أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - جاسم المطير - استبداد الأكثريةالبرلمانية..















المزيد.....


استبداد الأكثريةالبرلمانية..


جاسم المطير

الحوار المتمدن-العدد: 2850 - 2009 / 12 / 6 - 08:16
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


من ابرز الظواهر المتفاقمة خلال السنوات التالية لعام التغيير 2003 هي ظاهرة الضغط السياسي الناتجة عن مختلف الاتجاهات السياسية المشدودة ، في الشارع العراقي ، في البرلمان العراقي ، وفي عموم العلاقات ، بجانبيها الايجابي والسلبي ، بين الأحزاب والقوى والتكتلات الوطنية من اجل بناء ( القوة الديمقراطية ) باعتبارها اختيار الشعب العراقي لانجاز عملية التغيير وإعادة الأعمار وتنفيذ برامج التنمية البشرية والاقتصادية بواسطتها .
كان بناء (القوة الديمقراطية ) وممارستها هدفا مثيرا للاهتمام والجدل خلال مختلف الفعاليات ذات التفاصيل بعلاقة السياسة بالمجتمع عند تأسيس مجلس الحكم وعند صياغة الدستور الدائم ، وعند القيام بانتخابات نيابية صعبة وغيرها من الفعاليات ، التي بدت في وقتها مفرطة في التفاؤل المخصص لكتابة سيرة ذاتية عراقية جديدة للديمقراطية في بلاد ما بين النهرين .
هذا البناء لم يكن سهلا ولا ممكنا ولا ميسورا في ظل موجات الإرهاب الدولي والداخلي التي سادت في الشوارع والساحات العامة ، بل في الوضع العراقي كله وعلى مختلف المستويات مما سمح في ما بعد السنوات الست المنصرمة بأن نفهم أمور الديمقراطية ليس فهما تأمليا ، بل فهما قائما على ضرورة وأهمية استكشاف كل الأحداث المتعلقة بالتطبيق الديمقراطي ، كل الدلالات الوثيقة الصلة به ، الناتجة عن تفاعل الديمقراطية داخل المجتمع السياسي من جهة وداخل المجتمع المدني من جهة ثانية ، خاصة في ظروف تداخل الأحداث اليومية مع المشروعات السياسية حيث تصارعت وستظل تتصارع قضايا ديمقراطية جوهرية مع مصالح سياسية حزبية أو كتلية .
كان منظرو الديمقراطية وكتابها الأوائل ورجالها ، في أوربا وأمريكا ، منذ أكثر من قرنين من الزمان مقتنعين تمام الاقتناع بوجود مخاطر تغلف الديمقراطية أو تحيط بمتعرجات تطبيقها في الدولة والبرلمان ، بمختلف المراحل . بمعنى أن النظرة الديمقراطية تحمل العناصر الايجابية والسلبية في بطن واحد . ربما كان الشعب الأمريكي أكثر شعوب العالم تفكيرا بالجانب السلبي من الديمقراطية وأكثر تفكيرا به لسبب واحد هو أن نضال الشعب الأمريكي من اجل الديمقراطية ارتبط بخوض الحرب من اجل الاستقلال وقيام الثورة الأميركية (1775 - 1783م)..التي كان حضور الاستبداد واضحا فيها وما بعدها .
مثل هذه الأفكار عن ( الاستبداد ) ظلت مركزية ، أيضا ، لدى المفكرين الفرنسيين بعد قيام الثورة الفرنسية وهي ــ أي الأفكار ــ كانت بالأساس عنوانا عالميا كبيرا عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في مراحل عديدة من تطورها وصولا إلى تبلور نظام الإمبراطورية تحت قيادة نابليون بونابرت حيث تقلصت حرية اختيار المحكومين لحكامهم كان من نتائجها قيام ثورة 1848 ضد الاستبداد ومن ثم قيام كومونة باريس .

في كثير من بلدان العالم حاول المفكرون والمثقفون أن يبلوروا مشاريع عقلانية لتخليص الديمقراطية من ظاهرة ( استبداد الأكثرية ) وقد تحقق ذلك بدستور فرنسا عام 1947 الذي اوجد نوعا من قواعد أساسية لمنع مخاطر ظهور الاستبداد . كذلك استطاعت النخب البريطانية المتمثلة بكبار رجال القانون والشئون الدستورية من إنقاذ الديمقراطية البريطانية من مخاطر سيطرة ( استبداد الأكثرية ) السياسية في الدولة والمجتمع .
لا شك أن الشيوعيين في العالم اجمع يملكون ثروة كبيرة من معارف فكرية تتعلق بسيطرة ( الاستبداد ) على البرلمان والمجتمع والدولة ، وهي التجارب المتعلقة بانهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدولة الاشتراكية العالمية في ما بعد ، بسبب استبداد قادتها وتخليهم عن جوهر الحرية والديمقراطية ، التي دعا إليها البيان الشيوعي أولا ومن ثم ثورة أكتوبر العمالية عام 1917 التي انفجرت في روسيا القيصرية وغيــّرت وجه العالم كله خلال 70 عاما .
اليوم يواجه الشيوعيون العراقيون خضم صراع ديمقراطي مستقطب في الوضع السياسي من اجل ( الخير الديمقراطي ) ضد ( الشر الاستبدادي ) وهو الصراع الذي قدم فيه هذا الحزب خلال 75 من حياته عددا كبيرا من الشهداء مما حوّل مسيرة الحزب كلها إلى تحد ٍ نضالي ٍ يومي ٍ لكل أنواع الأوضاع الاستبدادية القسرية المحيطة بالشعب وبنضاله من اجل الديمقراطية بعد سقوط النظام الدكتاتوري في 9 نيسان 2003 خاصة بعد أن تأكدت لدى الحزب الشيوعي العراقي في تجارب قيادته وقاعدته أن ( الديمقراطية الحقيقية ) هي ليست ( عقيدة شاملة ) بل هي بالأساس منهجا لاتخاذ القرارات العامة على مختلف المستويات من قبل الملتزمين بها كما بدأ ذلك داخل الحزب منذ المؤتمر الحزبي الرابع في أوائل تسعينات القرن الماضي .
استطاع الشيوعيون العراقيون أن يدركوا بوعي ٍ عال ٍ خلال الممارسة والتطبيق في السنوات الست الماضية أن الديمقراطية هي ( منهج أساسي ) يمكن لجميع الوطنيين المخلصين أن يهتدوا به لبناء المجتمع العراقي وتطويره في المستقبل بما يتيح لجميع أفراد المجتمع وأحزابه وجميع منظمات المجتمع المدني ليس فقط على التعايش السلمي بل أيضا التعاون والتلازم لضمان التحاق كل المواطنين العراقيين في المدن والأرياف بالحشد الديمقراطي السائر نحو تحقيق إعادة الأعمار وبناء مجتمع متقدم متجاوب مع موروث تاريخه الحضاري ومع ما يملكه من ثروات هائلة في باطن أرضه .
أن تمسك القوى الديمقراطية بمنهج يقوم على مبادئ ومؤسسات تمكــّن لا الشيوعيين وحدهم ، بل كل الجماعات السياسية الوطنية من قيادة وإدارة أوجه الاختلاف في المواقف والآراء بشكل سلمي لضمان تمكين المجتمع من السيطرة ليس على مصادر العنف والحروب الأهلية حسب ، بل منع ظهور ( استبداد الأكثرية ) أيضا ، خاصة أن المثقف العراقي المتنور كان وما زال قادرا على كشف جميع الوسائل والأسباب العقلية والتطبيقية المؤدية إلى ظهور مخاطر الاستبداد بإتباعه الوسائل التي تجعل المفكرين العراقيين والمثقفين الملتزمين والمستقلين يواصلون النضال اليومي من اجل الحرية والعدالة الاجتماعية .
لم يكن متوقعا أن تغشى قوى الديمقراطية العراقية حالة من الكآبة والتشتت والضعف في التأثير السياسي بعد نيسان 2003 لا بسبب القسوة على تلك القوى وعلى منظماتها وأحزابها ، كما كان الحال في زمن الدكتاتورية الصدامية ، بل بسبب وجود دلالات سلبية عديدة منها قسوة الإرهاب وقسوة العداء للمشروع الذي يتحدى ظهور الاستبداد وبسبب ظهور ( الطائفية السياسية ) التي طوقت اليسار الديمقراطي العراقي كله فمنيت بالتالي آمال هذه الحركة الواسعة بالإحباط ، خاصة بالنسبة للجيل السياسي العراقي الجديد ، الذي وجد نفسه ، بغالبية الشباب منهم ، قسرا في خيار الطائفية السياسية أي خيار الوجه ( السلبي ) للحرية والديمقراطية وهو من دون شك الوجه القبيح لعملية التغيير بعد أن كان العراقيون جميعا ينتظرون رؤية الوجه الجميل للتغيير النوعي الهائل الحاصل بسقوط صدام حسين ونظام الحزب الواحد ودكتاتوريتهما .
في انتخابات البرلمان عام 2005 حدثت بنتائجها مفارقة كبرى إذ من زاوية الممارسة كانت الديمقراطية الانتخابية سائدة في العيان الشكلي ، لكن في العيان الجوهري فازت قوى (غير ديمقراطية ) بل فازت قوى مكينة وذات شان بالطائفية السياسية ، التي خاضت طيلة السنوات الأربع الماضية نوعا من الحرب الباردة في الساحة السياسية العراقية وشملت خطوط هذه الحرب بشكل خاص حتى حدود الجبهات الطائفية نفسها ، أي داخل القوى الطائفية نفسها ، فشوّهت أمورا كثيرة في العلاقات بين القوى الوطنية مما استلزم البحث والتنقيب عن قانون انتخابي جديد أكثر ديمقراطية في بنوده لكي يؤمن حقوق جميع المكونات الشعبية العراقية داخل الوطن وخارجه غير أن نتائج هذه المراجعة القانونية للحقوق الانتخابية خلال 11 جلسة في البرلمان كان آخرها يوم 8 – 11 – 2009 أنتجت تباعدا بين أسلوب وآخر من أساليب ممارسة الحقوق الانتخابية مما اوجد حالة أخرى من التناقض حال الإعلان عن القانون الجديد ونشر نصوصه . هذه الحالة ترابطت بالصور التالية :
(1) في البرلمان نشأت غالبية نيابية لا تملك تراثا نضاليا واحدا، لكنها مفهومة الأغراض و الصلة بالقانون من خلال مصادقتها المرتجلة السريعة المستخفة بكثير من الآراء الناقدة والمعارضة .
(2) في يوم التصويت الحاسم على القانون غاب رئيس البرلمان لوجود محاضرة لديه في دولة قطر مما ترك فراغا في المستوى الإداري الكلاسيكي المتميز به هذا الرئيس نفسه مما اوجد بالتالي طرائق صادمة في الحوار البرلماني في ذلك اليوم .
(3) أهمل البرلمانيون المصوتون على القانون جميع وجهات نظر اللقاءات الوطنية ووجهات النظر الغنية الخصبة التي عقدها واقترحها قانونيون وسياسيون داخل الوطن وخارجه لتعديل قانون الانتخابات لعام 2010 وجعله مصدرا أساسيا من مصادر الديمقراطية الانتخابية .
(4) أهمل البرلمانيون المصوتون على القانون جميع أفكار الأحزاب والقوى والشخصيات الديمقراطية التي تضمنتها مذكراتها ورسائلها ومقالاتها في الصحف .


بهذه الطريقة وبالخطب الإنشائية لكثير من زعماء أو ممثلي أحزاب وكتل في البرلمان وخارجه صودق بأغلبية 145 صوتا على قانون ليس جديرا بتمثيل حقوق الأقليات ولا بمراعاة الحقوق الأولية للمهجرين داخل الوطن وخارجه . كان القانون ، بذلك الشكل من المناقشة والحوار وطريقة التصويت ، علامة بارزة من علامات إضعاف الروابط الوطنية بين الأقليات من مكونات الشعب العراقي وبين المؤسسة الدستورية وهو أمر لا يعني انعدام مصافحة الأيدي فقط ، بل يعني ظهور أول علامة رئيسية حاسمة من علامات ( استبداد الأكثرية ) متعارضا ليس فقط مع مواقع التفاعل الديمقراطي الراقي في الألفية الثالثة بل حتى متعارضا تمام التعارض مع كتاب روح القوانين الصادر منذ قديم الزمان في عام 1748 لمؤلفه شارل مونتسكيو ( 1689 – 1755 م ) الذي قدم قواعد علمية وعملية وسياسية للمفكرين في العالم كله بما فيهم المفكرين الإسلاميين والعرب الذين يعانون بصورة بشعة من مظاهر ( الاستبداد ) التي أطلق عليها هذا المفكر مصطلح ( الاستبداد الشرقي ) .
بهذه الفرصة والمناسبة أود أن أسالِ المطلعين هل صحيح أن الاستبداد وثيق الصلة بالطقس وبالحالة الجوية كما قال ذلك مونتسكيو . .؟
من أغرب أفكار مونتسكيو في كتابه ( روح القانون ) أن مناخ الدولة وطقسها يؤثران بشدة على طبيعة الإنسان ، ومن ثم المجتمع ، ومن وجهة نظره أن الناس الذين يعيشون في بلاد حارة يكونون عادة ً حاديَ الطباع .. ! بينما أولئك الذين يعيشون في بلاد الشمال فإنهم يكونون باردي الأعصاب ، وعلى ذلك فإن مناخ وسط أوروبا يُنتج أفضل الناس الديمقراطيين ..‍ !
يجعلني هذا القول ابحث بين ثناياه مظاهر الوضع المعيشي الصعب لسكان بغداد والعراق بسبب حرارة الجو وانقطاع الكهرباء وبسبب سعة موجات العواصف الترابية وعلاقة ذلك بظاهرة ( استبداد الأكثرية ) بالرغم من أن هذه الأكثرية تعيش في ظل ظروف حياة مناسبة سواء في المنطقة الخضراء المكيفة الهواء والأجواء أو في عمان وغيرها من العواصم حيث الحياة الجزئية التفصيلية تخفف إلى حد كبير ضغط أعصاب يعاني منها أكثرية الشعب العراقي . لذلك فأنا اختلف مع مونتسكيو حول ( حدة الطباع ) التي يشاهدها أبناء الشعب العراقي على شاشة الفضائيات حين يظهر عليها أعضاء من البرلمان العراقي وهم يؤيدون أو يعارضون بكبرياء وتعال ٍ المادتين الأولى والثالثة من قانون الانتخابات لعام 2010 .
أن هذه الظاهرة ناتجة ليس عن حرارة أجواء بغداد بل ناتجة عن عدم استيعاب بعض ممثلي الأغلبية البرلمانية لجوهر الديمقراطية ودورها وحلولها حيث لم ير أعضاء الأكثرية البرلمانية تأثير الديمقراطية على القوانين باعتبار أن الديمقراطية منهجا متحررا من الجمود . إنهم لا يؤمنون بحقيقة أن الديمقراطية ليست شريعة بديلة لما يؤمنون به وأن تجاربهم في ممارسات الطائفية السياسية لم تعلمهم حتى الآن أن الديمقراطية التي نريدها في العراق هي من صنع العراقيين أنفسهم بل هي مجموعة متراكمة من تجاربهم في النضال الطويل والقاسي ضد الدكتاتورية وفي دفع وانطلاق العملية السياسية .
التجارب الطويلة في حياة الشعب العراقي علمته وعلمتنا ما يلي :
(1) إن التاريخ العراقي بكل توتراته وشحناته منذ عام 1920 وحتى الآن رفض ويرفض الوصاية من قبل سلطة انتداب أجنبي أو احتلال عسكري ومن قبل حاكم فرد ومن قبل حزب حاكم منفرد بالسلطة . كذلك يرفض ( استبداد الأكثرية النيابية ) .
(2) كل الصور النضالية داخل الحركة الوطنية للشعب العراقي وثيقة الصلة بالممارسة السلمية وباحترام الرأي الآخر .
(3) الشعب وقواه الوطنية المنظمة يحترمان عملية اتخاذ البرلمان الحالي لجميع القرارات والقوانين الجماعية أو الملزمة بالأكثرية ، لكن بشرط اعتمادها على الطريقة الديمقراطية وباعتمادها على وضوح النصوص وأهدافها .
(4) حتى يتم التخلص من ( استبداد الأكثرية ) ينبغي أن تكون قرارات البرلمان وأنظمته وقوانينه وكل تشريعاته قائمة على هدف تصعيد مستوى المساواة والحرية بين المواطنين . كما ينبغي لها أن تساعد على تدني مستوى الجور والإجحاف والظلم والاستبداد وإبعاده كليا عن أكثرية المكون الشعبي وأقلياته .
خلال الفترة منذ لحظة ولادة قانون الانتخابات لعام 2005 حتى الآن أخفقت كل خطط الديمقراطيين العراقيين لكي يشرع قانون جديد متكامل بصيغته الديمقراطية مبتعدا عن كل صفة من الصفات التي لا تحقق التغيير المطلوب نحو الديمقراطية الانتخابية التي من المستحيل انجازها من دون النوايا الصادقة لدى جميع الكتل النيابية ، كبيرة وصغيرة . كما الابتعاد عن كل ما يؤدي إلى غرور وتميز الأغلبية في أية ساعة من ساعات القرار البرلماني المؤدي إلى ( الاستبداد ) مهما قيل عن المبررات والحجج في عملية تمرير القانون مع نواقصه المجحفة إلى جانب قيام برلمانيين من صانعي القانون برفض مذكرات وأفكار المعترضين على بعض بنود ومواد القانون الانتخابي مما لا يعفي هذه الأغلبية، ليس فقط عن ممارسة الديمقراطية الناقصة ، بل ممارسة الاستبداد من خلال الطعن بصميم المساواة القانونية على ارض الواقع حتى أن ( استبداد الأغلبية ) تجرد بغتة من اللحظة التي أسس فيها دستورا يجيز في إحدى مواده لمجلس الرئاسة أو لأحد أعضائه حق نقض قوانين البرلمان أو نقض بعض مواده . بذلك أصبح نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي الذي عارض المادتين الأولى والثالثة من القانون موضعا للهجوم عليه وعلى مكانته الرسمية من قبل الكثير من ممثلي الأغلبية . هذا الهجوم في الواقع هو نوع من أنواع الاستبداد الفكري . كما أن رفض مذكرة 1000 شخصية في المنفى وهم من العلماء والفنانين والمثقفين والتكنوقراط يمثل فعلا جديدا من أفعال تغييب حق العراقيين من ممارسة الديمقراطية . مع الآسف الشديد أن بعض ممثلي الأكثرية البرلمانية لم يعارضوا طروحات الأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية بصورة عقلانية ، بل بصورة انفعالية – استبدادية على الشاشات التلفزيونية .
إن السماح والتساهل بهذا النوع من الممارسات الاستبدادية يجعل من النظام الديمقراطي في العراق مجرد شكلا موهوما ليس غير ، بل يجعل الديمقراطية نفسها كــ"منهج " ، أداة ضعيفة لحل المشكلات السياسية والاجتماعية .
إذا كانت الديمقراطية ، كما هو معروف ، في الدول المتقدمة صورة من صور التواضع السياسي الأقصى في تقديم نفسها أمام الممارسات والفعاليات السياسية والجماهيرية وبأنها تعتمد على الواقع الاجتماعي في تحديد مهماتها وبذلك نراها خالية من الاستبداد المباشر آو غير المباشر رغم أساسها الطبقي الاستغلالي فأننا نرى الديمقراطية في العراق الجديد ، في ظل البرلمان ونزعاته الحادة ، مطمعا سياسيا من مطامع الأكثرية النيابية لتحويل الديمقراطية من ( منهج ) إلى ( عقيدة ) من العقائد السياسية الشاملة الهادفة إلى ضبط المجتمع ضبطا طائفيا وإلى محاصة بين الكبار الأقوياء في البرلمان مما يسحق بالنتيجة حقوق وإرادة القوى الوطنية ، الصغيرة في تمثيلها داخل البرلمان . مما هو جدير بالملاحظة ، هنا ، أن هذا الاستبداد لا تريد له القوى البرلمانية الكبرى أن يزول في الانتخابات القائمة ولهذا فهي ترفض رفضا قاطعا تقريب المسافات الواسعة التي يجب تخطيها بين المواطنين في ممارسة ديمقراطية حقيقية يكفلها القانون ومكفولة دستوريا ، كما حددتها مواثيق حقوق الإنسان جميعها وفي مقدمتها ميثاق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، التي تطالب أن لا تكون سيادة لأحد على احد . الناس بموجب الشرائع الأرضية و السماوية سواسية كأسنان المشط وأن مخالفة هذه المواثيق لا تعني غير الإجحاف بمبدأ المساواة بين البشر ، كما أنها تحمل روح التجاهل التام لصرخة عمر بن الخطاب : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا .
يبدو أن الأغلبية البرلمانية لا تريد معالجة النقص في الممارسة الديمقراطية داخل البرلمان وخارجه مما يعني عدم القدرة على معالجة المحددات العائقة للتطور الديمقراطي ، بل أن هذا يؤدي إلى احتمال مواجهة الديمقراطية لمأزق وأزمة تكون من أولى نتائجها ضعف المشاركة الجماهيرية الفعالة في الانتخابات البرلمانية ، خاصة وانه لم تتوفر حتى الآن على ارض الواقع العراقي أية معطيات كافية تسمح للمواطنين القيام بالتعبير الحر عن اختيارهم الحر مع وجود شعور عام لدى ملايين الأصوات من المواطنين من أنها ضائعة وغير مؤثرة عندما لا يكون صوت كل مواطن داخل العراق وخارجه من أي دين أو مذهب أو قومية هو مساويا لصوت المواطن الآخر .
إن ما يحتاجه الوطن والمواطن في المرحلة الراهنة هو استناد القرارات البرلمانية وقرارات الدولة على المعرفة المستنيرة بحقوق جميع أبناء الشعب دون تمييز و أن الخيار الديمقراطي الحقيقي والوحيد هو الذي يتخذ لمصلحة ( جميع ) أبناء الشعب وليس لمصلحة ( الأكثرية البرلمانية ) .
ما يتخذ لمصلحة ( الجميع ) يستدل به على وجود عملية ديمقراطية بينما ما يتخذ لصالح ( الأكثرية البرلمانية ) يستدل به وجود عملية استبدادية مما يلغي ابسط مبادئ الديمقراطية القائلة أن الشعب مصدر السلطات .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بصرةلاهاي في 20 – 11 – 2009








كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,513,272,137
- يا حكام البصرة عهدكم شقاق، ودينكم نفاق لأنكم تهربون من ضميرك ...
- المبلوعات تتواصل بشوق البالعين والبالعات ..‍‍!!
- ضمير الحكومة المحلية بالبصرة ينقض قرار حظر بيع الخمور وشربها ...
- حول آلام ومعاناة مخرج مسلسل الباشا
- لا تصير عضوة مجلس محافظة الكوت أنثى إلا بمصاحبة محرم ..‍‍!
- بين التياسة والسياسة يقف الأتيس في البرلمان ..!
- ليست غلطة كبيرة أن يكون أمين العاصمة اسمه صابر ..‍‍!
- أسوأ ما في العراق وزير الصحة ..!!
- الاستحمار أفيون الشعوب ..!!
- قانون الانتخابات ضمان لحكم الأكثرية أم ضمان لحريات المواطنين ...
- ثبت علميا أن الإنسان الطائفي هو حيوان اجتماعي غير لبون ..!!
- اكبر غلطة في التاريخ العراقي يرتكبها وارد بدر السالم ..!!
- البرلمان العراقي عربة تجرها أبقار لا خيول ..!!
- حكومتنا العراقية منشغلة بمشاهدة المسلسلات التركية ..!!
- يا حيوانات العراق اتحدوا ..!!
- محاولة إيجاد طريق جديد للقصة العراقية القصيرة
- إكليل من الغار على جبين الصحفيين الأحرار ..!
- في البرلمان العراقي تنتعش العيوب والجيوب والحقائب ..!!
- القرود يستحون لكن النواب العراقيين بلا حياء ..!!
- البراغيث تبصر ابعد من بصر البرلمان العراقي ..!


المزيد.....




- مباشر: التونسيون يدلون بأصواتهم في ثاني انتخابات رئاسية ديمق ...
- الانتخابات الرئاسية: -نبحث عن رئيس كفء يخاف على تونس وليس عل ...
- مصر تعلن بدء جولة جديدة من المفاوضات حول سد النهضة الإثيوبي: ...
- شاهد: تحضير أكبر طبق حساء في اليابان عرضه 6 أمتار ونصف متر.. ...
- فيديو: يورونيوز في الشارع التونسي.. آراء مواطنين في الانتخاب ...
- فيديو: يورونيوز في الشارع التونسي.. آراء مواطنين في الانتخاب ...
- رئاسيات تونس.. نساء وشيوخ في مقدمة الناخبين
- ربع المصريين يعانون اضطرابات نفسية.. كيف يكون العلاج؟
- التشغيل بعد شهور.. تركيا تعلن استلام البطارية الثانية من منظ ...
- من بعشيقة إلى إسطنبول.. عراقي يسافر بدراجة هوائية


المزيد.....

- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - جاسم المطير - استبداد الأكثريةالبرلمانية..