أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الطيب طهوري - كيف نسي الكرز؟















المزيد.....

كيف نسي الكرز؟


الطيب طهوري

الحوار المتمدن-العدد: 2822 - 2009 / 11 / 7 - 11:41
المحور: الادب والفن
    


ما إن بدأت وتلامذتي أكل حبات الكرز التي ضيعها أبو فياض بسلتها حين تيهته الحرائق التي التهمت العاصمة وأتت على الأخضر واليابس فيها، حتى سمعنا دقات خجولة على الباب..أسرعت وفتحته.. سلمتني الورقة المطوية وهي تقول: يقول لك أحضر مجلس التأديب حالا..اترك تلامذتك وتعال..
ـ هل أترك سلة حبات الكرز ورائي؟ تساءلت في السر..
ـ لا..أجبتني في السر أيضا..
عدت إلى المكتب..حملت السلة وخرجت..وتركتهم يبحلقون في الباب مستنكرين..
دخلت مكتب المدير..قابلني وجه عمر مباشرة..
ــ سبقتني ياعمر.. قلت..
ابتسم عمر ولم يقل شيئا..
نظر وهو ينزل من الحافلة إلى الناس أمامه..ومشى.. كان التعب باديا على وجهه..وكان الناس أمامه يتحركون ببطء..يتسلقون الطريق الترابية الضيقة التي أخذت تصعد به إلى القرية..الأشجار صفراء والمنازل يملأها الغبار..
سألنا عمر: ما الذي جرى ياعمر....؟!
أخرج الورقة التي كانت حجرا مدببة في صدره وسلمها للمدير..
فتح المدير الورقة المطوية.. كان يبتسم وهو يقرأها..
نظرت إلى عمر ..كان العرق يتصبب من جبينه..طأطأ رأسه ونظر إلى الجهة الأخرى..
ـ السلام عليكم.. قال..
أجاب الذين كانوا يقفون أمام الجدار: وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته..
تأملوه جيدا..وجه غريب لم يروه قبل اليوم في قريتهم.. كانت المحفظة العتيقة في اليد والعينان الواسعتان تملآن المكان..
قال عمر: أنا معلم أولادكم الجديد..اسمي عمر..عمر القاسم..
رحب الرجال به.. أما الأطفال فقد أخذوا يتهامسون، وينقلون الخبر من مكان إلى أخر..
ـ قال المدير: كبف وصل الأمر إلى هذا الحد يا معلم.. يامربي..لقد حذرتك سابقا ومرارا من التسامح المفرط مع التلاميذ.. ليست المرة الأولى التي يحدث لك فيها مثل هذا الأمر..
نظر عمر إلينا.. كانت الكراسي التي تحضننا شوكا يحاصره.. وكنا نحن الذين نجلس أمامه شجرا يابسا تعوي الريح بين أغصانه..
تنحنح عمر وقال: ..وشرع يحدثهم عن المسؤولية والحرية.. الحق والواجب..
كانوا منسجمين مع صوته الأجش حين رمى أحدهم بحجر صغير كان يضعه في جيب قميصه السبورةَ التي كان عمر يملأها برقص الكلمات..
استدار إليهم: عيب يا أبنائي..المعلم كالأب..لا فرق..كان يريد مباشرة البحث عن رامي الحجر الصغير.. ولكنه تردد.. قال لهم: هذه آخر مرة..إذا تكرر مثل هذا سأضطر إلى معاقبتكم.. لن أتسامح مرة أخرى..
أحس التلميذ الذي رمى الحجر بالفرح يدغدغ كيانه..وتكررت الكلمات والحجارة.. والقطط.. و.. وعمر يتسامح..
ـ كيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟.. لم تجبني..
فوجئ عمر بزملائه وهم يصرون على أن يكون رئيس فرعهم النقابي.. وفي الحقيقة لم يفاجأ، ذلك لأنه استطاع امتلاك مشاعر زملائه بما كان يغدقه عليهم من كلام جميل، وما كان يدفعه للمقاهي ثمنا لما يشربون.. وفوجئ أيضا حين اختاره زملاءه رؤساء الفروع أمين نقابتهم الولائية..
ـ قال عمر: تلاميذ اليوم ليسوا كتلاميذ الأمس.. قالها بتحسر شديد.. فسدت أخلاقهم، ولم يعودوا يهتمون بالعلم كالسابق، ولم يعد يعنيهم تحصيل المعرفة..
ـ قال المدير: لا يمكن أن يكون الأمر هكذا.. لماذا لا يحدث مثل هذا لزملائك يا مربي؟!
سكت عمر وأخذ يتأمل قاعة المجلس الشعبي الولائي.. كانت الأنوار تتلألأ راقصة فرحة.. وكانت الطاولات شجرا أخضر من حرير نقي.. تلمس ربطة عنقه، وتأمل أعناق الآخرين وهم يستديرون بكراسيهم الوثيرة..
ـ قلنا للمدير: لا بأس يا سيادة المدير.. ننادي على التلميذ..
أمر المدير مراقبه العام: أدخل التلميذ وولي أمره..
دخل ولي الأمر ودخل التلميذ وراءه.. سألنا التلميذ عن أمر الورقة..أنكر في البداية..لكننا حين حاصرناه بخط يده اعترف..
ـ قلنا له: ألا تخجل من نفسك وأنت تحرج أباك بهذه الكيفية؟..غطاه الخجل واغرورقت عيناه بالدموع..
ـ لماذا فعلت ذلك يابني؟.. كن صريحا..
ـ أجاب وهو يحدق في المعلم عمر: هو السبب..
ـ كيف؟ سألنا..
ـ لأنه فتح لنا مجال اللامبالاة.. وتمادى في تركنا نلهوا كما نشاء
ـ وهل يبرر ذلك ما قمت به؟.. سألناه مرة أخرى..
تلعثم لسانه ولم يقل شيئا..
وجه المدير الكلام للأب: ما رأيك؟..
ـ قال الأب: ما كنت أتمنى أن أكون في مثل هذا الموقف..إنه ابنكم.. افعلوا ماترونه مفيدا له ومعيدا إياه إلى الصواب..
ـ قال المدير: لا بأس..انتظر وابنك في الخارج..
ـ قلنا: نحوله إلى مدرسة أخرى..
وسمعنا في نشرة الأخبار أن عمر الذي كان قد صار عضوا في مجلس الأمة عين وزيرا..
تذكرنا أننا منذ ثلاث سنوات ونحن نراه مرارا على الشاشة ..نراه متكلما..منتقدا تارات.. ومقترحا تارات أخرى.. وفي كل مرة كنا نفاجأ ونحن نراه يرفع يده موافقا على ماكان ينتقده..
كان البعض منا يقول: إنها السياسة..لقد تمرس فيها، وصار أكثر فهما لها.. وكان البعض يتساءل مستهزئا: عن اية سياسة تتحدثون؟!
نادينا ولي الأمر..أعلمناه بما قرره المجلس.. شكرنا وخرج.. وخرجنا جميعا..
قلنا: لابد من تهنئته..ابن قريتنا هو..والدم لايمكن ان يصيرماء..
ـ من يذهب؟ سأل أحدنا..
ـ ليست مشكلة، ليذهب أبو فياض مثلا..قال آخر مقترحا..
ـ ليذهب أبو فياض.. قلنا.. هو أعقلنا وأكبرنا سنا ويتقن الكلام الجيد.. وقبل كل ذلك هو صديق عمر، وعمر يحبه كثيرا..
تكلم آخر: أبا فياض حدثه عن حالنا..
ـ قل له:
ـ <حدثه عن حاجتنا إلى ماء نظيف للشرب..>
ـ أخبره عن شوقنا إلى نور الكهرباء..
قال أبو فياض: الله يسامحكم.. وهل يمكنني نسيان ما نحن عليه؟!
قلنا: نعرف ذلك يا أبا فياض.. نعرف..لكننا..
ابتسم أبو فياض.. وابتسمنا..
صاح أحد الشبان: اسمعوا.. من المناسب أن يأخذ أبو فياض معه هدية لعمر..
قلنا مؤيدين: لابد.. لابد..َ
ـ أية هدية يأخذ؟..سأل أحدنا..
أخذت الهدايا تنزل على أبي فياض:..
ـ <خروفا أو عدة دجاجات..>
ـ برنوسا وبريا..أو..
قال أبو فياض بهدوء غريب: أفضل هدية هي سلة كرز من أشجار قريتنا..تذكرون أنه كان يحبه كثيرا، ويقول عن لونه الأحمر إنه تعبنا ودمنا..
صحنا جميعا: وجدتها يا أبا فياض.. وجدتها..
دق جرس العاشرة.. دخلنا الأقسام.. وجاءنا الضجيج من قسم عمر.. هادئا في البدء..ثم صارخا بعد ذلك.. أغلقنا الأبواب..واستسلمنا للنوم في انتظار الغد الجديد..
سأل أبو فياض: قل لي من فضلك أين تقع وزارة الـ ..؟
أجاب الشاب: إنها بعيدة من هنا..لا بد أن تأخذ سيارة أجرة ياعم..
ـ أريد مقابلة الوزير عمر من فضلك يابني..
حملق الشاب مندهشا: الوزير عمر مرة واحده..؟!!
قال أبو فياض: إنه صديقي وابن قريتي..
قال الشاب: انتظر..هاهي قاعة الانتظار..
حمل أبو فياض سلة الكرز.. ودخل القاعة..و..
كان ينتظر حين فاجأه الشاب: الوزير في اجتماع.. لا يمكنه استقبالك اليوم..
قال أبو فياض: لقد جئت من بعيد.. وليس في مقدوري أن أعود مرة أخرى..
هذه أوامر الوزير.. قال الشاب..تفضل بالتي هي أحسن.. وإلا..
وفوجئ أبو فياض بيد الشاب وهي تسحبه خارج القاعة ..
ـ لا يمكن أن تكون هذه أوامر عمر..قال أبو فياض..إنه صديقي..وأكلنا معا ملح بعضنا.. يستحيل أن تكون هذه الأوامر من عمر..
سار قليلا..خطرت بباله الفكرة.. جلس تحت الجدار المقابل لمقر الوزارة.. وانتظر..انتظر طويلا..
وكان قد غاب فيما كان يراه حوله من بناءات شاهقة وسيارات فخمة، وفتيات يتأبطن مبتهجات أذرعة فنيان، وشبان يتأبطون صبيات..
كان قد غاب تماما حين رأى صورة عمر تتحرك من بعيد أمامه..
نهض مسرعا.. حمل سلته ودخل البوابة التي كانت تفتح ببطء.. عمر.. عمر..أنا أبو فياض ياسيادة الوزير..
نظرت الصورة التي كانت تتحرك إليه..
ـ أنا أبو فياض ياسيادة الوزير.. هل نسيتني؟!
أشارت الصورة إليهم.. غلاظا كانوا.. دفعوه بقوة..
سقط أبو فياض، وتناثرت حبات الكرز أمامه..
ملأت الدموع وجهه.. نهض .. التقط بعض الحبات.. و..
ارتفعت الأرض به أكثر.. صارت الشمس أقرب إليه من أي وقت مضى..
سار وسلة الكرز في يده..
سار.. ونسي أنه جائع وعطشان..
تدافع مع المتدافعين وركب..
حمل زكريا ثامر سلة الكرز وجرى..
كان الباص يبتعد وزكريا يصيح: سلتك ياعم.. سلتك..
توقف الباص ونزل أبو فياض عابس الوجه.. واجما..
سألناه: هل قابلت عمر؟..
ـ حدثته عن أوضاعنا؟..
ـ كيف استقبلك؟..
ـ أما زال يذكرنا؟..
ظل أبو فياض ساكتا كأنه أصم.. وضع سلة الكرز على الأرض ونادى الأطفال بصوت أجش: تعالوا.. كلوا الكرز.. إياكم أن تنسوا طعمه عندما تكبرون..
قلنا متحسرين: مابك يا أبا فياض؟ ما الذي حدث؟..
صاح الأطفال: أين سلة الكرز يا عمنا أبا فياض؟
تحرك أبو فياض شجرة بلا جذور.. ونحن تائهون..
امتطى الطريق الصاعد إلى القرية.. وسار الأطفال خلفه غيما من غبار وأنين.. ونحن تائهون..
فتح الباب الخشبي المثقوب.. ودخل.. أغلقه.. ونحن تائهون..
ارتمى على الحصير الملتصق بالتراب..
حرك سبابته اليمنى.. أشهد أن لاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله.. أغمض عينيه.. و.. مات..
فتحنا الباب المثقوب.. ودخلنا..إنا لله وإنا إليه راجعون..
حملناه على أكتافنا..ومشينا..
رأينا الأشجار تتحرك.. وتمشي.. ورأينا العصافير تملأ السماء فوقنا بزقزقتها الحزينة..
حين وضعناه في الحفرة التي سميناها قبره اندهشنا..
كنا نرى الأشجار تكسر أغصانها وتضمها إليها بحنان شجي..
وكنا نسمع أصوات دوي ارتطامها بالتراب .

من مجموعتي القصصية (أغصان الدم) الصادرة صيف 2009 عن المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار ANEPـ الجزائر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ ما بين قوسين مقتبس من قصة يا أيها الكرز المنسي لزكريا ثامر





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,868,342
- ردا على مختار ملساوي.. نعم، السلطة تتحمل المسؤولية أكثر..
- إضعاف مستوى التعليم في الجزائر..كيف تم؟ ولصالح من؟
- ما صار.. ما سيصير
- إسلام الواقع تحدده المصالح
- شبر الخفارين
- الشجاع الأقرع في انتظاركم يا تاركي الصلاة
- شهوات
- رسالة مفتوحة إلى مسؤولي التربيةب (أُذُن مكاننا)
- ناقة قديشة
- المنتظمات الديكتاتورية أفقدتنا تذوق طعم الحياة
- أكواخ وولائم
- عبيد وجوارٍ
- مقابر عربية
- غيم لأعشاب الجفاف
- لماذا لا يهدي الله المسلمين الطريق المستقيم؟
- متى تصير القراءة ركنا إسلاميا..؟
- نفس الطريق أيضا ..؟
- تمرّين ..وهذا دمي
- أغان لتراب الطفولة
- العمدة


المزيد.....




- بنشعبون: الحكومة حرصت على اتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على ...
- في تصريح جديد… عمار سعداني يتمسك بموقفة إزاء مغربية الصحراء ...
- انتقد القرآن وأوجب الغناء وألف الكتب -الملعونة-.. هل كان ابن ...
- فنانة سورية تعلق على أنباء ارتباطها بزوج الفنانة أصالة
- -المعلم- يفجر يوتيوب بعمل جديد مستوحى من الأمازيغ
- تظاهرات لبنان.. الفنانون في الصفوف الأمامية
- أقدم لؤلؤة في العالم تُكتشف في أبو ظبي
- #كلن_يعني_كلن: لبنان ينتفض على وقع الموسيقى والرقص
- ضحايا وثوار ومضطربون.. لماذا نحب أشرار السينما؟
- -القراءة الحرام-.. غضب الكتّاب بسبب تجارة الكتب المزورة


المزيد.....

- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الطيب طهوري - كيف نسي الكرز؟