أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم كاصد - الشاعر خارج النص: قصائد مختارة















المزيد.....


الشاعر خارج النص: قصائد مختارة


عبدالكريم كاصد

الحوار المتمدن-العدد: 2867 - 2009 / 12 / 24 - 15:10
المحور: الادب والفن
    



عشر قصائد مختـارة



كتاب البصرة


أ نظلّ منتظرين وجهَ الفجر؟ هل تأتين بين سلالك الخضراء؟ بين (الببّغاوات الجميلة) تنقر الأقفاص؟ في باص الجنوب وضجّة العربات؟ هل تأتين؟ أخضرُ ماؤك النهريّ نستبقيه أياماَ ونرحل.. (كم وددتُ لو انني استبقيتهُ في الحلم!) ماذا لو قلبتُ الليلَ و الساعات؟ ماذا لو شربتُ وصيّتي بالماء؟ ماذا لو جلبتُ الساحر الهنديّ واستوقفتكِ الليلة؟ ..
ماذا حلّ بالبصرةِ؟

جوّابون يضطربون في الساحات، جندٌ يرحلون إلى قراك وقد يرون إلى قراهم تختفي في الليل، فلاّحون في زِيّ المدينة .. حين تأتي الريح من جهة الصحارى، يخفضون رؤوسَهم في الرمل ينتظرون مثل لقالقٍ ملويّةِ الأعناق.. مرّ الرمل والأعناقُ مطرقةٌ، وجاء الصحو والأعناقُ مطرقةٌ.. ومرّ.. ومرّ..
أهل البصرةِ ارتدّوا تماثيلا..

وللبصرة ساعةٌ لا تدقّ، وجسورٌ من خشبٍ تصل الأعداء بالأعداء، وضريحٌ لا يعرفهُ غيري.

وللبصرة حدودٌ من الرماد، وجنودٌ من الرمل، ومساجد تُحزمُ كالقصب في الأوبئة أو الحرب.
البصرةُ
البصرةُ تحترق
بجسورها الخشب
وانهارها المحفورة بالدمع
بخيولها المربوطة في المساجد
وسفائنها المطليّة بالقار
هل مرّت النار بي؟
هل أصيح : من يدلّني عليك؟ (لن توقظ موتاكِ عصاي) هل أراكِ؟ أم تُرى ارتحلتِ بين لغط الأقوام في مدينة أخرى؟ تُراني ألمحُ الآثارَ بعد مئةٍ من السنين؟ أم تُرى يقودني الخطو إلى قبري؟
علامة البصرة أن تجئ
قافلةً
وناقةً تنسِلُ في الصحراء
ترفعُ المصاحف
حجرٌ
أبيضُ
أو أسودُ
لا تلمسه عباءة النبيّ
ولا يشيد كعبة
تسكنهُ البصرةُ
حينما قطعتُهُ استوقفني ظلّيَ
هل أقبلت البصرةُ؟
آتي صخرةً وأهزّها كالجذع. (قشّ صرختي في الريح) .. أسواري الحجارةُ، والسماءُ سفينةٌ تمضي، وبيتي النخلُ أهجرهُ وأنتظرُ الطريقَ إليكِ..
طفلاً كنتُ
أطلالاً عبرتُ تسفها السنواتُ.. كيف عبرتُ؟
كلّ متاعيَ التمراتُ يابسة .. وكلّ سمائيَ السعفُ الذي لم يؤوِ حتّى الطيرَ..
انطقْ!
تنطوي هذه السباخ ونحن زنجك أيّها التاريخ!
ندخلُ حاسرين، جباهنا ملحٌ، ونخرجُ حاسرين نقول للموتى: قفوا، ونقول: فلتمضِِ المدينةُ .. نخلها وحريقها، وكتابُها المفتوحُ، والموتى، ومن كذبوا، ومن تركوا السفائن في الغبار، ومن أحلّوا موتهم بسيوفهم، والضالعون بما يقول النجم (عن موتي)، ومن داروا على كأسٍ ولم يتدبّروا الأفلاك، من فتِنوا، ومن نصبوا السرادقَ للتلاوة يقرأون ويقرأون، ومن تنادوا صائحين بشعرهم في السوق، من جهروا برابعة النهار، وبايعوا في السرّ، من هادوا ومن نصروا، ومن يتوارثون القيل سقّائين مسقيّين، أحجارُ المدينة ربّهم وكتابُهم نعلُ الأمير، لُعنتِ من أرضٍ تورّثها القبائل.. كيف جئتِ إليّ؟ فاسودّت صحائف لم تكن بيضاء، كيف تناهت الأرحام بي وتقطّعتْ؟ في أيّ أرضٍ جاع أهلي؟ آهِ أيّ أعاجمٍ مرّوا عليك؟ عساكرٌ رفعتْ بيارقها، وبضعُ دساكرٍ مُحيتْ، وأهلي كيف قاموا من مجازرهم يسوّون الثياب (تلطّخت) ويغافلون الجند؟

أهلي كيف جاؤوا بي إلى نهرٍ تيبّسَ فانتهيتُ إلى خرابكِ؟ أوّلَ الآتين كنتُ وآخرَ الآتين، تنقطع السلالة فيّ، أبصرُ في غدي أمسي، فتجتمع القبائل فيك: هذي الرحبةُ الدهناءُ، تلك خريبة الأعراب، ذاك الجامعُ المفروشُ بالحصباء.. أين أنا؟
أ أحمل جثّتي وأطوف؟
ويحكِ يا بصرةُ.. ويلك من جيشٍ لا غبار لهْ
ولكنّني..
لا غبار لي
لي حوافرُ الخيول وأرسانها
ليَ أسوارُكِ الخبيئةُ تحت خطى الجند
وابواقكِ المكسورة
لي دواوينك المنذورة للنجم
ليَ ابوابُكِ لا يخرجُ منها غير السائق والناعق والقائد
يا بصرُ!
يا بصرُ!
يا بصرُ!
ليَ ديْنٌ عليكِ: تزورين قبري..






البركان العدني

(إلى رامبو في عدن)



أكان الرحيل إلى عدنٍ دورةَ البحر؟(كالأشنات تقاذفنا الموج ...) نهبط في غرفٍ ونغادر، توقفنا زرقةٌ في الشبابيك، أغربةٌ تتنزّه وسط المدينة، رائحةٌ في زقاقٍ قديم، حوانيتُ تقطر بالزيت، شمسٌ تدحرج أحجارها وهي تنزفُ حمراءَ، لمعةُ ثوبٍ، ونافذةٌ تتوهّج في الليل يحجبها جبلٌ مظلمُ الشرفات ...
ورامبو يدور ببركانه العدنيّ.. وقد ينطوي بين أشيائه دائراً في المساء.. وقد لا يرى بحرَهُ مثل ساريةٍ مائلاً للرحيل...
و رامبو النهارات ممزوجةٌ بالظلام، دمٌ فاترٌ، مطرٌ يتساقط أسودَ فوق المراكب.. رامبو ارتحالٌ وحيدٌ على جملٍ، خفقُ أشرعةٍ تتفتّح في زهرةٍ.. من رأى الأبديّة في الماء.. في حبّة الرمل...؟
رامبو النهايات برقٌ توهّج عبر الفصول...


و رامبو إلى عدنٍ ساط أحلامَهُ كالشياطين، أوقفها عند منحدرٍ لا تحرّك أعشابه الريح .. شمسٌ جحيميّةٌ لا تميلُ, وليلٌ كشمسكَ أسود يرشح فوق البيوت..
انحدرْ!
انحدرْ!
وارتميتَ بهاويةٍ
كنتَ فيها السماءَ الجميلةَ والنجمَ،
كنتَ المطلّ على صخرةٍ
والمعذّب في آخر الليل (منطفئٌ صبرك المتوهّج..)
كالضوء تنسلّ بين الأزقّة( أبوابها نصفُ مفتوحةٍ حين تغلق في الليل، تهبط كلٌ المنازل، يبلعها جبلٌ لا يُرى غيرُهُ في الظلام) تلوح الصهاريج، والسلّم المتدلّي إلى القاع كالبئر، تهبطه النسوة العدنيّات يفرشن أثوابهنّ على الرمل، يرفعن أصواتهنّ الخفيضة، والبحر يقذف أصدافه، من تُرى يوقفُ البحرَ؟ تشحب نظرتك القرويّة، تنأى المراكبُ مثقلةًٌ بالشياطين، أيّ جحيمٍ رأيتَ؟ المراكب تهوي إلى القاع.. تفتح بركانكَ العدنيّ، وتصعد محترقاً في الغناء

بركانك رامبو عرسٌ للرملْ
شمسٌ للرملْ
ظلٌ للبحر وعشٌّ للنارْ
بركانكَ رامبو ريحٌ أسرتها الأحجارْ
وهاويةٌ للقتلْ

و رامبو أفاق على حلمٍٍ، واستراح إلى زهرةٍ لا تُظلُّ المسافر، بيتٍ رآه وخاطب أشباحهُ فيه، قبرٍ توسّده (يرفع الآن رامبو شعائرهُ..)، يكسر الخطوة الحجريّة، ينأى بلا أثرٍ، بين أسلحةٍ وحروبٍ محمّلةٍ بالبغال...
صدىً لا يُردّدهُ الأفْقُ حربُك رامبو...







دقات لا يبلغها الضوء

ابتهاج الأعمى:

أنا الأعمى
لا أحبّ الأشياء الساكنة إلى الأبد
ويغيضني الضوء
والضجيج العابر
لعينيّ مئاتُ الأبراج
ولا برجَ لي
أرى سفينةً ولا أرى مسافرين
أمواجاً ولا أرى بحراً
وأنازل الظلام
بذراعين عاريتين
أنا الأعمى
أنهمر كالفرح
وأبكي


لعبة:

سأفتح أوراقي وردةً وردةً
وأغلقها
سألهو مع الماء والظلّ
وأضحك كالأميرة
سأغلق أوراقي وردةً وردةً
وأفتحها
سألهو مع الشمس والليل
مع الليل والشمس
وأبكي
من يُعيرني عينين
لأبصر دموعي


نحلة الضوء:

أنا نحلة الضوء
أجفاني رقيقة كالماء
وأهدابي كالظلّ
أعرف الصخرة الحانية على الأفق
والربيعَ القادمَ بحذاءٍ صغير
وعينين نائمتين
أنا نحلة الضوء


رثاء عين:

لقبري أجنحة أربعة
وشاهدة صغيرة
بحجم الكفّ
لدمعي ساقية وبحرٌ صغير
وفراشة واحدة
من سيحملني؟
من سيبكي عليّ؟


ساعة البياض:

أنا ساعة البياض
دقاتي لايحدّها ليل
ولا يبلغها ضوء
معصوبة كامرأةٍ تشدّ رأسها للثأر
وتتوعّد النهار
بعينين مظلمتين
أنا ساعة النهار البيضاء
لا يرهبني الليل
ولا حلبات الرقص
أتنصّتُ كالسرّ
ودقةٌ واحدةٌ
تنثرني كالضوء


قوس قزح:

لقد رأيت دوائر من ضوء
وقوس قزح بارد
في بركةٍ
وحلمتُ وأنا أحدّق في الحلم

خاتمة:

عيني التي أضعتها ، كملكٍ أضاع عرشَهُ،
في ليلةٍ حالكةٍ
آه لو أجدها ثانية لأضعها في القلب!







هجاء الحجر *


قال الحكيم:
"السعادةُ أن تدخلَ بحرَ الناس
وتصير سمكةً "
قال الآخر:
"صغيرةً أم كبيرةً؟"
قال الحكيم:
"تلك هي المسألة"

*

"دائماً يحدث العكس"
قال المهرّج
وقد رأى ظلّهُ على السقف

*

حين رأى الملك شعبَهُ عارياً
قال: "ما أجملَ الشعبَ في أثوابه الزاهيهْ!"

*

قال العابر:
"في الغابة المسكونة بالوحوش
نمنا بسلام"
قال المقيم:
" في مدننا الآهلةِ بالبشر
لم نأمن الوحوش"


*

قالت الأشجار
وقد سالت ظلالُها كالحبر:
" منْ يكتبنا على الطريق؟"


*

قال العاشق لمعشوقته:
"سأقودك إلى غابةٍ من فضّةٍ
وعشبٍ من الذهب
لنقيم هناك"
قالت المعشوقة:"وكيف نأمن الوحوش؟"
قال العاشق:
"بالذهب والفضّة يا حبيبتي"


*

كان أبي يقول:
" رصاصةٌ واحدةٌ لا تصنع غيرَ ميْتٍ واحد
وفكرةٌ واحدةٌ تصنع آلافاً من الناس "
وحين مات أبي متشبّثاً بفكرته الواحدة
التي أطلقها كالرصاص على الناس
لم يسر في جنازته أحد


*

يحبّ الجميع
ولا يحبّ أحداً

*

قال الصحفيّ
وقد رأى صورته في المرآة
"السكوت من فضّةً
والكلام من ذهب"

*

قال اللصُّ وقد أطربهُ المديح:
"مالُ الناس للصوص
وما للصوص للناس"
*

شيئان كدّرا حياتي
أصدقائي
والشعر

*

لماذا أشهر المغنين
أسوأهم جميعاً؟

*

الشعراء الكبار
يأكلون الصغار
ويتضوّرون جوعاً


*

لا أريد أن أعرّف الشعر
أريده أن يعرّفني

*

على النبع
انحنى فم الطريق
ليشرب

*

هل تقف الأشجار
حداداً على الطريق؟

*

صديقان يعشقان الكراسيّ
أحدهما يجلس على اليمين دائماً
والآخر على اليسار
الأوّل دعاني إلى بيته
والثاني إلى مكتبه
لم أذهب إلى هذا
ولم أذهب إلى ذاك
بل حضنت رأسي وأطرقت


*

في المنفى التقيتهُ،
قال لي:" منذ فارقتك وأنا أتقلّد المناصب
نائباً فوزيراً ووزيراً ثانيةً
ورئيساً كما ترى، وأنتَ؟ "
قلتُ له:"منذ فارقتك وأنا من أسوأ إلى أسوأ"

*

ربّما أعذر الصديق
حين يشرب نخب العدوّ
ولكنْ
كيف أعذرهُ
حين يشربُ دمَ الصديق


*

قال المتدارك:
"هل نمحو الخطأ الفادح
بصوابٍ أفدح؟ "

*

يريدون
الجريمةَ أن تقيمَ العدل
والعدلَ أن يقيمَ الجريمة

*

ما الشجاعةُ إن أسلمتنا إلى الضعف
والأمانةُ إن أسلمتنا إلى الوعود؟

*

فضائلنا
أ ننشرها فوق حبل الرذيلة
ثم نرزمها في صرر الخاطئين؟

*

البطولات
تقاسمناها جميعاً
أشراراً وطيّبين
ولم يبق منها
ما يزوّدنا في الطريق

*

لكلّ غابةٍ شريعةٌ
- قال -
ولم يخطر في بالهِ قطّ
أنّ لبعض الشرائع غابةً أيضاً

*

حاضرنا
كيف نجتازه
وقد اكتظّ بأيّامنا الماضية؟

*

بابليّون
أكديّون
سومريّون
ولا بأس أن تحفر بعد

*

لماذا الأشرار
يقصدون السماء؟
والأخيار
يريدون باطن الأرض؟**

*

بشفاهٍ من الحجر
ينشدون الطريق

*

سأضع كلّ شيء في مكانه - كما كان-
وأقول لنفسي: "كم تغيّرتِ"



*من مجموعة شعرية تحت الطبع بهذا العنوان
** عن ابن المقفع





قفـا نبـك

محاولة لاعادة كتابة معلقة امرئ القيس بأسلوب آخر


قفا نبك من منزلٍ لحبيبٍ
عفته الرياح
وطافت بأرجائه الموحشات الظباء
كأنّيَ يوم الرحيل ، لدى شجر الحيّ ، ناقف حنظلْ
يقول صحابي: "تجمّل"
وأنّى!
ودمعي شفائي
وهذي الديار أنيسي
ويا طالما فاض دمعي
وسال على النحر
سال على محمل السيف
إثر المهاتين: أمّ الرباب وأمّ الحويرث
مَنْ لي بملهايَ عندَ الغدير ضحىً؟
يومَ أولمتُ راحلتي للعذارى
فيا عجباً.. ! كيف أقبلن يحملن عنّي متاعي ورحلي!
ويوماً دخلتُ به الخدر
- خدر عنيزة -
قالتْ : " لك الويل!"
قلتُ وقد مال هودجها وادّنى الرحل :
سيري وأرخي الزمام ولا تُبعدينيَ عن مجتناك
فمثلك حبلى طرقتُ
ومثلك كم من مرضعٍ جئتُ
ريّانة الخصر
للطفل شقّ
إذا ما بكى خلفها أرضعتهُ
ولي شقّها المستحب
ويوماً حلفتِ ونحن على ظهر رملٍ
ولم ترجعي عن يمينك ،
( ما كان هذا صدودا) ً
أ فاطمُ مهلاً ! أقلّي التدلّلَ ..
إنْ شئت هجري فلا تعجلي
وإنْ ساء منّيَ طبعٌ
فهذي ثيابيَ مشفوعةً بثيابك لم تنسلِ
أغرّك منّيَ أنّي القتيل وأنّك مهما..


وبيضة خدرٍ أتيتُ ولم أكُ عجلان
جاوزتُ حرّاسها وأهوال معشرها
(كم يسرون قتلي!)
أتيت وقد عرضت لي الثريّا تريني وشاحاً تلألأ
في الليل
كانت لدى الستر تنضو الثياب وتُبقي على فضلةٍ
همست وهي مبهورةٌ : " مالنا حيلة من أنتَ الغويّ
متى تنجلي عنك هذي الغواية َ؟"
ثمّ انسللنا نجرّ على أثرينا إزاراً من الخزّ رقّ
فلمّا أجزنا الديار انتهينا إلى بطن رملٍ تعرّج
يا للصَّبا وهي تحمل ضوعك أنّى التفتِّ!
أضوعك أم هو ريّا القرنفل؟
إن قلتُ هاتي امنحيني تمايلتِ بيضاء .. ضامرة الخصر
هفهافةً
(يصمتُ الحجل حين تميلين)
مصقولةٌ أنتِ عند الترائب
كالدرّ أبيضَ أصفرَ غذّاك ماءٌ نميرٌ بلا كدرٍ
وتصدّين عن عارضٍ واضحٍ
وتردّين عن ناظرٍ من نواظر وحشٍ بوجرةَ
جيدك، جيدُ المهاةِ، هو الحَلْيِ دون حُلِيٍّ
إذا ما برزتِ
وشعرك عذقٌ تدلّى
أثيثٌ
غدائرُهُ السود تتلعُ
مثنىً ومُرسلْ
وخصرك يا للطيف الجديل
وساقكِ يا للنخيل المذلّل
وتعطين رخصٌ بنانُكِ
مثل الأساريع
أبيض
أنتِ المنارةُ يوقدها راهبٌ في الظلام
تضيئين عن العشيّ
وعند الضحى
أنتِ
يا للفتيت من المسك فوق فراشك
أنت النؤومُ نؤومُ الضحى
لم تشدّ نطاقاً
إذا ما استطالتْ ودارتْ بثوبين في الدار
أنتِ العمايةُ لي والصِّبا حين يسلو الرجال الصِّبا
والعمايةَ
كم من نصيحٍ رددتُ وكم عاذلٍ لجّ
صحتُ وقد أطبق الليلُ كالموج من كلّ صوبٍ
وأرخى سدولَ الهموم عليّ
وناء:
"ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
بصبحٍ وما الأصباح منك بأمثلِ
فيالك من ليلٍ كأن نجومه
بكلّ مغر الفتل شدّت بيذبلِ"
غير أنّيَ قد أغتدي والطيور بأعشاشها
بمنجردٍ هيكلِ
"مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معاً
كجلمود صخرٍ حطّه السيلُ من علِ"
كُمَيتٍ
يشلُّ الوحوش إذا ما استطيرَ
ويزلقُ عن ظهره السرج
كالجرف يزلق عن صخره النازلون
مسحٍّ إذا ما الخيول أثارتْ غباراً
ويغلي كقدْرٍ إذا جاش
جرياً فجرياً
يُطير الغلامَ الخفيف
ويلوي بأثواب كلّ عنيفٍ
سريعٍ كخذروف طفلٍ
"له أيطلا ظبْيٍ وساقا نعامةٍ
وإرخاء سرحانٍ وتقريبُ تتفلِ"
كأن على كتفيه اذا ما انحنى
حجرُ الطيب دقّتهُ كفّا عروسٍ
ولمعةُ حنظلةٍ
بات والسرج حتّى الصباح
وبات لجامُهُ في فمهِِ
وهو ذاك الكريمُ بعينيّ
لا مهملٌ أو ذليلٌ
فعنَّ لنا بقرٌ
كعذارى يطفن على صنمٍ بالملاءات يجررن من خلفهنّ الذيول
فأدبرن مثل القلادة يبرقن بيضاً
-سوادٌ يخالطهنّ-
فهنّ الآلئ والخرز السود بين اللآلئ
تسبقهُ الهاديات ويلحق منهنّ من تتخلّفُ
حتّى عدا بين صيدين
طعناً
فطعناً
ولم ينتضحْ عرقاً
فليجئْنا الطهاة بما لذّ من ناضجات الشواء
ومن طيّبات القدور
ورحنا وراح الجواد ينفّض رأسه صوب السماء
على نحره من دم الهاديات عصارة حنّاء
يا حارِ! ماذا؟
أ تبصر برقاً كلمع اليدين بذاك السحاب
يضئ سناه
قعدنا له من بعيدٍ
وأضحى السحاب يسحّ ويهدأ
ثمّ يسحّ ويهدأ
حتّى انحنى الدوح وهو يكبُّ على وجههِِ
ثمّ لم يتّرك أيّ جذعٍ ودارٍ بـ "تيماء"
يا لـ "طميّةَ" من جبلٍ
مغزلاً صار وسط السيول
ويا لـ "أبانا" وقد صار شيخاً تزمّل بالعشب
أيّ سباعٍ طفتْ
وأيّ سحابٍ يغطّي السماء
ويلقي بـ"بسيان" صدرهُ
يُنزلُ كلَّ الوعول من العصم
من هضبات الجبال..






خريف موشكٌ على الرحيل




الخريف الموشك على الرحيل
يصبغ بالأصفر..
أقدامَ الأشجار

*

ذلك المتقاعدالمزيّن بالنياشين
هو أنا
وقد علقتْ في صدري
أوراقُ خريفٍ صفراء

*

لماذا ترى تتسع المقبرة
كلّما أقبل الخريف؟

*

في خريف العمر
ما أقسى اليتم!

*

ورقة واحدة
دمعةٌ واحدة تتعلق بالغصن..
دمعةُ الخريف

*

تحت مطر الخريف
ترتعش الأوراق ..
صفراء
مبلّلةً بالدمع
مطرٌ أم دمع؟
مطرٌ أم دمع؟

*

الخريف
يطلّ من النافذة
ويرحل
أجنحةٌ في الهواء
تصطفق الآن

*

مصطبة
غطتها الأوراق
لا تزال تنتظر

*

في البرد
لا أحد يمرّ
غير حماماتٍ تتنقّل كالأحجار
فجأة ..
يدخل سنجابٌ
فتضطرب الساحة

*

الأشجار وحيدةٌ
تتطلع في الليل وتصغي ..
لمن تُرى ..
تصغي الأشجار؟

*

شتاءٌ مفاجئ
أوراق تلطّخها حمرةٌ
إنها دمُ الخريف

*

الأشجار
- وقد شُذبت الآن
وطالتْ -
كم تبدو عاليةً في الساحة !
تمتدّ ..
وتمتدّ ..
تهيئ أقداماً للركض
تلامس نافذتي
وتلوّحُ ..
ماذا ؟
أ أقوم وأصطفّ مع الأشجار
أشذب أغصاني ؟

*

خريفٌ يقاتل حتّى أخرِ ورقهْ


خاتمة للخريف الموشك على الرحيل:

الشتاء يُطلق قذائفَهُ:
القذيفة الأولى: أمطار
الثانية: رعد
الثالثة: بردٌ قارس
الرابعة: عواصف
الخامسةُ .........

وهو لا يكلّ أبداً

ياله من محاربٍ قديم





عـزاء

إلـى مغنّي فرقة " ناس الغيوان " المغربية : العربي باطما


الأفاعي التي وقفت في الطريق
والنساء المحجّبات
والقرى يحملها اللصوص
(على دوابهم)
والأسواق الخالية إلاّ من الناس
و المشاجرات
(بأجنحةٍ من سكاكين)
والقصب الذي يجرح الآنيهْ
(مغروزاً في ظهركَ)
والطائر المذبوح في الهواء
وأحزانك التي أشعلتها كالشموع
وفقرك "الذقيع"
"ما أكثر أخطاءك يا باطما
وما أقلّها"
كلّها.. كلّها تصحبك الآن إليّ
مسربلة بالحداد..








الشبيه

مرثية الشاعر مصطفى عبدالله دفين القنيطرة


كالمهد أهزّ قبرك اليتيم
منتظراً في الظلّ
خلف شمعتي الأخيره
أيّنا الميْت؟
أيّنا عافه ُ الربّ
في هذه البريّة المقفره
بريّة الشعر؟
أيّنا كان يكتم صرختَهُ
فتدوّي بها الروح؟
(تنشقّ عن صخرةٍ)
لتقلْ: "إنني الميْت"
لتقلْ: "إنني الهابط من صخرة الربّ
إلى الهاوية"
إنني قادم إليك
لا كما كنتُ آتيك ..
حين ينحسر الظلّ كالنهر
والنهر كالظلّ
والنخلُ محتفياً بملائكةٍ وشياطين
(كنتَ تُشير إليهم وتضحك)
لا
بل كطيفٍ غريبٍ تراءى بمقبرةٍ
وسيفجؤك عماي
ولربّما ستبكي
حينئذٍ سأواسيك أنا
ولكنْ
إذا ما هززتني في القبر
فلن أستيقظ أبدا..





غنـاء


- وداعاً
ومرّت خيولُ المساءِ الأخير
وأطفأت الريحُ قنديلها
إلى أيّ ركنٍ صغيرٍ أوتْ
إلى إيّ ركنٍ صغير

سأمسحُ عن شعركِ الثلجَ ..
أدخلُ قبواً وأغلقهُ،
"لستِ ميّتة
وأنا لستُ ميْتا"
وأنا
قرّبي الشمعتين
لنصبح بيتا..





خـاتمـة


سأدقّ على صفحة البحر وأدعو العابر إلى منفاي
سأدقّ على صفحة الليل وأضيء كنجمة الدليل
سأقف كغيمةٍ وأصرخُ: أيّها الوطن القريب.. افتحْ!
لقد أزهر قبري كالبيت
فطليتهُ بالحنّاء..





عبد القادر الجموسي:


من مواليد القنيطرة

صدر له:

- "عودة جلجامش" (حكاية ملحمية)2003.
- ترجمة كتاب "الأمير" (نيكولو ماكيافيلي)2004.
- ترجمة ديوان "رباعيات أربع" (ت.س.اليوت)2005.
- ديوان "ضفيرتان..و قصيدة واحدة" (2007).

للاتصال: abdelkaderjamoussi@yahoo.co.uk



المحتويات



مقدمة: سيرة الشاعر................................................................................

الفصل الأول: أبواب الطفولة (كتاب البصرة).........................................................
- ابن الرافدين/الشعر و الذاكرة
- النقر على أبواب الطفولة
- البصرة..عبق الأمكنة

الفصل الثاني: الطريق الى عدن......................................................................
- ولادة ثانية
- وردة البيكاجي
- الوردة الحجرية
- آرثر رامبو: البركان العدني

الفصل الثالث: حوار الشعر و الفكر..................................................................
- فلسفة الشعر
- صور الشاعر
- منازل الشعراء

الفصل الرابع: مساحات الشعر اللامتناهية............................................................
- حوارية امرئ القيس
- الشاعر ناقدا
- تداوليات قصيدة النثر و سؤال الحداثة

الفصل الخامس: عن الحب و شياطين أخرى.........................................................
- تأملات في الوطن و المنفى (في محاورة ادوارد سعيد)
- لندن: نهاية الرحلات
- عن المسرح و الشعر و العالمية

عشر قصائد مختارة: ..............................................................................

* كتاب البصرة....................................................................................

* البركان العدني (الى رامبو في عدن).............................................................

* دقات لا يبلغها الضوء...........................................................................

* هجاء الحجر...................................................................................

* قفا نبك.........................................................................................

* خريف موشك على الرحيل.. ..................................................................

* عزاء (الى مغني فرقة "ناس الغيوان المغربية: العربي باطما)...................................

* الشبيه (مرثية الشاعر مصطفى عبد الله، دفين القنيطرة).........................................

* غناء..........................................................................................

* خاتمة.........................................................................................





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,328,201,095
- الشاعر خارج النص:الفصل الخامس
- الشاعر خارج النص: الفصل الرابع
- الشاعر خارج النص: الفصل الثالث
- الشاعر خارج النص: الفصل الثاني
- الشاعر خارج النص: المقدمة والفصل الأوّل
- غابات الماء أم غابات الأخطاء؟
- الأيديولوجيا لا تأسرني - حوار: عدنان البابليي
- ترجمات إليوت إلى اللغة العربية
- ما أوسع المقبرة.. ما أضيق الجبل!
- نوافذ
- مرثية
- أربعون فدّاناً- ديريك والكوت
- هنالك في مالمو
- شهادة أم شهادتان: القسم الثاني
- شهادة أم شهادتان: القسم الأول
- قصائد قصيرة
- شجرة الرمّان..شجرة طفولتي
- الضحك
- الرحلة الأخيرة إلى المربد
- البناؤون


المزيد.....




- -غوغل- تدعم اللغة العربية في مساعدها الصوتي
- كيف أخذتنا أفلام الخيال العلمي إلى الثقب الأسود؟
- جميلون وقذرون.. مقاتلو الفايكنغ في مخطوطات العرب وسينما الغر ...
- جائزة ويبي تكرم فيلم -أونروا.. مسألة شخصية- للجزيرة نت
- -بعد ختم الرسول- في السعودية.. سمية الخشاب تظهر في سوريا (ص ...
- بوناصر لقيادة العدل والإحسان: شكرًا يا أحبتي !
- الرميد يكشف مسارات اعداد التقرير حول القضاء على التمييز العن ...
- الذكاء الاصطناعي: هل يتفوق الكمبيوتر يوما ما على الفنانين ال ...
- شرطة سريلانكا تنفذ تفجيرا محكوما بالقرب من سينما سافوي في كو ...
- لفتيت يلتزم بالرد على شروط الكدش لتوقيع اتفاق الحوار الإجتما ...


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم كاصد - الشاعر خارج النص: قصائد مختارة