن الماضي، والبلادُ تحت الإستعمار الفرنسي، وبين ما جاءت به مجلة الأحوال الشخصية ، نجد أن الطاهر الحداد كان تقدميا على غيره من هؤلاء المتمغربين. ولأن ما أحرزت عليه المرأة التونسية من حقوق لم يكن نتيجة نضالها، بل جاءها منحة من سلطة المجتمع ما كان لها أن ترفضعا . فإن ذلك جعلها لا تقدّر حقوقها حق قدرها، بل سقطت، أحيانا، في العديد من التجاوزات اللأخلاقية( لنقص في التجربة التحررية ، ويظهر ذلك، حتى في ردّها على منتقديها بقولها:" يحيا بورقيبة" ) ومع ذلك نُظِر إلى حالة التناقض هذه، (وعدم الوعي بالحقوق) على أنها حالةٌ تعالج بالمزيد من الحرية، وأن تطور الزمن ، وانتشار التعليم والتوسع في العمل الثقافي، كفيل بذذلك العلاج.
ثم تعرض النظام البورقيبي إلى العديد من الهزات، الداخلية أهمها:
1) هزّة أولى كان عنوانُها" التعاضد" وهو، عند عجائز عامتنا، يطلقون عليه" لعضوضية" / تحريفا منهم لكلمة التعاضدية وليس من " العضّ" ولهم الحق في اشتقاقاتهم اللغوية البريئة، خاصة وأن هذه التجربية الإقتصادية الفريدة قد عضّتهم في أرزاقهم ووعيهم وراحتهم. وبالمختصر المفيد فإن تسمية التجربة التعاضدية، هذه، بـ"التجربة الإشتراكية" فيه الكثير من التجني والكذب والمغالطة، لأن الإشتراكية لا تكون بالأوامر التعسفية الإدارية المسقَطَة( إلاّ في حالة واحدة: أن تكون هذه الإشتراكية، خرافية، وهمية، كاذبة مثل الإشتراكية البورقيبية الدستورية، نسبة لحزب الدستور،التي رسم خطوطها وأمر بتنفيذهان الزعيم الأوحد والمجاهد الأكبر، ومرّرها عبر حزبه" الدستوري" و" مجلس أمته"الذي لا يضم إلاّ أعضاء حزب الدستور بداية من الحراس، مرورا بالكتبة والموضفين، وجميغعم وافقوا على هذه الإشتراكية . ثم لما فشلت حُمِّل فشلها إلى كاتب الدولة للإقتصاد الوطني السيد أحمد بن صالح، وقُدّم المسكين " كبش فداء" لتبقى صورة سيد الاسياد(الزعيم الأوحد، والمجاهد الأكبر، وحامي حمى الوطن والدين، والقائد في الكفاح والضامن للنجاح ومحرر المرأة)- قلنا: حتى تبقى صورته، دائما وأبدا ناصعة لمّاعة، وصاحبها لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، مع العلم وأن النظام السياسي في تونس هو نظام رئاسي، الرئيس فيه يمسك بكل دواليب الدولة وهو المسؤول الأوحد عن كل سياساتها، في النجاح وفي الفشل وليس له أن يبرر فشله بقوله:" غَلّطوني" ويفبرك، بالدموع والبكاء، مسرحية هزلية مع القضاء ليقدّم كبش الفداء للمحاكمة، وتُجمع للزعيم الأوحد الجموع بزغاريد النسوة وهنافات الصغار والكبار تلقّحها الطبول والمزامير، ثم " يا ناسْ ما كانْ باسْ".
وقد ترافقت هذه الهزيمة الإقتصادية مع هزيمة أخرى، عربية، في الصراع العربي الصهيوني، وكان من نتائج هذه الهزائم تنامي النزعات " السلفية"، الهروبية، المتشددة، التي أرجعت هذه الهزائم إلى" غضب الله ولعنته" وقُدِّمت المرأة على أنها باعثة هذا الغضب الإلهي، ومرة أخرى يحضر قدر الله وقضاؤه بكل قوة
وفرضَ عقلياته وأحكامه، ودائما تدفع المرأة الثمن غاليا، على حساب حقوقها وتحررها.
2) ثم أصيب هذا النظام بهزة أخرى تمثلت في ضربه للمنظمة العمالية( جانفي 1978)، لترويضها وتدجينها لتكون موالية لاختياراته السياسية والإقتصادية، التي ربطها بالصناديق الدولية ، وقد رأى أن هذه الإختيارات لا تنجح إذا بقي الإتحاد العام التونسي للشغل منظمة مستقلة ومناضلة وبذلك ضيق الخناق على نفسه، بخسارته لقلعة أخرى كان يستند إليها وهي المنظمة العمالية، الإيتحاد العام التونسي للشغل، بعدما حاول جرّها إلى أن تكون من منفذي سياساته، لكن رئيس المنظمة العمالية المرحوم الحبيب عاشور، وجد نغسه بين خيارين، لا ثالث لهما : إما أن يكون مع العمال، وإما أن يكون مع النظام البورقيبي، إلاّ أنه، وبدفع من العمال فضّل أن يخسر مركزه في اللجنة المركزية لحزب الدستور، وينحاز إلى العمال . وكان كبش الفداء هذه المرة، أكثر من واحد ولا حاجة لنا بذكرهم وهم يعرفون أنفسهم ويعرفون ما قاموا به لتلميع صورة الزعيم الأوحد ومغالطة الجماهير الشعبية وجرِّ البلاد إلى الفوضى والفتن
3) ثم زاد تدهور النظام البورقيبي وانسدّت الآفاق في وجهه، بفقدانه لآخر قلعة من قلاع شعبيته( تعلق الجماهير به)، التي كان يدعيها ويتشدق بها،للإستعراض المحلي والخارجي، حيث انخرط في قمع محموم للجماهير الشعبية، بممارسة سياسات لا شعبية، وذلك بضرب الشعب في خبزته( انتفاضة الخبز 1984) ودائما تكون " أكباش الفداء" حاضرة لتلميع صورة الزعيم الأوحد أمام الجماهير ، التي أرغمته، هذه المرة، على التراجع ليُعلن للشعب بأنه يحبه، وقد دفع أغلى أيام شبابه لتحريره والمضي به قدما نحو تنمية بلاده وازدهارها، وإنه لم يفكر، يوما، في أإلحاق الضرر به، لكنهم غلّطوه.وبعد أن يذرف شيئا من الدموع يقول:( نرْجعو وِين كُنّا).
ثم.. " طالت شيخوخة" الزعيم، الأوحد، بنتائجها وهمومها، بمآسيها ومهازلها، داخلَ القصور والفضاءات الرئاسية( ونشرت بعض المجلات الأجنبية نتفا منه، جعلت الآخرين يتصكّكون قهقهةً من أحوالنا مع حكامنا)، وما كان لهذه الشيخوخة أن تطول أكثر، وليت الزعيم الشيخ سمع النصيحة وتنحّى عن الحكم وتركه لمن يختاره الشعب، فيبقى مبجلا مكرما، يحترمه الجميع ويقدرونه، لكن كرسي الحكم له هيبته وله جاذبيته، ولا يجعله ينزل منه،بسهولة، وهذا ما استوجب إحداث " تحول" في هذا النظام، الذي أنهك نفسه وأنهك شعبه بجميع فئاته، فبرزت قيادة جديدة في نوفمير 87 " وغيَرت إسم الحزب البورقيبي من الحزب الدستوري إلى " التجمع الديتوري" ووسمت عملها التحويلي بـ" العهد الجديد" ويعرف جميعنا أن قيادة هذا العهد الجديد، وباعترافها، تربّت في النظام البورقيبي وتقلدت العديد من المسؤوليات، المتقدمة، داخله، من مدير للأمن الوطني إلى وزير للداخلية إلى وزير أول. وقد
جاء قي طليعة بيان السابع من نوفمبر:" إن التضحيات الجسام التي أقدم عليها الزعيم الحبيب بورقيبة، أول رئيس للجمهورية التونسية، رفقة رجال بررة، في سبيل تحرير تونس وتنميتها، لا تحصى ولا تعد، لذلك أحببناه وقدرناه، وعملنا السنين الطوال تجت إمرته في مختلف المستويات، في جيشنا الوطني الشعبي وفي الحكومة، بثقة وخلاص وتفانٍٍ" وهذا سلوك حضاري اتخذه صاحب التحول مع االمجاهد الأكبر، تميز به عن كل العسكريين العرب، الذين كانوا عندما ينقلبون، عسكريا، على حكامهم وينجحون في انقلاباتهم فإنهم يسارعون بالقضاء على الحاكم السابق إما بقتله أو برميه في سجن ، لا يخرج منه ،حيا، أو سليم العقل والبدن، إن كُتب له الخروج
وقد كتب السيدمحمد مواعدة (**)في جريدة الصباح( الخميس 14 مارس2010)( عن قيمة السابع من نوفمبر 87 وما قدمه لتونس وحتى لبورقيبة نفسه فقال:"إن يوم 07 نوفمبر87 هو، بلا جدال(؟) يوم إنقاذ الإستقلال وحمايته من الزوال، وإنقاذ تونس وما حققه شعبها وكفاءاتها من مكاسب خلال 30 سنة من الإستقلال. وهو أيضا إنقاذ للزعيم الحبيب بورقيبة رحمه الله ولتاريخه الوطني النضالي, الذي شرع هو نفسه في تهديمه ذاتياAUTODESTRUCTION ، وبالتالي تهديم ما قام به وما قدمه من تضحيات جليلة" ورغم ذلك فإن زعيم التحول سار في نفس الإتجاه الإصلاحي، بالنسبة للمرأة، دون أن يغير منه إلا القليل، مثل إزالة عبارة" واجب الطاعة" التي كانت مفروضة على المرأة بـ"الإحترام المتبادل، وحسن المعاملة بين الزوجين" لكن مع الإبقاء على الفوارق بينها وبين الرجل في الميراث وفي الولاية. وقد قال قائد " التحول" بتاريخ 19/3/1988 :" مجلة الأحوال الشخصية مكسب حضاري، نحن أوفياء له وملتزمون به، نعتز ونفاخر به فلا تراجع فيما حققته تونس لفائدة المرأة والأسرة ولا تفريط فيه" وكم كانت المرأة التونسية تتمنى بعد كل هذا أن يُعترف لها بالمساواة الحقيقية، لا الشكلية بينها وبين أخيها الرجل. وها هو السيد قائد التحول، رئيس الدولة، يقول في رسالة وجهها إلى السيدة عزيزة حتيرة رئيسة الإتحاد الوطني للمرأة التونسية( بتاريخ 08 مارس 2010) هذا نصها:
" السيدة عزيزة حتيرة.
تحتفل بلادنا، بكل حماس واعتزاز، مع سائر أعضاء الأسرة الدولية، باليوم العالمي للمرأة . ويطيب لي في هذه المناسبة المتميزة أن أتوجه إليك وإلى عضوات المكتب التنفيذي للإتحاد الوطني للمرأة التونسية بأحر التحيات وأزكى التمنيات، مهنئا النساء التزنسيات كافة، داخل الوطن وخارجه،بهذا اليوم العالمي، وراجيا أن يعود عليهن بمزيد التقدم والنجاح. وإنه لمن حسن الصدف أن يتزامن احتفالنا باليوم العالمي للمرأة، هذه السنة، مع الذكرى الحادية والثلاثين لاعتماد الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ومع رئاسة تونس، في شخص السيدة ليلى بن علي، لمنظمة المرأة العربية، بما يثبت جدارة بلادنابأن تكون في مقدمة البلدان التي منحت المرأة أوفر الحقوق وبوأتها أفضل المراتب. لقد كانت تونس
سباقة في وعيها المبكر بقضية المرأة، بفضل ما ظهر فيها من حركات إصلاحية رائدة أكسبت بلادنا رصيدا فكريا واجتماعيا أصيلا يجمع بين التحرير والتنوير والتطوير والتحديث والتسامح والاعتدال، ويزداد غزارة وعمقا بتوالي العهود وتنوّع المراحل.
وكنا بادرنا، منذ الأيام الأولى من التغيير بوضع منظومة متكاملة من التشريعات الاجتماعية التي تناولت تكريس حقوق الإنسان في أوسع معانيها وأنبل غاياتها، ولا سيما منها ما تعلق بالأسرة والمرأة والطفولة، إضافة إلى المبادرات والإجراءات التي اتخذناها في المجال وشملنا بها الدستور ومجلة الأحوال الشخصية ومجلة الشغل وقانون الجنسية والمجلة الجزائية، وذلك من أجل حفظ كرامة الرجل والمرأة على حدّ سواء، وتكريس مفهوم المساواة والشراكة بينهما في الأسرة والمجتمع. فلا عجب إذا استكملت المرأة التونسية، في زمن قياسي، حقوقها واقتحمت ميادين الفعل وإثبات الذات في مختلف أوجه النشاط والنضال، وفي شتى مواقع المسؤولية والقرار حتى أنها أصبحت اليوم رمز الحيوية والحداثة في مجتمعنا وحصنا حصينا ضد تيارات الرجعية والتطرف.
وإذ يحق للمرأة التونسية أن تفتخر في هذا اليوم االعالمي للمرأة بما تحقق لهامن مكاسب وإنجازات ، وبما تمارسه من أدوار ومسؤوليات في الأسرة والمدرسة والكلية والإدارة ومؤسسات الانتاج والمال والأعمال وفي مجالات الإبداع الفكري والثقافي والفني والرياضي وفي المؤسسات الدستورية ومكونات المجتمع المدني عامة، فإنه يحق للشعب التونسي أيضا أن يعتز بما يسود أفراده وفئاته وأجياله من تماسك وتوازن وتكامل، تُعتَبَر أنفس الفضائل التي يملكها في رصيده الاجتماعي والسياسي ، ال=ي يتميز به في محيطه الجغرافي، القريب والبعيد.
وكل عام والمرأة التونسية بخير
وكل عام وتونس بخير"
كما أن السيدة ليلى بن علي، حرم رئيس الدولة، رئيسة منظمة المرأة العربية، إفتتحت أشغال الندوة العربية حول مناهضة العنف ضد المرأة تكريس للقيم الإنسانية( 08 مارس 2010 ) ومن أهم ما جاء في خطابها الإفتتاحي:
1) تونس جعلت من المساواة بين كل التونسيين والتونسيات قيمة إنسانية واجتماعية مضمونة بالدستور
2) انتشال المرأة من كل المظاهر السلبية المحيطة بها والإعتداءات المسلطة عليها.
وحرضت السيدة بن علي، بلسانها، النساء العربيات فقالت:
" ندعو المرأة العربية إلى كسر حاجز الصمت تجاه ما قد يلحق بها من أذى".
وما أوقفنا وشد انتباهنا من كل ما سبق التأكيد على أن المساواة بين الرجل والمرأة، واقعة ومضمونة بالدستور، ولم تعد شعارا يُتَظاهر به في المحافل والمهرجانات الداخلية والخارجية .
أما " واقعة" ففيه جانب كبير من الصحة ، حيث أن الرجل والمرأة تساويا في الحرمان من الشغل ،وتساويا في العذاب جريا وراء البحث عن لقمة العيش ومعاناة الإستغلال وبيع العمل، إن وُجِد، في سوق النخاسة الٍرسمالي، المتوحش، ، خاصة في المعامل الخاضعة إلى قانون أفريل 1972( الذي مكّن الأجانب من التعلّم من التونسيين طرائق معاملاتهم اللإنساننية للمرأة ( من تحرّش جنسي، واغتصاب، وأكل الأجور والحقوق..) . وأما أنها مضمونة بالدستور فهذا حق، حق أثبتته المعاهدات والمواثيق الدولية، وصرح به الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الصادر عن منظمة الأمم المتحدة في 10 ديسمبر1948 ، والذي جاء في ديباجته :" لما كان الإعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم ، المتساوية الثابتة- هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم. ولمّا كان تناسي حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذَت الضمير الإنساني ، وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر إنبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة...ولما كانت شعوب شعوب الأمم المتحدة قد أكدت في الميثاق، من جديد،إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية ، وبكرامة الفرد وقدْره، وبما للرجال والنساء من حقوق متساوية..." ، كما جاء في في المادة الثانية من هذا الإعلان:" لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات ، الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر، أو اللون ،أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي السياسي، أو رأي آخر، أو الأصل الوطني،أو الإجتماعي،، أو الثروة أو الميلاد،أو أي وضع آخر ، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء ... " وتونس دولة منضمّة إلى الأمم المتحدة، وموقعة على ميثاقها وعلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وكل المعاهدات والمواثيق الدولية، خاصة المناهضة للتعذيب والتمييز ضد المرأة .
وهو، أي المساواة، حق أعلنه الدستور: " تضمن الجمهورية التونسية الحريات الأساسية، وحقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها وتكاملها وترابطها.
تقوم الجمهورية التونسية على مبادئ دولة القانون والتعددية وتعمل من أجل كرامة الإنسان وتنمية شخصيته.
تعمل الدولة والمجتمع على ترسيخ قيم التضامن والتآزر والتسامح بين الأفراد والفئات والأجيال.
الجمهورية التونسية تضمن حرمة الفرد وحرية المعتقد وتحمي حرية القيام بالشعائر الدينية، ما لم تخل بالأمن العام" – الفصل الخامس من الدستور التونسي). " كل المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون" – الفصل السادس من الدستور التونسي. "يتمتع المواطن بحقوقه كاملة......" – الفصل السابع من الدستور. وبوحي من قيم التضامن والتآزر، نؤكد، واثقين، أن هذه الفصول من الدستور التونسي وحدها واضحة، كل الوضوح، في التأكيد الصريح على المساواة بين المواطنين، عامة، وبين الرجل والمرأة خاصة لكن الواقع يجافيها ويخالفها،أو هي تكذب هذا الواقع، بما فيه من قوانين لا دستورية( مجلة الأحوال الشخصية: الميراث. الولاية) ، فإن سكتت النرأة عنها، في وقت ما، ولأسباب وظروف ما فلن تسكت عنها في الحاضر والمستقبل، كما لا يجدر بالدولة أن تسكت ، لا عن التعنيف اللفظي والبدني فحسب، ولكن على كل أنواع العنف الأخرى، والتي لا تقل فظاعة وشراسةعن سواها من أنواع العنف كالتمييز بين المأة والرجل، إذا أرادت السير في اتجاه التاريخ
3_ 4
وعند هذا الحد أرى انه من غير المنطقي أن أسترسل في سرد الأقوال والمواقف ، دون أن أسمح لنفسي بالتعليق عليها خدمة للحقيقة ودفاعا عن المبادئ الإنسانية. ولهذا فإني، كمواطن من مواطني هذا المجتمع، وتجمعني بالمواطنة التونسية علاقة الإنسانية، وأن ما يمسها في حقوقها يمسني، وأكون مسؤولا عنه، باعتبار أن معارك المرأة في سبيل دفاعها عن حقوقها هي نفسها معاركي لأن حقوقها باعنبارها إنسانة هي حقوقي أيضا. ولذا فإني أقول، تكريسا لهذه المسؤولية الإنسانية، ودون أن أدّعي وصاية على المرأة، أرفضها وترفضها – أقول :
صحيح أن المرأة التونسية استفادت بالكثير من المكاسب والمنجزات التقدمية الهامة، والتي جعلتها في مقدمة النساء المسلمات والعربيات ، وأن مكانتعا والتجربة التي مرت بها كفيلة بجعلها رائدة . كل هذا لا ينكره عاقل ، لكن(وبما وصلت إليه المرأة التونسية من مكانة، وما تقوم به من أدوار ومسؤوليات)، هل نستطيع القول بأنها قد " استكملت حقوقها" ولم يعد لها ما تطالب به ؟.
إن نظرة لواقع إمرأتنا، وما أُقِرّ لها في دستور البلاد وقوانينها، يجعلنا في حيرة لشدة التناقض بين ما جاء في بعض الفصول من" مجلة الأحوال الشخصية"، المتعلقة بالميراث، والولاية، مثلا، وما جاء في دستور البلاد، الذي يؤكد على المساواة بين الرجل والمرأة( جاء في الفصل الخامس /الفقرة الأولى/ من الدستور : "تضمن الجمهورية التونسية الحريات الأساسية وحقوق الإنسان، في كونيتها وشموليتها وتكاملها وترابطها.." كما جاء في فصله السادس:" كل المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون" ، بينما بقيت النزعة الذكورية و" الوصاية الأبوية" في شكلها الإستبدادي، مسيطرة في مجلة الأحوال الشخصية خاصة في الميراث( الرجل يرث ضعف المرأة، لأنه رجل، ولأنها امرأة. كما أن الولاية هي من حق الرجل لا المرأة، فماذا يعنيه إزالة لفظة" واجب الطاعة" وإبدالها بلفظة " المشاركة الفعّالة" وحقُّها في الميراث منقوص، وفي الولاية على أطفالها معدوم؟). إن هذا يعني، بوضوح، أن المرأة التونسية مازالت تعاني من التمييز، المتأتي من كونها أنثى وليست إنسانة، ولا يكون من حقها أن تربى تربية حسنة وتتعلم، جنبا إلى جنب مع أخيها الرجل، تعليما يرفع من شأنها ويجعلها مشارِكة فعالة في نهضة مجتمعها، خاصة وأن معركتها الأساسية ليست ضد الرجل وإنما هي معركة مشتركة مع الرجل ضد عدو مشترك هو عدو الإنسان ، المتمثل في الأعمال المُحِطّةبإنسانية الإنسان( أي هي معركة ضارية بين الإنسان وأعدائه: البطالة، التجهيل، التفقير، الإهانة، التسخير، القهر، واللامساواة( التمييز على أساس الجنس) وما إلى ذلك من العوامل والوسائل المُعيقة لأن يعيش الإنسان ( رجلا كان أو امرأة)حرا كريما مصانا. وإذا كانت هناك مساواة بين كل التونسيين والتونسيات، والمساواة" قيمة إنسانية"، كما هي في الحقيقة، وكما قلت، سيدتي الفاضلة, ولم تجانبي الصواب، فماذا تقولين في انعدام هذه المساواة بين الرجل والمرأة في قضية الميراث والولاية المعطاة للرجل دون المرأة، كما هو موجودفي مجلة الأحوال الشخصية، بتأثير من " الوصاية الأبوية" ، و" التعاليم الذكورية" والتي لم يعد لوجودها، بهيمنتها القديمة، أي مبرر في مجتمعنا التونسي، ( الذي خرج ، بذكوره وإناثه، إلى مجال الدراسة والعمل ، ولم تعد المرأة ترضى بسجنها في البيت، بما أخذت تتعلمه من "ثقافة حقوق الإنسان" والتربية على المواطنة؟.
قد يقال : إن هذا النقص مرجعه الأساسي هو القرآن، ونحن دولة" الإسلام دينها"، فنسأل: 1 هل النقص، الذي توصَف به المرأةن تاريخي ، ام طبيعي؟و2 وهل يتضرر الإسلامُ بالمزيد من العدالة وتحقيق المساواة بين الرجال والنساء ، والقرآن يقول :" إن الله يأمر بالعدل والإحسان"،وما الإحسانُ إلا التوسع في الفضل والعدل ؟ و3 هل يتدعّم الإسلامُ ويقْوَى بإحداث الظلم على المرأة،( لأنها أنثى) واللهُ قد " حرم الظلم على نفسه" وابالتالي فقد حرمه على عباده؟
3-5
لكن، لنتركْ هذا جانبا، ولْنسترشدْ بالتاريخ العربي في الجاهلية، وقد كان العرب يعيشون قبائل متناحرة، وكان هذا النظام القبلي سببا في وضعية المرأة المزرية، فهي عندهم" عالة"و"عار" وبالجمع بين الصفتين،" عورة" وعِرضها من عرض القبيلة ولذلك كان يُخاف عليها من السبي/ االأسر. فهل تخصص لها القبيلة جيشا يحرسها، والقبيلةُفي حاجة إلى الرجال، يحملون السلاح للدفاع عن قبيلتهم ضد ما تتعرض إليه من غزو وعدوان من القبائل الأخرى، بينما المرأة لا تحمل رمحا ولا تقاتل عدوا، لهذا كان تشاؤم العرب من إنجاب الأنثى شديدا، وقد وصل ببعضم إلى " وأد" البنت خوفا من العار والفضيحة( ولعل هذا ماجعلهم ينظرون إليها نظرة دونية، باعتبارها، عندهم، عارا وعورة)فحرموها من الميراث، بل هي نفسهاكانت تُورَث، كأي متاع من أمتعة البيت، فكيف يساوونها بالذكر، وهو البطل، المدافع عنها وعن شرفها وعِرضها؟. وقد وصف القرآن هذه الحالة فقال:" وإذا بُشِّر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بُشِّر به، أيمسكه على هون أم يدسّه في التراب، ألا ساء ما يحكمون"_ الآيتان 58، 59 من سورة النحل _
وحينماجاءالإسلامُ وأكّد على أن غايته الأساسية، الجوهرية، هي إخراج الناس " من الظلمات إلى النور" سواءكانوارجالاأونساء،وأعلن:"والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياءبعض"لآية71 من سورة التوبة.
فهل من المعقول والمنطقي أن تظل وضعية المرأة على حالها دون تطور، منذ ما يزيد عن الأربعة عشر قرناوقد شهد العالم، خلالها، من التطور ما يفوق كل تصور، كما أن المرأة دخلت المدارس والجامعات وانخرطت في أسواق الشغل، ولم تعد مثلما كانت، عالة في قبيلة، ويُخاف عليها من السبي دون أن تحمل رمحا تدافع به عن القبيلة، وكانت عاجزة عن حماية نفسها؟.
إن المرأة اليوم ترافع في المحاكم عن الحقوق وتقدم الدروس العلمية والتربوية في مختلف المعاهد والكليات، فكيف تسمح بقانون يفضل عليها الرجل لأنه رجل، ويُراد لها أن تبقى دونه لأنها امرأة وبلادها وقّعت على جميع المعاهدات والمواثيق الدولية المناهضة لكل أشكال التمييز ضد المرأة؟
لهذا فإنه، إن وُجِد"حاجز صمت رهيب" عانت منه ومن آثاره المرأة ومنعها من " الوعي" بمشاكلها وهمومها، ومن التعبير عن تلك الهموم، وكان نتيجة تراكمات عديدة، تاريخية واجتماعية وثقافية، فمن المسؤول عنه في أيامنا هذه، وأنت ، سيدتي الفاضلة، رئيسة المنظمة العربية للمرأة، قد وعيته وأحسست به، مماجعلك تعلنين دعوتك الصريحة لكسره والتحريض على تجاوزه؟ . لكن ، كبف تطالَب المرأة بكسر هذا الحاجز، والقوانينُ تحميه، رغم مخالفتها للدستور؟
لا شيء، سيدتي، أسهل من الكلام خاصة إذا كان المتكلم شخصية فاعلة في المجتمع ، وأن كلامها مسموع ومنقول، والإذاعات والتلفزات والجرائد، طوع إشارة منه، وحتى بدون إشارة.ولهذا فلنا الشرف الكبير في أن نقول :إننا نريدها مساواة حقيقية وليست قولية، تنتشي بها الآذان ولا تمس القلوب والضمائر، ومن حق المرأة التونسية، بما وصلت إليه من نضج، أن تثور على كل ما يعوق حياتها الحرة الكريمة، وتناضل لتحقيق المساواة الفعلية، الكاملة، بينها وبين أخيها الرجل، خاصة وأن المبررات التي قُدّمت في الماضي على استنقاصها لم يعد لها وجود في يومنا هذا، لأننا لم نعد قبائل مشتتة وإنما نعيش في دولة. وإن انبعاث الرابطة التونسية لحقوق الإنسان في ماي 1977 قد زاد في تدعيم صوت المرأة للددفاع عن حقوقها ورفض كل أشكال التمييز ضدها، وقد جاء في الفصل الثاني من القانون الأساسي للرابطة:" تهدف الجمعية إلى الدفاع، وإلى المخافظة على الحريات الأساسية، الفردية والعامة للإنسان المنصوص عليها بالدستور التونسي وقوانين البلاد، وبالتصريح العالمي لحقوق الإنسان" كما ورد في البند الثاني من النظام الداخلي للرابطة أنها" تقاوم، في كل الظروف، التعسف والعنف والتعصب وعدم التسامح وكل أشكال الميز مهما كان مصدرها"وفي المادة الثالثة من ميثاق الرابطة تأكيد على على ذلك إذ تقول:"لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق دون أي تمييز، خاصة بسبب العنصر أو اللون، أو العرق أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو مكان الولادة أو الأصل الإجتماعي أو الوضع الإقتصادي، ودون أية تفرقة بين الرجال والنساء" وكذلك المادة الثامنة منه:" للرجل والمرأة، متى بلغا سن الرشد القانوني، حرية اختيار الزوج وتأسيس أسرة، بما يتماشى وقناعتهما الشخصية وضميرهما" والرابطة ترى( المادة الثامنة، مكرر من الميثاق) أن " مجلة الأحوال الشخصية التونسية مكسب حضاري وخطوة هامة في سبيل تدعيم حرية الرأة وصيانة الأسرة" .
وما على المرأة ومعها كل القوى الديمقراطية في البلاد إلا مواصلة النضال لتحقيق الخطوات الأخرى في سبيل تدعيم حريتها وصيانة الأسرة، باعتبار أن مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة، ومن سار على الدرب وصل، لكن، كما قال الشاعر أحمدى شوقي:
وما نيلُ المطالب بالتمــني ولكن تؤخذ الدنيا غِلابا
وما استعصى على قوم منال إذا الإقدامُ كان لهم ركابا
فهل تتشجع المرأة التونسية، بما في نفسها من مشاعر" الغبن" والقهر، وتؤمن بقضاياها الحياتية، وواجباتها الأساسية نحو ذاتها، بعلاقة مع أخيها الرجل ومجتمعها، والتجاربُ علمتها، وتعلمها، كل يوم، أنه" ما حكّ جلدكَ مثلُ ظفرك" والذي معناه بالغربي الصحيح: ما يِندِبْلكْ كانْ ظفرك، وما يبكيلك كانْ شفْرِكْ)؟ أم يجوز أن يتسلّف الشخصُ ظفرا يحك به جلده، أو شفْرا يبكي به ثم يُرجعه إلى صاحبه؟ إذن على امرأتنا أن تناضل لاستكمال حقوقها، وأخْذِ دنياها ومطالبها أخذا ومغالبة ولا تنتظر فضلا من أحد، وحتى إن جاء هذا الفضلُ من المجتمع فمرحبا به.
إن المرأة صارت على دراية من أن مايُعطَى مِنّنة وإحسانا، قد يُغتصَب منها في أي وقت، وبأساليب متنوعة، ورغم ذلك فهي ، كما قيل، " لا ترفض ما أعطته لها سلطة المجتمع " لأنه حق مغتَصَب منها، واستُرجِع لها.
تقول الدكتورة سلوى الشرفي:" ليس من الضروري للإنسان أن يموت شهيدا من أجل الحصول على حقوقه، أو أن يرفضها، إذا اعترف له بها المجتمع... "( مجلة حقائق عدد 108/ مارس 2010) كما تقول في نفس السياق، نافية أن تكون المرأة التونسية قد استكملت حقوقها،بل هي ، خلافا لذلك ، ما زالت محرومة من كامل حقها في الميراث والشعادة والولاية، وتثبت الدكتورة الشرفي أن مجلة الأحوال الشخصية غير دستورية فتقول:" ألاحظ أن مجلة الأحوال الشخصيية تتناقض مع الدستور، ومغ الإتفاقات الدولية المبرمة، وهي أعلى من القانون. وأتمنى أن ترفع النساء قضايا بخصوص حرمانهن من حقهن في الميراث كاملا، على أساس عدم دستورية هذا القانون" وهذا يعني أن الدكتورة تنادي بإسقاط هذا القانون (المتضمن عدم المساواة بين الرجل والمرأة في مواضع عديدة" وذلك بالطرق القانونية/ المحكمة/ وربما بطرق أخرى لم تتعرض إليها الدكتورة، وهي معروفة في السجلات الثورية المحلية والدولية، قد يحين وقتها. ألم تحرّض السيدة ليلى بن علي المرأة العربية( ومنها المرأة التونسية على كسر حاجز الصمت؟ وكيف يكون هذا التكسير؟ هل بالتمني؟ هل بالإنتظار؟ هل بالإستجداء؟ أم بالعمل، كما يقول المنطق والعلم والتجارب، والتاريخ؟، ثم أليس من العار علينا أن نتحدث عن عنف ضد المرأة ونعقد له الندوات، بينما هو،في أصله وفصله، إعتداء صارخ ضد حقوق الإنسان، مثله مثل التمييز ضد المرأة، سواء في ميراث أو ولاية، أو شهادة؟، أم ذلك حالة من حالات العنف" العادية" التي تمارسها الدولة ضد المواطن، يتعلمها الرجلُ منها( حسب التسلسل التنازلي للقهر: الراعي/ المستبد ضد الرعية. والرجل ضد زوجته؟
وفي هذا المجال، نجد أحيانا غموض لغوبا في نصوص قانونية ودستورية يمكن استغلال غموضها لإيقاع التمييز بين الرجل والمرأة. ومن ذلك ما ورد في الفصل40 من الدستور التونسي، الذي جاء فيه:"الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية حق لكل تونسي غير حامل لجنسية أخرى، مسلم، مولود لأب ولأم وجد لأب ولأم تونسيين، وكلهم تونسيون، بدون انقطاع..." فهل هذا يعني وجود شرط الذكورة، أي يُشترط في رئيس الجمهورية أن يكون ذكرا؟. وإذا كان الأمر كذلك( ولا يعقل أن يكون كذلك، لِما فيه من تمييزضد المرأة يحرمها من شرف أن تكون رئيسة للبلاد، ولا يمكن أن تُحتكر الرئاسة لا في رجال ولا نساء، أيضا،)، لأننا نخاف ،كما أشرنا، من عودة عقلية " لا يفلح قوم رأسوا عليهم إمرأة" و" المرأة ناقصة عقلا ودينا"، هذه العقلية المستندة إلى ما نُسِب إلى الرسول(ص)، تعمد إلى ترديد مثل هذه الأحاديث، بعدماتنتزعها من إطارها التاريخي وظروفها الحقيقية، بينما هم يتغافلون أو يتجاهلون أحاديث أخرى نُقلت عنه(ص) مثل" النساء شقائق الرجال" و " خذوا نصف دينكم عن هذه الحميرة" في إشارة منه، بالنصيحة للمسلمين، بأن يأخذوا نصف دينهم عن زوجته عائشة، وترك النصف الآخر لعقولهم وعقول من يأتي بعدهم، ولعلي ابن أبي طالب،وعمر ابن الخطاب وأبي بكر وابن مسعود وغيرهم إلى زوجته عائشة.
إننا نقترع العودة إلى الفصل 40 من الدستور، المذكورة سابقا، وإضافةكلمة تونسية، بعد كلمة كل تونسي فتصير:" الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية حق لكل تونسي وتونسية...."
3 -6ا
وقائع في مجتمعنا(تفضح اللامساواة بين الرجل والمرأة):
أ-
عائلة تونسية، تتركب من والدين وولدين وبنت ( تكبر شقيقيها في السن). مات الوالدان فجعلت البنت ترعى أخويها في شؤونهما الحياتية من تعليم وتربية وما إلى ذلك، ومن حسن حظ هذه العائلة أن خرجت البنت إلى سوق العمل في سن مبكرة فاستطاعت رعاية أخويها والإنفاق عليهما حتى كبرا وتخرجا من الجامعة إلى سوق الشغل.
إن هذه الأنثى( الناقصة عقلا ودينا؟) هي التي حافظت، بنضالها اليومي الشاق، على أخويها وحمتهما من الضياع والإنحراف، كما أنها حافظت على منزل العائلة.
ثم توجه كل واحد منهم وجهته الحياتية فغادر جميعهم منزلهم واستقر في مدينة أخرى، ولم يعودوا في حاجة إلى هذا المنزل وعزموا على بيعه وقسمة ثمنه بالقانون. وبما أنها أنثى فإن القانون يُعطيها نصف ما يأخذه الذكر( على قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين ) أي أن ثمن المنزل يُقسَم على 05، فيكون للبنت الخمس ،ولكل ولد الخمسان [ينما هذه البنت سهرت عليهما وأنفقت من مالها، وأعصابها وحياتها ولو لم تشتغل لبيع المنزل وربما لا يجد الولدان الرعاية اللازمة وربما كان حالهم غير الذي هم فيه اليوم بفضل شقيقتهم المناضلة. أليس من الظلم الصارخ أن تأخذ البنت نصف ما يأخذه الولد على قاعدة" للذكر مثل حظ الأنثيين"، ولولاها لضاع البيت وضاع الأولاد، وهم الآن يطالبون ، حسب قولهم بتطبيق " الحكم الشرعي بينهم وبين إختهم ؟وكان هذا الحكم الشرعي القديم مبنيا على أن البنت كانت تورَث ولا ترث شيئا، وكانت عالة لا تعمل ولا تدافع عن القبيلة، بينما هي اليوم تعمل وتشارك في تنمية المجتمع، فلماذا يبقى الحكم على حاله بينما الأسباب التي كان يرتكز عليها قد زالت؟
ب:
أعرف شخصا، تربطني به روابط عائلية حمله تفوقه المدرسي( العلمي ) للدراسة في فرنسا، وهناك نجح في الدراسات العليا، ثم تلقفته الإدارة الفرنسية ليعمل بها ويتزوج، ثم بعد سنوات تموت زوجته، ثم يموت هو تاركا ثروة طائلة، ولم يبقى من أفراد عائلته بتونس إلاّ ولد وبنتان. وقُسِمت تركته بين الورثة بالتساوي( حسب القانون الفرنسي)فثارت ثائرة الذكر، وجعل يثرثر قائلا:" نحن مسلمون والإسلام يأمر بأن يكون مناب البنت نصف مناب الولد" فقالوا له، ببرودة لائكية(ب)،:" نحن في فرنسا، فرنسا التي لا تتدخل في شؤون الدين، وترفض أن يتدخل الدينُ في شؤونها" ولم يفهم هذا الذكر الفحل، الأمر لأنه أكبر من عقليته وثقافته، فأنّى له ولأمثاله، الخارجين عن العصر، أن يستوعبوا المساواة الفعلية بين الرجل والمرأة؟. وبهذه الصورة رُفِض طلبُه في أن يأخذ أكثر من أخته، وأعطِي مثل ما أُعطِي لأخته
وقد يقول قائل:" وماذا نفعل بـ " للذكر مثل حظ الأنثيين"؟ فنجيب بأن هذه مشكلتنا الخاصة في فهمنا لديننا وتعاملنا مع " المقدس" من نصوصنا، وظروفها الخاصة والعامة، وعلينا أن نحسن التعامل معها بروح علمية تعطي للتحولات الحضارية والتاريخية والعلمية حقها، وعندئذ يمكننا تفعيل العلاقة بين الوحي ، وهو ثابت، من وجهة نظر دينية، وبين الواقع وهو متحرك، علميا ودينيا وحسيا، ونعلم أن القرآن له" فهوم"كثيرة وليس فهما واحدا، نحيا ونموت عليه. قال علي بن أبي طالب:" القرءان كتاب مسطور بين دفّتين، لا ينطق، وإنما ينطق به الرجال"( وهو يقصد الناس، وهم الرحال والنساء، ولو قالها لأراحنا من البحث عن االتخريجات والأعذار)،. وقال سهل بن عبد الله التستري:" لو أُعطِِي العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودعه الله في آية من كتابه، لأنه كلام الله، وكلامع صفته، وكما أنه ليس لله نهاية، فكذلك لا نهاية لفخم كلامه وإنما يفهم كلّ بمقدار ما يفتح عليه"، وكما هو مسموح للأشعري وللجبّائي أن يفكر في الوحي وغيره، فلا مانع لأبناء جيلنا والأجيال اللاحقة من أن يفكّروا في كل شيء.
وبما أن الفزع من التتفكير، والتكفير، قد سيطر على الثقافة الإسلامية، فكبّل العقول وشل الإرادة وكان التباعد بين الوحي والفكر الإسلامي والواقع، فماذا ننتظر من هذا غير الفهم، والتوظيف،السيء للقرآن؟ وبالتالي، فإن هذا جعل الواقع يتجمد ويزداتخلفا، فيتخلف المسلمون عن ركب الحياةوصار علمهم إجترارا لما تتركه آباؤهم، وتوقف الإجتهاد( وأُغلِق بابه)، وانتشرت الفتاوى بشكل ملفت ومضحك، كما انتشرت الأسئلة الهزيلة من قبيل::" هل مصافحة المرأة للرجل ، أو الرجل للمرأة ناقضة للوضوء؟"وهل تشمم العطر في رمضان مفطر؟ إلى غير ذلك من الأسئلة، والفتاوى السخيفة، كتلك التي تذكر أن رجلاطلب من المفتي( والذي تضرب لحيته إلى سرته، علما وتقوى) أن يرشده لما فيه الخير والصلاح، حسب مناهج الشرع، فقال له:" أنا متزوج من امرأتين، أحبهما كثيرا. يسود بين زوجتيّ جو من المحبة والحمد لله. أريد أن أسأل عن حكم الشرع في مجامعتهما معا ، في آن واحد، حيث كان ذلك بطلب منهما، وأشهد أني قمت بذلك، ولا أنكر أني سعيد بذلك كحال زوجتيّ، فما حكم الشرع في ذلك؟" - (مجلة حقائق العدد108 مارس 2010:دنيا الفتاوى الإسلامية على الأنترنات بقلم فيديل سبيتي) وإذا كان سؤال الرجل سخيفا فإن جواب السيد المفتي كان أكثر سخافة وبلادة إذ يقول:" حكم الشرع = الحرمة لأن المرأة لا يمكنها رؤية عورة امرأة أخرى" وإذا كان شرع السيد المفتي يحرم على المرأة أن ترى عورة امرأة أخرى، وهما ملك لرجل واحد، ويحب التمتع بملكه كما يشاء، فكيف يُجيز له أن يجمع بين النساء، في نفس الوقت، وفي الحال الجنسية، وهو واحد زهما اثنتان؟. وبهذه الصورة" السينمائية" الغريبة، يكون الزوج مثل من كان من هواة "جمع الطوابع البريدية" وكأنهن عنده " طوابع بريدية" يقوم السيد بجمعها، وكأنهن بلا عواطف ولا مشاعرإنسانية، ويُسمح للرجل، لأنه رجل، بأن يرتع ويرعى ويمرع في رزقه كما يشاء، خاصة وأن السيد المفتي، دائما، يأمر الزوجة بـ " طاعة زوجها" لأن الطاعة واجبة عليها و" الرجال قوّامون على النساء" و " لهم عليهن درجة" وهن " حَرْثٌ" لهم، ولهم أن يأتوا حرثهم " أنّى شاءوا" كما أن للرجل أن يهجر زوجته في المضجع،( دواء لها من النشوز) ويُمنع عليها ذلك منعا باتا( إن نشز)، مع العلم وإن له حق التمتع، شرعا، ببقية نسائه وجواريه، ولا جناح عليه إن ترك زوجته التي هجرها محرومة جنسيا، فإن اشتدت بها الرغبة الجنسية فما عليها إلاّ أن " تصوم" وتصبر، أما إن انحرفت ، بها، عواطفها إلى التنفيس عن رغباتها " المحرمة " عليها فلن تكون إلاّ زانية ، وعلى المجتمع رجمُها حتى الموت
ج:
لي بنت( أستاذة )، غرّر بها رجل اصطنع معها الطيبة والتحرر الفكري، والحيوية الإجتماعية، فدفعها الأهلُ، وبعض صديقاتها إلى التزوج منه. وكان لها قبل =لك أن إختارت ( عن قناعة) القيام بالفروض الإسلامية قولا وممارسةة، وكانت متحررة في عقليتها ولبياسها المحترم، الساتر، ولم تكن ترى في الخمار فرضا دينيا بل هو عادة اجتماعية اختلطت، عند المسلمبن، في وقت، بالدغوة القرآنية للمرأة بالستر.ورأت ابنتي، أن وقتنا هذا تحكمه قوانين، تحفظ حياة الإنسان وتضمن أمنه، وبإمكان المرأة باستقامتها وأخلاقها التخلص من الحجاب والخمار، وأن تكون مساوية للرجل مساواة فعلية لا قولية.
هذه البنت لم توفق في الزواج، فطلبت الطلاق منه، وقد أنجبت منه ولدا، وحصلت على الطلاق، عن طريق المحكمة، وأُسنِدت الحضانة للأم، وعلى الأب أن ينفق على إبنه. وفي البداية حدث، بينهما، الكثير من المشاكل سببها تعنّت الأب ، الذي أراد أن يصطحب معه طفله في العطل والأعياد الرسمية، الوطنية والدينية، بينما المحكمة أعطته حق الزيارة. وقد ذكرت له ابنتي :" أنا لم أعد زوحة لك، ولا أنت زوجا لي، وهذا قررناه بإرادتنا واختيارنا، لكن لا أنت تستطيع أن تنفي أمومتي لهذا الإبن، ولا أستطيع نفي أبوتك له، وهذا يعني، إنسانيا وواقعيا أن الولد هو ولدنا معا وعلينا أن نوفر له الرعاية الكاملة والتربية السليمة حتى يكون مواطنا صالحا لنفسه ولعائلته ولوطنه وللإنسانبة". ولكن هذا الأب حاول التعسف مدفوعا بموروثه الثقافي والتربوي،حيث حاول الإنتقام من أم ولده، عندما سمع بأنها تعد الوثائق اللازمة لاستخراج زواج سفر لابنهما، فأسرع لذلك قبلها واستخرج له الجواز، ولما تقدمت للشرطة قالوا لها:" لا يمكن استخراج زواج جواز سفر مرتين في نفس الوقت، وقد استخرج له وليُّه هذا الجواز"، ولو أن هذا الولي قد مكن ابنه من السفر والسياحة لهان الأمر، لكنه فعل ما فعل نكالة في الإبن وليس في الطليقة.
إن مسألة الولاية ينبغي ألاّ يحتكرها الزوج ويتعسّف بها، بل ربما تعالج بنفس الطريقة التي عولِجت بها مسألة " الجنسية" بين الزوج والزوجةة بالنسبة للمرأة التونسية المتزوجة بأجني، حيث مكنها المشرع التونسي من إسناد جنسيتتها إلى أبنائها المولودين خارج الوطن، وذلك بمقتضى تصريح مشترك بين الأب والأم، فنقيس هذا على مسألة الولاية. لكن هنا ربما يعترضنا عارض وهو: وماذا يكون العمل لو امتنع الأب عن تقديم هذا التصريح المشترك؟ وإذا كان الحل سهلا بالنسبة للجنسية ، إذ تقرر الدولة أن كل مولود من أم تونسية، تسند له، آليا، الجنسية التونسية مع احتفاظه بحنسية أبيه( أي تكون له جنسية مزدوجة)، وبالإمكان قياس ذلك على قضية الولاية ، فتكون الولاية، إن اقتضى الأمر، ولاية مزدوجة تراعى فيها مصلحة الطفل، بعيداعن تعسف الأبوين وتعنتهما، كالذي حدث لطفل، بريء، لا دخل له في طلاق والديه، وهو يعيش في حضانةأمه ، وتعرض لحادث مرور، فاشتغلت أمه بنقله إلى المستشفى بينما استغل الوالد هذه الحالة للقيام بقضية فيالغرض، وعندما أرادت الأم القيام بالقضية، صرفتها الشرطة باعتبار أن ولي الطفل هو أبوه، وأبوه تكفل بالقضية، وهكذا ناور الأب مع المحامي ومع شركة الدأمين، ليجيز لنفسه بأكل مال إبنه من جراء حادث المرور، المشار إليه، والذي ساعده على ذلك قانون الولاية، غير العادل والذي حرم الأم لأنها امرأة من حقها في الولاية على إبنها وكأن الأم التي حملت وولدت وأرضعت وربّت لا " أهلية لها" في التصرف ولا تستحق الولاية على إبنها وهو الذي يعيش في حضانتها ورعايتها. هل هذا معقول ؟
وهكذا لم تتغير وضعية المرأة قانونيا في الميراث والولاية، حيث مضى العهد البورقيبي، وجاء بعده" عهد التحول"وما بشر به التونسيين، جميعا، من" عهد جديد" بلغ فيه الشعب التونسي" من الوعي والنضج ما يسمح لكل أبنائه وفئاته بالمشاركة البناءة في تصريف شؤونه، في ظل نظام جمهوري، يُلي المؤسسات مكانتها ويوفر أسباب الديمقراطية المسؤولة، وعلى أساس سيادة الشعب.. ـ (من بيان السابع من نوفمبر) وهذا العهد الجديد" لا مجال( فيه= هذا من عندنا) للظلم والقهر"، ومما لا شك فيه أن المجتمع التونسي، قد تغيرت حالته، وارتقت نساؤه ، وهذا أمر يفرحنا لكنه لا يوقف مطالبتنا بالمزيد، ولا يُغمض عيوننا عن النقائص، بأي شكل من الأشكال، حتى تكون تونس، بحق، قولا وفعلا، لكل التونسيين، فهل من المعقول أن نرضى بالحال ا لمزري الذي تعيشه بناتنا ونساؤنا في معامل قانون أفريل 1972 وما يتعرضن إليه من معاملة قاسية في أجورهن الزهيدة، وكرامتهن المهدورة وخوفهن المستمرعلى لقمة عيشهن .
صحيح أن المرأة في تونس صارت شرطية وزيرة، وغير ذلك من المراتب والوظائف المختلفة، لكن هذه الشرطية، ليست مساوية لأخيها في الميراث، ولا في الولاية على أطفالها، وهي إن أرادت السفر إلى الخارج، فإن زوجها، في بعض الأحيان يستطيع أن يتعسف عليها ويمنعها من السفر، ( لأنها امرأة، وهو رجل)، وقد تكون أعلى منه ثقافة وتعلما ومركزا.
د :
كثيرات من النساء التونسيات طالبن بالعمل نصف الوقت، مع تمتعهن بثلثي الجراية، تأثرا بالدعايات الرسمية حول هذا الإجراء ، المتّخَذ لفائدة الأمومة، لكن ، وبالتجربة ، تبين بطلانه ومضرته المادية على المرأة، وهو في الظاهر، والشكل ، يبدو مريحا للمرأة، لكنه في حقيقته غير ذلك:
أن تعمل الأم نصف الوقت فهذا إيجابي، وففيه خدمة كبيرة للمجتمع، نظرا لما تقدمه له الأم من تربية للأجيال الصاعدة، لا تُقَدّر بثمن، لكن في مقابل ماذا؟ في مقابل أن تتنازل الأم عن ثلث أجرها، هل هذا منطق؟ قد يكون هذا الأمر معقولا ومقبولا ومرحَّبا به لو أعطِيَ للأم أن تعمل نصف الوقت، وبأجر كامل، نظرا لأنها ستُعطي نصف الوقت الآخر للمجتمع لتقوم بتربية أجياله، باعتبار أن الأطفال ليسوا أبناء والديهم فحسب لكنهم أبناء المجتمع أيضا، ومنهم سيكون الجيش والموظفون، في مختلف الوظائف، بما فيهم رجال الدولة بوزرائها ورؤسائها وما إلى ذلك. فلتعمل الأم نصف الوقت، ولْتُعطَى أجرا كاملا، وهذا هو العدل. أما إن تكلم الرجالُ وطالبوا بنصف الوقت، فإن الجواب عن إثارتهم السطحية هذه : " كونوا أمهات وتمتعوا بنصف الوقت وكامِل الأجر" ومع هذا فبالإمكان أن يطالبوا بتطبيق نظام الحصة الواحدة في العمل، وهذا شرعي للقيام بدورهم الأبوي في التربية. وبهذه الصورة يمكن للعائلة التونسية أن تتحمل مسؤوليتها التربوية كاملة، ولا تسلم أبناءها لـ " تربية الشارع" وما تحمله من مخاطر. وبما أن التربية ليست من مسؤوليات العائلة فحسب، بل هناك جانب منها موكولٌ إلى " البيئة الثالثة" وهو المحيط، الخارجي، أي الشارع، بين البيئة الأولى( الأسرة والبيت)، والبيئة الثانية( وهو المدرسة)، وهذا يكون من مسؤوليات المجتمع الذي عليه أن يوفر المَحاضن، ورياض ( ونوادي)الأطفال، ودور الشباب، والثقافة. وبهذا تكتمل الفواعل التربوية، في تعاونها وتآزرها. أما أن يُتباكى على فساد الأخلاق وربطه بالمرأة، وعمل المرأة، فعذه سخافة ما بعدها سخافة، باعتبار أن الأخلاق لا تستقيم بالحكم على نصف المجتمع بالبطالة، وإثقال كاهل النصف الآخر، فالبطالة، بطالة سواء كانت ضحيتها المرأة أو الرجل، والمهم أن نرفضها ونعمل على القضاء عليها لأنها مزرعة خصبة للإنحراف والإجرام، بينما العمل حق أساسي من حقوق الإنسان، أقرته التشريعات الدولية( الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وغيره) والدساتير والقوانين االوطنية . وعلى الإتحاد العام التونسي للشغل أن يدعم المرأة في نضالها المشروع لتحقيق مطالبها في العمل نصف الوقت وبأجر كامل، وكذلك بدفاعه عن مطلب العمل بنظام " احصة الواحدة" لما فيه من مصالح للعاملين والعاملات، وأيضا لمصلحة التربية عامة . أليس من حق العمال أن يعيشوا في هناء، وأن يتمتع أبناؤهم بتربية سليمة، يكونون بها صالحين لأنفسهم ولعائلاتهم ولمجتمعهم وللإنسانية؟
والخلاصة من كل ما ذكرنا يتبين أن المرأة التونسية( وهي متقدمة جدا على غيرها من النساء العربيات والمسلمات) مازال الطريق أمامها طويلا لتحقيق ما تطلبه، خاصة في المساواة الفعلية، وليست الكلامية، وعندما تحقق هذه المساواة، يمكننا ، بعد ذلك، أن نتحدث عن "تجاوزها لمرحلة المساواة إلى مرحلة الشراكة الفعلية" أما وهي ما زالت محرومة من الحق المساواة ونقول إنها تجاوزت مرحلة المساواة إلى مرحلة الشراكة، فإن قولنا هذا معناه : إما أن المساواة لا قيمة لها وعليها أن تشارك الرجل في...فهذا غير مفهوم أصلا، وبدون ثرثرة نقول المساواة أولا لأن بالمساواة تستطيع المرأة أن تشارك الرجل في البناء والتنمية وكل ما يخص عائلتها، وأن الذين يمنعونها من هذا الحق بحجج دينية، فإن عليهم أن يفكروا جيد ويفهموا الدين بعلاة مع العصر وما يشهده من مستجدات، وسيجدون أن جوهر الدين يتجه نحو العدالة، وأنه لا يتضرر بالتوسع في العدالة والحرية، بل يتضرر بالتعسف والتضييق والظلم . ونحن نعتقد أن إحساس المرأة( والإنسان، بصفة علمة) بالعدالة والحرية، يجعلها أكثر ثقة ونجاحا في مهمتها التربوية، أما بخنقها وظلمها، فلن تكون إلاّ فاشلة ومعقّدة، ، وإذا كانت كذلك فماذا ننتظر منها ومن أبنائها ومن زواجها؟
إننا نكرر ونعيد أن المرأة هي نصف المجتمع . هي المدرسة والمُعلم والمربي ، فهل يُعقل تركه معطَّلا ومسجونا، بتعلات واهية، لم يعد عصرنا يقبلها؟. ولنكون أكثر دقة نقول :وهل ترضى المرأة، وتقبل، أن تُحرَم من حقوقها؟. وفي هذا المجال أصدر الإتحاد الوطني للمرأة التونسية بيانا بتاريخ 13 أوت 1992، جاء فيه:" إن حقوق الإنسان لن تكون واقعا حيا ملموسا إلاّ إذا تعامل المجتمع مع نصفه وفق مبادئ المساواة وعدم التمييز، وذلك هو الأساس الصلب لكل ديمقراطية وتقدم وسلم إجتماعية حقيقية" ، ونحن نقول ليت هذا الكلام يخرج من قمقم البيروقراطية التي تتحكم في عمله ونظرته للمرأة فيرى النور في الواقع ، ويتجاوز مرحلةالكلام إلى مرحلة المماؤسة والتطبيق ،فيقوم بدعم تحركات المرأة المشروعة في معركة" استكمال حقوقها" و" تكسير"كل الحواجز التي تمنعها من الوصول لما تريده من حقوق تدعمها كل القوى التقدمية والديمقراطية، وربما بهذه الكيفية سيجد أتحاد الرأة قبولا من المرأة التونسية فتتعامل معه ويتعامل معها، فيتبنى مطالبها ويدافع عنها، ولا يقتصر دوره في الحضور الشكلي في المهرجانات الرسمية وينظم اصطفاف النساء لاستقبال الشخصيات الكبيرة في الدولة.
إن اتحاد المرأة إن أراد أن يكون منظمة المرأة بحثق فعليه، أولا وبالذات ان يكون منظمة جماهيرية منتخبة، زمستقلة، وليست منصّبة، تدور في فلك الحزب الحاكم وتأتمر بأوامره، وكأنه شعبة من شُعَبه، الشيء الذي صَرف النساء عته. بينما توجد منظمة نسائية أخرى هي منظمة النساء الديمقراطية، تعاني من المحاصرة والتجاهل نتيجة تشبثها باستقلاليتها، ودفاعها عن المرأة، ومطالبتها بحقوقها كاملة، وستحققها آجلا أم عاجلا، بصبرها وتحمّلها .
والجدير بالملاحظة أن المرأة التونسية استفادت من الحراك السياسي الديمقراطي، العام بالبلاد، خاصة في الفعل الرابطي رغم ظروف الرابطة الخاص الذي يلقى معارضة قاسية وحصار شديدا من السلطة الحاكمة، نتيجة تشبت الرابطة باستقلاليتها عن كل السلطات الأخرى، والأحزاب ، وهي تدافع عن المرأة دفاعا مبدئيا وليس استعراضيا وتظاهريا، وكلما كانت الربطة قوية يكون المطالبون بحقوقهم أقوياء، فإن ضعفت ضعفوا، برجالهم ونسائم، وما على الجميع إلاّ الإلتفاف حول الرابطة ودعمها، ويكون ذلك دعما لحقوقهم ومطالبهم
قليبية في 28/3/2010
رءيس الفرع
عبد القادر الدردوري
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
(*) إننا في الرابطة التونسية نسمي الأشياء كما هي في الواقع، دون أن نسمح لأنفسنا بالدخول في جدال إيديولوجي، دخانُه أكثر من ناره. كأن نقول هذا استقلال أول، أو هو لا إستقلال؟ وما نعرفه أننا نتعامل كرابطة لها خصوصياتها ، وليست حزبا سياسيا له خطه وعقيدته .فهذه حكومة نرى فيها طرفا إجتماعيا ، وعليها أن تنظر إلينا بنفس النظرة، وتعرف أننا لا نعادي إلاّ من ينتهك حقوق الإنسان، لكنه عنما يعود إلى الجادة ويعترف بحقوق الإنسان إعترافا واقعيا ملموس. ونحن لا نطلب، من أي طرف، مستحيلا، بل نطلب احترام الدستور، وجعل القوانين دستورية ، والإلتزام بقيم الجمهورية،، ومعاملة المواطن بكرامة، لأن الوطن بإنسانه وليس بترابه فقط.. لكن الغريب أن السلطة في تونس ترى في تدخلاتنا المدافعة عن حقوق الإنسان ،شكلا من أشكال " المعارضة الحزبية" وهي مخطئة في هذا كل الخطأ، لأننا لا ننطلق من بواعث سياسية بل حقوقية ، وقد نجد أنفسنا مع المعرضة وقد نجد أنفسنا مع السلطة . نحن مع المساواة الفعلية بين الرجل والمرأة وضكل أشكال التمييز ضد المرأة، ونحن مع حقوق الإنسان وضد الظلم والتعسف، ومن دافع عن هذه الحقوق فهو معنا ونحن معه، فإن حاد عن ذلك وجد نفسه بعيدا عنا ونحن بعيدون عنه. وما على السلطة إلا أن تراجع نفسها وتعالج أخطاءها
(**) محمد مواعدة سياسي تونسي، تربى في حجر المظام البورقيبي ثم انشق عنه واستقل مع ثلة من أمثاله ليصدروا جريدة الرأي ثم انشق عن جماعة الرأي ليكونوا حزبا سياسيا سموه " احزب الديمقراطيين الإشتراكيين" ومحمد مواعدة كان له سجل خاص عاشه في سجن " التحول، لكنه في السنوات الأخيرة رضي عنه النظام وقرّبه إلأى موائده، وهو قبل هذا كله وبعده واحد من أصدقائي جمعتني وإياه تجربة صحفية في جريدة الرأي ثم جريدة المستقبل،ثم تفرقت بنا السبل، وقد نلتقي يوما ما في طريق الديمقراطيةز
(ب) هناك من يتحدث عن العلمانية ويساويها بالإلحاد، وهذا خطأ لأن العلمانية لا شأن لها بالدين، الذي تراه قضية شخصية لا تهم إلا الشخص وحدة، أما قضايا الحياة فإنها من عمل الإنسان وشؤونه. كما أن العلمانية ترى أن الدولة ينبغي أن تكون غير دينية، ولا تتدخل في الدين، ولا تجبر الناس على نمط من الدين، ، بل تكون دولة جميع المواطنين المتدين منهم وغير المتدين





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- في ذكرى يوم الأرض:احتراما لكم شعب فلسطين
- أمام ما يحدث في القدس وكامل فلسطين:رسالة مفتوحة للمسماة ب-ال ...
- في ذكرى -استقلال-تونس 20 مارس 1965
- ماذا يجري في بلدية قليبية
- على اثر اشتعال المحاكمات ضد النشطاء الطلبة من جديد بتونس
- مساندة لمخيم أشرف
- على اثر الاعتداء الصارخ على المحامية راضية النصراوي
- على اثر دخول السيد خميس الشماري في اضراب مفتوح عن الطعام
- على اثر المحاكمات الأخيرة للطلبة في تونس وتحريك ملف محاكمات ...
- آهاتكم مسموعة يا شباب قليبية
- بمناسبة ذكرى 26 جانفي 1978
- مراسلة لرئيس اقليم نابل للأمن الوطني
- ما يحدث لشباب تونس؟
- يوم نسيه الناس في ذكرى انتفاضة الخبز بتونس
- هل انتهت الحرب على غزة؟
- مراسلة للقوى الامنية بتونس بعد تطويق مقر قليبية قربة للرابطة ...
- ما اسم هذا الصنيع؟


المزيد.....




- كيف يُستخدم الحليب لترميم منزل البابا؟
- كندا: العثور على جثتي ملياردير كندي وزوجته بظروف -مشبوهة-
- تمديد خدمة صاروخ -الشيطان- الروسي الاستراتيجي
- القبض على سجينين أمريكيين فرا من سجن إندونيسي
- موسكو ترحب بالاقتراحات الأممية للحوار بين واشنطن وبيونغ يانغ ...
- تقرير: حزب الله هرب كوكايين إلى أمريكا وأسلحة إلى إيران!
- من يسعى لتشويه سمعة ولي العهد في السعودية؟
- لعبة الموت توقع مزيدا من الضحايا في الجزائر
- جولة في شوارع القدس المحتلة
- مفوضية الانتخابات تمدد فترة تسجيل الاحزاب السياسية والتحالفا ...


المزيد.....

- نظرة الى قضية المرأة / عبد القادر الدردوري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف مفتوح -8 مارس 2010 - المساواة الدستورية و القانونية الكاملة للمرأة مع الرجل - عبد القادر الدردوري - نظرة الى قضية المرأة