أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - راندا شوقى الحمامصى - المدنية الإلهية و النظم الإداري البهائي















المزيد.....



المدنية الإلهية و النظم الإداري البهائي


راندا شوقى الحمامصى

الحوار المتمدن-العدد: 2805 - 2009 / 10 / 20 - 16:38
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


تعريف المدنية
كلمة مدنية لغة تطلق على التمدن أي التحضر و الخروج من الحالة البدائية إلى الحالة الحضارية و من أسر عالم الطبيعة إلى نظام التمدن و المدنية بمفهومها التاريخي هي نتاج شعب من الشعوب في مكان و زمان متمثلا في إنتاجها في مختلف مجالات الحياة من زراعة و صناعة و فنون و فكر تشكل معالم الحضارة التي اتخذت أشكالا و ألوانا مختلفة عبر التاريخ من حضارات بدائية من عصر الكهوف إلى حضارات زراعية تعتمد الفلاحة و الرعي إلى حضارات صناعية تعتمد الصنائع و العلوم إلى حضارة عصر المعلومات التي تعتمد على الاتصالات الرقمية و الفضائية.
المدنية المادية الوحشية:
المدنية المادية هي مدنية بابل الترابية،مدنية مملكة النمرود ،مدنية حضارة القوة و ليس قوة الحضارة،مدنية سلطانها المادة و أساسها المصلحة الشخصية الفردية و تقاطع المصالح الجماعية، مدنية خصبة لسيطرة رجال السلطة و المال و الدين،مدنية لا روح فيها،مدنية لا تحرر الإنسان من أسر الغرائز و الشهوات و لا تضمن الرخاء و السلام له، مدنية العين الواحدة التي لا ترى سوى المادة و القوة، منهاجها الطغيان و الصراع و الصدام، مدنية عبودية الانسان للإنسان أو عبودية الإنسان للآلة و المال ، مدنية السقوط و الانحلال،مدنية يكون العلم فيها معول للتدمير و السلطة و المال فيها غاية و ليست وسيلة،مدنية انتهاك حرمة البيئة و تدميرها،مدنية التمييز بين الرجل و المرأة،مدنية التعصب الديني و العرقي و الطائفي و الجنسي و القومي.
المدنية الإلهية الانسانية:
المدنية الإلهية هي مدنية أورشاليم الجديدة النازلة من السماء مدنية مملكة الله في أرضه و مدنية أشرقت الأرض بنور ربها و مدنية قائمة على وحدة الجنس البشري و محو كل ما هو علة الفساد و الاختلاف، مدنية الوحدة في التنوع،مدنية الإنسانية المستنيرة بمواهب الكمالات الإلهية، مدنية تجمع بين الرقي المادي و الروحاني،مدنية سراجها العدل و الإنصاف و أنشودتها سلام و محبة،مدنية منهاجها روح المشاورة و الاتفاق،مدنية لا تفصل بين العلم و الدين و تجعل منهما جناحين لطائر الحضارة الإنسانية، مدنية لا مكان فيها لسيطرة رجال الدين أو استبداد رجال السلطة ورجال المال و لا مكان فيها للفقر المدقع و لا للغناء الفاحش،مدنية المواطنة العالمية و الأمن الجماعي و العمل سراج الفلاح، مدنية المساواة بين الجنسين، مدنية الكنوز الخمسة و الشموع السبعة و المبادئ الإثنى عشر،مدنية كور الاسم الأعظم و محي الأمم،مدنية النظم الأعظم،مدنية مؤسسها حضرة بهاء الله و حاميها ذرع العهد و الميثاق.
مبدأ الاعتدال و عدم الانغماس في المدنية المادية و العلاجات الواهية
ويتفضل بهاء الله بقوله الأقدس :
" إن المدينة التي شاد بذكرها أهل الفنون والعلوم تكون شراً عظيماً علي الناس إذا تركت تتعدى حد الاعتدال .... إن المدنية إذا أفرط فيها تكون سبباً في جلب الشر كما كانت سببا في جلب الخير عندما كانت في حد الاعتدال , سوف يأتي يوم يحرق لهيبها المدائن , وينطق لسان العظمة الملك لله العزيز الحميد ".
وفي مقام آخر يتفضل ويقول :
" منذ أن نزلت سورة الرئيس إلي اليوم ما أطمأن العالم ولا أرتاح أهله .... أن مرضه يقرب من اليأس بما منع الطبيب الحقيقي من العلاج بينما المتطببون ملحوظين بالاعتبار ولهم تمام الحرية في العمل , أن غبار الانقلاب قد أظلم قلوب الناس وأعمى أبصارهم ولسوف يرون ما اكتسبت أيديهم في يوم الله ".
ويتفضل أيضا بقوله عز بيانه :
" هذا يوم فيه تحدث الأرض أخبارها وأهل الظلم أثقالها . قد صاح المنادي والقوم أعرضوا عنه إلا أن غضبه لشديد , يبكي وينوح أهل الشمال , وأهل اليمين في الرفارف العليا يشربون خمر الحيوان من أيادي ربهم الرحمن ألا أنهم هم الفائزون ".(الكشف عن المدنية الإلهية ص39 مترجم عن المقدمة الإنجليزية في رسالة وجهها ولي الأمر المبارك لأحباء الغرب نشرت في كتاب الكشف عن المدنية الإلهية الذي صدر سنة 1936 و ترجم إلى العربية و نشر في مصر بمطبعة رمسيس في الإسكندرية بتاريخ يناير 1947م)
مبدأ الوحدة العالمية
إن توحيد الجنس البشري كان الهدف الذي تقترب إليه الهيئة الاجتماعية . ولقد نجحت التجربة واستقرت في تحقيق الوحدة في العائلة وفي القبيلة , وفي الولاية وفي الوطن وصارت الوحدة العالمية غاية تناضل من أجلها إنسانية معذبة. فبناء الوطن بلغ نهايته , والفوضى الكامنة في الأداة الحكومية وصلت أقصاها , وصار لزاما علي عالم يسير في طريق البلوغ أن يطرح عنه هذه المظاهر ويجرب الأداة التي تقدّم له القاعدة الأساسية للحياة مجسمة . وما أن كلمات بهاء الله تكشف لنا عن هذه الحقيقة بقوله الأعز :
" في هذا العصر تتموج شعوب الأرض بحياة جديدة ولكن لم يكتشف أحد علتها ولم يدرك قوتها " .

ثم يخاطب جيله بقوله الأحلى :
" يا بني الإنسان إن المقصد الأساسي للأيمان بالله والإقرار بدينه هو المحافظة علي مصالح الجنس البشري وترويج اتحاده .... هذا هو الصراط المستقيم والأساس الثابت القويم. كل ما يرتفع فوق هذا الأساس لن تضعضعه تغيرات العالم ولا حوادثه ولن تقوض أركانه ثورة القرون الأولي التي لا عدد لها ".

ثم يعلن بقوله عن اسمه :
" لا يمكن الوصول إلي راحة البشر وسلامه واطمئنانه إلا بأن تتأسس وحدته تأسيساً قوياً ".

وشهادة لهذا يتفضل ويقول :
" أن نور الاتحاد قوى علي شأن يستطيع أن ينور الأرض جميعها , يشهد بذلك الواحد الحق من عنده علم كل الأشياء , هذه غاية دونها كل غاية , وهذا الأمل سلطان كل الآمال ".

ثم يتفضل ويقول :
" والذي هو ربك الرحمن أنه يحمل في قلبه الرغبة أن يري جميع أفراد الجنس البشري كنفس واحدة وجسم واحد , أسرع لتفوز بنصيبك من فضل الله ورحمته في هذا اليوم الذي تضاءلت أمامه الأيام ".

إن وحدة البشر كما رسمها بهاء الله تعني تأسيس حكومة عالمية تتحد فيها اتحاداً ثابتاً وثيقاً كافة الأمم والمذاهب والأجناس والطبقات , وفيها تكون الحقوق الذاتية للحكومات المكونة لأعضائها مكفولة تماماً , والحرية الشخصية لممثلي هذه الحكومة العالمية وتوقيعاتهم تكون محترمة نافذة . (الكشف عن المدنية الإلهية ص48 و 50 مترجم عن المقدمة الإنجليزية في رسالة وجهها ولي الأمر المبارك لأحباء الغرب نشرت في كتاب الكشف عن المدنية الإلهية الذي صدر سنة 1936 و ترجم إلى العربية و نشر في مصر بمطبعة رمسيس في الإسكندرية بتاريخ يناير 1947م)

دور الجامعة البهائية في بناء النظام العالمي الجديد على أنقاض النظم القديمة
يتفضل ولي الأمر شوقي أفندي:
أيها الأحباء الشركاء في ميراث فضل الجمال الأبهي. إني كشريك لكم في إقامة صرح النظام العالمي الجديد الذي أنبعث عن حكمة بهاء الله وتدبيره وصوره قلم حضرة عبد البهاء مهندسه الكامل, أقف لأتدبر معكم مشهد التطور الذي أحدثه انقضاء زهاء الخمسة عشر عاما منذ صعوده المبارك. فالتباين القائم بين الأدلة المتوافرة علي اضطراد تثبيت دين الله المقترن بإشراق نظامه البديع من ناحية, وعوامل التفكك والانحلال التي تهدم من ناحية أخرى هيئة اجتماعية منهوكة, لهو أمر واضح مقرر ذلك لأن الأدلة والبراهين التي تشاهد في داخل العالم البهائي وخارجه, والتي تبشر بصورة معجزة بولادة النظام العالمي الذي بتأسيسه يتجلى رمز العصر الذهبي لأمر الله إنما تتوافر وتزداد يوما بعد يوم بما لا يمكن لمتدبر نزيه أن يخفق في مشاهدتها ولا أن يحتجب عنها بما يراه من بطء انكشاف صرح المدنية الذي يشتغل أتباع بهاء الله في إقامته, وبما لا يمكنه أيضا أن ينخدع بالظواهر العرضية لعودة الرخاء حين وآخر واعتبار هذه قادرة علي إيقاف تيار العلل المزمنة الذي يجرف النظم الحالية المتداعية.(الكشف عن المدنية الإلهية ص2 مترجم عن المقدمة الإنجليزية في رسالة وجهها ولي الأمر المبارك لأحباء الغرب نشرت في كتاب الكشف عن المدنية الإلهية الذي صدر سنة 1936 و ترجم إلى العربية و نشر في مصر بمطبعة رمسيس في الإسكندرية بتاريخ يناير 1947م)
تفسخ النظم المدنية القديمة و اضطرابها أمام قوة النظم الجديد
الحق إن علامات الأزمنة جد شديدة, وهي في تعددها لا تسمح للمتدبر أن يخطئ فهم خاصيتها أو يقلل من أهميتها, وهو إذا كان منصفا يستطيع أن يري في سلسلة الحوادث التي تنادي من ناحية بإضطراد وغلبة النظم المنبعثة عن وحي بهاء الله, وتحدّث من ناحية أخرى عن كيفية السقوط الذي حل بالدول والسلطنات التي غفلت عن هذا الوحي وقاومته ـــ يستطيع أن يري فيها كافة الدلائل علي فعل إرادة الله الغالب, وصورة واضحة لمشروعه العالي المحكم المتين, هذا ما يتفضل بهاء الله بالإشارة اليه بقوله الأحلي:

" سوف يطوى النظام الحاضر ويقوم نظام جديد أن ربك يقول الحق وهو علام الغيوب, ولعمري سوف يأتي يوم تطوى الدنيا وما فيها ونأتي بنظم جديد أنه علي كل شيء قدير " .
( مترجم عن الإنجليزية)
ويتفضل في مقام آخر بقوله الأعز:
" قد أضطرب النظم من هذا النظم الأعظم وأختلف الترتيب بهذا البديع الذي ما شهدت عين الإبداع شبهه ".
ثم يتفضل منذرا أهل العالم بقوله عز بيانه:
" إن علامات الهرج والمرج الوشيك تشاهد اليوم حيث أن النظام القائم وياللأسف في نقص مبين ". (مترجم عن الإنجليزية)
(الكشف عن المدنية الإلهية ص2 مترجم عن المقدمة الإنجليزية في رسالة وجهها ولي الأمر المبارك لأحباء الغرب نشرت في كتاب الكشف عن المدنية الإلهية الذي صدر سنة 1936 و ترجم إلى العربية و نشر في مصر بمطبعة رمسيس في الإسكندرية بتاريخ يناير 1947م)
السلام الأصغر أول خطوة في طريق المدنية الإلهية القائمة على وحدة الجنس البشري
إن هذا النظام العالمي الجديد الذي جاء الوعد به مرقوما في صلب دين بهاء الله ، وتحددت قواعده في آثار قلم مركز عهده، لا يرمي إلي غير اتحاد الجنس البشري اتحاداً كاملاً, وهذا الاتحاد الكامل يجب أن يرتكز علي دعامة القواعد المحددة بحيث يسير وفق الروح الذي يغذي المجموعة المكونة للهيكل الأساسي لنظامه البديع وعلي اتفاق مباشر مع الشرائع والأحكام الضابطة ﻹجرائه وسيره. فأي محرك أو باعث مما قد تتحرك به الجهود العالمية المشتركة وتعمل علي إنتاج يكون في ذاته دون الأنموذج الذي وصي به الدين البهائي, أو بعبارة أخرى يكون في ماهيته وكنهه ناقصا عن المثل الذي نصت عليه تعاليمه فإن مثل هذا الإنتاج الناقص لا يمكن أن يرجى له بلوغ أبعد أو أعلا من ذلك " السلام الأصغر " الذي يشير اليه بهاء الله في بياناته المباركة خطابا للملوك والحكام بقوله الأحلى:

"بما أنكم اعرضتم عن السلام الأعظم إذاً تمسكوا بهذا السلام الأصغر لعل تستقيم أحوالكم وأحوال رعاياكم ".
ثم يتفضل فى نفس اللوح الكريم مشيرا إلى هذا السلام الأصغر بقوله مخاطباً حكام الأرض:
"اتفقوا فيما بينكم بحيث لا تحتاجون من السلاح إلا على قدر تحفظون به ممالككم ... أن اتحدوا يا معشر الملوك به تسكن أرياح الاختلاف بينكم وتستريح الرعية ومن حولكم ان انتم من العارفين.ان قام أحد على الآخر قوموا عليه ان هذا لعدل مبين.
(الكشف عن المدنية الإلهية ص3 مترجم عن المقدمة الإنجليزية في رسالة وجهها ولي الأمر المبارك لأحباء الغرب نشرت في كتاب الكشف عن المدنية الإلهية الذي صدر سنة 1936 و ترجم إلى العربية و نشر في مصر بمطبعة رمسيس في الإسكندرية بتاريخ يناير 1947م)
السلام الأعظم هو السلام الذي تندمج فيه الشعوب و الملل في مدنية إلهية واحدة
أما السلام الأعظم بحسب الوضع الذي حدده بهاء الله فهو سلام يتحقق بنفحة رحمانية روحانية في هيكل العالم و به تندمج كافة الشعوب والملل والأجناس , ولا سبيل إلي استقرار مثل هذا السلام وصيانته إلا بأن يقوم علي أساس وقوة الأوامر المنصوصة في صلب النظام العالمي قرين أسمه المقدس وإلى هذا السلام أشار بهاء الله في أحد ألواحه المباركة منذ 70 عاما مخاطبا جلالة الملكة فيكتوريا بقوله العز الأقدس :

" وماجعله الله الدرياق الأعظم والسبب الأتم لصحته " صحة العالم " هو اتحاد من على الأرض علي أمر واحد وشريعة واحدة . هذا لا يمكن أبدا إلا بطبيب حاذق كامل مؤيد ـ لعمري هذا لهو الحق وما بعده إلا الضلال المبين .
فانظروا في هذه الأيام التي أتي جمال القدم والاسم الأعظم لحياة العالم واتحادهم أنهم قاموا بأسياف شاحذة وارتكبوا ما فزع به الروح الأمين . إذا قيل لهم أتي مصلح العالم قالوا قد تحقق أنه من المفسدين "
ويتفضل في لوح آخر بقوله :
" ينبغي للكل في هذا اليوم أن يتمسكوا بالاسم العظم وأن يؤسسوا اتحاد بني الإنسان . إذ لا نجاة لأحد بغيره ."
(الكشف عن المدنية الإلهية ص3و 4 مترجم عن المقدمة الإنجليزية في رسالة وجهها ولي الأمر المبارك لأحباء الغرب نشرت في كتاب الكشف عن المدنية الإلهية الذي صدر سنة 1936 و ترجم إلى العربية و نشر في مصر بمطبعة رمسيس في الإسكندرية بتاريخ يناير 1947م)
البلوغ إلى المدنية الإلهية
لم تكن غاية رسالة بهاء الله سوى الوصول إلي كعبة هذا الاتحاد العقلي والروحي لكافة أهل العالم , ويجب علينا إذا كنا لتعاليمه مخلصين أن نعتبر ظهورها وسيرها رمزا على بلوغ الجنس البشري قاطبة , ولا يجوز أن ننظر إليها بأنها مجرد مظهر من مظاهر الانتعاش الروحي الذي يصيب بني الإنسان في حظه المتغير , أو بكونها مرحلة أخرى في سفر الوحي المضطرد أو باعتبارها بمثابة ختم لدورات النبوة , بل يجب أن ننظر إليها بأنها رمز المرحلة الأخيرة والعليا لسفر التطور الهائل للحياة الإنسانية الجامعية علي هذه الأرض , فالشعور الفجائي بالجامعة العالمية , والإحساس العام بالحقوق العامة لأهل العالم، والاتجاه العام نحو تأسيس مدنية وثقافة عالمية , ـ هذه العوامل التي تتصل وتعمل في مجموعها مع المرحلة الأولي في التمهيد لظهور العصر الذهبي للدور البهائي تعتبر في طواياها وخصائصها أبعد مدى وأعمق أثرا مما قد يتراءى لأول وهلة , في تنظيم الهيئة الإنسانية علي هذه الأرض , ولو أن الإنسان من الناحية الفردية سوف يستمر في التقدم والترقي نتيجة لهذا التنظيم , وهو ما يجب أن يسير فيه بلا نهاية .
ونحن إذا أدركنا حقيقة بيانات بهاء الله نرى أن هذا التغيير الكلي المعجز الغير محدود المقترن بمرحلة البلوغ في حياة الفرد ونضوجه وهو ما لا بد منه ـ يجب أن يأخذ طريقه جنباً إلى جنب في الاتجاه المحاذي لسير التطور الحادث في تنظيم الجامعة البشرية , ونرى أيضا أن هناك مرحلة مماثلة أخرى من وجهة حياة العالم الجامعية يجب الوصول إليها عاجلا أو آجلا , يكون من شأنها إحداث ظاهرة أشد بروزاً في العلاقات العالمية , والإغداق على عموم البشر من أوجه النعم والخيرات ما سوف يظل علي تعاقب الأجيال المشوّق الأعظم والباعث الأكبر لهم فيما يحتاجون إليه لاستكمال مصيرهم الرفيع . (الكشف عن المدنية الإلهية ص 4 مترجم عن المقدمة الإنجليزية في رسالة وجهها ولي الأمر المبارك لأحباء الغرب نشرت في كتاب الكشف عن المدنية الإلهية الذي صدر سنة 1936 و ترجم إلى العربية و نشر في مصر بمطبعة رمسيس في الإسكندرية بتاريخ يناير 1947م)

مثل هذه المرحلة من البلوغ في نظم الحكومة العالمية يجب أن تظل في جميع الأوقات حاكية عن رسالة بهاء الله إذا كنا مقرين حقيقة بدعوته العجيبة , ففي إحدى بياناته العالية التي حدد بها مبدأ العقيدة البهائية الممتاز تحديداً واضحاً صريحاً لا يمكن لأحد أن يخطئ فهمه يتفضل بقوله الأعز :

" قد قدر من لدنا أن تظهر للناس كلمة الله ومكنوناتها على قدر مقدور من لدى العليم الحكيم ... فإذا كانت مكنونات الكلمة تظهر دفعة واحدة لن يستطيع أحد أن يتحمل هذا الأمر العزيز ... أنظروا ما نزل على محمد رسول الله فان درجة الوحي الذي كان مهبطاً له قد قدرت من لدى الله المقتدر القدير والذين سمعوه فهموه بحسب مقاماتهم ومراتبهم الروحية وأنه قد كشف عن وجه الحكمة علي قدر احتمالهم فلما وصل البشر إلى مقام البلوغ ظهرت لهم مكنونات الكلمة وتجلي نورها بظهور جمال القدم في سنة الستين باسم علي محمد ( الباب )". (مترجم عن الإنجليزية )

ولقد أوضح عبد البهاء هذه الحقيقة الأساسية في ألواحه المباركة بقوله الأحلى :

" كل الكائنات لها مقام بلوغ , فمقام البلوغ في حياة الشجر هو الثمر ... والحيوان يصل إلي نهاية نموه وكماله , وفي العالم الإنساني يصل الإنسان إلي مقام البلوغ عندما يبلغ إدراكه النمو الكامل , وكذلك يوجد في الحياة الإنسانية الجامعية أوقات وأدوار , ففي وقت كانت تجتاز دور الطفولة وفي وقت آخر دور الشباب , أما اليوم فقد دخلت طور البلوغ ودليل ذلك ظاهر في كل مكان .... فما كان صالحا للإنسان في تاريخه الأول لا يمكن أن يصلح له ويوافق مطالبه في هذا اليوم الذي هو دور التجديد والبلوغ .
فالإنسانية قد خرجت من طور التربية الأولي المحدود وينبغي اليوم أن يتخلق الإنسان بالفضائل والقوى الجديدة ويكتسب السنن الأخلاقية الجديدة والملكات الجديدة فإن فيوضات جديدة ومواهب كاملة تنتظره وتنزل عليه . إن مواهب طور الشباب وبركانه لم تعد اليوم صالحه لسد مطالب البلوغ ولو إنها كانت صالحة يوم أن كان الإنسان في طريقه نحو البلوغ "
(مترجم من الإنجليزية )

(الكشف عن المدنية الإلهية ص 5 مترجم عن المقدمة الإنجليزية في رسالة وجهها ولي الأمر المبارك لأحباء الغرب نشرت في كتاب الكشف عن المدنية الإلهية الذي صدر سنة 1936 و ترجم إلى العربية و نشر في مصر بمطبعة رمسيس في الإسكندرية بتاريخ يناير 1947م)
التدرج نحو بلوغ المدنية الإلهية:
إن الأزمة الفريدة التي تحيط بالحياة البشرية في نظامها الحاضر يمكن تشبيهها علاوة على ما تقدم بأنها مرحلة في تاريخ التطور السياسي مماثلة لما حدث للجمهورية الأمريكية العظيمة وهي المرحلة التي اقترنت بتوحيد الولايات المتحدة , فبعث الوعي القومي الجديد وإيجاد شكل جديد للمدنية يفوق في سموه ومداه كل ما كان مأمولاً فيما لو ظلت أجزاؤها التي اتحدت متعددة متفرقة ـ كل هذا يمكن أن يتصف بأنه إعلان عن بلوغ الشعب الأمريكي ويمكن أيضاً من ناحية الاعتبارات والحدود الداخلية لهذا الشعب أن يقال عن هذا البلوغ أنه كمال مرحلة نظم الحكم الإنساني , ذلك لأن العناصر المختلفة المفككة لشعب واحد مفكك قد ضمت لبعضها واندمج بعضها في بعض وتوحدت تحت نظام واحد منسق . ومع أن هذا الأمر في الواقع قد يستمر في طريقه، ويأخذ مظهراً عجيباً من مظاهر القوة , وإن مرحلة الاتحاد التي تم الوصول إليها سوف تزداد استقراراً , وأن المدنية التي تولدت عن هذا الاتحاد وحده سوف تنتشر وتزدهر , فإنه يمكن أن يقال عن هذا الكشف أن أداته الجوهرية والعامل الأساسي فيه كان قد سبق أن وضعت قواعده وأن القوة المطلوبة لضمان سيره وتغذيته سبق أن بني أساسها .
فليس يوجد ضمن الحدود الجغرافية مرحلة أرفع وأسمى من هذه التي تمت بتوحيد شعب مفكك ولو أن المصير الأعلى لهذا الشعب ـ المصير الذي به يتحقق النظام المكون لتطور أبعد مدى بحيث يضم سائر البشر , قد يظل غير كامل بعد . أما من حيث اعتبار هذا الشعب وحدة مستقلة فاٍن وحدته يمكن أن تتصف ببلوغها أسمى المراتب ذلك لأن الرسالة التي جاء بها بهاء الله من لدن آمر عزيز قد أودعها من القوى المعادلة لطور النضوج البشري ما يعتبر كما يعتقده أتباعه المرحلة البالغة التي تتوج سفر العالم من طور طفولته إلي مرتبة بلوغه , وإن مؤسسي كافة الأديان الذين تغنوا منذ الأول الذي لا أول له بذكر أمر واحد , وأشرقوا على مدى الأدوار المختلفة بإشراق واحد كان رمزاً على تقدم الجنس البشري في طريقه إلي مرتبة البلوغ يمكن اعتبارهم من هذه الوجهة مظاهر التمهيد ليوم الأيام الذي فيه تزهر الأرض وتحمل شجرة الإنسانية ثمارها المنتظرة. ومع أن هذه الحقيقة ثابتة في ذاتها بما لا يقبل الجدل فإنها أيضاً لا يمكن أن تطمس معالم الغاية التي يرمي إليها ولا أن تشوه المبدأ الذي تدعو إليه , إذ تقوم على أساس بيانات بهاء الله ــ البيانات التي دعمت وأثبتت بما لا يقبل الشك حقيقة الوحدة القائمة بين جميع الأنبياء الذي هو واحد منهم لا فرق في هذا بين من ظهر منهم في الماضي أو من يظهر في المستقبل . ومع أن كنه رسالة الأنبياء الذين تقدموا بهاء الله يمكن معرفتها أيضا على ضوء ما أسلفنا وأن درجة الوحي الذي هبط على كل منهم كان يختلف بالضرورة باختلاف مستلزمات التطور التدريجي إلا أن مصدرهم العام وجوهر وحدتهم وحقيقة مطلبهم لا يجوز بأي حال، ومهما اختلفت الظروف أن يفهم على غير حقيقته أو أن يشوبه إنكار.
فكافة رسل الله يجب أن ينظر إليهم بأنهم "يسكنون في سرادق واحد ويطيرون في سماء واحد. وينطقون بكلام واحد . ويدعون لأمر واحد" وإنه مهما يكن مبلغ إجلالنا وتمجيدنا لدرجة الوحي الذي فاض على البشر في هذا اليوم توّج سفر تطوره فإنه يجب أن تظل هذه الحقيقة ثابتة مستقيمة، ومبدأ لا يعتريه ضعف أو تغيير , وأساسا لأصول العقيدة البهائية , وإن ما يرى من تفاوت في درجة الإشراق الذي أرسله كل واحد من مظاهر نور الله علي العالم , لا يجوز نسبته إلي وجود خاصية أو ميزة معينة لأحدهم تكون أعلا منها في الآخر وإنما ترجع نسبته في الواقع الذي تفاوت الاستعداد البشري وقابلياته الروحانية المضطردة في طريقه نحو البلوغ .
(الكشف عن المدنية الإلهية ص 6 و7 مترجم عن المقدمة الإنجليزية في رسالة وجهها ولي الأمر المبارك لأحباء الغرب نشرت في كتاب الكشف عن المدنية الإلهية الذي صدر سنة 1936 و ترجم إلى العربية و نشر في مصر بمطبعة رمسيس في الإسكندرية بتاريخ يناير 1947م)
نهاية مرحلة التدرج و الوصول إلى البلوغ
والذين يرغبون أن يقرنوا أمر بهاء الله بمرحلة إتمام التطور العجيب للبشر كافة في حياته الاجتماعية المشتركة هم وحدهم الذين يستطيعون أن يدركوا أهمية الكلمات التي نطق بها بهاء الله . فهو يتفضل مشيرا إلي عظمة هذا اليوم الموعود وإلى مدى الدور البهائي بقوله عزّ بيانه :

" هذا يوم الأيام ".
وفي مقام آخر :
" اليوم الذي شهد المنعوت من الأزل بمحبوب العالم ".
ثم يتفضل ويقول :

" أن آثار الأدوار الأولى تحتفل في هذا اليوبيل الأكبر الذي يهتف بيوم الله الأعظم , طوبي لمن شهد هذا اليوم وأقرّ به".
" مترجم من الإنجليزية "
وفي مقام آخر يتفضل ويقول :

" من المعلوم أن كل عصر ظهر فيه مظهر إلهي كان بتقدير إلهي وأنه يعتبر يوم الله الموعود ولكن هذا اليوم يوم فريد ممتاز عن كل الأيام السابقة وأن كلمة- ( خاتم النبيين )- تكشف عن مقامه الرفيع . قد انتهت أدوار النبوة وجاء الحق الأبدي واظهر آية القدرة ويرسل اليوم على العالم نور أمره اللميع ".
ثم يتفضل ببيان واضح بقوله الأعز :

" قد انتهت كل الأدوار بهذا الأمر الأعز وبلغت غايتها وكمالها . والذي ظهر في هذا الظهور الأعظم الأرفع أنه ما ظهر مثله في الأدوار السابقة ولن تر شبهه القرون الآتية ".
" مترجم عن الإنجليزية "
وبيانات حضرة عبد البهاء تثبت أيضا بلغة مؤكدة صريحة عظمة الدور البهائي التي لا مثيل لها في لوح من ألواحه المباركة يتفضل ويقول :
" سوف تمر أجيال بل تنقضي عصور لا عدّ لها قبل أن يتلألأ نجم الحقيقة مرة أخرى في بهاء صيفه أو يظهر مرة أخرى في صفاء ربيعه وإن مجرد التأمل في الدور الذي افتتحه الجمال الأبهى يكفي لأن ينصعق به أولياء الله في القرون الخالية الذين تاقوا لأن يشتركوا لحظة واحدة في هذا المجد العظيم "
ثم يتفضل مشيرا إلي المظاهر الإلهية الذين يظهرون في المستقبل بقوله الأحلى :
" وأما عن المظاهر الذين ينزلون في المستقبل في ظلل من الغمام فأعلم بأنهم من حيث مصدر الوحي يستظلون بظل جمال القدم وأما في عالم الحق كل يفعل ما يشاء "

ثم يتفضل مشيرا إلي أمر بهاء الله بقوله الأحلى :
" إن هذا الدور المقدس منور بشمس الحقيقة المشرقة من أفقها الأرفع بنهاية الجِلوة والحرارة و البهاء "
" مترجم عن الإنجليزية "
(الكشف عن المدنية الإلهية ص 7 و8 مترجم عن المقدمة الإنجليزية في رسالة وجهها ولي الأمر المبارك لأحباء الغرب نشرت في كتاب الكشف عن المدنية الإلهية الذي صدر سنة 1936 و ترجم إلى العربية و نشر في مصر بمطبعة رمسيس في الإسكندرية بتاريخ يناير 1947م)
دين واحد متعدد التجليات قد تجلى بكامل بهائه في رسالة بهاء الله
إن دين بهاء الله الذي سما عن أن يوصف بكونه إحدى الحركات , أو طائفة من الطوائف , أو بغير هذا من الأوصاف المجحفة بنظامه الذي يضطرد انكشافاً , هذا الدين الذي ينزع عن نفسه كينونة الانتماء إلي الطائفة البابية , أو الأدب الآسيوي , أو اعتباره شعبة من طائفة الشيعة في الإسلام , و الذي يرفض أن يطلق عليه مجرد فلسفة الحياة, أو أن يتصف بطابع الثقافة الأخلاقية أو حتى تسميته بدين جديد , نراه ينجح في التدليل عن خاصيته و اسمه بأنه " دين العالم" قدرّ له عند تمام الوقت أن يتخذ شكل حكومة عالمية تصير علي الفور أداة السلام الأعظم الذي أعلنه بهاء الله و تقوم علي رعاية ذلك السلام .( و ما كان هذا الدين راغباً في أن يزيد نظاماً آخر على عدد النظم الدينية الأخرى التي عكف أتباعها لأجيال كثيرة على تعكير سلام البشر و لكنه ينفخ في روح كل واحد من أتباعها حباً جديداً للأديان المختلفة المتمثلة في دائرته و تقديراً صحيحاً لوحدة الأساس بينها ,) وإلى هذا المطلب و المقام تشهد شخصية ملوكية بقولها " إنه يشبه حظيرة فسيحة الأركان تضم إليها جميع الذين بحثوا طويلا عن كلمات الرجاء ،فهو يعترف بجميع الأنبياء العظام الذين سبقوه ولا يهدم عقائد الآخرين بل يفتح جميع الأبواب " ثم تستطرد جلالتها و تقول " إن التعاليم البهائية تدخل السلام علي النفس و الرجاء إلي القلب , و للذين ينشدون الطمأنينة و اليقين تظهر كلمات الآب كينبوع في الصحراء يهتدي إليه الظمآن بعد تيه طويل " و في مقام آخر تشير إلي بهاء الله و عبد البهاء بقولها " إن آثار أقلامهما صرخة داوية في سبيل السلام تتخطي الحواجز و الحدود و ترتفع فوق اختلاف الرأي و الشعائر و الطقوس , إنها لرسالة عجيبة تلك التي أعطاها لنا بهاء الله و ابنه عبد البهاء وإنهما لم يفرضاها بالقوة فرضا ًلعلمهما بأن جرثومة الحقيقة الخالدة الكامنة فيها لابد تتأصل و تمتد " ثم تختم كلماتها بقولها " إني أوصيكم جميعاً إذا ما طرق سمعكم اسم بهاء الله أو عبد البهاء أن لا تنبذوا تعاليمهما وراء ظهوركم بل ابحثوا كتبهما و اجعلوا كلماتهما البهية الحاملة للسلام و الفياضة بالمحبة و المفعمة بالعظات تنفذ إلي أعماق قلوبكم كما نفذت إلي أعماق قلبي و استقرت في صميم فؤادي ".
إن دين بهاء الله بفضل ما أودع فيه من قوى الخلاقة و الإصلاح قد أدمج العناصر و الجنسيات و الطبقات المختلفة ممن آووا إلي ظله و استقاموا علي أمره , فغيّر نفسية أتباعه , و محا عنهم التعصبات و جدّد عواطفهم , و سما بتصوراتهم , و خلع على عواطفهم خلع النبل و الشرف , و ربط جهودهم و خلق منهم خلقا ًجديداً . إذ بينما يحتفظون بوطنيتهم و يظهرون ولائهم (الأصغر) قد جعلهم محبين لجميع الناس و أكثرهم و أشدهم ترويجاً لراحة و مصالح البشر الحقيقية . و بينما يحافظون علي سلامة معتقدهم بالأصل المقدس للأديان التي ينتمون إليها فقد مكنهم دين بهاء الله من تصور الغاية الأساسية للأديان و كشف حقائقها , و الإقرار بتتابع فيضها , و توقفها على بعضها البعض , و كمالها ووحدتها , كما مكنهم من الوقوف على الرابطة الجوهرية التي تربطهم به . فهذا الحب العام الذي يشعر به أتباع دين بهاء الله نحو إخوانهم في الإنسانية و الحب الذي يسمو عن اعتبارات العنصر و المذهب و الطبقة و الجنس , لا يمكن أن يعتبر في ذاته لغزاً ولا أن يقال عنه حباً مصطنعاً , بل هو حب صميمي , لأن الذين أحست قلوبهم بحرارة المحبة الإلهية الخلاقة يحبون خلقه حباً لوجهه و يرون في كل إنسان آية من آيات جماله و جلاله . فلهؤلاء الرجال و النساء يقال أن كل بلد غريب هو وطن لهم , و كل وطن هو بلد غريب لهم , لأنه يجب أن نذكر أن حقوقهم المدنية هي في ملكوت بهاء الله ,
ومع رغبتهم في التمتع بنصيبهم الوافر في المصالح الزائلة والمسرات الفانية التي تهبها هذه الحياة الأرضية , ومع شوقهم للاشتراك في كل جهد وعمل من شأنه جلب السعادة والرخاء والسلام , إلاّ أنه لا يمكنهم أن يغفلوا لحظة واحدة عن أن كل هذه أمور زائلة لا أكثير , ومرحلة قصيرة جدا في سفر وجودهم , وإن مثل الذين يعيشون في هذه المرحلة كمثل الحجاج وعابري السبل , قبلتهم المدينة السماوية ووطنهم بلد لا ينقطع عنه الفرح والنور .
ومع ما يغمرهم من عاطفة الولاء لحكوماتهم وأنهم يسرّون بكل عمل يحقق طمأنينتها ويشتاقون للمساهمة فيما يرّوج مصالحها , فإنهم يعتقدون بأن دين بهاء الله الذي يقومون شهوداً له هو دين قد رفعه الله فوق العواصف والانقسامات والجدل المثار في ميدان السياسة فهو بعيد عن السياسة , وخاصيته فوق حدود القومية , ومبرأ عن الحزبية , ومنفصل تماما عن مطامع القومية وأساليبها ومقاصدها , هو دين لا يعرف الانقسام ولا الحزبية وإنه بغير تردد أو تضليل , يضع المصلحة الخاصة سواء أ كانت شخصية أو إقليمية أو قومية , معلقة بالمصالح الرئيسية للإنسانية , ويؤكد بأن في عالم ترتبط جميع شعوبه وأممه وتتماسك أجزاؤه أحرى بأن تتحقق مصلحة الجزء عن طريق مصلحة الكل , وأنه لا يمكن تحقيق منفعة الفرع بإغفال مصالح الأصل , لذلك لا نعجب أن نرى في كلمات بهاء الله ما يشير إلي حالة البشر الحاضرة بقوله عز بيانه :

" ليس الفخر لمن يحب الوطن بل لمن يحب العالم ".
" إن الأرض وطن واحد والنوع البشري سكانه ".

وفي مقام آخر يتفضل ويقول :
" إن الإنسان الحقيقي هو الذي يكرّس نفسه اليوم لخدمة الجنس البشري ".

وتوضيحا لهذا يتفضل ويقول :
" بقدرة هذه الكلمات العليا قد أدخل في أطيار القلوب حياه جديدة , وأوجد منهجاً جديداً , ومحا كل قيد وحد من كتاب الله الكريم ".
إن البهائيين يعتقدون اعتقاداً راسخاً بأن دينهم فوق هذا ليس طائفياً ولا هو شيعة من الشيع , بل منفصل تماماً عن كل نظام طائفي أياً كان نوعه وأصله ومطلبه . لأنه ـ لا يمكن أن يقال عن أي تنظيم طائفي بطقوسه وتقاليده وحدوده ومظهره الخارجي أنه يتفق في مجموع مظاهره ونواحيه مع العقيدة البهائية المتينة . على أنه يمكن لكل مؤمن مخلص لدين بهاء الله أن يظهر بغير شك استعداده للمساهمة في بعض المبادئ التي تنفخ بروح الحياة في هيكل النظم السياسية والدينية , ولكن مثل هذا الاستعداد لا يمكن أن يعني الاندماج في تلك العقائد والمبادئ والبرامج التي تقوم عليها , ولا يجوز أن يغرب عن الأذهان أن دينا تأسست نظمه الإلهية في قلب ما لا يقل عن 40 مملكة مختلفة تتصادم سياسة حكوماتهم وتتعارض مصالحها باستمرار , ويزداد ارتباكها يوما بعد آخر , وإنه إذا جاز لأتباعه سواء أكانوا أفرادا أو هيئات منظمة استشارية أن يتدخلوا في المسائل السياسية ـ كيف يمكنه الاحتفاظ بسلامة تعاليمه وحماية وحدة أتباعه , وكيف يمكن له ضمان تقدم نظمه المترامية بمثل هذا التقدم السلمي الثابت القوي ؟ .

كيف يمكن لدين امتدت فروعه بحيث وضعت موضع الاحتكاك بالنظم الدينية المتعارضة باستمرار , واحتكاك بالفرق
والعقائد , وإنه إذا كان يسمح لأتباعه بالاندماج في الطقوس والمبادئ العتيقة , كيف يستطيع الاحتفاظ بحيويته في دعوته الصريحة للولاء والصفاء التي يوجهها للذين قد يضمهم إلي حظيرته ونظامه المقدس ؟ ثم كيف يمكنه تفادي الاحتكاك المتواصل وسوء التفاهم والتعارض الذي يحدثه بالتأكيد مبدأ الانتماء إلي بيئة خاصة وهو المبدأ الذي يتعارض مع عمومية الهيأة الاجتماعية ؟ .
هذه هي قواعد ومبادئ العقيدة البهائية التي يرتبط بها حاملي لواء أمر بهاء الله ويسترشدون بها في مباشرة نظامهم البديع الذي يزداد انتشاراً واستقراراً , وتفرض عليهم مقتضيات التدرج في تدعيم دينهم واجبات لا يمكن إغفالها ومسئوليات لا يمكن التخلي عنها , وهم ليسوا بغافلين عن الضرورة الملحة في إقامة وتنفيذ الشريعة بجانب المبادئ التي أمر بها بهاء الله، , فإن كليهما يكوّنان اللحمة والسداة التي يقوم عليها في النهاية نظامه العالمي .
وإن أهل البهاء في الشرق وأخيرا في الغرب يبذلون الجهد الجهيد , بل وعند الضرورة لا يترددون في تقديم أية تضحية تطلب منهم للتدليل علي فائدة وكفاية هذه المبادئ والأحكام , وإقامتها والمحافظة علي سلامتها واستقامتها , وتنفيذ أوامرها , وتسهيل أسباب انتشارها .
وقد لا يطول الوقت كثيرا عندما تدعى المحافل الروحانية في بعض ممالك الشرق القائمة بالإشراف على الأحوال الشخصية للبهائيين المقيمين بدوائرها ويطلب إليها الاضطلاع بالمسئوليات المترتبة علي رسمية تأسيس المحاكم البهائية، هنالك يكون لها السلطة في المسائل المتصلة بأمور الزواج والطلاق والمواريث , ويكون لها أن تقيم في حدود سلطتها وباعتماد السلطات المدنية تلك الشرائع والأحكام على الوجه المحدد في الكتاب الأقدس , وبجانب هذه الاتجاهات التي تتطور بازدياد قد أظهر دين بهاء الله في محيطات أخرى , وفي كل مكان امتد إليه نور قدرته القاهرة ودلل على قوته المجددة وروحه الغالب , فارتفاع بنيان مشرق الأذكار في قلب القارة الأمريكية الشمالية , وتأسيس وازدياد مراكز الأمر الإدارية في وطنه وفي الممالك المجاورة , وصقل الأداة القانونية التي تحفظ كيان نظمه , وتجمع الموارد الضرورية من مادية ومعنوية في كل قارة من قارات الأرض , والأوقات التي أحاطت ببقعة المقامات العليا في المركز العام , والجهود المبذولة في جمع وتنظيم آثار مؤسسيه , والإجراءات المتخذة للحصول علي الأماكن الأثرية المتصلة بحياة مبشره ومؤسسه وأبطاله وشهدائه , والأساسات الجاري وضعها لمعاهده العلمية والأدبية والإنسانية , والجهود المشكورة المبذولة في سبيل حماية أخلاق شباب الأمر وتقويتهم وتوحيد مجهوداتهم العامة , والقدرة الخارقة التي يقوم بها حماة الأمر وممثلوه المنتخبون ومبلغوه المنقطعون , ومديروه الأبطال في ترويجه وتوسيع دائرته وتنمية كتبه وتقوية قواعد غلبته ونصره الروحاني ,والاعتراف الذي صدر من السلطات المدنية في بعض المناسبات نحو هيئاته المحلية والمركزية بما مكنها من تشكيل مجالسها وصناديق خيراتها وحماية أوقافها , والتسهيلات التي قدمتها نفس تلك السلطات نحو مقامات الأمر المقدسة ومعاهده العلمية , والحماس والعزم الذي يتجلى علي فريق من البهائيين وهم يعودون لمباشرة جهودهم بعد أن كانوا موضع تجربة شديدة , والمقالات الرائعة التي دبجتها أقلام الملوك والأمراء ورجال السياسة والعلماء في عظمة الأمر ومقام مؤسسه ـــ
بهذا كله وبغيره يبرهن دين بهاء الله بما لا يحتمل الشك على فعاليته وكفايته للوقوف في وجه العوامل الموجبة للتفكك التي تتعرض لها النظم الدينية والبرامج الأخلاقية والمؤسسات السياسية والاجتماعية .
فمن أيسلندا إلي تسمانيا , ومن فانكوفر إلي بحار الصين يمتد شعاع هذا النظام العالمي وتنتشر فروعه , موثقاً عروة الإخاء نافخاً في كل رجل وامرأة انجذبوا إليه يقيناً ورجاء واشتعالاً أفتقده طويلاً جيل حائر وعجز عن استرداده بنفسه , فإلى الذين يقبضون على المصائر العاجلة لعالم متعب , وإلى الذين هم مسئولون عن اضطرابه ومخاوفه وشكوكه وأسباب بؤسه , أنهم يحسنون صنعاً وهم في حيرتهم لو أنهم أمعنوا النظر وتدبروا بقلوبهم أدلة فضل الله العزيز المنجي ــــ هذا الفضل الذي يخفف أحمالهم ويبدد حيرتهم وينير الطريق أمامهم . (الكشف عن المدنية الإلهية ص 41 و47 مترجم عن المقدمة الإنجليزية في رسالة وجهها ولي الأمر المبارك لأحباء الغرب نشرت في كتاب الكشف عن المدنية الإلهية الذي صدر سنة 1936 و ترجم إلى العربية و نشر في مصر بمطبعة رمسيس في الإسكندرية بتاريخ يناير 1947م)


ونتابع معاً في المقال القادم عن النظم الإداري البهائي





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,554,451,249
- رؤية الدّين البهائي لعالم مُتّحد-(3/3)
- رؤية الدّين البهائي لعالم مُتّحد-(2/3)
- الرؤية لعالم مُتّحد-1/3
- هاتوا برهانكم -(3/3)
- هاتوا برهانكم -كمال الخطّة الإلهية الأصلية- (2/3)
- هاتوا برهانكم - (1/3)
- تطوّر أشكال الحكومة بالعالم – الديمقراطيّة ثم ماذا بعد ؟-(3) ...
- تطوّر أشكال الحكومة بالعالم – الديمقراطيّة ثم ماذا بعد ؟-(2)
- تطوّر أشكال الحكومة بالعالم – الديمقراطيّة ثم ماذا بعد ؟ -(1 ...
- عدة الطريق إلى السلام
- مشكلة الأرهاب وعلاجها
- تحرِّي الحقيقة وترك التقاليد
- لن يصل العالم إلى مستوايات النضج بدون القوة الخلاّقة للدين ا ...
- التأليف بين قلوب البشر و الترفُّع على النزعة السلطوية و الأن ...
- بناء مدنيّة دائمة التقدم
- يكفي قرن ونصف من الاضطهاد والسكوت!
- أنّ المعايير الاقتصادية والماديّة الّتي توجِّه بشكل رئيسي نش ...
- العلم والدين والإنسان
- (هناك نفوس موفّقة للأعمال الخيرية ومُحبة الخير للعموم ومكارم ...
- أين الله -حوار مابين مؤمن وملحد


المزيد.....




- حقوقيون: الحبس 15 يوما للناشطة المصرية إسراء عبد الفتاح في ا ...
- السيسي حول أزمة سد النهضة: مصر -كشفت ظهرها وعرت كتفها في 201 ...
- اليابان: حصيلة ضحايا إعصار هاغيبيس العنيف ترتفع إلى 35 قتيلا ...
- احتفالات في العاصمة التونسية ومدن أخرى إثر فوز قيس سعيّد برئ ...
- باسيل يعلن عن زيارة مرتقبة له إلى دمشق
- أهالي القامشلي يحتفلون بانتشار القوات السورية
- المستثمرون الروس متحمسون للاكتتاب في -أرامكو-
- السعودية تسمح بمنح تأشيرات السياحة لحاملي تأشيرات أمريكا وبر ...
- ارتدى سترة واقية من الرصاص.. ترودو يتابع حملته الانتخابية عق ...
- الاحتلال يعتقل محافظ القدس وقيادييْن في فتح


المزيد.....

- ما ورد في صحاح مسيلمة / صالح جبار خلفاوي
- أحاديث العولمة (2) .. “مجدي عبدالهادي” : الدعاوى الليبرالية ... / مجدى عبد الهادى
- أسلحة كاتمة لحروب ناعمة أو كيف يقع الشخص في عبودية الروح / ميشال يمّين
- الصراع حول العولمة..تناقضات التقدم والرجعية في توسّع رأس الم ... / مجدى عبد الهادى
- البريكاريات الطبقة المسحوقة في حقبة الليبرالية الجديدة / سعيد مضيه
- البعد الاجتماعي للعولمة و تاثيراتها على الاسرة الجزائرية / مهدي مكاوي
- مفهوم الامبريالية من عصر الاستعمار العسكري الى العولمة / دكتور الهادي التيمومي
- الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة / مصطفى مجدي الجمال
- ثقافة العولمة و عولمة الثقافة / سمير امين و برهان غليون
- كتاب اقتصاد الأزمات: في الاقتصاد السياسي لرأس المال المُعولم ... / حسن عطا الرضيع


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - راندا شوقى الحمامصى - المدنية الإلهية و النظم الإداري البهائي