أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - تجمع اليسار الماركسي في سورية - جدل - العدد الخامس- أيار2009















المزيد.....



جدل - العدد الخامس- أيار2009


تجمع اليسار الماركسي في سورية

الحوار المتمدن-العدد: 2805 - 2009 / 10 / 20 - 08:38
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


"جدل”
مجلةفكرية- ثقافية- سياسية
يصدرها (تجمع اليسار الماركسي في سوريا- تيم)
العدد الخامس- أيار2009

افتتاحية العدد:
"تحولات" المشهد السياسي العربي بعد احتلال العراق
تشف اللوحة الكاملة للمنطقة العربية بعد الغزو الأميركي للعراق واحتلاله، عن العديد من العناصر الأساسية التي تشكل المشهد السياسي العربي، وهذه العناصر هي:
1- استسلام كامل والتحاق نهائي للنظم العربية "المعتدلة " بعد 11 أيلول ، حيث أزيحت آخر مسافة بينها وبين السياسات الأميركية في المنطقة والعالم. وقد ظهر هذا الالتحاق بأوضح أشكاله في مواقفها من الاحتلال الأميركي للعراق، ومواقفها المخزية في حربي تموز 2006 وأثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة وبعده. وترافق ذلك مع موجة من الانزيحات لمثقفي اليسار باتجاه الليبرالية الجديدة وجرى التنكر للماضي السياسي ، حيث تحولت تيارات وأحزاب بكاملها متأثرة بتفكك الاتحاد السوفييتي وبالاندياح أمام مفاجأة الغزو الأميركي للعراق، مما يعكس هزيمة داخلية وسقوط مرير. وكان البعض من هذه التيارات يراهن على اقتلاع "الاستبداد السياسي" الداخلي بقوة الغزو الأميركي وذلك وفق النموذج العراقي، وهو ما مثله التيار "الليبرالي الجديد" في إعلان دمشق.
2- حصول تمايزات وفرز في التيار الديني الجهادي ، حيث ظهرت تيارات جهادية دولية (كوسموبوليتية) ملتبسة كالقاعدة، مقابل حركات مقاومة وطنية ذات أشكال دينية في كل من لبنان وفلسطين والعراق حققت تقدماً واضحاً في مواجهة إسرائيل والمشروع الأميركي للشرق الأوسط ، وقد نالت دعماً سياسياً وعسكرياً من قبل إيران وسوريا. وقد انقسمت النظم العربية على أساس هذا الصراع إلى معسكرين؛ معسكر داعم للمشروع الأميركي/ الصهيوني وملحق به وآخر معرقل ومقاوم له.
3- فشل الحركة الشيوعية العربية التاريخية في مواجهة تحديات جسيمة كالتي حصلت في المنطقة خلال السنوات الخمس الماضية، فشلاً على المستوى السياسي والنظري والاستراتيجي. مما دفع ببعض المثقفين اليساريين وبعض قادة الأحزاب الشيوعية واليسارية إلى التداعي والحوار على المستوى العربي (لقاء الماركسيين العرب في باريس)، وعلى المستويات القطرية : وثيقة تيم في سوريا ، اللقاء التشاوري اليساري اللبناني، الخ ..
4- في هذه الفترة حصل انسحاب الجيش السوري من لبنان وجاء اغتيال رفيق الحريري، ثم محاولة اتهام سوريا مع إجراء تحقيقات وتشكيل المحكمة الدولية ، وتبع ذلك اتهام سوريا بامتلاك منشآت نووية ، كما حصلت اضطرابات قام بها مواطنون أكراد سوريون في شمال شرق سوريا وفي شمالها "بتشجيع" من الوضع الكردي العراقي الجديد في كردستان العراق.، مطالبين بإنهاء التمييز ضدهم .
5- لقد كان مؤتمر زحلة في منتصف الثلاثينات من القرن العشرين محطة تاريخية لم تستغلها الحركة الشيوعية العربية في نضالها من أجل الهيمنة ضمن قيادة الحركة القومية العربية، كان التأثير البيروقراطي السوفيتي واضحاً ، ورغم تقارب الشيوعيين السوريين مع القوميين في الخمسينات إلا أنهم فشلوا في تحقيق الهيمنة المطلوبة لقيادة الحركة القومية إلى أهداف أبعد . ومع زوال النفوذ الأيديولوجي للبيروقراطية السوفييتية ، ومع التحديات الجديدة والمخاطر الكبيرة على المنطقة العربية بعد احتلال العراق ، شهدنا بعد 2005 تقارباً بين تيارات ماركسية وشيوعية توج بإعلان تجمع اليسار الماركسي في سوريا /تيم/ (نيسان 2007 ). ومع أزمة المشروع الأميركي وتعرقله بالمقاومات المختلفة ومعه أزمة التيار "الليبرالي" الجديد في "إعلان دمشق" حصل تقارب ملفت بين تيم وبين التيارات القومية (عربية، وكردية) والديمقراطية حيث يجري عمل حثيث من أجل بناء تيار ديمقراطي- وطني في سوريا .
6- لقد شكل صمود المقاومة اللبنانية في تموز 2006 وفي غزّة بداية 2009 أمام العدوان الإسرائيلي عرقلة حقيقية للمشروع الأميركي للشرق الأوسط تزامن ذلك مع الأزمة الاقتصادية الرأسمالية التي بدأت بأزمة الرهن العقاري ، وانهيار العديد من بنوك الاستثمار وامتدت لتشمل الاقتصاد الرأسمالي العالمي ، بفعل هيمنة المضاربة على آليات عمل الرأسمالية بعد منتصف الثمانينات من القرن المنصرم. كل ذلك دفع بالولايات المتحدة لاعتماد تكتيكات جديدة أساسها "الحوار" بدلاً من أسلوب الغزو ريثما تعيد ترتيب خططها ومراجعة حساباتها ، ومن هنا دعوتها للحوار مع سوريا وإيران وروسيا. وقد تم التمهيد لذلك بجهد دبلوماسي فرنسي واضح ، كما تأتي "المصالحات" بين النظم العربية وكذلك الحوار بين حماس ومعها الفصائل المقاومة من جهة وبين سلطة الحكم الذاتي من الجهة الأخرى. في هذا السياق "الحواري الأميركي"
7- يخطئ من يظن أن "اللقاء الماركسي العربي" هو البديل عن بناء الحركة الاشتراكية الماركسية في كل قطر عربي. وعلى هذا اللقاء أن يعمل لتسريع وتعزيز هذا البناء "القطري " بكافة السبل إذا أراد أن ينجز شيئاً ذا معنى وقيمة في هذه الظروف العاتية والتي يلملم فيها اليسار العربي أشتات خيامه.
هيئة التحرير











المقالات















1- نايف سلّوم: " الصَّنَميّة السِّلعيّة وسِرّها"
2- فاتح محمد جاموس: " دفاع صريح عن مشروع تجمع اليسار الماركسي /تيم/"- القسم الثاني
3- فارس إيغو: "هل العلمانية إلحادية؟"
4- د. خالد المحمود: "قراءة للشرق الأوسط في مطلع الألفية"
5- نجيب روميّة: "مقولة السبب والنتيجة"
6- كريم مروة: "محمود أمين العالم"
7- أدونيس: "مدارات في ضوء غزة"

















الصَنًميِّة السِّلعية وسِرّها
نايف سلّوم
الصنم "أنثى" ، وجمعها الأصنام ؛ "ومنهنَّ أضللن كثيراً من الناس" [إبراهيم/36 ] . والبضاعة أو السِّلعة من الفعل ؛ بضع أو سلع ، وهي ترجمة للكلمة الإنكليزية commedity . " والسَّلع: تشقق القدم. والسُّلع: المِثْل (والسُّلع في الجبل: الشَّق). والسِّلعة بالكسر: المَتاع، وما تُجر به. والتسليع: إحراق العشر للاستمطار في الجاهلية . و انسلع: انشق. "
البَضْع: القطع.. والشَّق، وتقطيع اللحمة . والمجامعة."
والصنمية ترجمة للكلمة الإنكليزية fetishism وهي من fetch: (1) يجلب، يأتي بـ (ب) يستخرج من الطبيعة (2) يحضر طبيباً (ب) يعود على صاحبه بثمن (ج) يفتن، يسحر (3) يوجه ضربة إلى (ب) يحدث، يضع (ج) يأخذ نَفَساً (د) يرسل تنهّدة (ه) يقتل..(5) يسلك طريقاً غير مباشرة ، يدور حول نفسه (6) جلب، استخراج ، استحضار[الأرواح] (7) جهد قوي (8) تنهّدة (9) حيلة (10) شبح
الفتشية، البُدّية: fetishism والتي تعني: (أ) الإيمان بالأفتاش أو البدود (ب) تقديس أعمى (ج) انحراف يتمثل في تركيز الشهوة الجنسية على (فتش) [مرض نفسي] المورد 343-344
وفي القاموس المحيط: البُدّ: البَدُّ: التعب. والبِدّ: المِثل والنظير. والبُدّ: العَوض، والصنم (معرّب ؛ بُتّ)، وبيت الصَّنم ، والنصيب من كل شيء (ومنه البُدّة) ص 266
الصّنم: خُبث الرائحة وقوة العبْد . والوثن يُعبد. وصنَّم تصنيماً: صوّت (صوّر) والصوت المنكر المحيط 1131
السِّر: أسرار وسرائر؛ الأصل ، وجوف كل شيء ولبّه .. وأسرّه: كتمه، وأظهره ؛ضدّ . وأسرّ عليه حديثاً: أفضى." المحيط 406 وجاء في قاموس
Dorland,s Illustrated Medical Dictionary 26th Edi قوله: fetish; an object believed to be endowed with unreasoning devotion ..p.493
وترجمته: "الصّنم: شيء يعتقد أنه وقْفُ قوى خارقة للطبيعة ، أو مُجَلَّل بورع لامعقول" ص 493 .
أما بعد :
"تبدو البضاعة (السِّلعة) للوهلة الأولى شيئاً بسيطاً جداً ومبتذلاً. بيد أن تحليلها يبين أنها شيء مليء بالغرابات والتفاصيل الميتافيزيائية والأحاييل اللاهوتية " ص 105 ..فهي بصفتها قيمة استعمالية لا تنطوي على ما هو مبهم سواء نظرنا إليها من وجهة نظر كونها تلبي بخصائصها الحاجات البشرية أم من وجهة نظر كونها تكتسب هذه الخصائص كناتج للعمل البشري [البضاعة في استعمالها أو تحويلها في الطبيعة إلى شيء نافع أو للاستعمال] وهي هنا لا تدخلها الغرابة، ولا يسكنها اللاهوت. عندما يهيمن التبادل على حركة البضاعة تغدو صنماً ، تماماً كالوثن حين يُعْبد يغدو صنماً. تعبد وتغدو السلعة صنماً عندما ندخل إلى المجتمع البضاعي وتدخلها الغرابات.
الإنسان يغير بنشاطه أشكال موجودات الطبيعة في الاتجاه المفيد له . كصنع طاولة ، ومع ذلك تبقى الطاولة خشباً ، أي شيئاً عادياً يدرك بالحواس. "لكن ما أن تصبح بضاعة حتى تتحول إلى شيء حسّي عصي على الإدراك" ص 106
The fetishism of commodities and the secret there of
"But , so soon as it steps forth as a commodity , it is changed into something transcendent . It not only stands with its feet on the ground , but , in relation to all other commodities , it stands on its head, and evolves out of its wooden brain grotesque ideas, far more wonderful than "table turning" ever was " Karl Marx; Capital
"فهي [أي السلعة] لا تقف على قوائمها على الأرض فحسب، بل تقف على رأسها الخشبي (دماغها الخشبي) أمام سائر السلع الأخرى، ولذا فرأسها الخشبي يخلق من الغرابات التي فيها من المدهش أكثر بكثير مما لو بادرت الطاولة إلى الرقص من تلقاء ذاتها "
فالطابع الصوفي للبضاعة لا ينجم إذاً عن قيمتها البضاعية (الاستعمالية)، ولا عن مضمون تحديدات القيمة (أي العمل الخاص الذي جعلها نافعة (قيمة استعمالية) ، كالخياطة بالنسبة للسترة أو الحياكة بالنسبة للنسيج، الخ..).
مهما كان العمل الذي ينتج البضاعة متنوعاً فهو "إنفاق لدماغ الإنسان وأعصابه وعضلاته وأعضاء حواسه ( من الناحية الفسيولوجية؛ عبارة عن وظائف لجسم الإنسان ) . ثانياً، إن ما يشكل أساس تحديد مقدار القيمة ، أي بالذات مدة هذا الإنفاق أو كمية العمل ، يتميز بوضوح عن كيفية العمل ؛ إنه وقت العمل الذي يستغرقه إنتاج وسائل المعيشة .. وهذا الوقت يختلف حسب مراحل التطور المختلفة ، وبما أن الناس يعملون لبعضهم البعض مهما كان الأمر ، فإن عملهم يكتسب بالتالي الشكل الاجتماعي. "
فمن أين إذاً ينشأ الطابع الغامض لناتج العمل ما أن يتخذ هذا الأخير شكل البضاعة ؟
من الواضح أنه ينشأ من هذا الشكل ذاته (شيء- بضاعة) فالمساواة بين مختلف أنواع العمل البشري تتجسد في اتخاذ منتجات العمل شكلاً شيئياً من قيمة واحدة ، ويتخذ قياس إنفاقات قوة العمل البشرية بمدة هذه الإنفاقات شكل مقدار قيمة منتجات العمل ، وأخيراً إن تلك العلاقات بين المنتجين (العلاقة بين أعمالهم الخاصة من خياطة ونسج ، الخ..) التي تتحقق فيها تحديداتهم الاجتماعية للعمل تتخذ شكل العلاقة الاجتماعية بين أشياء (منتجات العمل كأشياء).
إن الشكل البضاعي هو مرآة تعكس للناس الطابع الاجتماعي لعملهم هم كطابع شيئي لمنتجات العمل ذاتها . تظهر كخصائص اجتماعية فطرية للأشياء المعنية [كأن العلاقات الاجتماعية بين الأعمال الخاصة هي خاصية هذه الأشياء- البضائع أو كأن العلاقات الاجتماعية منحلة فيها وأبدية أبدية خواص المعادن على سبيل المثال] ولذا "فإن علاقة المنتجين الاجتماعية مع العمل الإجمالي تبدو لهم كذلك علاقة اجتماعية بين الأشياء خارجة عنهم . وبفضل حلول شيء مكان آخر (علاقة اجتماعية بين أشياء محل علاقة اجتماعية بين أعمالهم الخاصة المختلفة) تصبح منتجات العمل ؛ أشياء حسية وعصية على الإدراك في آن معاً " أو تغدو أشياء اجتماعية .
إن الشكل البضاعي وتلك العلاقة بين قيم منتجات العمل التي يتجلى من خلالها ليس لها على الإطلاق أي جامع يجمعها بالطبيعة الجسمية للأشياء وما ينجم عن ذلك من علاقات بين الأشياء. " 108 فإذا كان الله هو المشهود والمنشود ؛ أي هو حقيقة الموجود وما هو واجب الوجود فإن علاقته بالموجودات الفيزيائية كعلاقة المعنى بالصوت في الكلمة التي ينطق بها إنسان فرد ، فالمعنى في الكلمة ليس خاصية شيئية للصوت الفيزيائي بل هو راكب عليه لا منفصل ولا متصل به، والمعنى الذي يأخذه التصويت في لغة ما هو أمر مواضعة واتفاق في الجماعات البشرية المختلفة من الأقوام.
وما ذلك سوى علاقة اجتماعية محددة بين الناس أنفسهم ، تلك العلاقة التي تتخذ في أعينهم شكلاً خيالياً للعلاقة بين الأشياء، تماماً كعبادة الأصنام والبدود على أساس أن المعني ملازم لها ومنحل فيها بينما هي مجرد أشياء يسقط الإنسان عليها أفكاره وعواطفه فيؤلهها.
يقول ماركس : وفيما لو توخينا إيجاد شبيه لهذا الأمر لكان علينا أن نتوغل في المجالات الضبابية لعالم الدين . ففي الدين تبدو منتجات الدماغ (الأفكار والعواطف) البشري كائنات مستقلة لها حياتها الذاتية وعلاقات محددة مع الناس ومع بعضها البعض . وهذا ما يحصل أيضاً لمنتجات الأيدي البشرية في عالم البضائع (إي في هذا الشكل من القيمة الذي هو القيمة التبادلية )
والكلام لماركس أسمي هذا بالصنمية (الفيتشية) التي تلازم منتجات العمل ما إن يتم إنتاجها كبضائع (الإنتاج البضاعي الرأسمالي) وعملية الانسلاخ هذه التي تحصل لمنتجات اليد في عالم البضائع ولفكر الإنسان وعاطفته في الدين تسمى الاغتراب الاجتماعي- الاقتصادي والاغتراب الديني .
في هذا النمط من الإنتاج البضاعي .. "فإن الأعمال الخاصة (النسج ، الخياطة على سبيل المثال) لا تتحقق واقعياً كحلقات للعمل الاجتماعي الإجمالي إلا من خلال تلك العلاقات التي يقيمها التبادل بين منتجات العمل وبواسطتها بين المنتجين أنفسهم أيضاً ." ولذا تبدو هذه العلاقات لا كعلاقات اجتماعية مباشرة بين الأشخاص أنفسهم في عملهم ، بل على العكس ، تبدو علاقات شيئية بين أشخاص وعلاقات اجتماعية بين الأشياء.
إذاً ، لا يقيم عامل النسيج مع عامل الخياطة علاقة شخصية مباشرة ، بل تتلاقى منتجاتهم : السترة والقماش في السوق كأجساد قيم أي كأشياء قابلة للتبادل فيما بينها . وهذا لا يتحقق إلا بعد أن ينتشر التبادل انتشاراً كافياً ويكتسب أهمية بحيث أن الأشياء النافعة تنتج للتبادل خصيصاً، أي تنتج كقيم تبادلية أو تنتج كبضاعة . من هذه اللحظة تكتسب الأعمال الخاصة للمنتجين طابعاً مزدوجاً بالفعل(طابع استعمالي وطابع تبادلي).
هكذا تتخذ بنظر هؤلاء الذين يتبادلون البضائع - تتخذ حركتهم الاجتماعية شكل حركة للأشياء يخضعون لها بدل أن يخضعوها لأنفسهم. (قارن مع الاغتراب الديني) .
هذا الفهم العلمي للبضاعة وسرها مشروط بوجود الإنتاج البضاعي المتطور تماماً ، لأن تحديد مقدار القيمة بوقت العمل الضروري اجتماعياً لإنتاج المنتجات هو سر يختفي وراء حركة القيم النسبية للبضائع المرئية للعين. يقول ماركس: "لنشوء هذا الفهم العلمي لا بد من وجود الإنتاج البضاعي المتطور تماماً لأن وقت العمل الضروري اجتماعياً لإنتاج المنتجات لا يشق لنفسه الطريق عبر العلاقات التبادلية العرضية والمتأرجحة باستمرار لمنتجات الأعمال الخاصة إلا بالعنف ، كقانون ضبط طبيعي يفعل على غرار قانون الجاذبية عندما ينهار بيت على الرؤوس"
إن الكشف عن السر هذا يزيل الوهم الذي يصور أن مقدار قيمة منتجات العمل يتحدد بمحض الصدفة ، ولكنه لا يزيل إطلاقاً الشكل الشيئي لتحديد مقدار القيمة." تماماً مثلما يزيل كشف سر التدين كشف سر الاغتراب الديني ، لكنه لا يزيل التدين لأنه يبقي على الشرط الإنساني الذي يولد هذا الاغتراب ، وهو أن علاقات البشر فوقهم وما أن يتخلصوا من هذه الضرورة ويصلوا إلى وعي علاقاتهم كأفراد متحدين أحرار حتى يزول هذا الشرط؛ شرط التدين.

هوامش
1-جسد البضاعة
2 - "ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيّه جسداً ثم أناب" [ص/34]
3 - [كما يدور الفكر البورجوازي التافه حول نفسه عند السطح في عملية كشف سر البضاعة]
4 - كالدّين؛ زفرة الخليقة المضطهدة
5- الجسد شبح للروح مثله مثل جسد البضاعة كشبح للعلاقات الاجتماعية أو شبح الحقيقة الاجتماعية للقيمة
6 - كتركيز الاهتمام على البضاعة على أنها شيء وليس علاقة اجتماعية
7 - الفتش أو جسد البضاعة عبد لحقيقة القيمة تصبح هي السيد في المجتمع البورجوازي وفي الوعي البورجوازي المغترب. الصنم وثن يعبد؛ البضاعة للاستعمال فقط، ليست صنماً . لكن ما أن يهيمن مجتمع بضاعيّ حتى تغدو البضاعة صنماً أو تأخذ شكل قيمة تبادلية، إضافة لقيمتها الاستعمالية.
8 - لاحظ نفور الإسلام المبكّر؛ المحمدي من الصور ومن الأصنام ومن منكر الصوت (صوت الحمير). الصوت المنكر يحمل أبلسة أو غماً .
9 - يكتب ماركس تبدو البضاعة للوهلة الأولى شيئاً بسيطاً جداً ومبتذلاً. بيد أن تحليلها يبين أنها شيء مليء بالغرابات والتفاصيل الميتافيزيائية والأحاييل اللاهوتية." رأس المال مجلد 1 ص 105 ترجمة دار التقدم.
10 - لاحظ الفيتش؛ البدُّ أو البِدّ: المثل؛ النظير ؛ الشبهة : وشبه لهم إعدام عيسى
11- يشق طريقه عبر ثورات دورية رغم أنف المشتركين فيه من البشر . والذين يفعلون بصورة غير واعية





































دفاع صريح عن مشروع تجمع اليسار الماركسي/ تيم/
في مواجهة "مشروع" استقالة الرفيق سلامة كيله "المُسْتقلّ" منه
( القسم الثاني لما نشر في العدد السابق من "جدل")
فاتح محمد جاموس
- 2-
حقيقة تيم الداخلية، قراءة قصدية خاطئة من قبل سلامة:
الركن الرئيسي في الاستقالة وبدون أي شك هو الركن التنظيمي، كيف فهمه أو اعتقده أو طرحه سلامة، ثم حقيقة المبادئ والقيم كما حددتها النصوص التنظيمية، والمعتمدة في العلاقات الداخلية الناظمة وعلى رأسها طريقة اتخاذ القرارات، حقوق الأطراف وواجباتها، ثم عمليات الممارسة الفعلية، التي اختبرها واكتشفها بنفسه سلامة ، كيف تلاعبت الأطراف بتلك الأسس وتجاوزتها، مما جعله يخاف من ممارسة سياسات لا تمثل قناعاته، أسس ومبادئ جرى العمل طويلا وبصورة مجهدة وجادة من أجل إقرارها في نهاية عام ونصف ثم في أقل من تسعة شهور يجد سلامة نفسه مضطرا لتقديم الاستقالة دون السماح لتيم بأي نقاش داخلي هادئ أو علني وخارجي بدون استقالة، بصفتها ملاحظات نقدية للتجاوز أو التصويب.
ومن جهتي أجد ضرورة كبيرة في تناول المسألة التنظيمية باهتمام خاص لأنها في حقيقة الأمر تكشف أو تلقي ضوءا واضحا على موقع المستقل، حقوقه وواجباته، والحدود الديموقراطية العالية في مستوى حقوقه والتحصينات الخاصة به ( داخل تيم ) وبالتالي طريقة تفكيره وسلوكه في قضايا التنسيق مع الفارق أيضا بين مستقل ومستقل في الإطار العام للظاهرة، ثم وضع سلامة واستقالته، فيكتب: " ولقد بدا الوضع لي أسوأ حينما أصبحت المسائل لا تخضع لما هو متوافق عليه في الوثيقة الأساسية" . "نحن تحالف، والتحالف يقوم على التوافق ". " وتجاوز التوافق يرتبط بالتوافق على ذلك " ." ولا شك في أن الميل الذي قد بات يحكم العمل هو التعامل الانتقائي مع هذه المسألة ، والميل لفرض سياسات بعيدا عن التوافق إمّا مباشرة أو مداورة" . " ولقد كان التوافق بالنسبة لي هو الحامي من اتباع سياسات أرفضها ". " ولهذا كان تجاهل هذه المسألة يشعرني بأن السياسات التي سوف تتبع ، والتي بدأت تتبع ستكون مخالفة لقناعاتي .. وبالتالي أخاف من ممارسة سياسات أرفضها ".
ـ بتلك الجمل القليلة المتعلقة بمبدأ التوافق الذي يحكم تحالف تيم، والذي يعتبره سلامة صحيحا ، بل يؤكد أن الوثيقة كانت واضحة في تحديده ، هو الذي تجاوزته أطراف تيم الأخرى "مواربة أو مباشرة" بالممارسة وراحت تقرر سياسات أو ستقررها لاحقا وتفرضها على سلامة وهو غير مقتنع، أو لن يكون مقتنعا بها.
إن النقاشات الطويلة حددت المبدأ التنظيمي والتفاصيل المتعلقة به، والطريقة في اتخاذ القرار وكل ذلك في حدود المتاح والممكن داخل تيم. وكانت الأطراف بكامل الصحو والوعي عندما وقعت عليه، ومنعا لأي التباس نسوق هنا كل الفقرات المتعلقة بإدارة الحياة الداخلية لتيم ، المبدأ الأساسي للتحالف، وطريقة كل قرار حسب أهميته، وسبل تطوير تيم نحو هدفه الرئيسي الذي يتجاوز التحالف إلى ( الحزب الموحد)، ثم حقوق الأطراف وواجباتهم، وأهمية كل قضية، أو مستوى والمبدأ الذي يستحقه، وحق التحفظ على أي قرار مع رفض تنفيذه.. الخ.
"يقوم التجمع على توافقات نظرية، اقتصادية، اجتماعية وسياسية أساسية".
"يصدر التجمع وثائق ومنشورات... مع التأكيد على تمتع الأطراف المشاركة باستقلاليتها التنظيمية والبرنامجية والسياسية ، وحرية تحالفاتها المختلفة".
"مع أولوية احترام تنفيذ توافقات هذا التجمع"
" ينشئ التجمع قيادة مركزية، تضم مندوبين اثنين عن كل فصيل .... ومن مستقلين يتم تمثيلهم في القيادة"
" تؤخذ القرارات في القيادة المركزية بالتوافق،.. وهي ملزمة لمن يوافق عليها.. ويحق لمن لا يوافق على أي قرار، عدم المشاركة في تنفيذه دون المساس بأي من حقوقه، على أن لا يشمل ذلك الوثيقة التأسيسية التي تحتاج إلى الإجماع بين الفصائل الموقعة لتعديلها".
"يتم قبول أي فصيل يوافق على الوثيقة التأسيسية للتجمع إذا نال الأكثرية المطلقة للأصوات في القيادة المركزية للتجمع" .
"يتم ترشيح أي مستقل يوافق على الوثيقة التأسيسية للتجمع للمشاركة في القيادة المركزية من فصيلين موقعين على الوثيقة التأسيسية، وينال موافقة بقية الفصائل، وفي حال تعذر التوافق يمكن أن يتم قبوله بأكثرية ثلثي القيادة المركزية في نهاية أربعة أشهر من ذلك".
"لا يجوز أن تتجاوز نسبة المستقلين في القيادة المركزية حدود ربع الأصوات".
" يعقد التجمع اجتماعا تداوليا سنويا وفق لائحة تنظيمية تحددها قيادة التجمع لتدارس مختلف القضايا التي تهم التجمع ... ويصدر الاجتماع وثائقه وتوصياته وفق ما يراه مفيدا " .
" يقر التجمع بوجود خلافات بين أطرافه، وبمشروعية هذه الخلافات على قاعدة حرية الاجتهاد، ويكون حل هذه الخلافات عن طريق الحوار الديموقراطي ....." ويمكن في حال تعذر الاتفاق إحالة ملف الخلاف إلى المؤتمر التداولي الذي يمكن أن يعقد اجتماعا استثنائيا إذا دعت الضرورة " .
" تؤخذ القرارات في هيئات التجمع الأخرى بالتوافق، وفي حال تعذره يتم الرجوع إلى القيادة المركزية التي يكون قرارها ملزما في القضية موضع الخلاف " .
" يصدر التجمع مجلة داخلية ... كما تصدر" القيادة" لائحة تنظم عملية النشر وشروطها، ولا يحق للقيادة بعد هذا إيقاف صدور المجلة ، إلاّ بإجماع الأصوات " .
ـ هذه هي مجموعة المبادئ وتفاصيل النصوص التنظيمية التي ندير بواسطتها شؤون تيم الداخلية، التي برزت أثناء عمليات الحوار والاتفاق عليها كل الميول والقناعات والاستعدادات ثم تحددت بالممكن ، وإذا أردنا تصنيفها يكون الأمر على الوجه التالي :
ـ لم يستخدم تعبير حق الفيتو إطلاقا على الرغم من وجود ما يكافئه فعلياً فيما يتعلق ببعض القضايا الأكثر أهمية، وكان ذلك أمرا مقصودا لضرورة تأسيس وضع ديموقراطي متجاوز لأطر وتحالفات مختلفة ولا تستهدف حزبا، ولضرورة وضع حد لأي عملية تعطيل في تقدم تيم وتطوره وذلك عندما نُخضع كل قضية كبيرة أو صغيرة للتوافق بالإجماع.
ـ يستخدم مبدأ التوافق بالإجماع، أو ما يكافئ حق الفيتو في حالتين: عندما يتعلق الأمر بالوثيقة التأسيسية، وعندما يتعلق بحتمية الحوار الداخلي ونشر الآراء المخالفة، أي المجلة الداخلية، وفي الحالتين استخدم تعبير إجماع الأصوات، أو بالإجماع.
ـ استخدام مبدأ التوافق بدون الإجماع في كل ما يتعلق بأي قرار آخر مهما كان ، حتى فيما يتعلق بقبول فصيل جديد أو قيادي مستقل
ـ حسم عملية قبول المستقل كقيادي بعد عدد من الخطوات التنظيمية، على أساس مبدأ أكثرية الثلثين.
ـ حسم عملية قبول فصيل جديد إلى صفوف التجمع بالأكثرية المطلقة. ( مع الفارق بين المفهومين كما هو متعارف عليه، وليس كما محدد في النص، أي الأكثرية النسبية في الحضور، أو الأكثرية المطلقة للحضور).
ـ استخدام مبدأ الحق ( أو ما هو فوق مبدأ الفيتو ) وحفظ الحق، حق الخروج عن الإجماع، أي حق رفض وعدم تنفيذ قرار، عندما يكون هناك طرف ما لم يوافق عليه، أي أن القرار لم يحصل ( بالتوافق بالإجماع )، بالتالي حق التحفظ بعد حق رفض القرار ورفض التنفيذ.
ـ لم ينص على مبدأ ترك تيم، بالاستقالة أو غيرها، فهذا بديهي في مسألة العقد الديموقراطي الحر بين الأطراف .
وإذا أردنا التعليق علي هذه النصوص يمكن ويجب القول : إن هناك مسائل غير محددة وغير متفق عليها بعد، أو أنها غير محددة بدقة ووضوح، تمثل نقصا أو ثغرات، أو تمثل حدود الممكن حتى الآن، على رأسها:
ـ المؤتمر وصلاحياته، لم نحدد مفهوم التداولي، هل هو للتشاور والاستئناس وتقديم التوصيات للقيادة الخ، أم هناك صلاحيات أكثر أهمية، خاصة وأن النص صريح كون المؤتمر هو مكان لحل الخلافات، ويصدر وثائقه وتوصياته كما يراه مفيدا، هل هو هيئة في نفس أهمية القيادة المركزية أم أدنى طالما أنها ممثلة به بالإضافة إلى آخرين بالتساوي من كل طرف، كذلك طالما أن النظام الداخلي قد حدد حالات القرار بالإجماع وحقوق رد الفعل عليها، ولا خوف بالتالي من أي عملية فرض أي شيء على أي أحد، أو عملية تجاوز قسرية للممكن داخل تيم.
ـ غياب النص الصريح بحق التحفظ وطرقه الإعلامية الخارجية والتنظيمية الداخلية، مع أن مجموع النصوص الأخرى تسمح بذلك بالاستنتاج البديهي .
ـ عدم التحديد الدقيق، أو عدم الوضوح في عملية اتخاذ القرارات بالتصويت عليها، كذلك عملية التحفظ عليها داخل القيادة المركزية، يوحي النص أن القضية فردية في الحالين، كأن الهيئة مجموعة أشخاص بحقوق واحدة، يشكلون آراءهم ، الأكثرية والأقلية في كل مرة، من دون الارتباط الحتمي بالأطراف التي يمثلونها، بينما في نصوص أخرى يظهر الرفض والتحفظ الخ، حقا صريحا للأطراف المكونة، وظهرت المشكلة في حالتين، الحالة الأولى عندما فهم أو أراد البعض أن يفهم على طول الخط، أو في بعض المواقف والقرارات التي اعتبرها مهمة له، أن التوافق يساوي الإجماع، بالتالي حق الفيتو، وحقه في توقيف أي خطوة إن تحفظ عليها. وهذه المسألة أو الإشكالية تم تجاوزها بالرجوع إلى النصوص فهي صريحة. والمشكلة الثانية التي كانت أكثر خطورة وأهمية وهي "مربط الفرس" فيما نناقشه حول ظاهرة المستقل والمستقلين، والحقوق وطريقة تفكير الظاهرة في مسألة التنسيق المشترك، وأعني هنا الرفيق سلامة. وتتكثف في عدم تحديد كون المستقلين يمثلون بمجموعهم طرفا والكيفية التي يجب أن يصوتوا بها أو يتحفظوا بها. إن متابعة شرح الإشكالية النصوصية في المسألة ، ثم الحوارات الحقيقية والروحية الخاصة والميول ، يصبح بالإمكان القول:
ـ حدّد النص الحد الأقصى لنسبة تمثيل المستقلين في القيادة المركزية (لا تتجاوز الربع ) وحدّد عملية قبول المستقل في القيادة ، لكنه لم يحدد كيفية التنسيق فيما بينهم ، وفيما إذا كانوا طرفا أم لا؟ وماذا يعني الإجماع بالنسبة لهم، أو لأي فرد فيهم، في الحالات التي تتطلب الإجماع، مثلا يصبح بإمكان أي قيادي مستقل أن يمنع تطوير الوثيقة الأساسية إلى الأبد ، إن كان من حقه استخدام الفيتو كأي طرف، وفي الحقيقة بقيت هذه المسألة معلقة بصورة قصدية من البعض، وأجلت من البعض الآخر بحجة أنها مسألة ثانوية، للإسراع بالتوقيع! أمّا المشكلة الأكبر فقد برزت كما هو واضح من نص استقالة سلامة عندما يعتبر أن التوافق يساوي حتما ودائما التوافق بالإجماع، أي يقلب ويغير بصورة نهائية مفهوم النص، ويريد أن يثبت مفهومه وقناعاته بكيفية تنسيقه كمستقل، أي أن يكون طرفا بذاته، وبصراحة شديدة كان هذا الميل هو الأكثر بروزا والأكثر تعطيلا في تيم كما يتضح من الاستقالة ، على العكس مما يقوله سلامة ببروز ميل، أو ممارسة مواربة أو مباشرة لتجاوز النص المتعلق بمفهوم التوافق، وجرت عمليات تعطيل لتيم باسم التوافق بالإجماع، أو هكذا فهم الأمر بحسب العرف، فوصل الأمر إلى الافتتاحية وطريق إقرارها، كما وصل إلى الخوف من أن يمارس البعض كأطراف أو كأشخاص التحفظات كأقلية، وهو ما لا يريدونه باسم الحرص على تيم ، لكن حتى هذه الإشكالية حلّت بين الأطراف بعد الحوار حول النصوص التنظيمية ومصالح تيم، لكن المشكلة بقيت مع سلامة وصولا إلى الاستقالة بسرعة كبيرة جدا من جهته، والميل الدائم الذي عبر عنه، حتى حدود تغيير مفهوم النص الواضح والصريح حول التوافق من أجل ميله الخاص وفهمه وقناعته بمسألة التنسيق والتشارك مع تيم "كمستقل". أمّا محتوى الاستقالة وربط الأسباب والوقائع فهو يؤكد ما أقوله، كيف؟
الاستقالة خالية من أي واقعة فعلية ! من قرأ نص الاستقالة أو سيقرؤه، سيقتنع حتما أن مبدأ التوافق يعني حتما الإجماع، وسيفهم أن هناك مجموعة أطراف أو بعض الأطراف، يلعبون على بعضهم أو على سلامة بالذات (مسخرة أخلاقية بين وضع النص الواضح ثم تجاوزه أو فرض ممارسات أو نصوص ومفاهيم أخرى بسرعة خيالية) وهذه المهزلة أو "لعبة الأوباش" كما يليق التعبير، تستحق فورا الكشف والتهتيك والاستقالة!؟ وهذا ما حاول سلامة تماما أن يوحي به بصورة شاملة دون أن يقوله بصراحة ودقة ووضوح بإيراد الوقائع الفعلية، وهذا هو الأمر المستحيل على الرفيق سلامة لأنه لا يستطيع إيراد أية واقعة ( وأعني أية واقعة ) بخصوص مجمل اتهاماته، إلاّ إذا أراد أن يفهم التوافق بالإجماع حتما، على العكس من البقية بالمطلق ويصبح هذا الفهم مقصودا بغاية الاستقالة!؟
ـ بدون أي تدقيق في الاستقالة، سنلحظ أن الرفيق سلامة قد اكتفى بالقول أن مبدأ التوافق في القرارات واضح ولم يعذب نفسه أبدا في الشرح أو التوضيح، لماذا يفهم المبدأ أنه يساوي الإجماع دائما، بينما تعبنا كثيرا لنضع مجموعة نصوص ومبادئ لاتخاذ قرارات و ليستمر تيم في التطور مع كامل الحقوق الديموقراطية لمكوناته. ذلك بين حدي الإجماع أو ما يشبه الفيتو، وحدود مختلفة أدنى بعدة سويات بحسب القضية المعنية وأهميتها.
ـ للأسف أيضا، لم يذكر سلامة أي واقعة تنظيمية، أو أي واقعة تتعلق بأي قرار تمت عملية خرق فيها للأسس التنظيمية أو لمحتوى القرار بعد صدوره، ولم يحدد بالتالي متى حصل هذا مواربة أو مباشرة؟ خاصة وأن عدد القرارات والبلاغات التي اتخذتها قيادة تيم حتى تقديم الاستقالة داخليا (بعد حوالي تسعة أشهر من الإشهار) كانت تعد على أصابع اليد الواحدة تقريبا. لم يناقش ولم يذكر أي تفصيل بالعودة إلى تلك القرارات والبلاغات والافتتاحيات (افتتاحيتان أوربما ثلاثة حتى حينه)، هذه هي الحقائق التي يجب إيرادها والحوار حول الانتهاكات التي جرت بسببها.
ـ للأسف الشديد مرة أخرى، من قرأ القسم الثاني في الاستقالة ( المتعلق بالسياسة والموقف من النظام وقضية المعارضة، والموقف من الحركة الشيوعية الرسمية، والقضايا البرنامجية والمهمات.. الخ) سيعتقد أن سلامة يعني حتما مواقف محددة لتيم، وفي أحسن حالات القراءة سيعتقد أن الأمر يتعلق بمواقف بعض الأطراف في تيم والتي تفرضها على الآخرين ومنهم سلامة ـ حيث تنبه واستقال ـ أما الحقيقة فإن كل ما ساقه الرفيق سلامة هو مجموعة اتهامات لتيم ، كما أراد أن يوحي بالاتهام أيضا لبعض أطراف تيم ، ممن تفكر وتمارس بصورة "انتهازية" تجاه النظام والحركة الشيوعية الرسمية كمدخل انتهازي إلى النظام أيضا، كذلك تجاه الليبرالية وإعلان دمشق الخ. كما ذكر هو بعد تجربته " الطويلة !" مع تيم، بالطبع لا يذكر أي واقعة ولا أي مرجع يتعلق بها، لا فيما يتعلق بتيم ولا بأي طرف من تيم. (وسآتي على مجموعة الاتهامات). مع البديهية الموضوعية والأخلاقية المتعلقة بضرورة محاسبة تيم على ما يمثله ويمثل مواقفه من قراراته وغيرها، ومحاسبة الأطراف الأخرى كل على موقفه. أي لا يجوز أبدا تحميل الاختلاف في المواقف، ومواقف بعض أطراف تيم بالتالي ومسؤوليتها على تيم، هذا إن كان سلامة قد عرض مواقفها على حقيقتها كي لا أقول بأمانة، فلنرَ ذلك؟!
3
الاتهامات .. والحقائق في الجانب السياسي والفكري :
الشيء الأساسي الذي يمكن إجراء حوار بخصوصه في ورقة سلامة هو بعض الأفكار والعموميات المتعلقة بمسألة برنامج "البروليتاريا والطبقات الشعبية" وتحالفاتها وصولا إلى الحالة السورية بالممارسة، لكن وعلى اعتبارها مادة غير مكتملة من جهته، وتأتي في سياق ادعاء تفنيد سياسات خاطئة أو مهادنة وانتهازية لتيم وأطرافه أو بعضها على الأقل مما سبب باستقالته، فإني أجد نفسي معنيا بكشف حقيقة الادعاء ومن ثم الحوار حوله إن كان صحيحا، وعلى اعتبار أن كل ما ورد في الاستقالة هو مجموعة اتهامات، كما يصعب الفصل والتمييز داخلها فيما يخص تيم، أو يخص بعض أطرافه، وهذا ما فعله سلامة قاصدا، وهكذا عند الحوار يمكن أن يرد سلامة ببساطة: أنا هنا أقصد الطرف الفلاني أو الفلاني أو تيم. بالتالي أجد الأمر الصحيح هو تحديد كل اتهام ومحاولة مقاربة الطرف المعني به ثم مقارنة دقيقة أو إيراد دقيق للموقف عوضا عن الاتهام وترك الباقي للقارئ، كما سأطرح في حالات ضيقة بعض الأفكار الحوارية آملاً في المستقبل أن تطرح حوارات مختلفة بالنهج والموضوعية والروحية الإيجابية تشاركياً لصف اليسار الماركسي.
ـ جاء في الورقة "ورغم اتفاقنا على أننا قوة معارضة، إلا أن ما ظهر في الفترة الماضية، سواء في الحوارات أو عبر البلاغات، أن هناك ميل لعدم إظهار التعارض مع السلطة، إذا لم يكن ميل للقول أنه فتح حوار معها، ولقد ضمت الوثيقة فقرة تؤسس لذلك، ورغم محاولتنا سدها إلا أن هناك من يميل إلى التعمية، ويسعى لتوسيع الخرق، لا أشكك في موقف أحد، ولا أبني على التشكيك أصلا ،بل أنطلق من أن هناك من يمارس تكتيكا خاطئا وضارا، ... حيث تحت ذريعة عدم التسرع بالصراع ( وأنا مع عدم التسرع كذلك) لا يعود هناك صراع ، وتصبح المهادنة هي الأساس " .
من المعروف للجميع، بالطبع سلامة منهم، أن تيم يضم مجموعة فعاليات وأطر من منابت وخلفيات ومناهج سياسية مختلفة، ولها بالتالي تصورات حول العمل المعارض وطرقه وروحيته وكيفية تحقق مصالح "البروليتاريا" به مختلفة، بل بعضها جاء من مدرسة التحالف "الأبدي" للحركة الشيوعية الرسمية، مع النظام، لكن بمجموعهم، من دفع منهم ثمنا كبيرا يستحقه الوطن ولا يزال لأنه في صفوف المعارضة بصراحة سياسية وليس بصراحة نظرية فكرية باسم الصراع الطبقي والنظام البورجوازي ، بالاضافة لبقية الأطراف،هذا الخليط أبدى استعداداً من بداية الحوارات وميلاً صريحاً ( بعكس ما يتهمه سلامة) ووضع نصاً صريحاً ومفاهيم فكرية ونظرية وفي الفكر السياسي، وفي كل القرارات، ليس ميلا فحسب، بل وضوحا شديدا في المفاهيم والممارسة كمعارضة. أما ما يتعلق بالفقرة التي يقصدها سلامة والحوارات التي جرت حولها، فمرة أخرى لا يقول سلامة الحقيقة، النقاش لم يجر أبدا على أرضية الحوار مع النظام من أجل التحالف معه أو الانخراط في صفوف جبهته، أو كتكتيك براغماتي يبتغي الإيحاء بعدم التسخين بالتالي المهادنة الخ ومن الواضح أن سلامة يتهم ويشكك لتشويه سمعة وحقيقة تيم ولإيذائه، جرى النقاش عند إيراد الفقرة في إطار حوار منهجي حول مفهوم العمل السياسي العلني ومفهوم الانتقال السلمي في عملية التغيير الديموقراطي، والأزمة القائمة في الوطن وموقع النظام ودوره بها والتشابك مع المسألة الوطنية، في ذلك الإطار والسياق وضرورة التمييز التام في الشعارات والخطاب والدلالات وما تستبطن مقارنة بقوى وفعاليات أخرى وحدود النفاق في الخطاب والمواقف السياسية، وأهمية الحوار كقاعدة أساسية لحل الأزمة، هكذا طرح حوار غني لا علاقة له بالخلط الطبقي والمهادنة والتحالف مع النظام، ولا علاقة له أبدا بالحجة التي أوردها سلامة ( التسرع في الصراع ) حتى لو سمعها من هذا الشخص أو ذاك. فلنقرأ الفقرة الواردة في الوثيقة الأساسية التي يعتبر سلامة موافقا عليها، لأنه لم يتحفظ عليها لاحقاً أو على الحوارات التي جرت بخصوصها وأسباب إيرادها، مع أنه من حقه المطلق أن يتحفظ وليس أن يذكّر بمحاولته سد الثغرة، إذ ربما حاول سدها أو حتى رفضها، (لكنه بالتأكيد كان قد ساهم بصياغة وثيقة أخرى لتيار وطني ديموقراطي لا ذكر محدد فيها للنظام السوري وطرق معارضته)، جاء في الوثيقة الأساسية لتيم: (( 8 ـ يحدد التجمع ( تيم ) موقعه من شتى القوى والطروحات السياسية، وإمكانيات لقائه أو معارضته لها على ضوء القضايا الأساسية الثلاث التي يناضل لتحقيقها: المسألة الديموقراطية التي تعتبر المدخل الأساسي لمستقبل سوريا ولتحقيق أهداف الشعب المختلفة (سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ووطنيا) والمسألة الوطنية (الموقف من مشاريع الامبريالية ولا سيما التحالف الأمريكي الصهيوني) وقضية المصالح الاقتصادية والمعيشية للطبقات الشعبية. ورغم أن نهج التجمع وسياسته تضعانه في موقع المعارضة للنظام، إلا أنه يدعو في الوقت نفسه للحوار الشامل مع كل الأطراف داخل الوطن، وهو سيلحظ ويقيم في حينه أي خطوة أو فعل سياسي أو مبادرة قد تحصل من أي طرف مهما كان موقعه، على ضوء القضايا الأساسية المذكورة آنفا ومنطوق هذه الوثيقة )). هكذا كان ولا يزال تيم يعتقد بضرورة مثل هذه المفاهيم السياسية لحل الأزمة الوطنية، ويعتقد أنها يجب أن تكون واضحة وصريحة دون أي مواربة، ودون أي استبطان لمفاهيم منافقة أو حاقدة وثأرية في العمل السياسي، أو خطاب لعمل علني سلمي تدريجي وآمن، بينما يستبطن شيئا آخرا، وبالتغاضي عن موقف النظام وطبيعته ونهجه، فإن حل الأزمة يفترض نهج تيم، وكل هذا لم يشوش بأي مستوى على مفاهيم تيم الإستراتيجية من النظام البورجوازي القائم وضرورة وحتمية استبداله أو أي نظام بورجوازي آخر يحل محله بنظام اشتراكي، ولا يشوش بأي مستوى على مفاهيمه كمعارض للنظام، فتيم حدد مهماته البرنامجية الانتقالية والملحة منها، وحدد أسس تحالفاته، ولا أعتقد أن سلامة لا يعرف أن الفقرة المذكورة حول الحوار الوطني وضرورته، تشمل أيضا الليبرالية بأسوأ أصنافها، كما أعتقد أن مثل هذا الخطاب (على الأقل نظريا وشكليا) بالتغاضي عن حقائق النفاق والرغبات الأخرى، فـهو الخطاب السائد في وسط المعارضة السورية بكل اتجاهاتها، وهذا شيء صحيح ويجب أن يكون مبدئيا، وليس شيئا براغماتيا، أو للتقيّة، أو للنفاق.
ـ تتابع الورقة ((تصبح كل المسألة هي الضغط السياسي من أجل الحريات كونها الأولوية التي تفتح المجال للنشاط من أجل الأهداف الأخرى، كما هو رائج في إعلان دمشق (أي لدى التيار الليبرالي)، وليبدو أن الخلاف مع الإعلان هو ليس في فهم السياسة وما هو طبقي، بل في الموقف من المشروع الامبريالي.. وبالتالي تكون المسألة هي المطالبة الخجولة والمناشدة الرقيقة، وليس خوض الصراع الطبقي. ومن ثم انتظار من يحقق هذه المطالب، الديموقراطية بالأساس)). كم هو سهل اختراع منظومات منطقية، ذهنية وذاتية واتهام الآخرين بها، تصوروا أن تيم ومن به لا يعرفون الفرق بينهم وبين بعض قوى إعلان دمشق (وليس كما يقول سلامة بكامل قوى الإعلان) لايعرفونه لا على الصعيد الطبقي ولا على الصعيد السياسي، ولا يعرفون أن الاتجاهات الليبرالية وخلافاتها مع النظام تقع في الصف الطبقي الواحد؟! سلامة يعرف هذا فحسب! وتصوروا أن أطراف تيم لا تميز بين الاستراتيجي والتكتيكي وبين أولوية المهمات ودور كل منها في الاتجاه التاريخي لبرنامج الطبقات الشعبية! سلامة يعرف! يا أخي كل أطراف تيم تعرف جيدا جدا هذه المسائل، لكنها تعرف أيضا أنه لا يمكن إلاّ في حالات نادرة جدا، تغيير شكل حكم استثناء بورجوازي، إلاّ بشق صفوف البورجوازية تكتيكيا، لم يكن بالإمكان تغيير الفاشية أو الديكتاتوريات أو غيرها من نظم حكم الاستثناء البورجوازي إلاّ بذلك. والحالات النادرة تتعلق باحتمالات اصطفاف التناقضات والصراعات وتطابق المهام الطبقية التاريخية مع المهمات السياسية التكتيكية، وعلى اعتبار أن تيم، أو بعض فصائله على الأقل، لن تنتظر إلى ذلك الوقت، إلى لحظة التطابق تنكش أنفها، أو تكتب خطابات في الثورة، أو تخاف من الاتهامات بالتلوث أو ما شابهه كما يفعل بها سلامة، فإنها تعرف وتسعى من أجل مهمات تكتيكية مشتركة عبر التطور. وأخيرا لماذا يقلل سلامة من أهمية الخلاف مع الاتجاه الليبرالي حول الموقف من أمريكا أو العامل الخارجي؟ أليست هي نفس الطريقة في تشويه حقيقة الموقف المعارض للنظام بعرض موقف تيم وتشويهه بتلك الطريقة؟ أسأل الرفيق سلامة عن دلالات الجملة (ليبدو أن الخلاف مع الإعلان ...الخ) أين يبدو من حقيقة الأمر؟ هل تقصد كامل تيم بهذا أم بعض أطرافه؟ فلنتقدم قليلا ولنرَ بماذا يستبدل سلامة كل هذا ((يجب أن يتم التركيز على مجمل الأهداف معا، دون أولوية بالمعنى الضيق، الذي يفضي إلى الوحدانية)) ((أمّا في النشاط السياسي فإن الأولوية لتأسيس تحالف استراتيجي يقوم على مطالب الطبقات الشعبية وتأسيس نظام ديموقراطي علماني ومواجهة المشروع الامبريالي)). بربكم من هو الذي يعاني من تشوش ومن مشكلات فكرية عميقة؟ كما يتهم سلامة أهل تيم! أليس الاستراتيجي وتحالفاته وجبهته هو الأكثر صعوبة في التحقق وحتى ما ينضج يحتاج إلى مدى زمني أبعد؟ إن كان على مستوى النخبة والتعبيرات السياسية، وهو أكثر صعوبة وبعدا زمنيا إن كان في المستوى الاجتماعي الطبقي، وأنا مضطر لهذه الطريقة التفصيلية في الحوار لأن سلامة كالعادة لم يحدد بدقة مقاصده. أليست الأولوية السياسية في هذه الحالة وفي كل حالة، ما عدا لحظات التطابق ـ أليست هي للتكتيكي دائما؟ ثم هل هناك تناقض؟ أو بمعنى آخر ألا يمكن الجمع بين التكتيكي وحركته التراكمية الانتقالية وبين العمل على الاستراتيجي؟! كيف يمكن التركيز على مجمل الأهداف معا؟ ألا يرمي هذا الكلام السهل بكل الحركة النسبية جانبا لتحل محلها الحركة المطلقة كما هي مشتهاة في الذهن والإرادة والوعي الطوباوي؟! ألا تتقدم التناقضات والصراعات لتعطي إمكانية وضرورة في التركيز على مهمة أكثر من أخرى لأنها معطاة بالمعنى الموضوعي والتاريخي، أي بالمعنى البرنامجي؟ ومن ثم لتحصل الانزياحات والتغير في الأولوية؟! أمّا أن نبدأ السياسي بالتركيز على الاستراتيجي، وعلى تأسيس نظام ديموقراطي علماني ومن ثم مواجهة المشروع الامبريالي؟! فأعتقد أنه نمط من التفكير المقلوب تماما وإما أن صاحبه حالم وطوباوي، أو لا تعنيه حركة التاريخ بتعقيداتها النسبية، يتفرج وينتظر لحظة التطابق الاستراتيجي والتكتيكي، أو أنه يريد توجيه الاتهامات غير الصحيحة لتيم لتشويه صورته على الأقل.
ـ وعلى اعتبار أن سلامة يعرف أن النظام مرة هو مشجب تعليق السياسات السيئة، وأن الليبرالية في إعلان دمشق هي المشجب الآخر، والطرفان هما أقصر الطرق لتشويه سمعة تيم وأطرافه، التي تتخبط بين البورجوازيين بشتى صنوفهم!؟ لهذا يجمع سلامة اتهامات الاتجاه الليبرالي الأكثر تطرفا وسوءا وثأرية تجاه تيم وبعض أطرافه تحديدا حزب العمل، كما يجمع اتهامات الطرف الآخر، اليساري القصوي الحالم أو اللفظي المتفرج على الأحداث مكتفيا بالاتهام، وهنا في الحقيقة تصيبنا الدهشة بذلك التقاطع مع اتهامات النظام لبعض أطراف تيم التي حاولت ولا تزال تحاول عملا تحالفيا جديا وصادقا على الصعيد الوطني الديموقراطي مع تيم؟! يقول سلامة: ((ما يطرحه التيار الليبرالي هو ديموقراطية توافقية، وليس ديموقراطية حقيقية.. رغم أنه يمكن أن يوجد شكل من التنسيق مع هذا التيار في قضايا الحريات دون الوصول إلى التحالف، نتيجة كل سياساته التي بات يعلنها. وهنا لازالت بعض الأحزاب المشاركة في التجمع مشاركة أيضا في إعلان دمشق، وهذا تناقض مع وجودها في التجمع، وإذا كانت سابقا تبرر وجودها بأنها تسعى لتغيير سياسات الإعلان، فقد توضحت استحالة ذلك، على العكس يسير الإعلان في اتجاه خطر، وهنا يظهر تحديد الديموقراطية كأولوية كم هو خطر في الممارسة، وكم يقود إلى مزالق وأوهام وسوء تقدير للوضع.. (لاحظوا قمة الاتهام) والمؤسف هنا أن الرفاق الذين يعملون لأن يكون نشاط التجمع منحصرا في الديموقراطية كمطلب، ويرفضون تجذير المعارضة ضد السلطة، هم الذين يتمسكون في الاستمرار في إعلان دمشق الذي يسعى للتغيير الديموقراطي كما تحدد وثيقته، وهذا يوضح مدى التشوش الذي يحكمنا)).
لا يحتاج الأمر لذكاء كبير كي يعرف القارئ أن المعني هنا هو بالحصر(حزب العمل الشيوعي)، على الرغم من عبارة (بعض الأحزاب)، فالحزب اليساري الكردي في الأساس لم يكن محظورا عليه الاشتراك بالحوارات حول وثيقة الإعلان والمساهمة بتأسيسه، كما حصل تجاه حزب العمل، بالتالي لم يدخل الإعلان لتغيير سياساته، وفي هذه الحالة كان من الطبيعي والموضوعي أن يحاور سلامة حزب العمل الشيوعي صراحة بدون عبارة "البعض" ودون التشويش على تيم. لاحظوا إذن أن الاستقالة هنا لا تحاور تيم، مع ذلك يحّمله سلامة مسؤولية مواقف حزب العمل، بالطبع المواقف التي يتهمه بها سلامة بعد تدبيجها، بينما هي لا علاقة لها بمحتوى تلك الاتهامات! إذن حزب العمل كان موقفه بدخوله الإعلان "تبريريا" ولا أحد يعرف لماذا يبرر وما هي أهدافه الحقيقية؟ ثم حزب العمل في وضعية التناقض في عملية الجمع المزدوج بين الإعلان والتجمع! وحزب العمل يسعى داخل التجمع لينحصر نشاط الأخير في الديموقراطية كمطلب! وحزب العمل يرفض تجذير موقف المعارضة من النظام داخل تيم، على الرغم من تمسكه بوجوده في إعلان دمشق!؟
من نعم الرب أن الأمر لا يتعلق بتيم، وأنا سعيد بهذا لأنه يخفف من مستوى التشويه والسلبية تجاهه، بل يتعلق حصرا بحزب العمل، وطالما أن أهله غير عاجزين عن الرد ومعرفة أسباب الاتهامات التي دبجها وساقها سلامة، أو غير عاجزين عن الحوار عندما يريد سلامة أو غيره، ولدى حزبهم من التاريخ النضالي والفكري والسياسي الغني إلى درجة تسمح بتحقيق أشياء مفيدة دائما للمهتمين المتابعين بخاصة من الماركسيين والديموقراطيين الوطنيين! .
الجميع يعرف بما فيهم سلامة (لكنه يفضل الاتهام !) بأن حزب العمل لم يبرر أبدا عملية دخوله إعلان دمشق على الرغم من كل ما فعلته بعض الأطراف الليبرالية فيه من الكواليسية إلى محاولات العزل والقمع، كله مرفوقا بتبريرات واتهامات مدبجة شبيهة باتهامات سلامة بخصوص موقف حزب العمل من قضية المعارضة والسلطة، لحزب العمل موقف محدد مسؤول ـ مكتوب ـ وفيه انتقادات واضحة لإعلان دمشق ووثيقته، ثم شرحا تفصيليا للأسباب التي تجعله يطلب بنفسه دخول الإعلان وهي لا تتكثف بسبب واحد (محاولة تغيير السياسات)، ثم عمل الحزب مع قوى وفعاليات أخرى على كشف حقيقة الاتجاهات في إعلان دمشق، وحقيقة المواقف، واستطاع مع غيره، خلق معركة حول محتوى التوضيحات وأهميتها في العمل الديموقراطي الوطني، وحول مفهوم الديموقراطية، والبرنامج بجدل علاقة المسألة الديموقراطية بالوطنية، وهو لاحقا لم يبرر أبدا موقفه في تجميد نشاطه، بل سعى بكل جدية وصراحة ووضوح كي لا يصل إلى هذا الموقف، وتقدم للأمانة العامة المؤقتة برسالة مفتوحة قبل عقد المجلس الوطني، حرصا منه على استمرار التحالف، ولا يرى كما يرى سلامة على الرغم من كل ما جرى في إعلان دمشق أن عملية تطور مواقف الأخير مستحيلة، فتركيبته ليست كتلة مصمتة، والشروط متغيرة، ومعركة التوضيحات أكدت ذلك مرة، وليس غريبا أن يحصل هذا مرة أخرى على الرغم من كل ما حصل في وسط الإعلان، خاصة الضعف الشديد أو غياب الثقة بين النخب التي تعبر عن الاتجاهات المختلفة.
أما من أين جاء سلامة بقضية سعي حزب العمل من أجل المهمة الواحدة في البرنامج؟ أين قرأها، متى وكيف لحظها أو سمعها؟! الجميع يعرف بأن حزب العمل قد صدع رأس إعلان دمشق وغيره بجدل المسألتين الديموقراطية والوطنية وهذه نقطة خلاف شديدة الوطء بينهما حتى الآن (بالطبع من السخافة طرح مهمة النضال الطبقي الاجتماعي داخل الإعلان من قبل حزب العمل، فمكانها مختلف!) كما نخاف من التأكيد أن لحزب العمل مهمات برنامجية على الصعيد الاجتماعي الطبقي ، فقد لا يصدق سلامة!؟ وحزب العمل ذو تاريخ طويل بوعي مسألة البرنامج، الانتقالي، الاستراتيجي، الأولوية والمهمة المركزية وانزياح التناقضات والمهمات مع الحركة والتطور. أخيرا الجميع يعرف، إلاّ من يريد الاتهام والتشويه لأسبابه! أن حزب العمل يملك فهما منهجيا محددا بدقة في مسألة المعارضة والمهمة المركزية والتحالفات على طريق الأهداف الاستراتيجية، ويعرف الجميع الثمن الذي دفعه ولا يزال من أجل قضية المعارضة كحزب يدعي أنه يدافع عن مصالح العمال والطبقات الشعبية الأخرى، ولا أعتقد أن سلامة أو أمثاله ، إن وجدوا بنفس الوعي والخطاب قد سبقوا حزب العمل مرة واحدة إلى أي حراك معارض، وأريد أن أوشوش في أذن الرفيق سلامة: أن أكثر من اهتم بالاقتصاد والمطالب المعيشية والكلام الطبقي المعسول هم من الحركة الشيوعية الرسمية ، وبالطبع لا علاقة لهم بالمعارضة للنظام، وأضيف أن إعلان دمشق وعلى الرغم من وجود تيار ليبرالي بورجوازي خارج صف البورجوازية السلطوية سياسيا، إلا أنه إطار معارض جاد على قضية شكل الحكم والسلطة ـ وليس النظام البورجوازي ومحتوى علاقاته ـ وحصل هذا مرا ت كثيرة جدا في التاريخ السياسي وسيحصل كثيرا ، وحزب العمل قيّم هذا جيدا ولا يزال يقيّمه لإعلان دمشق، على الرغم من وجود بعض الأسباب التي تضر عميقا في العمل الوطني، وترسم حقيقة جدية تلك المعارضة، وحزب العمل كشفها وحرض ضدها، من مثل الروح الثأرية والانتقام في العمل السياسي، والرغبة في حصول التغيير الديموقراطي وُمضّي النظام بالتغاضي عن الكيفية وعمن يحققه، وهنا تندرج وجهة النظر الخاصة بدور الخارج وخطورتها، إعلان دمشق وبكل هذه المعاني أكثر جدية في المعارضة، من منظورات تكتيكية، أكثر من كل اللفظيين المنتقدين، وأكثر من كل المنتظرين المتفرجين على الحركة النسبية وتعقيداتها والخائفين من التلوث (المتطهرين). أما أخيرا فالجميع يعرف داخل وخارج تيم أن حزب العمل يعمل دائما على تجذير موقف تيم كإطار معارض، إنما بكل العقلانية الضرورية، وبفهم للتحالفات لا يتناقض بين وجوده الاستراتيجي في تيم والتكتيكي. بدءاً من التجمع الوطني الديموقراطي إلى التيار الثالث، وعبر إعلان دمشق دون أن يغادره بالضرورة فهذا يتوقف على التطورات في إعلان دمشق بالتفاعل مع الشروط التي تغيرت بوضوح وستتغير!
ـ وتكمل الاستقالة بخصوص ما يتعلق بالانتهازية في الموقف من النظام وقضية المعارضة: ((لقد جهد بعض الرفاق لفرض علاقة حوار مع بعض الأحزاب (المقصود الحركة الشيوعية الرسمية) رغم أن القرار الأول الذي اتفق عليه (والذي أبلغته إلى كل من قدري وحنين) هو ليس الحوار والتحالف. بل إبلاغهم أننا لسنا تكتل ضد أحد، وأنه يمكن أن ننسق في القضايا العملية المشتركة، أي في المسائل العملية التي تتعلق بقضايا مطلبية، لكن الأمور اندفعت نحو أوهام بالحوار والتحالف، وبالتالي تجاوز أو تجاهل كونها كأحزاب جزء من بنية السلطة، وهذا إضافة إلى أنه لا يحظى بالتوافق وخاطئ، فهو ضار من الزاوية السياسية، لأنه يوضح أننا نفتح خطوطا على السلطة عبر هذه الأحزاب كونها جزء من السلطة، وهذا الميل كان يقود إلى التخفيف من الموقف من السلطة ذاتها، يعطي المبررات لذلك ..بالتالي ليس من الممكن التحالف مع هذه الأحزاب، يمكن اللقاء معها، يمكن التنسيق في قضايا عملية هناك تقاطع حولها لكن ليس هناك إمكانية أكثر من ذلك، لا التحالف ولا الوحدة، وهذا ما تعرفه هذه الأحزاب وتؤسس عليه)).
عدنا مرة أخرى إلى قضية التوافق، التي يفهمها سلامة كما يريد، وبأنها تساوي الإجماع دائما، يا أخي في حالة القرارين المتعلقين بالأحزاب الشيوعية الرسمية، لم يكن هناك توافقا بالإجماع، المشكلة أنك في القرار الثاني لم تكن موافقا، لكن حصل قرار بالتوافق تماما، وكنت تستطيع التحفظ، وليس من حقك أبدا اتهام قيادة تيم بإصدار قرار وتنفيذه دون توافق، أنت تتهمها وكأنها أداة مهزلة في يد عصابة تلعب بها كما تريد، بلا أي ناظم للعلاقات الداخلية، أو بلا أي احترام لها، كان هناك خمس أحزاب وفعاليات، بالإضافة إلى قيادي مستقل آخر غيرك، أو تعتقد أنهم جميعا لا يعرفون ماذا يفعلون، أو ماذا يحصل بهم من قبل "الشيطان"؟!
بقي مشجب الحركة الشيوعية الرسمية، لينشر عليه سلامة غسيل تيم "الوسخ" بعدما فعل ذلك على مشجب النظام، وإعلان دمشق، ومع أنه مشجب أقل أهمية بالمقارنة إلا أن سلامة استثمره حتى النهاية، فالحركة الشيوعية جزء من السلطة، وبنية السلطة، بدون أي فوارق في الموقع من المصالح !، أو موقع اتخاذ القرار!، بالتالي أي علاقة معها هي علاقة مع السلطة بالتوسط ، مدخل إلى السلطة، ويفترض المهادنة في الحوار والمواقف، كم يبدو تيم " رخيص" سياسيا ليدخل باب الانتهازية إلى النظام من البوابة الضيقة للحركة الشيوعية، ولماذا يحتاج إلى هذا أيها الرفيق سلامة طالما أنك بنفسك اتهمته بوضع فقرة في الوثيقة الأساسية كتأسيس للعلاقة مع النظام، وطالما أنه قطع أشواطا في المهادنة ووقف عمليات تجذير الممارسة المعارضة، بالتالي هو غير محتاج لوساطة الشيوعيين.. إلاّ إن كنت تعتقد أن النظام نفسه يرفض "استكلاب" تيم الانتهازي، أو أنه لم يقرأ مواقف تيم والميول الفعلية داخله، كما فعلت أنت؟ ها هو سيعرف! ومن يثقون برأيك ينتظرون النتائج في استكلاب تيم الانتهازي؟!.
وبخصوص القرار الثاني تجاه الحوار مع أحزاب الحركة الشيوعية الرسمية، أليس من الأفضل أيها الرفيق سلامة ، أن تنشر أو أن تأخذ فقرات من الرسالة وتناقشها ، من أن تتهم تيم بكل هذه الاتهامات ، أو أن تتصور أطراف تيم أو بعضها على الأقل ، لا تعرف القوى الشيوعية الرسمية ، تاريخا وبنية وطبيعة علاقات بالسلطة ولا تعرف بالتالي ما تريده من الحوار وحدوده الموضوعية والذاتية ، كم هو الاتهام سهل ! بعد هذا الزمن الطويل صحت أطراف تيم على المصالح الانتهازية الضيقة ، وها هي تستعجل العلاقة الانتهازية على كل الجهات ، من السلطة ، إلى إعلان دمشق ، إلى الأحزاب الشيوعية الانتهازية ، هذا هو حقيقة لسان حال سلامة وما يقصده.
لم نر في الاستقالة أبدا أي ضوء أخضر للحوار مع أحد في الوطن السوري من أجل التحالف، كله تقريبا يمكن التقاطع أو التنسيق، أو التنسيق العملي معه (أستنتج أنه يريد القول هذا تجاه النظام على نفس القاعدة في الفكر السياسي التي قالها تجاه إعلان دمشق في مسألة الحريات، وتجاه الحركة الشيوعية الرسمية في حقل القضايا الاقتصادية والمعيشية والوطنية ، ومع النظام في المسألة الوطنية وحدود التناقضات مع الإدارة الأمريكية!؟ لماذا نسي ذلك، لا أدري ؟!)، ولا أحد يعرف كيف يمكن أن يحصل كل ذلك بدون حوار وأشكال من التحالفات التكتيكية المحددة على صعيد الأهداف والمرحلة والشروط والأطراف السياسية وما تمثله اجتماعيا. إن مفاهيم سلامة لا تعرف إلاّ التحالفات الإستراتيجية والتطابق مع الحركة المطلقة في نهاياتها، والعمل من أجلها، هكذا تبدو على الأقل في الاستقالة؟!.
كلمات أخيرة:
ـ أيها الرفيق العزيز سلامة، بين قناعاتنا وطموحاتنا ورغباتنا في الثورة من أجل الطبقة العاملة وحلفائها، وإمكانية التحقق مسافة وشروط تملؤها الحركة النسبية بكل تعقيداتها وهنا "الرقص وخطورة الرقص بالتأكيد".
ـ في الساحة السورية، الحدود الفكرية والسياسية والبرنامجية بين القوى والفعاليات والأطر واضحة ومحددة، على الأقل بدرجة كافية إن لم أقل كبيرة، مما يسمح للمرء المهتم بالشأن العام بأي مستوى أن يختار وأن يعمل ويشارك، وأن يخرج عن ظاهرة المستقل والمستقلين بسلبياتها، وتيم هو خيارك وأمثالك من الماركسيين، ولا أعتقد أن هناك إمكانية لإطار أكثر ديموقراطية وتحصينا، (خاصة أننا لم نبدأ بعد) إن اتهاماتك لتيم في هذه الحالة، واستقالتك والتأثير الذي تريده منها، والمفاهيم التي وردت، تبدو دعوة لا إلى تدمير تيم فحسب، بسبب فظاعة الاتهامات، بل إلى العبثية و(اللامشروع) بكل ما تعنيه الكلمة.
ـ وإن أردت أن تكون مثقفا عضويا "مستقلا" خارج الأطر، تسهر دائما بعيون يقظة وذهن ووعي منشغلان بقلق على مشروع ومصالح الطبقة العاملة والفقراء، وتمارس النقد حتى حدود التجريح وضرورة الصفاء المطلق والتطهري في المشروع، وقول الهواجس. وهذا شيء مهم جدا وضروري، ويفعل فعله بالضغط على مشاريع وإطارات اليسار لتصحح أخطاءها، وتفتقده ساحتنا السورية مع الأسف الشديد، فإنك تستطيع ذلك، لكن ربما بنهج وممارسة، بروحية كتابة وروحية علاقات مختلفة. بذلك بصورة أساسية، وبعض أشياء أخرى أقل أهمية، تصبح المسألة في الإطار الصحيح، وخارج سياق ظاهرة المستقلين بوجهها السلبي.
مع الود والدعوة الرفاقية للعمل المشترك










هل العلمانية إلحادية ؟
د . فارس إيغو
يتميز التيار الأصولي السلفي في المنطقة بالقدرة على التجييش في وسط التجمعات السكانية الكثيفة، وبحركية سياسية عالية، مترافقة مع قدرة تنظيمية ذات طابع إحساني ،غير بريء دائماً . بالإضافة إلى ذلك،هناك تعددية كبيرة في التيارات الإسلامية ، فهي في طرفها المعتدل تتصل مع الطروحات الإصلاحية الجريئة للشيخ محمد عبده والأفغاني والكواكبي و محمد رشيد رضا (قبل تحوله السلفي )، أما في طرفها القتالي ـ الجهادي ـ فهي تريد تكفير مجتمعاتها وهجرة العالم، ومن ثم مقاتلته وإرجاعه عن عهد الجاهلية الثاني ، إلى عصر الإسلام الذهبي . لكن هذا التنوع المطلوب في كثير من الأمور المطروحة على الساحة العربية ـ الإسلامية، يُفتقد فجأة، إذا كان الأمر يتعلق بموضوعة العلمانية. فعندها لا نستطيع التفريق بين الإسلاموي المعتدل،و الإسلاموي المؤيد للقاعدة في أفغانستان و باكستان. في مسألة العلمانية، تنتفي كل الاختلافات التي تميز التيارات الأصولية ـ السلفية، ليتوحد الخطاب ويكشف عن وجه عدائي تجاه كل ما يمت بصلة إلى العلمانية، متوجسًا من أي مظاهر علمانية في المجتمعات العربية والإسلامية. وفي مواجهة العلمانيين، يصل الخطاب المواجه إلى حدود تكفير الشخص، مع رميه خارج لحمة النسيج الاجتماعي واعتباره خارجاً عن ثوابت الأمة وقيمها .
هذا الرفض للعلمانية، بدون المناقشة الهادئة لعناصرها المكوّنة، ومدى حاجة مجتمعاتنا العربية إليها، تمت ترجمته نظرياً ورفعه إلى مستوى الأطروحة الفلسفية على يد المؤرخ و المفكر المغربي محمد عابد الجابري الذي رأى أن العلمانية خصوصية سوسيولوجية غربية ـ مسيحية، وأنه من الممكن الاستعاضة عنها بمفهومي الديمقراطية و العقلانية (1). ولكن أليست العلمانية هي العقلانية في إدارة العلاقات بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية ، وبين هذه الأخيرة والمجتمع المدني. أليس من العقلانية أن لا يتدخل رجال الدين في السياسة ، وأن لا يتدخل رجال السياسة بشؤون المؤسسة الدينية . ثم أليس من العقلانية أن يكون الدستور محلاً لإجماع أكبر عدد ممكن من المواطنين، بدلاً من أن يكون حارساً للشريعة.أليس عقلانياً أن يكون الدستور من صنع البشر أنفسهم، و أن لا يكون متعارضاً مع المقاصد الكلية للشريعة في العدل والرحمة بين الناس .
من المستغرب أن يقف ثلاثة مفكرين عرب كبار هم :محمد عابد الجابري ، حسن حنفي ، برهان غليون، موقفاً مناهضاً للعلمانية مستعملين حجة منطقية شكلية وواهية هي غياب الكنيسة والكهنوت في العالم الإسلامي،وبالتالي "لا حاجة" إلى العلمانية في المجتمعات الإسلامية . هل الأمر يتعلق بفصل الدولة عن الكنيسة (( كما يعتقدون )) أم فصل الدولة عن الدين ؟.
هناك عدة تفسيرات لهذا الموقف المجافي للمنطق والواقع من قبل هؤلاء المفكرين. ولا نعرف إن كان هذا الموقف يشكل خضوعاً للإرادة الشعبوية والكهنوتية الضاغطة ، أم نعتبر ذلك جهلاً من قبل هؤلاء المفكرين بالإشكال السياسي الذي يواجه حياتنا السياسية والفكرية ،أم أنه يتعلق بأصولية كامنة، وتمسك عاطفي بالموروث، وعدم استطاعة الذات في مواجهة المقدس الذي يخص " الأنا " و " النحن " ؟... نرجو ألاّ يكون الثاني ، فذلك يعني استقالة تفكير عند من يجب أن يؤتمن على الفكر والعقل العربي (2)
هل العلمانية فعلاً إلحادية كما يعتقد الإسلاميون الجدُد ؟
يرتكز موقف الإسلام السياسي من العلمانية على موقف معظم رجال الدين المسلمين، والذين يقفون موقفاً متصلباً وجامداً في رفض العلمانية، وحتى مجرد المناقشة لموضوعاتها.ويعتبرون أن العلمانية تشكل خطراً على التدين ونشراً للإلحاد بين الجمهور يعتقد أغلبية المفكرين المسلمين أن " الإسلام يفقد قيمته الأساسية إن هو جرّد من أبعاده الاجتماعية أو عُرَّي من دلالاته السياسية .... وأنه حقاً ليعسر تماماً تصور وجود مشخص لدين الإسلام دون أن يكون لهذا الدين مكانة في التنظيمات الاجتماعية أو التوجهات السياسية " (3). إن العلمانية بالنسبة لهؤلاء المفكرين تشكل خطراً على نظام الإيمان، وعلى تماسك الأمة الإخوانية، أي على الرابطة التي تشمل أفراد الأمة . لكن إذا تعلق الأمر في شأن العلاقة بين الطوائف في البلاد غير الإسلامية والتي تحتوي جاليات إسلامية حديثة العهد ، فإن موقفهم يبدو غير متناسق، ويشوبه الغموض والاعتبارات الآنية المصلحية. فهم يؤيدون علمانية على الطريقة الإنكليزية أو الأمريكية، خوفاً من قيام حكم يستلهم الرموز و المقدسات التي تخص الأكثرية. لكنهم يقفون بشدة ضد العلمانية على الطريقة الفرنسية، ونتذكر المعارك التي جرت مؤخراً حول تطبيق مرسوم من وزارة التربية الفرنسية يقضي بمنع ارتداء الرموز الدينية ( ومنها الحجاب الإسلامي ) في المدارس الفرنسية.
العلمانية مفهوم فلسفي ـ سياسي يتضمن (من ضمن ما يتضمنه ) التشريع لوجود الاختلاف في طريقة الإيمان وكذلك في السلوكيات والشعائر الدينية المُتبّعة . وبالطبع، فإن المفهوم يشرُع أيضاً لوجود أفراد لا دينيين في المجتمع ويعتبرهم مواطنين متساوين مع الآخرين، أي مع المؤمنين . ويمكننا التمييز بين ثلاثة فئات من الأفراد اللادينيين:

(1) فئة الملحدين،(athes) وهؤلاء يقعون في تناقض أساسي مع الدين، حيث يعتبرون الدين من العناصر الغيبية والأسطورية، أو أنه مرحلة انقضت من مراحل تطور البشرية ، على ما يزعم مؤسس علم الاجتماع أوغست كونت في قانون المراحل الثلاثة (الدينية ـ الميتافيزيقية ـ العلمية ) (4).
(2) اللاأدريين(agnostics) وهؤلاء لا يقطعون رأياً في الموضوع،وفي أي موضوع ما ورائي أي خارج عن إطار الحس والوقائع، ويبقون الأمر معلقاً لأنهم يعتقدون استحالة البرهان على وجود الله بالبراهين العقلية،وأيضاً استحالة العكس،أي البرهان على عدم وجوده.
(3) الفئة الثالثة الربوبيين(Deistes) وهؤلاء يؤمنون بإله (أو محرك أول حسب أرسطو،أو واجب الوجود حسب الفارابي وابن سينا ) خالق للكون، وهذا الأخير متروك لقوانينه الداخلية الربانية،وبالتالي فهم يعارضون وجود الوحي، ويعتبرون الأديان اجتهادات شخصية لبعض الشخصيات الفذة،وكذلك يرفضون مفهوم العناية الإلهية . ظهر هذا التيار الربوبي في القرن السابع والثامن عشر في إنكلترا (5) .
لكن العلمانية التي تشرّع لهؤلاء اللادينيين وتعتبرهم مواطنين مثلهم مثل المؤمنين، لا تشّرع للإلحاد كعقيدة للدولة، ولا تحاول نشرها من خلال مؤسساتها الحكومية والإدارية،على ما فعلت السلطات السوفيتية في عهد لينين وستالين خاصة. أي أن الدولة العلمانية حيادية (Neuter) في موضوع الإيمان. والمصطلح الأخير يعني باللغة اللاتينية " لا هذا ولا ذاك " هذه الحيادية الدينية هي ضمانة لعدم التحيز، وفي الوقت ذاته هي الشرط الذي يستطيع من خلاله كل إنسان أن يتماهى في هذا الوطن، حيث يجد كل فرد فيه نفسه على قدم المساواة مع الآخرين ، وذلك مهما كانت معتقداته الروحانية إنسانية ملحدة كانت أم دينية (6) .
إذن من الممكن أن تكون علمانياً وملحداً (أو لا أدرياً أو ربوبياً) ، ولكنك لست ملحداً لأنك علماني،على ما يشيّع زوراً بعض الأصوليين عندما يبدؤون بالتهجم على العلمانية والعلمانيين. هذه الحقيقة لا يجب أن تكون محل جدل فيما يخص مفهوم العلمانية . ومن العلمانيين مؤمنون كبار ويجاهدون من أجل العلمانية كالمطران غريغوار حداد الذي اعتبر العلمانية معركته الأولى والأخيرة، والمفكرين الإسلاميين : اللبناني عبد الله العلايلي ، وجودت سعيد السوري .
العلمانية وقضية وجود الله:
العلمانية ليست هي المؤهلة للحكم في قضية وجود الله. وإن كان المؤمنون بوجوده يعدون بالمليارات في العالم،فهذه مسألة لاهوتية ذات طابع فلسفي، أي تتبع النقاش اللاهوتي الفلسفي، وهي قضية إيمانية بامتياز .لأن كل دليل أو حجة عقلية على وجود الله، يقابلها حجة مفندة لوجوده. وكما قال كانط أن وجود الله والخلود والحرية ليست من الأمور التي يمكن أن يعالجها العقل النظري البرهاني، بل هي خاضعة للعقل العملي الأخلاقي.وبالتالي ، فإن كانط أسقط كل الأدلة العقلية على وجود الله،وخاصة الدليل الأنطولوجي الذي كان أقواها .
إن كانط في مؤلفه الأساسي " نقد العقل الخالص " يضع للمعرفة حدوداً من أجل إفساح المجال للإيمان، فوجود الله لا يمكن معرفته كحقيقة نظرية، ولكن يفرض نفسه بوصفه إيماناً بناءً على أسباب عملية.
لقد حاول الفلاسفة المسيحيون في القرون الوسطى المتأخرة ( القديس ألبرت الكبير ، القديس توما الأكويني، القديس أنسليم ، دنيس سكوت ) وحتى الفلاسفة من العصور الحديثة ( ديكارت ـ ليبنتز ) الإتيان بأدلة عقلية على وجود الله، ولكنهم لم يحققوا ما صبوا إليه. فمقابل هذه الأدلة الإيجابية،هناك أدلة مضادة تدمر هذه الأدلة السابقة .
ولا يظنن أحد، أن الفلسفة قادرة على نفي وجود الله، كما يدعي البعض، ليرمي بالفلسفة وليكفرها، ويمنعها من التداول العمومي . فالفلسفة قد تشكك في ما يأتيه اللاهوت من أنظمة دوغمائية مغلقة، أو تُدمر قضاياه عندما ينخرط في محاججات ليثبت بالأدلة العقلية وجود الله . لكنها بالمقابل، لا تستطيع أن تثبت العكس أيضاً،أي عدم وجوده. الله فكرة للإيمان،لا يمكن أن يثبتها أحد، ولا أن ينفيها، وهذا هو سر علّوها وسموّها .
هربرت سبنسر : وهو فيلسوف وضعي (1820 ـ 1903 ) بنى نسقاً فلسفياً تركيبياً على قانون التطور الذي اعتبره قانوناً عاماً مشتركاً يصدق على جميع أشكال الوجود ( الطبيعية و الاجتماعية ) . يقسم سبنسر العالم إلى مجالين :أ ـ المجال المعلوم وهو ميدان الظواهر ، وهو من اختصاص العلم أو الفلسفة،
ب ـ مجال المجهول ، وهو الذي يتجاوز إدراكاتنا ، لأنه مجال المطلق . والفرض فيه ليس من اختصاص العلم أو الفلسفة ، بل من اختصاص الدين .
وهكذا يعتقد سبنسر أن النزاع بين الدين والفلسفة ناتج عن عدم الفصل بين ميدان الواحد منهما و الميدان الآخر ،إذ كثيراً ما يراد للعلم أن يحل مشاكل لا تحل إلا بدين كما أنه كثيراً ما يقحم الدين مسائل هي من اختصاص العلم
يقول القديس ترتليان عن الإيمان : >(7) . إن معالجة مواضيع الإيمان بالله والخلود،خارجة عن مجال المعرفة العلمية والمنطقية، ومنهجها هو منهج إيماني تصديقي نابع من الفرد نفسه. وهذا هو موقف اللاهوت المسيحي البروتستانتي ، حيث عارض الاتجاه التوماوي /نسبة لتوما الإكويني 1225-1274/ الذي تابع التراث الفلسفي القديم،والذي أراد إيجاد صيغة عقلانية ـ أرسطية للاهوت المسيحي . إن الطريق البروتستانتي الجديد يستغني عن براهين وجود الله، ويجعل من الشعور بهذا الوجود نابعاً من قلب الإنسان دون مساعدة العقل.
ويرى الفيلسوف الوجودي المسيحي جابرييل مارسيل (1889 ـ 1973) أنه لا يمكن البرهنة على وجود الله عن طريق الوسائل العقلانية، إنما يلتقي الإنسان بالله على نفس المستوى الذي يلتقي فيه بالآخر، أي مستوى " الأنت " ، في إطار المحبة والعبادة، ويكون هذا اللقاء نوعاً من المشاركة في الوجود الحق، وهي مشاركة ربما تبدأ مع فحص الفيلسوف لتساؤلاته الفلسفية. ويسمي مارسيل اللقاء مع الله، باللقاء مع " الأنت الأعلى " .
العلمانية والقيم الدينية :
العلمانية ليست رفضاً للقيم الدينية كما يظن بعض الأصوليين . إن الأديان جاءت من دون شك، بقيم إنسانية كثيرة، بعض هذه القيم جليلة وهامة للإنسان، وهذا ما تقبل به العلمانية وتقول به. من ذلك، قد نعترف إن أكثر القيم التي اعتمدتها العلمانية لها أصل في الكتب السماوية وغير السماوية، كاحترام الإنسان كل إنسان، والمساواة والعدالة وحرية الاعتقاد . بالمقابل،العلمانية ترفض على الأديان حق احتكارها للقيم الإنسانية،والتأكيد الجازم إنه من المستحيل على الإنسان أن يصل إلى هذه القيم إلا عن طريقها . فالعلمانية تقول بقيمة القيم في ذاتها،أياً كان مصدرها،وإن قيمتها أنها لأجل خير الإنسان ونموه وتكامله، وإن الأهم من قيمتها النظرية،هو ترجمتها الفعلية وجعلها حقاً تخدم المصلحة العامة،التي هي أهم القيم والمقاييس لدى الجميع،المؤمنين وغير المؤمنين بالله، فحيث توجد مصلحة الناس (أي المصلحة العامة) ثمة شرع الله (8) .
الأشاعرة كانوا يعتقدون بأن معيار التمييز بين الخير والشر هو الشرع لا العقل، وإن الله بإمكانه قلب طبائع الأشياء . أي ليس ثمة شيء هو في نفسه خير ولاشيء هو في نفسه شر . إن الخير بالنسبة للأشاعرة خير لأن الله أمرنا به ، والشر شر لأن الله نهانا عنه . هذا الرأي من جانب الأشاعرة يعد مخالفاً لرأي المعتزلة . فالمعتزلة في بحثهم للحسن والقبيح قد أرجعوا التمييز بينهما إلى العقل . بمعنى إن العقل قادر على التمييز بين الخير والشر .فقد اتفق المعتزلة على أن المعارف كلها معقولة واجبة في نظر العقل وإتباع الحسن واجتناب القبيح ، كل ذلك واجب على المفكر حتى قبل ورود الوحي، وإن قصّر في شيء استوجب العقوبة . ويرى أبو الهذيل العلّاف أن الإنسان مكلّف يإيجاب الفطرة والعقل وقبل ورود الوحي ، بأن يعرف الله وأن يميز بين الحسن والقبيح ، وأن يقدم على الحسن كالصدق والعدل، ويعرض عن القبيح ، كالكذب والظلم . فالحسن والقبح في رأي المعتزلة ذاتيان فالكذب فيه قبح ذاتي والصدق فيه حسن ذاتي . وإذا كان الشّرع يأمر بأشياء وينهي عن أشياء ،فإن مُرد ذلك ما في الأشياء ذاتها من حسن أو قبح .
وقد قدم المعتزلة مجموعة من الحجج على رأيهم هذا، وذلك في معرض الرد على خصومهم في الرأي .ومن هذه الحجج إنه لو لم يكن في الأفعال ذاتها حسن وقبح لما أمكن الفقهاء إن ينظروا بعقلهم في مسائل لم يرد فيها نص ومنها أن الرسل والأنبياء كانوا يطلبون من الناس النظر إلى الأشياء عن طريق العقل ، فلو لم يكن في هذه الأشياء حسن وقبح ذاتيان لما أستطاع هؤلاء الرسل القيام بدعوتهم . ومنها أيضاً أن الناس قبل أن تجيء الشرائع، كانوا يحتكمون إلى العقل .
تجيء أراء المعتزلة (وهم فئة من المسلمين )متماشية تماماً مع ما يقوله العلمانيون فيما يخص القيم الإنسانية.
إن فصل العلمانية شؤون الدين عن شؤون الدنيا لا يحمل في طياته أي موقف مناهض للدين وللقيم الدينية. إنه يعني عدم الخضوع لما يقوله الأصوليون من إخضاع كل دوائر المجتمع للدائرة الدينية الكهنوتية،وهذا ما ترفضه العلمانية وبشدة،لأنه يشكل عملية قهر للمجتمع باسم السلطة الدينية . والدين هنا يعني تأويلات تتبناها مجموعة من الأفراد تريد أن تفرض تفسيراً معيناً للنصوص، وتتلبس الحديث باسم أحد الأديان (أو طائفة من طوائفه)، واضعة الأديان الأخرى والطوائف المخالفة، في الدرجة الثانية من المواطنية
إن النظام العلماني وحده الذي يحقق القيمتين الأساسيتين في الشريعة :
(1) تحقق الدين في المجتمع
(2) وحرية العقيدة والحرية الدينية،
أما الأنظمة الأخرى فهي قد تحقق الشرط الأول ، ولكن بدون حرية الاعتقاد والحرية الدينية، وهذا انتقاص صارخ بحق الدين لا يمكن قبوله، و إلا أختلط الدين بالسلطوية والقمع .
النصوص القرآنية المباشرة في تأصيل حرية الاعتقاد:
هناك نصوص كثيرة في القرآن الكريم تؤصل لحرية الاعتقاد ومنها :
1ً ـ قوله تعالى ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) (البقرة :256)
2ً ـ وقوله تعالى ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) (يونس : 99)
3ً ـ وقوله تعالى ( وقل الحق من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) (الكهف : 29 )
4ً ـ وقوله تعالى ( فاعبُدوا ما شئتم من دُونه )(الزمر:15)
5ً ـ وقوله تعالى ( لكم دينكم ولي ديني ) (الكافرون :6)
6ً ـ وقوله تعالى ( أعملوا ما شئتم ) (فصلت :40)
7ً ـ وقوله تعالى (إنّ هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً ) (الإنسان :29)
وكل هذه الآيات الكريمة تفيد معنى حرية الاعتقاد، وحرية الاختيار. والثواب للمؤمنين الصابرين على الحق ، والعقاب لغير المؤمنين . والثواب والعقاب من فعل الله وليس من فعل البشر (9) .
تُعد الآية الكريمة ( لا إكراه في الدين ) أقوى هذه الآيات وأوضحها، وهي الأكثر استشهادا من طرف الكتاب الإسلاميين وغير الإسلاميين على حرية الاعتقاد . هذه الآية من السور المدنية، وهي مؤشر إلى استمرارية مكية ـ مدنية في القرآن الكريم،في منع عملية الإكراه في العقيدة، وردّ هذا الأخير إلى إرادة الله فقط .
الآيات القرآنية التي تشرّع للاختلاف بين البشر :
الاختلاف طبيعة في البشر أرادها الله لهم . هذا يعني حق كل دين في الوجود والتمايز عن الأديان الأخرى، والإنسان مُخيّر في إتباع أي دين،بعد ظهور كل الرسالات، والعقاب والثواب ليس من هذه الدنيا،ولا على أيدي البشر ، بل الأمر متروك لله عز وجل .
ومن آيات الاختلاف في القرآن الكريم :
1ً ـ وقوله تعالى ( لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ) (المائدة : 48)
2ً ـ وقوله تعالى (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ) (هود :118)
3ً ـ وقوله تعالى ( ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يُضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتُسألن عمّا كنتم تعملون) (النحل :93)
4ً ـ وقوله تعالى ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يُدخل من يشاء في رحمته والظالمون مالهم من ولي ولا نصير ) ( الشورى :8 )
إن الاختلاف بين الناس طبيعة شرّعها الله في آياته وكتبه المقدسة،وكنا قد رأينا أن حرية الاعتقاد هي الأصل، والإكراه غير مشروع في الدين لأنه ينفي التكليف ومبدأ الثواب و العقاب وهذا أحد الأصول الخمسة لدى المعتزلة إن << التكليف ـ بحسب المعتزلة ـ لا يكون إلا ومن ورائه الاختيار (أي الاقتدار على الضدين ،) والاختيار لا يكون إلا مع القدرة (أي أنّ الإنسان محدث لأفعاله )، والقدرة لا تكون إلا بالاستطاعة ( وهو إنّ القدرة متقدمة لمقدورها )، وكل هذه المعاني مجاورة لما نسّميه اليوم ًالحريةُ >>(10) .
بالإضافة إلى ذلك ، بدأ العديد من المفكرين الإسلاميين في رفض مبدأ الردّة في الدين ، حيث إن الأصل أن لا إكراه في الدين، بالإضافة إلى عدم وجود نصوص قرآنية واضحة على " قتل " المرتد، وإنما كل ما في الأمر ، أن العقاب يوكل إلى رب السماء، في الآخرة ( أنظر كتابات المفكرين الإسلاميين جمال البنّا،عبد الفتاح عساكر المصريين،وآخرين كثيرين مثل حسن الترابي أصبحوا ينفون وجود حدّ الردة في الإسلام ).
كل الأديان تقول بقاعدة الحرية والاختلاف بين البشر، إذا عرفنا كيف نؤولها بحسب مقاصدها الأساسية (أي الجوهرية)، لأن الأديان كافة قائمة على قاعدة التكليف والإيمان القلبي الصادق بعيداً عن النفاق والزيف والرياء. هذا يؤدي إلى مبدأ هام نلقاه في جميع الأديان السماوية وهو، تأجيل حسم أي خلاف عقدي والمحاسبة عليه إلى يوم القيامة ( انظر أفكار طائفة المرجئة ) . أي إن المحاسبة والعقاب والثواب هي من اختصاص الله عزّ وجّل ، وهو الذي يحكم بصحة إيمان الناس، وبمدى التزامهم السلوكي والشعائري، وهو الذي يعرف ما في القلوب والضمائر .
نحو تأسيس إيمان جديد :
الدعوة لتأسيس إيمان جديد لهذا العالم الجديد، والذي اختلف كثيراً عن عوالم القرون الوسطى والقديمة ذات المعارف البدائية والبسيطة عن الكون والإنسان . لقد أصبح الإنسان الحديث يمتلك إمكانيات علمية ومعرفية هائلة لم يمتلكها أسلافه في العصور الغابرة. ومع ذلك، يصّر البعض على أخذ التفاسير الدينية من السلف، ولا يقوم بإعمال معارفه الجديدة على النص مباشرة. من هنا، كانت مقاربة السلف للنص الديني فيها الكثير من الانغلاق والتزمت والدفاعية التي لا تتلاءم مع الدعوة الدينية إلى التراحم والتآزر بين البشر .
من يحولون الدين إلى سلطة قضائية على الأرض، يريدون أن يحولوا مفهوم " التحريم " الديني، إلى جريمة يُعاقب عليها الفرد دنيوياً و أخروياً . بينما التحريم هو شيء بين المؤمن وربّه. يأخذ ثواباً إذا التزم بما جاء بالدين وابتعد عما حُرّم ، ويعاقب عليه إذا خرج عما حرمه الدين ولم يلتزم بأداء واجباته المنصوص عليها .
هذا الأيمان الجديد يجب أن يكون إيماناً مفرغاً من كل شوائب القرون الوسطى واللاهوت القروسطي القديم. إيمان سيكون بمستوى عصرنا ويسترجع كل الجانب الروحاني والأخلاقي والفلسفي للدين ، والذي تجلى في مفكرين مثل الفارابي وابن سينا وابن رشد، والذي تراجع في العقود الأخيرة لمصلحة الجانب السلطوي والأيديولوجي والسياسي للدين . إيمان ينهض على أنقاض الإيمان القديم فيما يستوعبه ويحتضنه. فقد تراكمت على الأيمان القديم الرواسب والقشور ولم يعد فاعلاً أو قادراً على الفعل. ولابد من التخلص من هذه القشور الميتة أو الرواسب المتكلسة إذا أردنا أن نصل إلى جوهر التراث الحقيقي. فالجوهر مطمور تحت ركام العصور.الإيمان الجديد لن يتم إلا بفهم الدين والإيمان فهماً آخر، أي فهم حر وحديث .إنه يعني الانتقال من العقلية المنغلقة للقرون الوسطى إلى الفضاءات العقلية المنفتحة للعصور الحديثة هناك من يخاف على الدين من علمنة الحياة والسياسة . ولكن الإيمان الديني سيخرج أصلب من ذي قبل ، بتطبيق العلمانية . سوف يكون إيماناً صوفياً وروحانياً منزهاً عن الغايات الدنيوية والسياسية (11) .
وللوصول إلى الإيمان الجديد لابد من اجتماع قائم على أسس مُغايرة:<< إن الانفصام بين الفرد والمجموعة، وبين الدولة والمجتمع لصالح حرية الفرد في التفكير والنظر،وحرية الدولة في التشريع بعيداً عن تسلط المجتمع،ليجعل ظهور " المؤمن الجديد " سهلاً . إنه مؤمن الإيمان الداخلي،الذي يجعل من ضميره لا من جسده المركز المميز والأساس لتعبده، تاركاً مجال السياسة والتشريع للدولة ولمقتضيات الصالح العام الدنيوي المحض، ومعتبراً أن الدين مسؤولية شخصية أكثر منها عمومية . إن الدين روح وإيمان ومعاملة وخضوع الضمير إلى الله ، وليس تشريعاً وناموساً وسياسة ،أي أنه دين للنفوس وليس ديناً للأبدان >> (12)
الدولة الثيوقراطية (الدينية) لا تحقق أياً من المبادئ التي تدعو إليها الأديان وهي التفكّر والنظر والعدالة والمساواة بين الناس، وحرية الاعتقاد، واعتماد الحوار ( بالتي هي أحسن ) بين الناس، وحرية المناقشات الدينية، وعدم الإكراه، و اعتبار العقاب والثواب من اختصاص الله سبحانه تعالى وحده. باختصار، وبعبارة واحدة ، فإن القاعدة الأولى في كل الأديان هي ترك الحكم النهائي لله عز وجل،أي لا عقاب يختص بأمور العقيدة والدين على أيدي البشر، لأن هؤلاء مهما علا كعبهم في العلوم الدينية ، يغدون قاصرين جداً عن كشف ما في القلوب. إن هذا الأمر متروك لرب العباد، وليس لقرارات بعض الناس العبثية. وكم من البشر قُتلت، ومُثلهم امتحنوا ظلماً ولأسباب دينية. ألم تحرّم كل الأديان القتل، لكن البعض يعتقد أنه يُرسل هؤلاء شهداء إلى الجنة، بقتلهم خطأً . ألا تلاحظون كم في هذا الخطاب من صلف وتجبر و وصاية على المؤمنين . نرجع مرة أخرى إلى ذهنية التسلط على البشر والعباد باسم الدين وتعاليمه.
إذا كانت حرية الاعتقاد، حقاً واجباً منصوصاً عليه في كل الأديان، فكيف يمكن أن يستقيم هذا الحق مع وجود "الدولة الثيوقراطية " ، التي تشكل " تطييفاً " للدولة، أي تحويلها إلى دولة طائفية، تحكم باسم شريعة معينة، أو باسم مذهب معين في هذه الشريعة، وترمي أتباع الأديان والمذاهب الأخرى إلى الدرجة الثانية من المواطنية.
إن حرية الاعتقاد، والتي شرّعتها كافة الأديان،نظراً لوجود مبدأ الثواب والعقاب ( أو الوعد و الوعيد ) ، والذي لا يستقيم إلا بوجود التكليف الشرعي وحرية الاختيار النابعة من القلب، هذه الحرية لا يمكن أن تتحقق إلا في إطار الدولة العلمانية. الدولة التي تكفل لجميع مواطنيها الحرية الدينية في ممارسة طقوسهم وعباداتهم،مع كونهم مواطنين متساوين أمام القانون .
هوامش البحث
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يقول الجابري في كتابه ( الدين والدولة وتطبيق الشريعة ) ، مركز دراسات الوحدة العربية ،ط 1 1996 ، ص 108 ، تحت عنوان " بدلاً من "العلمانية " ... الديمقراطية والعقلانية ": في رأيي أنه من الواجب استبعاد شعار "العلمانية " من قاموس الفكر القومي العربي وتعويضه بشعاري الديمقراطية والعقلانية ، فهما اللذان يعبران تعبيراً مطابقاً عن حاجات المجتمع العربي .
(2) انظر مجلة اليوم السابع 1989 ، حيث تبارى المفكران الجابري وحسن حنفي في رفض العلمانية . يقول حنفي بأن العلمانية مرفوضة لأنها آتية من الغرب .تصوروا لو أن الغرب في العصور المتأخرة تعامل بهذا المنطق مع المفكرين المسلمين( ابن سينا ، الغزالي ، ابن رشد )، هل كان للنهضة أن تحدث ! أم كانت قد أجهضت بفعل هذا المنطق "التأصيلي" ، والذي ما يزال يعمل على تدمير كل جديد في بلادنا .أما بالنسبة للمفكر السوري برهان غليون فقد رفض العلمانية في كتابه (المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات ) . أعتبر غليون أن " إشكالية فصل الدين عن الدولة في الفكر العربي الحديث إشكالية مصطنعة ومنقولة من الغرب " . وطالب بالاستعاضة عنها بإشكالية أكثر مطابقة هي إشكالية " علاقة أفراد المجتمع ككل بالدولة " ، أي باختصار بإشكالية الديمقراطية .
(3) د . فهمي جدعان ( نظرية التراث ) ، دار الشروق ، ط 1ـ 1985 ص 64
(4) إن الإلحاد ينظر إلى الإيمان على أنه المشكلة ، بينما المشكلة تسببها الأصولية الدينية ذات الإطار الدوغمائي الأحادي التي تكفر ،ولا ترضى غير تفسيرها للنص . من وجهة نظر شخصية أعتبر أن الإلحاد موقف فلسفي عبثي واستفزازي تجاه الملايين من المؤمنيين الذين يأملون في حياة أخرى في ما وراء هذه الحياة . وفي اعتقادي أن الإلحاد سوف ينعدم في العالم الغربي قريباً، لأنه ليس إلا ردة فعل على الأصولية والتعصب الديني ، وبزوال هذا الأخير ، يصبح الإلحاد لا أساس له . وعندما قال الكاتب الفرنسي أندريه مالرو عبارته الشهيرة أن << القرن الواحد والعشرين سوف يغدو دينياً أو لا دينياً >> فهو كان يقصد المعنى الأول، لأنه لا لزوم لعبارته لو كان يقصد المعنيين معاً .
(5) الربوبية : الاعتقاد بوجود اله كسبب أولي لا شخصي للعالم . والعالم ـ من وجهة نظر الربوبية ـ قد ترك لفعل قوانينه الخاصة بعد أن خُلق . وكان أول ظهور الربوبية في انجلترا . وهربرت تشيربوري (1583 ـ 1648 ) هو " أبو الربوبية " . وكان أنصار الربوبية في فرنسا فولتير وروسو، وفي انجلترا لوك ونيوتن و تولاند .
إن الربوبيين موجودون في ثقافتنا العربية الإسلامية الكلاسيكية ، ممثلون في فلسفات الفارابي و ابن سينا وأبو بكر الرازي وأبو حيان التوحيدي، وخصوصاً ابن طفيل. وما قصة " حي بن يقظان " إلا تمثيلاً ربوبياً بامتياز. فحي بن يقظان يصل إلى معرفة الله عزّ وجل عن طريق رحلة عقلية طويلة مستغنياً بذلك عن النبوة والوحي. لقد استطاع حي بن يقظان من خلال تجربته الخاصة في الجزيرة المعزولة، أن يصل إلى معرفة أسرار الطبيعة ثم ما وراء الطبيعة، وصولاً إلى الاقتناع بوجود مبدأ لهذا الكون .
ويعتبر أبو بكر الرازي من الربوبيين الكبار ، حيث أنكر النبوة في ( مخاريق الأنبياء )، ورفض أن يختص قوم بالنبوة دون قوم " وتفضيلهم وجعلهم أدلة وأحوج الناس أليهم". اعتبر الرازي النبوة في الأديان كلها بمثابتها أمراً نافلاً
والغزالي يتكلم عن الربوبيين ويميزهم عن الدهريين والطبيعيين ( فلاسفة اليونان الطبيعيين ) . ويدعو الغزالي الربوبيين بالإلهيين ،إلا أنه رغم أيمانهم بوجود خالق للكون ، فأن الغزالي يكفرهم ويكفر شيعتهم من المتفلسفة المسلمين كابن سينا والفارابي وغيرهما لأنهم قالوا بقدم العالم وأنكروا بعث الأجساد ، وكذلك أنكروا معرفة الله بالجزئيات .
(6) انظر كتاب (العلمانية) للمؤلف هنري ـ يينا رويز، ترجمة وتقديم منصور الأطرش، المؤسسة العربية للتحديث الفكري، ط2005
(7) القديس ترتليان (160 ـ 230م) مفكر لاهوتي قرطاجي ذهب إلى أن موضوع الإيمان هو الُمحال أو اللامعقول << فتجسد المسيح مؤكد لأنه مستحيل >>. وهو الذي صاغ العبارة الشهيرة في تاريخ الفلسفة << أومن لأنه لامعقول>> .
(8) لقد بنى الأصوليون قياسهم على قاعدة عامة هي أن الحكم الشرعي مبني كله على " جلب المصلحة ودفع المضرة " . ولقد التزم أغلب الفقهاء الأصوليين بهذه القاعدة كأساس لاستنباطاتهم أو اجتهاداتهم.
(9) انظر كتاب ( حرية الاعتقاد في القرآن الكريم : دراسة في إشكاليات الردة والجهاد والحرية ). د.عبد الرحمن حللي، المركز الثقافي العربي : بيروت الدار البيضاء، ط1 2001 ،
(10) من كتاب ( الضمير والتشريع ) . د. عياض بن عاشور . المركز الثقافي العربي : بيروت الدار البيضاء،ط 1 1998 ص29
(11) هاشم صالح ( مخاضات الحداثة التنويرية )، دار الطليعة بيروت 2008 ص 206
(12) ( الضمير و التشريع ) مرجع سابق ص 210


























قراءة للشرق الأوسط في مطلع الألفية
د. خالد المحمود

لعل رغبة الامبريالية في السيطرة على منطقتنا العربية معروف وكتب عنه الكثير, ولسنا بصدد الكتابة عنه تحليلا ولا بصدد تسليط الضوء على مسوغاته وأسبابه,لكننا بصدد قراءة مجريات أحداث المنطقة في العقود الأخيرة,ربما في القرن و النيّف الأخير, لنصل إلى بوابة الألفية الثالثة برؤية تساعدنا على الفهم والبناء والتقدم الحضاري.
لتحقيق رغبة الإمبريالية في السيطرة على مقدرات الشعوب , تضافرت جهود النخب الحاكمة في الدول الاستعمارية مع طموحات كبار أغنياء اليهود,الذين ابتدعوا فكرة أرض الميعاد, والوطن المزعوم, وشعب الله المختار.ولتحقيق هدفهم الاستعماري هذا, جندوا ملايين اليهود في العالم لاقتفاء هيكل سليمان المزعوم(1) والبحث عنه تحت المسجد الأقصى . وما كان ليكون لهم هذه السلطة لولا زعمهم هذا, فكان استغلال اليهود أسهل الطرق لخدمة أهدافهم- أهداف الصهيونية (2) و(الإمبريالية)(3)
إذاً , الصهيونية استخدمت يهود العالم لتأسيس دولة تكون المنفذ المباشر لتحقيق أهدافهم في المنطقة وجزءً من الحركة في العالم(4) .
والكل يعرف مزاعمهم حول أرض بلا شعب , وشعب بلا أرض .
أما الشعب بلا أرض, فهو برأيهم الشعب اليهودي,الملقى على عاتقه عبء حمل مشروعهم الصهيوني في المنطقة . أما أرض بلا شعب, فهم لم يقصدوا فلسطين بقدر ما قصدوا أراضي المنطقة كلها, وإذا كان إصرارهم على فلسطين, فكان ذلك فقط لدغدغة المشاعر الدينية اليهودية حول أحلام وأوهام ربّى حاخاماتهم- خدم الحركة الصهيونية, يهود العالم عليها.
و للحقيقة هي أرض لشعب متجذر فيها,وللحقيقة أيضا,هذه الشعوب العربية لا تملك حاليا مشروعا حضاريا وإنسانيا.بل, لكي أكون أكثر دقة,يمكنني القول أن جمال عبد الناصر وبن بلا وعبد الفتاح إسماعيل(5) وغيرهم... كانت لديهم طموحات مشروع عربي.
وأكبر فرصة نالها للعمل على تحقيق هذا المشروع هو الرئيس جمال عبد الناصر, رغم الحرب الضروس التي استمرت ضد مشروعه على مدى حكمه كله(6) .و بقيت المنطقة بدون مشروع رغم أهميتها الاقتصادية و الإستراتيجية والسياسية الكبرى.
ولكن الصهيونية,على رأس النظام العالمي الرأسمالي- الاستعماري— العنصري- الفاشي,الناهب لخيرات وطاقات الشعوب وقفت بالمرصاد لمشروع عبد الناصر وأجهضته. وبقيت المنطقة بلا مشروع رغم أهميتها الاقتصادية والإستراتيجية والسياسية الكبيرة.
وكلنا رصد التغيرات الإقليمية الهامة في المنطقة, وأقصد بالتحديد تغيرات إيران وتركيا. فهما فيما سبق كانتا عاملا مساعدا للحركة الصهيونية والامبريالية العالمية, ويلعبان الدور المرسوم لهما من قبل أسيادهما ما وراء المحيط- فكانتا داعمتين لدور إسرائيل في تحقيق مأرب الصهيونية-إبقاء المنطقة أرضا بلا شعب (أؤكد مرة أخرى- أي بلا مشروع حضاري يبني ويؤهل ويتقدم مع البشرية ويضع لبناته في صرح الحضارة الإنسانية) أرضا هامة جيوسياسياً واقتصادياً وشعبها مهمّش ضعيف ممزق ولا يملك رؤى نحو تحرره, وإن رأى ذات يوم – فالحروب والدمار بانتظاره(7).
بعد التغيرات في إيران وتركيا , أضحت هاتان الدولتان في موقع لا يتفق البتة مع موقعهما السابق كأدوات للمشروع الصهيوني . فقد حققتا نجاحات اقتصادية واجتماعية هامة , وباتتا تريان أن من حقهما أن يكون محيطهما العربي منسجما" مع تطلعاتهما , بل ومستعدا" ومؤازرا" لابتعادهما عن فلك الصهيونية تحقيقا" لاستقلال أكمل ونمو اقتصادي واجتماعي يحقق رخاءً لشعوبهما وشعب المنطقة واستقراراً وسلاماً للجميع .
منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام1979, بدا جليا للعيان أن توجه الدولة الفتية في تعارض مباشر مع تطلعات إسرائيل – حامل المشروع الصهيوني في المنطقة (مرة أخرى أقصد بالصهيونية الفكر الرأسمالي الاستعماري العنصري المعادي لتحرر الشعوب وتطورها واستقلالها, ولا أضع أي حاجز بين حكام إسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا و ألمانيا وفرنسا, والتي تمثل مصالح الاحتكارات الصهيونية– أي أنهم جميعا" يمثلون الصهيونية بهذا المفهوم وجميعهم يستغلون اليهود كحطب يشعلون به حروبهم التي تضمن استمرار سيطرتهم في المنطقة وفي العالم ).
وقد تبلور صدام إيران مع إسرائيل منذ البداية نتيجة لـ :
(1) في المنطقة العربية , بعد الاستقلال, كان للمشروع العربي ثلاثة حوامل
ا -حامل ماركسي أممي. ب- حامل قومي عربي
-ج حامل إسلامي ديني.
ورغم كل النوايا الحقيقية والطيبة للنهضة والتقدم والازدهار لحملة المشاريع الثلاثة , كانت الدوائر الصهيونية المخططة والمدبرة في لندن, وفيما بعد في واشنطن, تلعب بين الحبال الثلاثة- واضعة الثاني في وجه الأول ليضعفا معاّ ولينمو الثالث. وتغيّر بعدها مواقعهم من حيث الأهمية- فتضع مرة أخرى الثاني الجديد المتكون ضد الأول .. وهكذا دواليك.
(2) هكذا كانت حروب المنطقة المتعددة والمدمرة كرد على مقررات سيادية اقتصادية في مصر عام 1956 , وتطلعات نهضوية تقدمية في مصر وسوريا عام 1967
إذاّ , لدينا دول عربية تفتقر لمشروع تحرري نهضوي تطوري حضاري إنساني , وثلاثة مشاريع لملء الفراغ, ولكل منهم أجندته وأهدافه وأبعاده و وسائله :
1-مشروع صهيوني, الشرق الأوسط الجديد أو الكبير .
2- مشروع إيراني .
3- مشروع تركي .
وكلها يمكن أن تكون بمسميات مختلفة أكثر أو أقل تنطبق على حقيقتها, وأكثر أو أقل لمعاناّ لتسويقها
المشروع الصهيوني
سنبدأ به, فهو المشروع الأقدم والأقوى والمنتصر عالمياّ في القرن الماضي, وهو المشروع الآفل اليوم.
الكل يعرف الحيثيات التاريخية التي حققت حلم الصهيونية العالمية بإنشاء دولة إسرائيل , فبدءً من مؤتمر بال في سويسرا عام 1897 , واتفاقية سايكس- بيكو1916, ووعد بلفور1917 , والهجرة اليهودية إلى فلسطين ودور الحركة الصهيونية العالمية في تغذية روح العداء لليهود في أوروبا ونشر أكذوبة هيكل سليمان ومحارق اليهود(8) , والتوجيه الإعلامي والدعم المادي, كل هذا سرّع عمليات الهجرة إلى فلسطين لملء منطقة أسماها روزفلت أرضاّ بلا شعب , وهو يعلم أنها أرضٌ غنيةّ وهامة وشعبها لا يحمل مشروعاً نهضوياً.
هكذا قامت دولة إسرائيل , لتكون في قلب منطقة هامة اقتصاديا وسياسيا وجغرافيا- رأس حربة لخدمة المشروع الصهيوني, والذي يتلخص بما يلي: نهب المنطقة لصالح الصهيونية- المرحلة العليا للامبريالية العالمية.
1- السيطرة على ممرات هامة وجغرافية تسمح لها بإملاء رغباتها على العالم.
2- السيطرة على ماء الحياة لاقتصاد العالم- النفط.
3- تمتين الطوق حول المعسكر الاشتراكي.
4- إفشال أي مشروع تحرري نهضوي حضاري إنساني عربي, يرقى بشعوب المنطقة إلى مصاف الحضارات العالمية , ويحقق لشعوبه الحرية.
ولتحقيق استمرارية نجاحاتها, عمقت إسرائيل جذورها في المنطقة خدمة للمصالح الصهيونية, فحاربت المد الماركسي في الخمسينات , والمد القومي العربي في الستينات, والمد الديني الأصولي في السبعينات(9)
ولعبت على هذه التيارات موقعة فيما بينها لتبقى ضعيفة مهزومة لا حول لها ولا قوة, بل, وان اشتد ساعد إحداها , ساعدي الأطراف الأخرى لكسره.
ويجب القول, أن هذا المشروع الصهيوني خاض حروباً دامية في الأربعينات والخمسينات والستينات والسبعينات ..... وما يزال , رغم أنه دجّن الكثير من الأنظمة العربية لخدمته .و سيبقى يحارب , لأنه يريد أن يستمر النهب والإخضاع , وحتماً ستظهر دائماً إرادات تحررية ترفض رغباته ويصطدم معه , ونظرياً لن يستقر له قرار , لأن هدفه تدجين ليس فقط كل الأنظمة لخدمته في المنطقة , بل وكل شعوبها وهذا وهم من الأوهام .
من هنا أقول أن إسرائيل , حاملة المشروع الصهيوني بالشراكة مع الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها , غير قادرة على السلام , وأن أكبر خطر تواجهه هو السلام , لأن السلام لا يمكن أن يقوم إلا على العدل واحترام حقوق الآخرين ورغباتهم وتطلعاتهم .
إن حروب إسرائيل , هي الشكل العسكري لسياستها القائمة على الدسائس والمؤامرات والنهب وهي لذلك تسعى دائماً لنصرة مشروعها الفكري – الصهيوني , والوسائل كثر:
1- منع التطور الحضاري , منع إقامة مشاريع اقتصادية تلبي حاجات هذا التطور , وإن قامت, فهي يجب أن تكون خاسرة .
2- إبقاء أموال النفط العربية أسيرة في بنوكه , ليبقى عبيد هذه الأموال من حكام عبيداً لمشروعهم , ولتبقى هذه الأموال خارج إطار التنمية المحلية .
3- تضييق الهوامش الديموقراطية في البلدان العربية تحت أقنعة وحجج واهية , مما يسهل التآكل الداخلي (10) .
4- تشجيع الفساد والمفسدين في المواقع المفتاحية في أنظمة هذه الدول, كشكل من أشكال التخريب ولخلق روح الخيبة والإحباط , وحرق الكوادر المتميزة في كل مجالات الحياة- الاقتصادية, السياسة, المجتمع, الفن, الفكر ، الخ...
5- دائماّ خلق نزاعات طائفية ومذهبية وقومية في المجتمعات العربية, وذلك للإبقاء على فتيل يمكن تفجيره عند الحاجة.(11)
ولكن, رغم تحقيق المشروع الصهيوني نجاحات باهرة في مجال تدجين معظم الأنظمة العربية(12), ولو بنسب مختلفة, وتنفيذ هذه الأخيرة, لما ترسمه لها الدوائر المتنفذة في المشروع الصهيوني , رغم كل ذلك, تبقى في ثنايا روح الشعوب بصيرة وقدرة على تقديم قادة أفذاذ , منهم من يسقط بعد سنوات نتيجة الضغوط وضبابية الرؤيا, ومنهم من يقتل بعد سنوات, والقليل منهم يحقق انتصارات عظيمة جداّ, رغم صغرها أحياناً, إذ تشكل بارقة أمل كبيرة تنغرس في نفوس ملايين البسطاء,الذين مازالوا يقاومون هذا المشروع الصهيوني الطاغية المستثمر والظالم لهم, وإن غير أسماءه وأشكاله, فيسمونه اليوم مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد أو الحضاري... فهو مشروع الصهيونية فكراً وروحاً وممارسةً وأخلاقاً, ومآله إلى الاندحار والزوال, لأن الشعوب فقط من يضع النقطة الأخيرة في ملحمة وجودها .
المشروع الإيراني
إيران دولة ذات حضارة عريقة, قديمة, متجذرة, وشعبها شعب طيب معطاء, مسالم, ودود, لا يحب سفك الدماء أو استعباد الآخرين ومصادرة حقوقهم وقراراتهم. ففيها يعيش الشعب الإيراني بقومياته الخمس ومذاهبهم المتعددة جنباً إلى جنب.
أزاح هذا الشعب العظيم طاغيته المنصَّب من قبل الانكليز (الشاه محمد رضا بهلوي , الذي أعاده الانكليز إلى السلطة بعد فترة قصيرة من حكم محمد مصدق), بثورة قلبت وجه تاريخ المنطقة. فبينما كان الشاه – صنيعة الصهيونية العالمية حاكماً بأمرها, كانت أدواتها (أي أدوات الصهيونية العالمية) تغمض العين عن كل جرائمه بحق جيرانه في المنطقة .
لقد نظرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى مصالحها ومصالح شعوب المنطقة بتناغم وانسجام, وليس بصراع وتضاد. ولهذا اصطدمت منذ اللحظة الأولى لقيامها بالمشروع الصهيوني في المنطقة وبرأس حربته – إسرائيل, وأعلنت ذلك في فجر ولادتها. فانصبت عليها حمم غضب أدوات المشروع الصهيوني, والتي ربما تحركت بدافع الخوف من امتداد لهيب ثورتها إلى جيرانها, كيف لا وهم أدوات في مشروع آخر- المشروع الصهيوني. لذا انطلقت نيران حرب دموية مدمرة طويلة بين إيران والعراق- هذه الحرب التي دفع إليها وصب الزيت على نيرانها إدارة المشروع الصهيوني ,فهي تدمر آفاق مشاريع محلية عربية أو إيرانية على مدى عقود طويلة قادمة:
1- لقد كانت الدوائر الصهيونية تنظر بعين القلق إلى مشروع عربي ينمو في تربة الرافدين ذات الإمكانات الاقتصادية والعلمية والبشرية الكبيرة (13) .
2- وكان واضحاّ معارضة الجمهورية الإسلامية الإيرانية للمشروع الصهيوني منذ فجر ولادتها, كما ذكرنا, والتي نؤكد مرة أخرى كانت تملك مقومات حمل مشروع خاص بها.
3- وكانت الدوائر النافذة في الصهيونية العالمية قلقة من الوزن الاقتصادي المتزايد لمردود النفط العربي , الذي تضاعف في السبعينات, فكان لابد من سحب أرصدته و تجييرها لمصالح مشروعها العالمي .
وهكذا, قامت الحرب. وكما هو الحال في كل حروب الدنيا,انطلقت الشعارات الوطنية والقومية والدينية والاجتماعية لاستقطاب الشعب المسكين ليقدم قرابينها من ماله ودمه وجهده. وبدأت مطالبات الدول العربية بالجزر الثلاث, و الدفاع عن عروبة الخليج وحمل رايات الإسلام في وجه المسلمين... وكل هذا كان منسيا , بتوجيه من الصهيونية نفسها أيام كانت أدواتها تدير الأمور حسب هواها على كل ضفاف الخليح .
تحقق الصهيونية بعضاّ من أهدافها:
1- تدمير اقتصاد بلدان المنطقة .
2- سحب الأموال الهائلة من المنطقة- لتكون جرعة هامة للحفاظ على تفوق الصهيونية العالمية في صراعها مع الاتحاد السوفيتي (14) ,
3- تأخير وقوع الأزمة الاقتصادية العالمية الدورية للرأسمالية, وذلك بتدوير معاملها واستمرار الطلب على منتجاتها.
4- زرع خوف, بل ورعب حقيقي هائل في قلوب حكام الخليج من الجار الشمالي , وتصويره كعدو خطير يجب التسلح ثم التسلح للقضاء عليه.(15)
5- إبعاد إسرائيل من دائرة الأعداء .
6- توطيد سلطان الحكام بحجة وجود عدو وحالة حرب تتطلب قمع الرأي الآخر والحراك السياسي و إرهاب المفكرين المعادين له وزجهم في السجون..عموماّ إرهاب الشارع العربي وخاصة في العراق والخليج .
وهذا كله لا يكفي مصاص الدماء- الصهيونية, بل يقلقها برلمان دولة خليجية صغيرة (الكويت) بطروحاته المتقدمة والمتنورة, والذي يمكن أن يكون له شأناً في تغيير اجتماعي سياسي في بلده, و لا تقف تردداته عند الحدود, بل تشمل الجزيرة العربية. فتعطي الضوء الأخضر لحرب عدوانية بائسة وضيعة عقيمة يشنها صدام حسين ضدّ هذا الجار المسالم. وتبدأ صفحةّ جديدة في معاناة المنطقة- قتلا ونهباّ ودماراّ بحق كل شعوبها. كل ذلك, كي تبقى شعوب ودول المنطقة ضعيفة, وكي يبقى المشروع الصهيوني الأقوى و الأزهى, وكي يجهض أي أمل في مشروع نهضوي عربي بعدما تمزقت المنطقة بحروب داخلية (16).
يسقط نظام صدام حسين, وتحتل الولايات المتحدة- الساعد العسكري الثاني للصهيونية العالمية- العراق, منفذةّ خطوات من المخطط الصهيوني العالمي العام في السيطرة ونهب الشعوب. فتدمر اقتصاد العراق وتسرق تراثه وتقتل علماءه . و تستغل إيران انشغال الصهيونية العالمية بنهب وتدمير العراق وممالك الخليج, فتطور اقتصادها وتوسع اعتمادها على تكنولوجيات الاتحاد السوفيتي المتداعي(17).
تقتلع كل أساس لنهضة حضارية قريبة فيه , وبذلك تلقي الرعب الأكبر في قلوب البقية من دول الخليج , وتعلن للجميع أن ذلك لا يكفيها , فتنطلق ضدّ مشروع دولة فتية- ضد إيران, فتخلق منها فزاعة للأنظمة العربية, وتضخم الخلافات المذهبية لتلف جماهير السنّة في البلدان العربية حول أنظمتها- الأدوات للنظام الصهيوني العالمي , وتنفخ في فقاعة فزّاعة للعالم حول أسلحة نووية تسعى إيران لامتلاك تكنولوجيا صناعتها, كل ذلك لعرقلة تطور هذا البلد, لإضعاف مشروعه التنموي الحضاري في المنطقة, ليبقى المشروع الصهيوني الناهب الظالم الدموي المتوحش وحيداً لامعاً وفاعلاً في خراب المنطقة ومآسي شعوبها.
المشروع الإيراني, كما قلنا سابقاّ, ينسجم مع مشروع تحرر المنطقة ويصب في طاحونة تطورها واستقلالها عن المشروع الصهيوني- سيء الصيت والممارسة. لهذا نجد إيران تبحث عن حلفاء لها في مقاومة المشروع الصهيوني. فتجد مبتغاها في تنظيمات مقاومة ودول ممانعة لهذا المشروع, وفي شخصيات وتنظيمات وطنية تنفست الصعداء , لظهور من تنسجم مصالحه مع مصالح العرب الوطنية, لظهور صديق مشروعه الحضاري لا ينفي ولا يلغي ولا يتعارض مع المشروع الحضاري العربي (18).
المشروع التركي
تركيا دولة محورية, ذات وزن نوعي هام في المنطقة, علمانية بمسحة إسلامية سنيّة, حققت نجاحات هامة في التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي, وتغيرت بعض ملامحها السياسية في الفترة الأخيرة, وكانت فيما مضى أداةّ هامة من أدوات الصهيونية العالمية في محاصرة الاتحاد السوفيتي, ولذلك كانت تلق دعما مميزاً من الحلف الأطلسي, وظهر جلياً أهميّتها الخاصة للصهيونية عندما مال حلف شمال الأطلسي إليها داعماً ضدّ دولة أخرى في الحلف الأطلسي إبان الحرب القبرصية في عام 1974 .وقد أبقتها الصهيونية , لذلك كله, في مدار فلكي قريب منها, فدعمتها اقتصادياً- بتطوير بعض صناعاتها, وعسكرياً بتسليحها وبناء منشآت هامة فيها, وسياسياً- في الدعم الكلامي المستمر لضمها للاتحاد الأوروبي.
وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي, فقدت تركيا أهميتها بالنسبة للصهيونية, فقل التركيز عليها, وابتعدت قليلا وربما أكثر, عن مركز فلكية الصهيونية, فتوسعت هوامش الديموقراطية فيها, وانتقلت رويداً رويداً إلى مواقع تميزت بالاستقلالية المتزايدة, كما لاحظنا في الحرب على العراق, عندما رفضت تقديم كل ما طلب إليها من تسهيلات في عام 2003 (19).
واليوم تسعى الصهيونية, لاستنهاض تركيا في حربها ضد المشروع الإيراني, فتلعب على وتر السنّي ضد وتر إيران الشيعي, تماماً كما لعبت في الماضي على حوامل المشاريع النهضوية العربية (الماركسي والقومي والديني ), وتستخدم في ذلك أدواتها من بعض الأنظمة العربية وبعض الأبواق الدينية المأجورة لها.
كل هذا, طوّر عند الدولة التركية الرغبة في تمدد هيبتها, بل ومشروعها على الجوار العربي المتعطش للانعتاق من سطوة الصهيونية ليبني مشروعه الحضاري والإنساني.
وللحقيقة يجب القول, أن المشروع التركي في المنطقة, وإن كان يملك بعض التراث التاريخي المشترك مع العرب, إلا أنه يبقى أضعف من المشروع الإيراني, وبالتالي, يبقى العدو الثاني للمشروع الصهيوني إذا اعتبرنا أن المشروع الإيراني في المنطقة هو العدو الأول.
أسباب هذا الضعف هي:
1- تتميز إيران بحضارة عريقة وتاريخ عظيم ولم تكن دولة محتلة للوطن العربي يوماً كما هي الحال مع تركيا.
2- أن إيران دولة اقتصادية أقوى من تركيا- فمواردها متنوعة وصناعاتها متعددة .
3- أن إيران منعتقة أكثر من تأثيرات الفلك الصهيوني مما هي عليه تركيا.
4- ليس سهلاّ على الصهيونية تفجير المجتمع الإيراني من الداخل, بالمقدار الذي يمكنها من فعل ذلك في المجتمع التركي (20).
5- إذا كانت الثورة – نقطة الابتعاد عن الفلك الصهيوني بداية حاسمة في إيران عام 1979 , فتركيا بدأت تبتعد عن ذاك الفلك بعد حوالي عشر سنوات, وتدريجياّ, بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتراجع أهمية دورها, الذي كانت تلعبه لصالح الصهيونية في الحصار.
لذلك كله, تبقى تركيا الآن خارج مرمى سهام الصهيونية العالمية. بل وستسعى لاستغلالها واستخدامها في محاربة المشروع الإيراني- عدوّها الأول والأقوى على المدى المنظور.
وهكذا تتبلور ظروف المرحلة القادمة. إنها معركة بين مشروع صهيوني عالمي مسيطر ومتجذر وصاحب أدوات أخطبوطية في المنطقة العربية ومصاص دم لشعوب المنطقة دون كلل أو شيع, ومسيطر على مراكز القرار في الكثير من دول العالم والقوي اقتصادياً, وبين مشروع إيراني فتي متنور متعاطف مع شعوب المنطقة ومتنامي بوتائر سريعة,غير ملوث بصبغات استعمارية أو نازيّة, وأهم من ذلك كله, قابل للتعايش والانسجام مع شعوب المنطقة وتطلعاتها ومشاريعها إن وجدت.
وسيبقى المشروع التركي الآن قيد التجاذب, فهو يدرك خطر المشروع الصهيوني عليه من جهة, ويسعى لإعادة بريق أمجاده من جهة ثانية.
كلمة أخيرة
هل نستطيع أن نخلق مشروعنا الخاص ,الذي يساعدنا على إنجاز تحررنا ووضعنا في مركب الحضارة الإنسانية نقدم لبنائها أكثر مما نستهلك من إنجازاتها؟
أقول جازماً, نعم نستطيع:
1- لقد بدأنا نتعلم قبول الآخر ونتعلم وضع الأهداف الكبيرة فوق سقف الجميع. لقد بدأنا نتعلم أن الماركسي والقومي والمتدين يجب ألا يختلفوا إلا تحت سقف مصالح الوطن, وأن كل هؤلاء مدعوون لبناء الوطن وعزته وكرامته, فلا يجوز لحزب أو كتلة أحزاب أن تعتبر نفسها القائدة والمحقة والآخرون لا شيء .
2- وقد دخلنا, ثانياً, عصر الفضاء المفتوح, فنحن شعب للأسف الشديد, غير قارئ, والفضاء المفتوح يعطينا إشارات عما يجري شفهياً. وأحذر هنا من السيطرة الصهيونية على معظم هذا الفضاء.
3- وقد وجدنا, ثالثاً, حليفاً مصالحه منسجمة مع مصالحنا في التحرر. ولابد هنا من القول أن مثل هذا الحليف كان متمثلاّ في الكتلة الاشتراكية سابقاّ, ولكنه كان منخوراً بمخربين – أتباع الفكر الصهيوني, استطاعوا النفاذ إلى مواقع القرار وتفجيره من الداخل بسبب الخطأ الاستراتيجي التاريخي له- منع الرأي الآخر والحكم بقبضة حديدية لا تسمح بتداول الرأي والتشاور والديمقراطية . و حذار , فحكام الدول العربية, الذين لا يقرؤون التاريخ , لم يدركوا هذا ومازالوا يغذون السير متفردين متغطرسين, وسقوطهم سيكون أسرع بكثير مما يتوقعون.
4- ورابعاّ وأخيراً , أنا مقتنع تماما بكلام سماحة السيد حسن نصر الله :" أن عصر الهزائم قد انتهىّ وأن عصر الانتصارات قد هّل " . وأقول للمتشككين نعم نحن في مرحلة انتقالية بين العصرين والبعض قد لا يرى, وبقوة العطالة في ذهنه , الجديد من المتغيرات , وهي كبيرة وهامة.

هوامش

(1) يقول نابليون الذي قاد مئات الآلاف من الرجال إلى الموت : " لم استطع إنهاء حرب الفاندية إلا بعد أن تظاهرت بأنني كاثوليكي حقيقي . ولم أستطع الاستقرار في مصر إلا بعد أن تظاهرت بأني مسلم تقي.وعندما تظاهرت بأنني بابوي متطرف استطعت أن أكسب ثقة الكهنة في ايطاليا. ولو أتيح لي أن أحكم شعباّ من اليهود, لأعدت من جديد هيكل سليمان"
(2) ما هي الصهيونية؟
إذا كانت الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية لأنها وحدت كل أصناف رأس المال الاحتكاري والاستعماري وطبعتهم بطابع عنصري نازي. لهذا نرى زعماء اليهود-الصهاينة الأوائل , في تعاون وثيق مع ألمانيا النازية, ويتعاونون اليوم مع كل أطياف الاحتكارات العالمية ، ونرى اليوم أن الصبغة الصهيونية لم تبق اليوم في نطاق اليهود في العالم , فالمحافظون الجدد صهاينة القرن الواحد والعشرين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والقومية والجنسية , وهم موجودون في كل مكان – و في كل موقع مفتاحي.
أهم ميزات الصهيونية:
- الرأسمالية نمطاّ سائداّ في الاقتصاد
- العنصرية نمطاّ أساسياّ في المجتمع
- الوحشية غير المسبوقة في الاستثمار والاستغلال والظلم
- بكل الوسائل تدمير كل من يعيق سيطرتها (أخشى أنها استطاعت أن تدمر كل الإنسانية فيما إذا هددت بالفناء)
(3) تلاصق مفهومي الصهيونية والإمبريالية هو ما يجب على القارئ الانتباه إليه عند ذكر كلمة الصهيونية في كل مرة.
(4) تأثيرات الحركة الصهيونية, أبداً ليست محصورة في فلسطين والشرق الأوسط .و إن إخطبوطها يمسك باقتصاديات العالم و حروبها مع كل من يحاول الحد من إخطبوطها في بلاده, بدءً من كوبا وفنزويلا في أمريكا اللاتينية وانتهاء في فلسطين والدول العربية مروراً بإيران والاتحاد السوفيتي سابقاً وشرق أسيا و وسط إفريقيا اليوم.
(5) وآخرون كثيرون من القادة , الذين لم يصلوا إلى مواقع القرار القطري أو العربي, وأعتقد أن ألمعهم اليوم هو سماحة السيد حسن نصر الله .
(6) شاه إيران محمد رضا بهلوي أعيد إلى السلطة في إيران بمساعدة الانكليز وضد رغبات الشعب الإيراني الثائر بقيادة محمد مصدق . إذاً الشاه عاد إلى إيران بمساعدة الصهيونية في لندن ليكون أداة من أدواتها وليحكم شعبه وفق مصالحها .
(7)مصالح النمو للدولة الفتية, التي ترغب بمحيط مساعد لا عدواني , بينما لا يمكن لممثلي مصالح الصهيونية في العالم ,الولايات المتحدة , بريطانيا , إسرائيل......, أن يقبلوا ذلك.
عمليا, كل ما حدث في إيران من تغيرات اجتماعية وسياسية , حدث في تركيا, ولكن بدون ثورة . بل بتطور بطيء أزاح رجالات انسجمت مع المشروع الصهيوني العالمي فيما مضى .. وما زالت هذه العملية مستمرة , ولكن بوسائل برلمانية وسياسية .
ومن ناحية ثانية فإن التطور الاقتصادي لكلا البلدين يدفعهما لملء فراغ في المناطق القريبة جغرافيا أولا , والغنية ثانيا, والغير صناعية ثالثا.
8- كبار أغنياء اليهود قدموا الدعم المادي لهتلر حتى في محارقه .إنهم حلفاؤه في مشروعهم الصهيوني ضد الإنسان حتى ولو كان يهودياً . وقد أفزع هتلر اليهود بمحارقه لمن لا يريد الهجرة, وبريطانيا فتحت أبواب مستعمراتها وقدمت الدعم العسكري للإرهاب الصهيوني, والكنيسة الأوربية روجت أفكار العداء لليهود في أوساط مسيحيي أوربا
9- طبعاً هي فترات زمنية غير واضحة المعالم تماماً , فهي متداخلة
وملاحظة ثانية, عندما ضعفت الحوامل الثلاث للمشاريع الحضارية في المنطقة العربية, وجهت الصهيونية سهامها تفتيتاً لداخل كل حامل , فأضحى كل منهم مقسماً لأطياف وألوان يصعب عدها وترقيمها وتمييزها.
10- وهذا المشروع معني أيضاً بتضمين الهوامش الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية أيضاّ مما سبب تشتتها وتمزقها ودمارها كما نراه اليوم. وأعني هنا الأحزاب الماركسية والقومية والدينية. وربما بجدر أن ألاحظ أن الحزب القومي الاجتماعي السوري والحزب الشيوعي اللبناني , لم يقعا تماماً في الفخ , بل أقل من تأذى من هذا الفخ.
11-المتابع يلاحظ , كم تعمقت الهوة بين الطوائف والمذاهب والأديان والقوميات في مختلف المجتمعات العربية وكم هي ملغمة ومعدة للانفجار بشارات رمزية.
12-إن هذه الأنظمة تدرك بالضرورة , أنها تلعب دوراً محورياً في خطط معادية لشعوبها , بل عندما تصل إلى مثل هذه القناعة , تكون قد غرقت تماماً في مستنقع مخيف , يخشون الخروج من أمام شعوبهم, لأن الصهيونية التي سادت عليهم و وجهتهم بالأمس قادرة على فضحهم اليوم, هذا من ناحية ومن ناحية ثانية , هم بلغوا مرحلة من الترويض أنهم فعلاً خائفون على مصيرهم وفعلاً غير واثقين من قدرات شعوبهم , فقد أضحوا مسحورين ومبهورين بقدرات أسيادهم وخائفين معميين عن حقائق ما يجري.
(13) قصفت إسرائيل (اليد العسكرية للصهيونية) في عام 1974 مجمع مشروع الصناعات النووية في العراق وساعدت نظام جل همه حروبه الداخلية والخارجية
(14) موجات جديدة من سباق التسلح + حرب النجوم في أواخر السبعينات وأول الثمانينات ,الأمر الذي أرهق الاقتصاد السوفيتي, بينما ساهمت أموال الخليج والعراق وإيران المنهوبة في دعم الاقتصاد الصهيوني.
(15) لأن إيران أصبحت عدواً للمشروع الصهيوني , ولم تعد أداة من أدواته
(16) كانت قد مزقت العراق وهدرت الكثير من موارده البشرية والاقتصادية والعلمية بحروب داخلية عقيمة
17-في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات عملت الدولة الإيرانية الفتية بكفاءة على استدراج وشراء الكثير من التكنولوجيات الصناعية والعلمية للاتحاد السوفيتي المتداعي بعض هذه التقنيات ما كان من الممكن تصديره لولا الفوضى التي سادت جمهوريات الاتحاد السوفيتي.
18-حامل هذا المشروع قد يكون دينياً. لا ضير في ذلك إذا كان دينياً ّمنفتحاً , يقبل الآخر- حملة المشاريع الآخرين- قوميين أو ماركسيين, ويتعاون معهم لبناء المنطقة , لنهضة شعوبها, لانعتاقها من فلك المشروع الصهيوني.
19-كما رفضت تركيا أن يستخدم المشروع الصهيوني أراضيها لضرب إيران, لذا نجد الصهيونية تخضع نظام جورجيا لهذا الغرض . وتتدخل "الحكمة الإلهية" في كشفه وفضح النظام الجو رجي – الأداة الجديدة للمشروع الصهيوني.
20- بين الأكراد والأتراك, بين العلمانيين والأصوليين.......








في سبيل وعي ماركسي جديد
مقولة السبب والنتيجة
نجيب روميّة
في العالم الموضوعي تفاعل مستمر للظواهر، والذي بفضله تولِّد بعض الظواهر ظواهراً أخرى.
فالاحتكاك مثلا ًيولد الحرارة التي تسبب الجفاف. وتسخين الماء يسبب تحوله إلى بخار. لأننا في كل مرة نسخن الماء تحدث عملية تشكل البخار. والعلوم جميعها عندما تدرس الظواهر تحاول كشف أسباب نشوئها وتطورها والتغيرات التي تطرأ عليها ثم موتها. لذا فمعرفة الظواهر والعمليات هي قبل كل شيء معرفة أسباب نشوئها وتطورها.
والإنسان عندما أوجد مفهوم السبب والنتيجة إنما عزل هذه أو تلك من نواحي العملية الموضوعية الموحدة. وبحسب قول انجلز "لابد لنا من أجل فهم الظواهر كلاً على حده من اقتلاعها من العلاقة العامة ثم درسها بشكل منعزل، وفي هذه الحال تبرز أمامنا الحركتان المتعاقبتان، الأولى باعتبارها السبب والثانية باعتبارها النتيجة". فالظاهرة التي تستدعي نشوء ظاهرة أخرى تبرز بالنسبة إليها كسبب، وحصيلة أثر السبب هي النتيجة. والسببية هي هذه العلاقة الضرورية بين الظواهر التي لا بد في وجودها من أن تنشأ واحدة عن الأخرى. وبين الظواهر تأثيرات متبادلة أيضاً في الحياة الاجتماعية، فقد سببت حركة التحرر الوطني للشعوب المضطًدة لجم النظام الاستعماري للامبريالية وإذا كان السبب يسبق النتيجة فإن هذا لا يعني بأن التعاقب الزمني خاصة تكفي في تحديد السبب. فالنهار مثلاً يتبع الليل وليس الليل سبب النهار... إذ أن تعاقب الليل والنهار سببه دوران الأرض حول محورها، إذاً فالعلاقة بين سبب ونتيجة في ظاهرتين لا تكون فقط إذا سبقت الأولى الثانية وإنما إذا ولدتها. فمن الضروري ألا يتم الخلط بين العلاقة السببية وبين التوالي الزمني للظواهر، لكن الإنسان المؤمن بالخزعبلات يميل إلى الاعتقاد بأن الحرب إنما مبعثها ظهور مذنب أو كسوف شمسي سابق لها.... ولا بد من التفريق هنا بين السبب والذريعة. فالذريعة هي الحادث الذي يستبق استباقاً مباشراً حادثاً آخر، فيفسح له في الظهور ولكنه لا يولّده. والعلاقة بين النتيجة والذريعة موجودة لكنها ظاهرية وغير جوهرية. ويجب التمييز بين السبب والظروف الموجود فيها. فالعمل المنتج هو سبب كل الثروات الاجتماعية، لكن من أجل أن يخلق العمل الثروة يجب أن يكون هناك موضوع للعمل وأدوات للعمل بها، لكن لا تخلق الأدوات ولا موضوع العمل بمفردها الثروة على الرغم من كونها، الشرط الضروري للنشاط الإنساني العملي.
تتسم العلاقة السببية للظواهر بطابع الشمول والعموم، فكل ظواهر العالم وكل التبدلات تنشأ في أعقاب تأثير السبب ولا وجود لظواهر من دون أسباب (لا دخان بلا نار) والسببية موضوعية وليست دخيلة على الواقع من قبل عقل الإنسان أو من قبل قوة فوق الطبيعة، فهي ملازمة للواقع وقد كشفها الإنسان من خلال المعرفة والممارسة العملية.
وعلى الرغم من نشوء النتيجة من السبب فلا تبقى النتيجة دون تأثير على السبب، فالعلاقات الاقتصادية بين البشر خلال الإنتاج هي السبب، هي أصل الأفكار الفلسفية والسياسية وغيرها، ولكن هذه الأفكار تؤثر بدورها في تطور العلاقات الاقتصادية.
ويظهر أيضاً ترابط السبب والنتيجة في أشياء تكون في آن واحد سبباً ونتيجة. مثال ذلك: احتراق الفحم في مراجل مراكز توليد الطاقة الذي هو سبب في تحويل الماء إلى بخار. فالبخار نتيجة احتراق الفحم الذي هو في الوقت نفسه سبب حركة دوران مولد التيار المتناوب، ومن جراء هذا الدوران ينشأ تيار كهربائي هو مصدر، سبب حركة عدد كبير من الآلات والآليات التي تعطي الإنسان الحرارة والضوء. إذاًَ فالسببية هي التي تميز هذه السلسلة غير المتناهية للعلاقات المتبادلة، هذا التفاعل الشامل للموضوعات والظواهر، حيث تكون كل حلقة منها سبباً ونتيجة في آن واحد. والعالم باعتباره عبارة عن تأثير متبادل بين مختلف الظواهر، ليس بحاجة من أجل حركته وتطوره إلى أية دفعة أولى، إلى أية قوة غيبية خالقة. لهذا اعتبر انجلز (هيغل) مصيباً في ذهابه إلى أن التأثير المتبادل هو السبب النهائي الحقيقي لجميع الأشياء، ومعرفتنا لا يمكن أن تتجاوز حد التبادل المتبادل.[التفاعل]§
يتعارض المفهوم المادي الديالكتيكي للسببية مع المفاهيم الدينية التي تجعل من الله سبب كل شيء. إنه خالق نظام الكون وهو الذي يغيره وينتهكه عن طريق العجائب، وإن إرادة الله هي السبب الأول لكل شيء. فالدين يبشر بمفهوم غائي للعالم أي أن تطور العالم هو إتمام لغايات فوق الطبيعة، محددة مسبقاً. يقول انجلز ساخراً في ديالكتيك الطبيعة: "يقول أنصار الغائية إن القطط خُلقت لتأكل الفئران، وخُلقت الفئران لتأكلها القطط، وخُلقت الطبيعة لتبرهن على حكمة الخالق." وفي الحقيقة لا وجود للعجائب ولا للغايات الموضوعة سابقاً، ولكن كل شيء يستند إلى أسباب طبيعية، إلى قوانين موضوعية. فبالتأكيد لا يمكن أن نحدد للطبيعة هدفاً أما بالنسبة للمجتمع فالأمر مختلف لأنه تؤثر فيه كائنات واعية، أناس وضعوا لأنفسهم أهدافاً محددة ويعملون من أجل تحقيقها. لم تحدد هذه الأهداف من فوق بل حددتها أسباب موضوعية وتطور التاريخ بمجمله. إذاً فهدف الإنسانية يستند إلى انتظام التطور الاجتماعي، إلى معرفة دقيقة للأسباب الموضوعية، والنظرية التي تقول بأن سير الأشياء الطبيعي يتعلق بأسباب موضوعية وبقوانين تدعى بالجبرية. وتعارض الجبرية اللاجبرية والتي هي مذهب مثالي ينفي الأسباب الموضوعية والضرورة والقوانين فيرجع النظام وأسباب تطور الظواهر إلى الوعي، إلى العقل وليس إلى العالم الموضوعي.
إن المادية الديالكتيكية تتناقض مع الجبرية الميكانيكية أيضاً مثلما تتعارض مع اللاجبرية.
والجبرية الميكانيكية التي تعيد كل الأسباب إلى تأثيرات خارجية ميكانيكية سادت علوم الطبيعة في القرنين السابع عشر والثامن عشر ما عدا علم الميكانيك الذي عرف انطلاقة كبرى.
يمكن تطبيق الجبرية الميكانيكية على دراسة حركة الأجسام المرئية، على الرسوم التقنية للآلات، للجسور... ولكن من الخطأ الفادح أن نحاول تفسير العمليات البيولوجية العديدة والنشاط النفسي والحياة الاجتماعية استناداً إلى هذه النظرة. لقد أثبتت الفيزياء الحديثة أن الجبرية الحتمية تتجلى بصور مختلفة في مختلف المجالات.
يصر الفلاسفة المثاليون العصريون على إسقاط كلمة "السبب" من المفردات الفلسفية زاعمين أن السببية انتهت شأنها شأن النظام الملكي، وهم يستبدلون قانون العلاقة الوظيفية بقانون السببية، ووفق هذا القول لا ينبغي القول: بأن الظاهرة ) أ) تولد الظاهرة (ب) بل إن (أ و ب) مرتبطتان إحداهما بالأخرى. و ـ أـ ترافق ـ ب ـ دائماً سابقة إياها ولا حقة بها.
إن مفهوم الوظيفة أو العلاقة الوظيفية هو أحد المفاهيم الأساسية في العلم، وهو يعكس العلاقة القائمة موضوعياً بين الظواهر. فإذا كان لدينا عددان (س) و (ع) وكان العدد (ع) يغير مقداره كلما تغير مقدار العدد (س) وفق قاعدة معينة أمكننا أن نقول: إن هذين العددين موجودان في تبعية وظيفية ويكون أحد هذين العددين متغيراً تابعاً والآخر مستقلاً غير تابع.
صحيح أن العلاقة بين السبب والنتيجة يمكن أن نتصورها في شكل تبعية وظيفية، فالنتيجة هي وظيفة بالنسبة إلى السبب لكن هذا يطمس الأمر الأساسي في السببية، أن السبب لظاهرة حقيقية يولد ويشترط النتيجة كظاهرة حقيقية ثانية، ففي شكل العلاقة الوظيفية يمكن أن نتصور أنواعاً مختلفة من التبعية بينها التبعية الخارجية والقليلة الأهمية. إن المثالي يذيب السببية في التبعية الوظيفية بحجة أن العلم لا يهمه كيف تنشأ الظواهر، كما لا يهمه إن كان لها سبب للوجود أم لا بل يهمه فقط وجود علاقة فيما بين الظواهر أو المقادير يمكن التعبير عنها بمعادلة معينة، بيد أن هذه النظرة غير صحيحة.
إن معرفة علاقة السبب والنتيجة في الظواهر تهمنا في ميدان العمل العلمي والعملي، لأن الإنسان بكشفه للظواهر المفيدة يقوم بإظهار تلك الظواهر والعمليات المفيدة وتسارعها، وبمعرفتنا أسباب الظواهر الضارة نستطيع إقصاءها وتقليص نتائجها وتدارك آثارها السيئة.
ومن الضروري أيضاً توضيح الأسباب الأساسية للظاهرة، إذ عندما نحدد الأسباب الأساسية نستطيع فهم أصلها وجوهرها وتحديد مكانها بين الظواهر الأخرى، وفهم القوانين التي تنظم تطورها.
والسبب الأساسي هو السبب الذي من دونه لا تنشأ الظاهرة. وإذا ما عرفنا اختيار الأسباب الأساسية نستطيع إيجاد الحلقة الأساسية في سلسلة الحوادث، الحلقة التي تسمح بحل كل المسائل المطروحة في هذه المرحلة أو تلك. وكان لينين يعتبر أن فن الإنسان السياسي يقضي في إيجاد هذه الحلقة في سلسلة الظواهر الاجتماعية والتمسك بها، وبذلك نضمن نجاح السبب.
وعلى الرغم من تنوع صلات السببية المتبادلة بين الظواهر وبالرغم من أن السببية أيضاَ هي العلاقة الأكثر شمولية وعمومية فإنها لا تستنفذ كل غنى الصلات المنضوية في العالم ، بل تمثل جزءاً صغيراً منه. يقول لينين: "ليست السببية كما نفهمها عادة غير جزء يسير من العلاقة التي تربط بين ظواهر العالم، بيد أنها ليست جزءً من علاقة ذاتية بل من علاقات موجودة موضوعياً ".
وترتبط الظواهر فيما بينها بمختلف الصلات من زمانية ومكانية وتلازمية وهذه الصلات مرتبطة بالسببية دون أن تكونها.
إن مقولتي السبب والنتيجة تتمتعان بأهمية كبرى. فبهما يعكس التفكير أهم قانونية للعالم الموضوعي.

* - يقول بليخانوف: "وعلى أي حال فإن التفاعل، هذه الحقيقة الأوثق للعلاقة بين السبب والنتيجة كما كان هيغل يسميه، لا يفسر شيئاً في العملية التطورية للحركات الاجتماعية. [يكتب هيغل في موسوعة العلوم الفلسفية]: "إذا لم يمض المرء إلى أبعد من اعتبار المضمون من وجهة نظر التفاعل وحدها، ذلك هو إذن،في حقيقة الأمر، نمط للاعتبار لا يتضمن أية فكرة على الإطلاق؛ إننا إذن نعالج حقيقة جافة ، ولا يُلبّى مطلب الوساطة الذي هو الحافز الرئيسي لتطبيق علاقة السببية"" بليخانوف: المؤلفات الفلسفية، المجلد الثاني ، ترجمة د. فؤاد أيوب ، دار دمشق ، ص 75 – ملاحظة من المحرر


































محمود أمين العالم
بقلم: كريم مروة
رحل محمود أمين العالم غصباً عنه. فهو لم يكن يحب مثل هذا الرحيل. إذ كان يحب الحياة، ويحب الاستمرار فيها. كما لو أنه شاب في السابعة والثمانين من العمر. وظل على امتداد حياته في ورشة دائمة. وكان عالمه على الدوام، منذ أن بدأ حياته الفكرية والأدبية والسياسية، عالماً كبيراً وشاسعاً. عالم لا تعرف من أين تدخل إليه، ولا تعرف، حين تتمكن من ذلك، كيف تخرج منه، وإلى أين تخرج. هكذا هو حال كبار المفكرين حين يمتد بهم العمر، وحين تتنوع إبداعاتهم وتتعدد ميادين نشاطهم. ومحمود أمين العالم هو واحد من هؤلاء الكبار في مجالات عطائه على امتداد أكثر من نصف قرن، في الفلسفة وفي الفكر السياسي وفي النقد الأدبي، وفي العمل السياسي والتنظيمي داخل نوعين من الأحزاب. الحزب الشيوعي في مرحلتين، مرحلة الشباب والمرحلة الأخيرة من العمر، والإتحاد الاشتراكي، ثم التنظيم الطليعي داخل الإتحاد الاشتراكي ذاته، بين هاتين المرحلتين الشيوعيتين. لكن محمود كان إعلامياً كبيراً. وكان شاعراً أيضاً. وأصدر في هذا الميدان الإبداعي الأدبي ديوانين. لهذه الأسباب جميعها تبرز أمام الباحث في سيرة العالم صعوبة حقيقية. ورغم أنني رافقته على امتداد الفترة التي برز فيها اسمه في عالم الأدب والفكر منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، ورغم أنني أقتني في مكتبتي جميع مؤلفاته، بما فيها أحد ديوانيه، الذي حرص هو ذاته على أن يهديني نسخة منه لتأكيد انتمائه إلى شعراء العصر، فإنني أجد اليوم، بعد رحيله، صعوبة كبيرة في الكتابة عنه، بالحرية التي أبتغيها، وبالاستناد إلى المعرفة الحقيقية عندي بمراحل تطور شخصيته وتطور أفكاره وتطور عطائه في ميادين نشاطه المتعددة. وقد تكون الصداقة الشخصية والفكرية مصدراً من مصادر الصعوبة في الكتابة عنه. فهو المفكر والفيلسوف والأديب والأستاذ الجامعي والمناضل الاشتراكي الكبير، الذي أطلق عليه أصدقاؤه ورفاقه في مصر لقب "شيخ الشيوعيين" الذي لا يهرم ولا يتعب. ويقولون عنه بأنه من النوع الذي لا يصيبه ملل في المتابعة، ولا يصيبه خلل في الذهن وفي الذاكرة، إلا في حالات معينة برزت عنده في العامين الأخيرين من حياته. إذ اضطربت ذاكرته وأخطأت في تحديد بعض المحطات من سيرته، وفي تحديد بعض الأحداث التي كان شريكاً في صنعها أو كان شاهداً عليها. أكثر من ذلك فإن محمود لم يعرف قط التقاعس عن الاستمرار في اقتحام ميادين المعرفة، سعياً متواصلاً لامتلاكها في تطورها، وإسهاماً منه في إنتاج أجزاءً منها مما يتيحه له تراكم البحث والاجتهاد في الوصول إليها، ومما يتيحه له غنى التجربة التي كان يراكمها في ميدان العمل. وهو، فوق كل ذلك، لم يتخلّ عن دوره في تعميم ما كان ينتجه من هذه المعرفة أو ما كان يحصل عليه منها، التعميم الذكيّ الذي كان يبتغي منه العالم الإسهام في رفع مستوى الوعي لدى شعوبنا ولدى أجيالنا الطالعة، من أجل أن تتسلح به في الدفاع عن حياتها، وفي إحداث التغيير في واقعها نحو الأرقى والأصلح والأكثر حرية وتقدماً وعدالة.
ولعل من أهم ميادين نشاط محمود أمين العالم كان الكتاب الدوري الذي استمر في إصداره منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي تحت عنوان "قضايا فكرية". وهو كتاب ضخم. كل عدد منه مكرس لقضية كبرى من قضايا بلداننا ومن قضايا العالم المعاصر. وكان محمود يحرص في أن يسهم في الكتابة في هذا الكتاب، وحول هذه القضايا، العديد من كبار الكتاب العرب، كل في مجال اختصاصه. وقد صدر من هذه السلسلة أكثر من عشرين كتاباً. وكان لي شرف المساهمة في عدة كتب منها ابتداء من النصف الثاني من الثمانينات. ولعل مفكرنا الكبير رأى أن عليه، من موقعه في قمتيّ العمر والتجربة والفكر، أن يقدم للأجيال الجديدة، فيما يشبه الزاد، أفضل ما أتاحته له تجربته الذاتية واجتهاداته الفكرية المتعددة من غنى.
وإذا كانت تلك المرحلة هي المرحلة الأخيرة في حياة مفكرنا، فإن بدايات حياته كانت عاصفة بكل المعاني، كما يرويها هو في أكثر من حديث، وكما يرويها عنه أصدقاؤه الكثر.
ولد محمود أمين العالم في الثامن عشر من شهر شباط من عام 1922 في حارة الكحكيين في حي الدرب الأحمر، أكثر أحياء القاهرة القديمة شعبية وأكثرها شهرة. والتحق بكتـّاب الشيخ السعدني لتلقي مبادئ القراءة والكتابة قبل الانتقال إلى المدارس الرسمية. ومن كتـّاب الشيخ السعدني انتقل إلى مدرسة النحاسين الابتدائية الواقعة على مقربة من جامع الحسين. ويذكر العالم أنه عرف فيما بعد أنه كان زميلاً للرئيس جمال عبد الناصر في تلك المدرسة، من دون أن يلتقي به، ربما لأن الرئيس عبد الناصر كان يسبقه بعامين. وبعد حصوله على الشهادة الابتدائية التحق بمدرسة الإسماعيلية الثانوية في ميدان السيدة زينب. وكان ذلك في عام 1935 الذي شهد أحداثاً عاصفة بسبب إلغاء دستور عام 1930. وهي الأحداث التي شارك فيها العالم بانخراطه في المظاهرات. وكان ذلك أول عمل سياسي يقوم به وهو في سني عمره الأولى. ثم أكمل دراسته الثانوية في مدرسة الحلمية الثانوية التي حصل فيها على شهادة البكالوريا، الشهادة التي أهلته للانتقال إلى الجامعة. وصادف خلال دراسته الثانوية أن أصاب الوالد عجز مادي اضطره إلى إخراج ابنه محمود من المدرسة. فأرسله إلى إحدى المطابع ليتعلم صف الأحرف بدلاً من البقاء في المنزل بلا عمل. وقد نجح محمود في اكتساب تلك المهنة. وقبل أن يبدأ في ممارستها كمهنة حياة جاءه قرار من مدير المدرسة بالعودة إلى الدراسة معفياً من القسط، بعد أن قرر الملك فؤاد الأول منح المجانية للمتفوقين من الطلاب. وقد جاء هذا القرار من الملك في أعقاب شفائه من مرض كان قد ألمّ به.
ويذكر العالم أن شقيقه أحمد كان أستاذه الأول. فقرأ الكثير من الكتب التي كانت متوفرة في مكتبة شقيقه. وكان من بين تلك الكتب، التي يذكر العالم أنه تأثر بها، كتاب الفيلسوف الألماني نيتشه "هكذا تكلم زارادشت" مترجماً إلى العربية بقلم الأديب اللبناني فيلكس فارس. ويذكر العالم أن هذا الكتاب هو الذي قاده إلى اختيار مادة الفلسفة موضوعاً لدراسته الجامعية. وفي عام 1936 عاد محمود فشارك في المظاهرات التي انفجرت ضد المعاهدة التي كان حزب الوفد قد عقدها مع الإنكليز. ولأن المدرسة كانت من مؤيدي حزب الوفد فقد تعرض الطالب محمود وزملاؤه الذين شاركوا في المظاهرات إلى غضب الأكثرية الطلابية الوفدية. يومها خرج مع زميل له للاتصال بالأحزاب الأخرى فلم يستقبلهما أحد. فقررا مع زملاء آخرين إنشاء حزب مستقل أعطوه اسم "حزب المجد الفرعوني". وكان الحزب مثار تسلية وإرضاء معنوي لمشاعرهم ليس أكثر.
في الجامعة كان محمود العالم طالباً مجتهداً. كان يبحث عن طريقه إلى المستقبل. لكنه كان مثالياً في فلسفته. كان متأثراً بالفيلسوف الألماني نيتشه بعد أن قرأ كتابه "هكذا تكلم زرادشت". وكان وجودياً كذلك. وكان متصوفاً كما يقول. وكان تصوفه روحانياً وليس دينياً. وكان في تلك الفترة قد وقع على كتاب للمستشرق ماسينيون عن الحلاج فتأثر به. وكتب قصيدة يحاكي فيها قصيدة الحلاج التي يقول فيها:
اقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي
ولأنه كان بحاجة إلى المال فقد عمل موظفاً في وزارة المعارف وهو طالب في الجامعة، ثم موظفاً في الجامعة ذاتها. وقد نشأت بينه وبين أستاذه عبد الرحمن بدوي صداقة منذ ذلك التاريخ. وتعلم منه الكثير. كما أنه تعرف إلى لويس عوض الذي كان يدرسه المادية الماركسية. ويقول العالم بأنه في تلك الفترة كان حائراً بين مثاليته ووجوديته وبين الأفكار الدينية التي تشربها من بيئته الدينية. ولأن عائلته كانت عائلة دينية فقد أطلق عليها لقب "العالِم" لأن معظم أفرادها كانوا ينتسبون إلى الأزهر. لكن ما أن وقع محمود على كتاب لينين "المادية والنقد التجريبي" حتى اهتزت كل قناعاته السابقة. وكان قد بدأ في الإعداد لأطروحته عن "المصادفة" في الفيزياء المعاصرة. ويقول العالم أن كتاب لينين المشار إليه قد ساعده على اكتشاف الأساس العلمي والموضوعي لكل شيء في العلم والسياسة والمجتمع والأدب. وقرر، على أساس اكتشافه الفكري الجديد، الانضمام إلى الحركة الشيوعية. ويقول، في هذا الصدد، في الكراس الذي يحمل عنوان "اعترافات شيخ الشيوعيين محمود أمين العالم" : " لقد حاولت اكتشاف ما يسمى بالقانون الداخلي في العمل الفني. وساعدتني الماركسية كثيراً في ذلك، رغم أنني كنت أمتلك هذه الخلفية، التي كانت تدفعني إلى اكتشاف ما هو ضروري من المعارف. عرفتني الماركسية على قانون الضرورة في المجتمع، وبالتالي إمكانية اكتشاف الضرورة في الإبداع البشري. هل الضرورة كامنة في داخل العمل الفني؟ إن العمل الفني هو كائن حي قائم بذاته، بما له من كيان مستقل. لكن تميزه لا يعني انفصاله عن تاريخيته أو عن واقعه. وأتذكر أن أولى المعارك التي خضتها مبكراً في مجلة "روز اليوسف" كانت مع مصطفى محمود. تكلمت عن حركة النهر، وعن أن كل عمل أدبي ينبغي عليّ أن أحدد فيه حركة النهر الرئيسية واتجاهها وطبيعتها. وهكذا بدأت رؤيتي النقدية تتشكل في الأصل من الزاوية الفلسفية. وأتذكر أن الكتابات المبكرة التي أدخلتني أكثر في هذه الرؤية كانت المعركة التي بدأت عام 1954 بيننا – أنا والدكتور عبد العظيم أنيس – وبين الدكتور طه حسين. وهي المعركة التي سجلها كتابنا المشترك، أنا وعبد العظيم، "في الثقافة المصرية". ويشكل هذا الكتاب النقلة التي تجلى فيها الوضوح الفكري والنظري عندي. . . كان طه حسين يتحدث عن الأدب باعتباره ألفاظاً ومعان، ونحن قلنا أن الأدب شكل ومضمون. وربما استخدمنا بشكل مبكر تعبير "البنية"، وأن الشكل في الأدب ليس مجرد إطار خارجي، بل هو بنية تعبر عن حركة داخلية في قلب العمل الفني، وتحول موضوعه إلى مضمون. وبالتالي فهي عملية ديناميكية داخلية ... وأذكر أننا حين تطرقنا إلى العقاد رد علينا قائلاً: "أنا لا أناقشهما ... لكني أضبطهما . . إنهما شيوعيان !!". وكتب طه حسين قائلاً في الرد علينا "هذا أدب يوناني لا يقرأ"! وقد فهمت قيادة الثورة مقصدنا في الهجوم على طه حسين وفي جريدة الوفد بالذات، فصدر قرار فصلنا من الجامعة في ذلك التاريخ، أنا وعبد العظيم، مع أكثر من سبعة وثلاثين أستاذاًَ آخرين ... كنت أنا ولويس عوض في القسم الإنجليزي .. وكان عبد العظيم أنيس في كلية العلوم. وكان عدد كبير من الأساتذة من ذوي الميول الوفدية والإخوانية، ممن شملتهم حملة التطهير تلك، التي راح ضحيتها عدد كبير من العاملين في الوظائف الحكومية الأخرى!".
كان لكتاب "في الثقافة المصرية"، الذي ضم عددا من المقالات لكل من محمود العالم وعبد العظيم أنيس، صدى كبير في الأوساط الأدبية في العالم العربي في ذلك الحين. لكنه سرعان ما فقد بريقه في ضوء التحولات التي كانت تحصل في مصر وفي العالم العربي في ذلك التاريخ. إذ دخلت مصر والعالم العربي، في الفترة التي أعقبت قيام ثورة يوليو في مصر، في منعطف جديد وفي معارك داخلية وخارجية غير مسبوقة في تاريخ المنطقة. كما برزت نظريات جديدة في الأدب والفن، مغايرة لما كان سائداً في السابق. وكان العالم قد بدأ يصبح شخصية مرموقة. ساعده في ذلك وجوده ككاتب في جريدة "المصري" أولاً، ثم في مجلة "روز اليوسف". ومن هذا الموقع بالذات دخل العالم في معترك السياسة من أبوابها الواسعة في المنظمات الشيوعية متفرقة، ثم في الحزب الشيوعي موحداً، ثم في انفراط هذا الحزب من جديد وتوزعه إلى منظمات مختلفة. وقد قادته معاركه ومواقعه ومواقفه إلى السجن مرات عديدة. وكان يخرج من سجن ليدخل في سجن آخر. وكان آخر خروج له من السجن في عام 1964 مع زملائه من التنظيمات الشيوعية، بعد أن حلت تلك التنظيمات نفسها، ودخلت وأدخلت أعضاءها في الإتحاد الاشتراكي على أساس "الميثاق القومي" الذي تبنى الاشتراكية كأيديولوجية لاتحاد قوى الشعب العامل. وفي تلك الفترة بالذات أصبح محمود أمين العالم شخصية مصرية بارزة في قيادة الإتحاد الاشتراكي، ثم في التنظيم الطليعي، ثم في رئاسة تحرير كل من جريدتي الجمهورية والأخبار تباعاً. وبدأت مرحلة جديدة في حياته. عين مشرفاً على مؤسسة المسرح، ومسؤولاً عن الهيئة العامة للكتاب، ومسؤولاً عن إصدار مجلة "الكاتب العربي". وبدأت تتراكم المسؤوليات وتتنوع ليصبح صاحبها محمود العالم نجماً فكرياً وأدبياً وسياسياً وتنظيمياً.
في تلك الفترة بالذات، أي في عام 1966، سافر العالم إلى بيروت لحضور مسرحية لبرتولد برشت أخرجها الكاتب والمخرج المسرحي اللبناني جلال خوري. وكان من الطبيعي أن نلتقي ونتحدث ونتناقش معه في شؤون الساعة في العالم العربي. وكان من بين تلك اللقاءات معه لقاء شارك فيه جورج حاوي وغسان الرفاعي وأنا. وهو اللقاء الذي قدم لنا فيه محمود عرضاً بحل الحزب الشيوعي اللبناني والدخول في اتحاد اشتراكي لبناني مع حركة القوميين العرب. وكان مكلفاً ببحث الموضوع معنا من موقعه في قيادة الإتحاد الاشتراكي، ومن موقعه، تحديداً، في قيادة التنظيم الطليعي. ولم يقنعنا، ولم نقنعه. وكنا في ذلك الحين قد أجرينا، جورج وأنا، نقاشات عاصفة مع محسن إبراهيم ومحمد كشلي، القياديين في حركة القوميين العرب، حول الفكرة ذاتها. واعتبرناها، من وجهة نظرنا، عملية متسرعة يتم فيها حرق المراحل في اتجاه وحدة القوى الثورية التي كنا مقتنعين بضرورتها. لكننا كنا نرى ضرورة العمل لإنضاج شروطها. وكنا في الحزب الشيوعي، في ذلك الحين، قد غيرنا موقفنا السابق من الرئيس جمال عبد الناصر في الاتجاه الإيجابي منه ومن حركته ومن أهدافه. واستمر ذلك الموقف في تطوره إلى أن شارك الحزب في الاجتماع التحضيري لمؤتمر الأحزاب الشيوعية (1968) في بودابست ثم في المؤتمر ذاته (1969) في موسكو. ومعروف أنه تقرر في ذلك المؤتمر عقد مؤتمر عالمي للقوى المعادية للإمبريالية في القاهرة بقيادة الرئيس عبد الناصر. وهو المؤتمر الذي تقرر الاستغناء عن عقده بعد وفاة الرئيس عبد الناصر، لأن التخطيط لانعقاد ذلك المؤتمر كان يقضي بأن يكون على قياس هذا القائد العربي الكبير بالتحديد.
يقول العالم، بعد وفاة الرئيس عبد الناصر، وبعد أن تغيرت الظروف في مصر في عهد الرئيس السادات، بأنه شعر هو بالتحديد، وشعر زملاء له آخرون من قادة الحزب الشيوعي المصري، أنهم كانوا على خطأ في التسرع في توحيد القوى الثورية العربية على النحو الذي حصل، قبل أن تنضج الشروط لذلك. إذ أن القفز فوق المراحل التاريخية كان مغامرة، وكان لا بد أن يدفع ثمنها من يقوم بها. إلا أن هذا النقد الذاتي لم يغير من قناعات العالم بأن الرئيس عبد الناصر كان ظاهرة تاريخية نادرة في حياة مصر والوطن العربي، رغم ما ارتبط بعهده في زمن الثورة من ممارسات اتسمت بالخطأ وبسوء التقدير عند البعض، وبسوء النية عند بعض آخر ممن كانوا داخل الثورة نقيضاً لها ولأهدافها.
إلا أن محمود أمين العالم ظل في نظر الكثيرين من شيوعيين وغير شيوعيين، برغم كل ما حصل من تغيرات و تبدلات، شيخ الشيوعيين المصريين، الذي لم يتعب من التفكير ومن الاجتهاد في الميادين التي نصّب نفسه للانخراط فيها بكل طاقاته، أعني ميدان الفكر الاشتراكي، والنقد الأدبي، والبحث في التراث، والعمل السياسي الدؤوب تحت راية التغيير في مصر وفي العالم العربي تحقيقاً لمطامح شعوبنا في الحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية. وسيكون من الصعب عليَّ في هذا العرض المكثف لجوانب من شخصية وسيرة محمود العالم أن أتوقف عند جهده الفكري واجتهاده في تحديد وتوضيح بعض التحولات والمفاهيم. فكتاباته الكثيرة والمتنوعة، والتغيرات والتحولات التي شهدتها مسيرته الطويلة المديدة في هذه العوالم كلها، تربك الباحث، وتضعه أمام استحالة الاستشهاد بنص معين. فكتاب "معارك فكرية" على سبيل المثال، الذي هو جمع لمقالات وأبحاث في فترة الستينات من القرن الماضي، يكاد يكون نقيضاً في الأفكار والاجتهادات الفكرية لكتاب "الإنسان موقف" الذي هو أيضاً جمع لمقالات وأبحاث كتبها العالم في فترات لاحقة. ولعله قصد في تحديد مفهومه للهوية في أحد أبحاثه اللاحقة إلى ما أشير إليه هنا من تغيرات وتحولات متناقضة تحصل عند المفكر، تفرضها عليه التغيرات والتحولات في الشروط التاريخية الجديدة. يقول العالم في موضوع الهوية: "لكل مرحلة مجتمعية وتاريخية هويتها المعبرة عن مكتسباتها ومنجزاتها وممارساتها وأفكارها وعقائدها وقيمها وأعرافها السائدة. لذلك فليست ثمة استمرارية لهوية ثابتة جامدة محددة طوال التاريخ. فهذه رؤية أرسطية شكلية للهوية تغلب عليها الطبيعة لا التاريخ، الذي هو جوهر إنسانية الإنسان. إن لكل مرحلة جديدة هويتها التي هي تطور متجدد للهوية في المرحلة السابقة، أو انحدار وتدهور لها. إنه التماثل واللاتماثل، الاستمرار والانقطاع، الثابت والمتغير ثقافياً وموضوعياً في جدل التاريخ. ولهذا فكل تثبيت إطلاقي للهوية وجعلها معياراً مرجعياً ناجزاً نهائياً طوال تاريخ مجتمع من المجتمعات هو رؤية تجميدية لا تاريخية وغير موضوعية لهذا المجتمع. على أن للهوية بعداً آخر ليس أقل أهمية . لعلنا نعود به مرة أخرى إلى ابن خلدون في حديثه عن أن لكل شيء طبيعة تخصه. فالخصوصية ليست خصوصية متجددة متطورة تجدداً وتطوراً ذاتياً فحسب، بل هي كذلك عند ابن خلدون خصوصية منفتحة على غيرها من الخصوصيات الأخرى. بل إن حقيقتها لا تكتمل بخصوصيتها الذاتية وحدها، وإنما بعلاقتها بهذه الخصوصيات الأخرى."
ويذهب العالم، على قاعدة هذا المنطق ذاته في التعامل مع الظاهرات، في تفسير ظاهرة العولمة مذهباً عقلانياً واقعياً يختلف فيه مع الذين يرفضونها رفضاً اعتباطياً، كما يختلف مع الذين يندمجون فيها اندماجا كلياً ويتكيفون معها بدون شرط. ويقول في الرد على الذين ينكرون الوجود الموضوعي للعولمة: " وفي مواجهة هذا الواقع العالمي الجديد، الذي ما يزال في دور الانتقال والتشكل، هناك أكثر من موقف: هناك أولاً من ينكر الوجود الموضوعي للعولمة أو الكونية الحضارية، مكتفياً بإدانتها والسعي إلى القطيعة معها، بل مع العصر عامة. ولهذا يتم التصدي لهذه العولمة ولهذا العصر برؤية حضارية كاملة مناقضة لهذه العولمة وهذه الكونية، تستند إلى الأصولية السلفية الدينية. وهو في الحقيقة موقف يفضي إلى العزلة عن حقائق العصر. ويكاد يكون تعبيراً عن أزمة التخلف والتبعية. لكنه لا يقدم حلاً لها، وإنما يفاقمها. بل هو يسهم في تغييب حقائقها الموضوعية عن الجماهير، وفي حرفها عن التوجه النضالي و المطلبي الصحيح."
ثم إن العالم يعالج موضوع التراث بالطريقة ذاتها أيضاً. فهو يقول في هذا الصدد في محاضرة له بعنوان "التراث، ذلك المجهول": "... وعندما نتحدث عن التراكم والإضافة في الزمن، لا نتحدث عن آنات زمنية مفرغة، تتحرك داخلها التراكمات والإضافات التراثية حركة خطية أو خيطية طولية مسطحة، وإنما نتحدث عن تاريخ، أي نتحدث عن كثافة إنسانية – اجتماعية. نتحدث عن أنظمة حكم، و أنساق علاقات اجتماعية وأنساق قيم وأفكار ومشاعر. نتحدث عن صراعات ومصادمات مصالح في مستوى الواقع الاجتماعي العملي، وفي مستوى الثقافات النظرية والروحية والإبداعية على السواء. نتحدث عن عوامل داخلية وتأثيرات خارجية، عن دوافع ذاتية وشروط موضوعية، عن قوى فردية وأخرى مجتمعية. نتحدث عن أفعال وردود أفعال وتفاعلات، عن استمرار واتصال وعن تقطع وانفصال. مرة أخرى نتحدث عن التاريخ. وبهذا المعنى ففي الحيز الصراعي المتحرك للتاريخ، وفي إطاره، ومن عناصره العينية ومعطياته المشخصة، تتشكل الإضافات التراثية. وتتحدد المواقف من هذه الإضافات التي تصبح بدورها إضافات جديدة، ومن هذه الإضافات المتجددة يتشكل ويتحدد كذلك التاريخ نفسه! نستخلص من هذا كله: أولا : أن الإضافات التراثية المتجددة إنما تختلف دلالاتها باختلاف المراحل واللحظات التاريخية والاجتماعية. كذلك الأمر بالنسبة للمواقف من هذه الإضافات، فإنها تختلف باختلاف هذه المراحل واللحظات. ولهذا فإن كل إضافة تراثية هي نفسها موقف من إضافة تراثية سابقة عليها، وهي موضوع لموقف تراثي لاحق عليها سيصبح بدوره موضوعا لموقف، أي إضافة تراثية ... وهكذا إلى غير حد. ونستخلص من هذا ثانياً أنه لا يوجد شيء واحد أو منجز واحد من منجزات الماضي التاريخي يمكن أن نقصر عليه كلمة تراث. بل هناك إضافات تراثية متعددة، ومختلفة، ومتنوعة. فليس التراث هو التراث الديني وحده – كما يقلصه البعض – وليس هو الثقافة الرسمية السائدة وحدها، كما يقول البعض كذلك. بل هو – في تقديري – منجزات الماضي كله، بكل عناصرها ومحاورها الدينية والروحية والوجدانية والعلمية والأدبية والفنية والسلطوية والشعبية والنظرية والعملية والإدارية والتنظيمية والعمرانية وإلى غير ذلك."
أردت من هذه الاستشهادات لمحمود أمين العالم أن أشير إلى أن مفكرنا الكبير كان دائم الحركة في تفكيره وفي قراءاته للأحداث وفي استنتاجاته حولها. وهي شهادة له في هذه المرحلة التي بلغ فيها هذه القمة من العمر والفكر، قبل الرحيل. وباستطاعتي القول أن إصرار العالم على إصدار كتابه "قضايا فكرية" في هذه الطريقة من الجمع بين الاتجاهات المختلفة لمفكري هذه الحقبة من تاريخنا على ما فيها من تناقضات، إن إصراره هذا على الاستمرار في هذا الجهد الفكري الكبير، هو دليل صحة ودليل توقد ذهن ودليل عافية فكرية يستحق معها محمود أمين العالم أن يوصف ليس فقط بشيخ الشيوعيين المصريين بل بأحد أقطاب الفكر العربي المعاصر.
وإذ رحل محمود أمين العالم، بعد هذا العمر المديد، الحافل بالعطاء في ميادين المعرفة وفي النضال، فإنه ترك لنا تراثاً كبيراً ومجيداً سيظل يتحدث عنه، ويذكر به، وسيظل يبقيه حياً دائم الحضور بيننا.










































مدارات في ضوء غزة
أدونيس
كيف يتجلى الوضع السياسي العربي، في ضوء الحرب الإسرائيلية على غزة!
أولاً، ظهرت الأنظمة العربية، أكثر من أي وقت مضى، كأنها تنتظر من الولايات المتحدة والدول الأوربية، حل المسألة الفلسطينية. وكان يكفيها نصف قرن من الصراع، لكي يوضح لها كيف "تقدمت" إسرائيل، و "تراجعت" هي، وكيف أن هذه الدول الغربية جميعاً "باركت" ما فعلته إسرائيل، ولم تمارس عليها أي نوع من أنواع الضغوط وأنها كانت دائماً في أحسن الحالات "ترجوها"، و "تتمنى" عليها.
كان إذاً، نصف قرن من الاختبارات والعلاقات والتوقعات الخائبة. ومن الحروب والمآسي، كافياً لكي يؤكد أن مفتاح الحل للمشكلة الفلسطينية وللمشكلات الفلسطينية ـ العربية، هو عند العرب أنفسهم في الداخل، وليس في الخارج: في إرادتهم ووعيهم ووحدتهم.
ثانياً: ظهرت الأنظمة العربية، عملياً، كأن المشكلة الملحة التي تؤرقها جميعاً، بدرجات متفاوتة، ليست مع إسرائيل، أو الولايات المتحدة، أو الدول الأوربية، بقدر ما هي عليه ـ عربية ـ: بين السلطات والسلطات، وبين السلطات والشعوب. ولا يتصل جوهرها بالرؤية لمستقبل المنطقة العربية، وبخاصة في بعدها المتوسطي، وإنما يتصل مباشرة بأمن هذه الأنظمة "أمنها المباشر"، حفظاً وتقوية له، ودفاعاً عنه. كأن فلسطين لم تعد بالنسبة إليها، مسألة "كيانية". وهكذا انحصر اهتمامها بالجوانب الإنسانية الكارثيّة والتي سببتها هذه الحرب، مساعدة، وإعادة إعمار... الخ، تماماً كمثل ما تفعل الدول الأجنبية.
ما الذي جعل أو يجعل الأنظمة العربية تنقاد للنظر إلى فلسطين، كأنها لم تعد مسألة كيانية ـ قومية، مقابل دولة إسرائيل التي تنص في دستورها (المدني!) على أنها دولة يهودية، أي دولة دينية، وتؤيدها في كل شيء الدول الأجنبية، حليفة الأنظمة العربية، وفي طليعتها الولايات المتحدة، فيما تبارك عقاب "حماس ـ غزة"، بوصفها منظمة دينية ـ إرهابية، وتسوغ حصارها، واحتلالها وتدميرها. ولنسأل بالمقابل: ما لحقوق أو المكاسب التي حصلت عليها "فتح"، المنظمة "العلمانية" أو غير الدينية، وغير الإرهابية، والمعترف بها دولياً؟ وهل توقفت مصادرة الأرض والبيوت في مناطقها؟ هل توقف الجدار العازل عن قضم المزارع، وضم الحقول إلى الشطر الإسرائيلي؟ وما الحرية أو مجالات الحركة والتنقل المتاحة لفلسطينيي الضفة غير الدينيين، وغير الإرهابيين، الواقعين في شباك الحواجز العسكرية، والمطوقين بمصائد المستوطنين؟ وما الذي يمكن أن نقرأه في هذه الخارطة الرهيبة من التناقضات والاعتداءات والادعاءات؟
هنا يكمن ما يولد الشلل، والحيرة، والضياع، والمآزق، ويكمن ما يولد الشعور بأن المسألة الفلسطينية آخذة بالذوبان والتلاشي في هذه المآزق.
لا يجهل أحد أن في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي مكبوتاً تاريخياً، ضخماً ومأساوياً، يتمثل في البعد الديني. وهو مع خفائه البعد الأكثر إقلاقاً وتعقيداً. ومع ذلك، لا يريد أحد أن يتحدث عنه. كل يكتفي بالكلام على الجانب السياسي الظاهر من هذا الصراع، و يهمل الجانب الخفي الذي يترسب، حاداً وفعالاً، في التاريخ والحياة والذاكرة.
كيف ننسى إذاً أن التطرف الديني في جهة، لا يولد إلا تطرفاً مماثلاً في الجهة الأخرى؟ فعندما يعطي الإسرائيليون الحق لأنفسهم في الاستيلاء على أرض الفلسطينيين بذرائع دينية، خارج حدود إسرائيل ـ الدولة، التي قررتها الأمم المتحدة، واعترفت بها الدول، فإنهم يحرضون عملياً على نشوء التطرف عند الفلسطينيين،ويستفزون ردوداً دينية مقابلة. خصوصاً أن فشل القانون والنظام الدولي في صون حقوق الفلسطينيين، يفتح أمامهم أبواب التطرف، عالية. خصوصاً أيضا أن الاستيلاء على أرضهم يتم في مناخ يوحي بأن الغاية من هذا الاستيلاء ليست مجرد نهب لقطعة محددة من الأرض، وإنما هي محو للمكان الذي يسمى فلسطين، ومحو لهذا الاسم نفسه، ولماذا، إذاًَ، يُسكت، دولياً، على هذا التطرف الديني عند الجانب الإسرائيلي، وأحيانا ًيسوغ ويدافع عنه؟ ولماذا، عندما يظهر في الجانب الفلسطيني دفاعياً يوصف دولياً بأعنف الصفات، وبينها الإرهاب، وتشهر عليه الحرب؟ ولماذا تنساق بعض الأنظمة العربية إلى القبول بهذا المنطق الإسرائيلي؟
تبعاً لذلك واستناداً إلى الممارسة، لم يعد ممكناً الاكتفاء بالقول إن الكارثة الإنسانية، البشعة حقاً، والمنكرة حقاً، تلك التي وقعت على اليهود في ألمانيا النازية، هي وحدها وراء مساندة الغرب لإسرائيل هذه المساندة المطلقة. إنها ظاهرة توجب على الفكر الحر أن يطرح حولها أسئلة. وسوف تكون أسئلة عديدة ومتنوعة. ذلك أن الذين يقفون هذا الموقف لمجرد الناحية الإنسانية، لا يمكن أن يقبلوا بتحول الضحية إلى جلاد يضطهد ضحية بديلة، أي يستحيل عليهم أن يقبلوا إنسانياً ما تقوم به إسرائيل ضد الفلسطينيين.
هكذا يبدو، موضوعياً، أن الغرب يدعم إسرائيل دينياً، ومعنى ذلك، عملياً، أنه يدعم ديناً ضد دين. - المصدر: جريدة الحياة






















الملفّ السياسي






























نداء
إلى القوى والأحزاب الماركسية
في الوطن العربي
باريس في 18/9/2006



















نداء إلى القوى والأحزاب الماركسية في الوطن العربي§
بعد التشاور التقى عدد من ممثلي الأحزاب والشخصيات الماركسية الموقعة أدناه, وتداولوا حول الأوضاع السيئة السائدة في المنطقة العربية الناجمة عن الهيمنة الامبريالية ورأس حربتها الامبريالية الأميركية التي تهدف عبر مشاريعها المختلقة(الشرق الأوسط الموسع أو الجديد) إلى الاستحواذ على ثروات المنطقة وإخضاعها سياسيا وعسكريا للنفوذ الامبريالي-الصهيوني. وهو ما أفضى إلى احتلال العراق والسعي إلى تصفية القضية الفلسطينية باعتبارها بؤرة الصراع الرئيسية بين مشروع التحرر العربي ومشروع الهيمنة الاستعمارية. كما أفضى كذلك إلى شن الحرب الإجرامية التدميرية الأخيرة على لبنان, وأصبحت مجمل البلدان العربية واقعة بين حالة الاستعمار المباشر والخضوع بدرجات متفاوتة وأشكال متنوعة للهيمنة الامبريالية الساعية إلى مزيد تقسيم المنطقة وتفتيتها على أسس عرقية أو طائفية رجعية
إن التمادي في تنفيذ هذا المشروع الامبريالي يتم بتواطؤ من الطبقات الرجعية السائدة الحاكمة في مختلف البلدان العربية ذات المصالح المتشابكة مع الامبريالية. ومن نظمها المستبدة والفاسدة القائمة على النهب وتكريس البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية المتخلفة، والحفاظ على التجزئة وتدعيمها وتهيئة كل الظروف لإنجاح السيطرة الامبريالية الصهيونية.
كما وقف الملتقون عند الواقع المرير لتراجع دور العديد من القوى الماركسية والشيوعية حتى أصبح العديد منها هامشيا يعاني أزمات معقدة جراء حملات القمع المديدة، كما أن عديدا منها اختار التكيف نتيجة أخطاء في التصور والممارسة, وقد ارتد بعضها أو أعضاء منها إلى مواقع ليبرالية وقبل التكيف مع العولمة الرأسمالية بدعوى أنها حاملة لمشروع "الحرية والديموقراطية والرفاه"، وأنها طرف حاسم في الدفاع عن "الإصلاح الديموقراطي" في الأقطار العربية, إن هذه الأطراف تجسد- بموقفها هذا الذي يفصل المسالة الديموقراطية عن المسالة الوطنية- موقف الموالاة للامبريالية, مما يترتب عنه انحسار دور اليسار وضياع الرؤى المبدئية التي تحكمه والمعبرة عن دوره التحرري والتقدمي الريادي الساعي لمواجهة الامبريالية، من أجل تأسيس عالم بديل يعبر عن مصالح الطبقة العاملة والشعوب ويقوم على التحرر الوطني والتكافؤ وحرية تقرير المصير وضمان حق الاختلاف والتعدد والعدالة والمساواة الاجتماعية, والديموقراطية. وكان من نتيجة الهجوم الامبريالي كذلك ما عرفته الساحة السياسية العالمية من انكسارات للمشروع الاشتراكي الأممي وارتداد في الساحة العربية, ارتبط بسقوط بعض التعبيرات الوطنية مما أفسح المجال لصعود التيارات الأصولية الإسلاموية التي تحمل مشروعاً مناهضاً لتطلعات التحرر والاستنارة والتقدم,يتقاطع مع التوجهات الليبرالية المتوحشة السائدة ضمن العولمة الامبريالية, إن هذه الحركات تقدم خدمة ثمينة للامبرياليين بتصوير الصراع الوطني والطبقي على أنه صراع ديني وطائفي، وهي تلتقي في ذلك مع غلاة المحافظين من منظري الامبريالية الذين يروجون للصدام بين الحضارات والأديان.
وفي حين أبدت بعض تيارات الإسلام السياسي مقاومة ايجابية للاحتلال، فان أطرافا أخرى باتت فرس الرهان لتكريس المشاريع الامبريالية (مشروع الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا أو مشروع الشرق الأوسط الجديد) بدعوى أنها قوى "سياسية معتدلة". وبهذا أصبحت القوى المتنفذة في الوطن العربي متكونة من النظم الرجعية التابعة والاستبدادية والحركة الأصولية وبعض الأطراف والأحزاب الليبرالية, وهي قوى مندمجة أو قابلة للاندماج في النمط الرأسمالي العالمي، ومتحالفة أو ساعية للتحالف الاستراتيجي مع القوى الامبريالية، وبالتالي لا تحمل للوطن سوى التبعية والتخلف والنهب والإفقار وتعزيز التجزئة والتفكك الطائفي. الأمر الذي يفرض البحث عن بديل حقيقي يعبر عن مصالح العمال والفلاحين الفقراء،والطبقات والفئات الشعبية. ويحمل مشروعها الهادف إلى التحرر والاستقلال والتطور الاقتصادي والمجتمعي , بديل وطني ديموقراطي شعبي يعطي الأمل بالمستقبل, ويعزز من دور الحراك المجتمعي , دور النقابات والمنظمات المدنية المستقلة، وكل أطراف النضال الشعبي. ويهيئ لتأسيس القوى القادرة على هزم المشروع الامبريالي الأمريكي بالخصوص والمشروع الرأسمالي عموما, والتصدي لكل بدائله. وينجز تغييراً حقيقياً بات متأكدا.
ومن هذا المنطلق تعتبر هذه الأحزاب والشخصيات الموقعة أدناه انه بات من الضروري والحاسم اليوم السعي إلى تنسيق نشاطها على المستوى العربي وفي كل بلد, بهدف بلورة برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي يمثل التقاطعات التي تجمعها من أجل خوض النضال بجميع أشكاله حسب وضعية كل بلد, بشكل مشترك, وبما يدعم من قوتها جميعاً , وقوة كل منها كذلك, من أجل أن تصبح الحركة الماركسية العربية قوة فاعلة بصفتها المعبرة عن مصالح الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء وكل الطبقات والفئات الشعبية, والمعبرة أيضاً عن قيم التقدم والديموقراطية التي باتت مطلباً ملحاً , وعن العدالة في أفق مستقبل اشتراكي. .
ولقد ارتأى المجتمعون بأن لقاءهم التحضيري هذا يهدف إلى تنظيم العمل من أجل التقاء كل القوى والأحزاب الماركسية وكل المثقفين الماركسيين , المتوافقين مع التوجهات الأولية الواردة هنا، وتحاورها من أجل تأسيس تحالف يجمعهم , عبر صياغة برنامج مشترك يتعلق بالتوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية , كما يتعلق بالنشاط العملي المشترك, وبالخطوات الضرورية من أجل بلورة رؤية فكرية مشتركة تقرب فيما بينهم , وتعزز نضالهم والتحامهم بالطبقة العاملة والجماهير الكادحة وبكل قضايا وهموم الوطن العربي
ولهذا قرر المجتمعون إصدار هذا النداء, وهو دعوة عامة لكل القوى والأحزاب الماركسية المعنية بالمشروع, وتأليف لجنة متابعة تكون مهمتها التحضير للقاء موسع, بعد التشاور مع تلك القوى والأحزاب, وتحضير الأوراق اللازمة لإنجاح اللقاء, بما يثري الحوار الهادف إلى صياغة البرنامج المشترك الذي يعبر عن التقاطعات الممكنة، وضبط آليات التنسيق الملائمة .







حول النداء
الموجه إلى القوى والأحزاب الماركسية في الوطن العربي
من قبل ”جمع من الماركسيين العرب في باريس“
عصام شكري
السمات المشتركة للشيوعية التقليدية واليســـار في العالم العربي
يقول النداء:
"كما وقف الملتقون عند الواقع المرير لتراجع دور العديد من القوى الماركسية والشيوعية حتى أصبح العديد منها هامشيا يعاني أزمات معقدة جراء حملات القمع المديدة، كما أن عديداً منها اختار التكيف نتيجة أخطاء في التصور والممارسة, وقد ارتدّ بعضها أو أعضاء منها إلى مواقع ليبرالية وقبل التكيف مع العولمة الرأسمالية بدعوى أنها حاملة لمشروع "الحرية والديموقراطية والرفاه"، وأنها طرف حاسم في الدفاع عن "الإصلاح الديموقراطي" في الأقطار العربية, إن هذه الأطراف تجسد- بموقفها هذا الذي يفصل المسألة الديموقراطية عن المسالة الوطنية- موقف الموالاة للامبريالية, مما يترتب عنه انحسار دور اليسار وضياع الرؤى المبدئية التي تحكمه والمعبرة عن دوره التحرري والتقدمي الريادي الساعي لمواجهة الامبريالية، من أجل تأسيس عالم بديل يعبر عن مصالح الطبقة العاملة والشعوب ويقوم على التحرر الوطني والتكافؤ وحرية تقرير المصير وضمان حق الاختلاف والتعدد والعدالة والمساواة الاجتماعية, والديموقراطية.
يمكننا من خلال المقطع السابق كشف المحتوى الإيديولوجي والسياسي المشوه للماركسية من قبل حركات الشيوعية التقليدية واليسار المعادي للامبريالية وذلك بكشف الجذر الطبقي لذلك الموقف؛ علاقة المحتوى السياسي برأس المال "الوطني" أو غير التابع للامبريالية، والذي تعده تلك الحركات ركيزة تسند لها كامل بنيانها الفوقي (السياسة، الفكر، الايدولوجيا). تلك المفاهيم تستند إلى المصالح الاقتصادية الطبقية لفئة من البرجوازية أي البرجوازية ”الوطنية" أو غير التابعة للامبريالية والتي كانت، في فترة الحرب الباردة تناضل ضد البرجوازية التابعة للامبريالية. إن منشأ ادعاء تلك الحركات اليسارية التقليدية بالماركسية هو محاولتها الاستفادة من نظرية ماركس لخدمة أهدافها كطبقة برجوازية ناهضة وتشويهها. إنها تحول الماركسية إلى نظرية في تطوير الرأسمالية؛ بمعنى فهم الماركسية، على أنها "تنمية الرأسمال الوطني" أو "تحرير الاقتصاد من الهيمنة الامبريالية".
أساس هذا التشويه للماركسية يعود إلى محاولة فهم الرأسمال لا على أساس كونه نظام إنتاج لفائض القيمة والتي تقوم على استغلال البرجوازية للطبقة العاملة بل على أساس كونه رأسمالا ذا أشكال محددة ثابتة أي رأسمال بشكل سلعة أو نقد أو وسائل إنتاج (ومن هنا فهم تلك التيارات "لمعاداة الامبريالية" على أساس الامتناع عن استيراد السلع الامبريالية و "مقاطعة" البضائع الأجنبية" أو الامتناع عن الاستدانة أو الاقتراض من البنوك الامبريالية للحفاظ على "نقاء" النقد أو السلع ”الوطنية“ من الرأسمال الامبريالي "الدخيل“. هذا الفهم البرجوازي للرأسمالية هو اكبر تشويه مقصود لرأس المال لماركس. إن الرأسمال بحسب تلك التيارات يتحدد في أشكاله أو تعبيراته لا في محتواه أي ليس كنظام أساسه المواجهة بين رأس المال والعمل المأجور ويقوم على أساس فائض القيمة. إن فائض القيمة لا توفرها أي من الأشكال السابقة للرأسمال بل يوفرها فقط استغلال الرأسمالي للعامل.
ومن جانب آخر فان نظرة الشيوعية واليسار التقليدي تقوم على خطأ آخر في فهم الامبريالية (كما وضحها لينين). فالامبريالية حسب تلك الحركات ليست ”أعلى مراحل الرأسمالية“ كما يراها لينين بماركسية دقيقة ، أي ليست نظام إنتاجي رأسمالي في أعلى مرحلة وطور له بل على أساس كونها كيانا خارجيا يغزو الحدود القومية من خارجها. إن تلك النظرة تعتمد على الفكرة المشوهة الأولى عن الرأسمالية وهي أن الرأسمالية تساوي الرأسمال السلعي، لا كنظام قائم على الاستغلال كما تم ذكره. وبالتالي فان الاحتفاظ برأس المال داخل الحدود الوطنية لن يغير من مجمل نظام الإنتاج الرأسمالي كنظام رأسمالي في مرحلة الامبريالية.
”الامبريالية هي نظام إنتاجي رأسمالي تسود فيه علاقات التبعية لا السلعية أو الشكلية لرأس المال بل علاقات إنتاج امبريالية تفترض وجود دول امبريالية ودول تابعة. إن الأساس هو تبعية نظام لا أجزائه أو أفراده (تبعية أفراد رأسماليين). إنها تبعية قوانين حركة "كامل الرأسمال الاجتماعي“ إلى قوانين حركة الرأسمال الامبريالي". منصور حكمت، أسطورة البرجوازية الوطنية والتقدمية، 1979.
إن مغزى تشويه البرجوازية غير التابعة، للماركسية واضح. فهو يهدف إلى تجيير النظرية الماركسية من أجل خدمة المصالح الطبقية للبرجوازية "الوطنية" الناهضة ضد البرجوازية التابعة للامبريالية (أو البرجوازية التابعة والمتحالفة مع الإقطاع)، في فترة ازدهار نموذج رأسمالية الدولة في الاتحاد السوفييتي. في تلك الفترة وبظل وجود بديلين برجوازيين متصارعين فان بديل البرجوازية ”الوطنية“ كان يكتسب أبعادا اجتماعية تقدمية من خلال اضطراره، ولاكتساب القوة والدعم من أوسع الجماهير الشعبية والعمالية والفلاحين الفقراء والكادحين والنساء والشبيبة، إلى تبني مطالبهم ورفع شعارات المساواة والعدالة والقضاء على البطالة وتحرير المرأة من الشريعة الإسلامية ووعدها بدفع أجورها كعاملة في مشاريع تلك البرجوازية التصنيعية. وفي حين كانت البرجوازية الموالية أو التابعة للامبريالية (العميلة للاستعمار كما يقال) مستبدة، متخلفة ومتحالفة مع الرجعية الدينية وقوى الإقطاع واعتمدت على إفقار الجماهير وإهمالها إلى التنمية وتركيزها على الزراعة والخدمات، فان مشروع البرجوازية غير التابعة كان يمثل نقيضاً تقدمياً و ديمقراطياً للبرجوازية التابعة. واليوم فان البرجوازية غير التابعة أو "الوطنية" قد فقدت تقدميتها. فسقوط نموذج رأسمالية الدولة وانتصار قوى رأسمالية السوق قد اخرج العديد من تلك القوى من مواقعها السياسية "الراديكالية" السابقة وتحولت إلى الدفاع. إن ذلك يفسر اليوم، إلى حد معين، ظواهر تبدو في ظاهرها متناقضة وغير قابلة للتفسير ولكن تتبع الأساس لها يوضح أسبابها ودوافعها؛ ظاهرة مثل تحالف شافيز اليساري مع احمدي نجاد "جلاد الشيوعيين والتحررين" في إيران ضد عدوتهما المشتركة الامبريالية ويوضح بدرجة أخرى سبب رفع الحزب الشيوعي اللبناني لصور ”السيد“ في التظاهرات وغيرها من المواقف الرجعية الجديدة لتلك القوى.
إن حركات معاداة الامبريالية اليوم قد فقدت سمتها التحررية والتقدمية رغم استمرار خطابها الموحي بالراديكالية من خلال تكرار عبارات الجماهير والفئات الشعبية ومعاداة الامبريالية. لقد اختارت تلك القوى اليوم التحالف مع أكثر القوى السياسية رجعية؛ الإسلام السياسي وبحجة وقوف الأخير ضد الامبريالية وبأنه "مقاومة" للمشاريع الامبريالية في المنطقة. ولكن كون تلك الطبقة امتلكت مشاريعا و أوهاما حول الديمقراطية (وهذا موضوع آخر) إلا أن المثير للاهتمام هو أن تجارب البرجوازيات "الوطنية" قد كشفت المعاني الحقيقية لتلك التبجحات حول الديمقراطية البرجوازية. والواقع أن التحرر من الامبريالية والبرجوازية التابعة لها والبدء بتطوير الرأسمالية قد أثمر عن إفراز أشكال من الدكتاتورية والاستبداد والقمع العسكريتاري أكثر فظاظة بكثير مما اعتقدوا انه استبداد. وأفصحت تجارب تلك البرجوازيات عن استغلال أبشع وأفظع للعمال وانتهاكات واسعة لحقوقهم وإجبارهم على العمل لساعات طويلة و بأجور ضئيلة من أجل "تنمية الصناعة الوطنية" وممارسة القمع السافر بحقهم ومنعهم من التجمع وتشكيل النقابات والمجالس والإضراب والتظاهر والاعتصامات بل وممارسة التعذيب الجسدي والنفسي والاعتقال والتصفية وتحت مرأى ومسمع المجتمع. أصبح العمال بظل أنظمة حكم البرجوازية "الوطنية و التقدمية" مجردين تماما من أية حقوق وباتت نقاباتهم الصفراء أوكاراً تجسسية ضدهم. قامت بعض تلك الأنظمة المعادية للامبريالية بإصدار قرارات "ديمقراطية" بــ”تحويل العمال إلى موظفين" ونزعت عنهم بمرسوم جمهوري صفتهم الطبقية لتحولهم إلى موظفين مطيعين* إن ذلك يوضح الوهم الديمقراطي لتيارات الشيوعية القومية واليسار المعادي للامبريالية فيما يخص علاقة رأسمالية الدولة أو ما يسمونه "الاقتصاد الوطني" المعادي للامبريالية بالديمقراطية. فالديمقراطية بنظرهم هي الشكل الوحيد المناسب للنظام الرأسمالي المتطور بينما الدكتاتورية هي دائما سمة البرجوازية التابعة للامبريالية أو ”غير الوطنية“. إن هذا التصوير البرجوازي يهدف إلى القول بان برجوازية الرأسمال الامبريالي الدكتاتورية تهدف إلى حرمان البرجوازية "الوطنية" من الموارد التي تؤهلها للتنافس "الديمقراطي" مع الأولى. إن رؤية البرجوازية للديمقراطية هي رؤية لا تعتمد على معيار "الحرية" الإنسانية أو على قيم المساواة بل من منظور مصالح طبقتها. جوهر الفكر البرجوازي هذا يكمن في أن تلك القوى التي تدعي الشيوعية واليسارية لا تنظر إلى الرأسمالية من موقع العامل بل من موقع الرأسمالي. إن تشويه الماركسية من قبل اليسار والشيوعية التقليدية يقدم اكبر خدمة للطبقة البرجوازية. "... إن تفسير الماركسية من وجهة النظر البرجوازية كانت ولا تزال إحدى الحراب المؤثرة لمفكري الامبريالية العالمية" – منصور حكمت – أسطورة ”البرجوازية الوطنية والتقدمية“ – 1979 - من موقع منصور حكمت باللغة العربية على شبكة الانترنيت .



السمة الرابعة: التخندق مع الإسلام السياسي المعادي لأمريكا
يقول النداء:
"وفي حين أبدت بعض تيارات الإسلام السياسي مقاومة ايجابية للاحتلال، فان أطرافا أخرى باتت فرس الرهان لتكريس المشاريع الامبريالية (مشروع الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا أو مشروع الشرق الأوسط الجديد) بدعوى أنها قوى "سياسية معتدلة". وبهذا أصبحت القوى المتنفذة في الوطن العربي متكونة من النظم الرجعية التابعة والاستبدادية والحركة الأصولية وبعض الأطراف والأحزاب الليبرالية, وهي قوى مندمجة أو قابلة للاندماج في النمط الرأسمالي العالمي، ومتحالفة أو ساعية للتحالف الاستراتيجي مع القوى الامبريالية، وبالتالي لا تحمل للوطن سوى التبعية والتخلف والنهب والإفقار وتعزيز التجزئة والتفكك الطائفي. الأمر الذي يفرض البحث عن بديل حقيقي يعبر عن مصالح العمال والفلاحين الفقراء، والطبقات والفئات الشعبية. ويحمل مشروعها الهادف إلى التحرر والاستقلال والتطور الاقتصادي والمجتمعي , بديل وطني ديموقراطي شعبي يعطي الأمل بالمستقبل, ويعزز من دور الحراك المجتمعي , دور النقابات والمنظمات المدنية المستقلة، وكل أطراف النضال الشعبي. ويهيئ لتأسيس القوى القادرة على هزم المشروع الامبريالي الأمريكي بالخصوص والمشروع الرأسمالي عموما, والتصدي لكل بدائله. وينجز تغييراً حقيقياً بات متأكدا. ”.. إن كل ما ورد في المقطع السابق من النداء يؤكد المحتوى الطبقي السابق ذكره لتيارات معاداة الامبريالية.
إن موقف اليسار التقليدي من الإسلام السياسي يعتمد هو الآخر على تشويه الماركسية. فعن طريقة تطويع الماركسية لخدمة أهداف جزء من البرجوازية تستنبط مواقف سياسية تحالفية مع قوى رجعية بحجة محاربة الأخيرة للامبريالية وبالتالي المفاضلة بين تيارات الإسلام السياسي حسب موقفها من البرجوازية التابعة للامبريالية وتحديداً التابعة لأمريكا أو كما يصفها النداء: "... قوى مندمجة أو قابلة للاندماج في النمط الرأسمالي العالمي، ومتحالفة أو ساعية للتحالف الاستراتيجي مع القوى الامبريالية". وتعود بدايات موقف التخندق مع قوى الإسلام السياسي المعادي للامبريالية إلى الثورة الإيرانية واستيلاء الخميني على السلطة السياسية في إيران عام 1979.
إن المقطع المستل من النداء يوضح كيف أن تلك القوى تفرز قوى الإسلام السياسي إلى جيد و سيء ، فهناك ”المقاومة الايجابية للاحتلال“ والتي يثني عليها النداء لمقاومتها لإسرائيل وأمريكا وأخرى سيئة لأنها "منخرطة في المشروع الامبريالي" وهي "الحركة الأصولية"!. ولا يعرف القارئ وفق أي معيار سيكون بإمكانه التمييز بين حركة حماس مثلا و تنظيم القاعدة أو حركة الأخوان المسلمين ولا يعرف لم تتم تسمية احدهما بالأصولي والآخر ليس أصولياً مع أن كليهما يتبع أصول "الفقه" الإسلامي. ولكن الجواب بسيط فإذا كان معادياً لأمريكا ومقاتل لها فهو مقاومة ايجابية للاحتلال وإذا كان مهادناً لأمريكا فهو حركة أصولية!. إن اليسار التقليدي والشيوعية القومية تعتبران حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين ومقتدى الصدر في العراق ”قوى مقاومة ايجابية“ لأنها تقاوم الاحتلال الإسرائيلي والأمريكي في المنطقة أما حركة الأخوان المسلمين المعارضة للنظام في سوريا فهي قوى أصولية وجزء " من المشروع الامبريالي"
وكما أوضحنا فإن ”لغز“ هذا التمييز أو عقدته المحورية هي ليست موقف الإسلام السياسي من مسائل حريات وحقوق الإنسان أو مساواة المرأة وتحررها أو فصل الدين عن الدولة أو معاناة الأطفال والبنات في ”المحميات الإسلامية“ لتلك القوى في جنوب لبنان والضفة الغربية والقطاع ومدينة الثورة في بغداد ومدن جنوب العراق المقموعة ، فتلك أسئلة "تافهة" لا يمكن أن تشغل بال تيارات الشيوعية و اليسار التقليديين المنخرطين في "مقاومة الامبريالية" لأنها ليست أسئلة طبقتهم ولا تمثل مصالحها.
فالعامل العراقي الخاضع لميليشيات مقتدى الصدر أو رفيقه اللبناني في البقاع أو الجنوب الخاضع لميليشيات حزب الله، أو رفيقهم الفلسطيني في ورش ومصانع الضفة أو القطاع والمطالب بدفع معاشاته من حكومة حماس "المعادية للامبريالية" لن يستطيع أن يعرف على وجه الدقة ما إذا كان صاحب المصنع الامبريالي سيكون أسوأ من صاحب المصنع الإسلامي؟ هل سيكون أكثر سعادة أم تعاسة؟ هل ستزيد أجوره أم تنخفض؟ هل سيستطيع أن يحتج ويتظاهر ويضرب عن العمل أم سيواجه بالهراوات والرصاص والسجن؟.
ولكن المؤكد هو انه وبحس طبقي عفوي ، يستطيع أن يقول بان كل رئيس في معمله وكل سلطة تقوم على استغلاله هي سلطة ”امبريالية“ معادية له لأنها ببساطة سلطة رأسمالية مهما كانت هويتها القومية وهو على ذلك يوجه احتجاجه وسخطه ضدها وينظم قواه من اجل الإطاحة بها. يفهم العامل الامبريالية تماما كما فهمها ماركس لا كما يفهمها منظرو الشيوعية القومية واليسار اللاعمالي البرجوازي المناهض للامبريالية.
وفي إدراكنا لحقيقة موقف اليسار التقليدي ، نستطيع القول بان هذا الموقف لا يعكس النيات ”التقدمية“ أو التحررية أو العلمانية لأفراد أو شخصيات هذا الجناح أو ذاك في ذلك التيار قدر ما هو انعكاس للموقف العام لكل التيار والمعبر عن المصالح العمومية "لكامل" الطبقة البرجوازية.
إن الموقف التحالفي للشيوعية القومية واليسار التقليدي في العالم العربي من الإسلام السياسي يبغي كم الأفواه إزاء نقد الحركات الإسلامية على أساس أنها تقاوم الاحتلال. وأي نقد يوجهه العمال أو التحرريون أو العلمانيون أو النساء إلى مواقف الإسلام السياسي من قضايا التحرر والمساواة يواجه من قبل هذا اليسار وبتناغم مع قوى الإسلام السياسي بتهم ”العمالة للامبريالية والصهيونية“.
وأخيراً فان استغلال قوى الإسلام السياسي للقضية الفلسطينية ومعاناة الجماهير الفلسطينية لعقود طويلة وتشردها وحرمانها من الحقوق على يد دولة إسرائيل يبغي في الأساس إدامة وجودها السياسي واكتساب المزيد من النفوذ الاجتماعي. فبدون تلك القضية واستغلالها من قبل الحركات الإسلامية فلن يكون للأخيرة أي إمكانية للبقاء وإحراز النفوذ داخل أوساط الجماهير. إن هذا ينطبق على كل الحركات الإسلامية الموجودة حاليا في الشرق الأوسط وخاصة تلك التي يصنفها اليسار التقليدي إلى ”مقاومة ايجابية للاحتلال“. إنها تلعب اليوم دوراُ معيقا لحل القضية الفلسطينية وإنشاء دولة فلسطينية على أسس الحقوق المتساوية مع الدول المجاورة ومنها دولة إسرائيل وهي تلعب هذا الدور المعيق لإدراكها بان تحقيق الحل سيؤدي إلى تهميشها وإبعادها عن ساحة الصراع الاجتماعي وعزلها. إن حل القضية الفلسطينية هو احد المحاور الأساسية في نضال القوى المتمدنة والتحررية والإنسانية في كل الشرق الأوسط من اجل العلمانية وإبعاد قوى اليمين والرجعية سواء كانت قوى الإسلام السياسي أو قوى اليمين الإسرائيلي والقوى الدينية.
لقد اعتبرت حركة الشيوعية- العمالية§ وقائدها منصور حكمت ، وعلى خلاف الشيوعية القومية – البرجوازية واليسار التقليدي، "كامل" الطبقة البرجوازية المعاصرة رجعية وبين بالتالي عجزها عن تجسيد أي قيمة إنسانية أو تحررية كانت تدعي أنها تناضل من أجل تحقيقها كالحرية والمساواة والعلمانية والتمدن الاجتماعي.
وفي نفس الوقت فان ذلك يجسد موقف الشيوعية العمالية في أن الطبقة الوحيدة التي بإمكانها اليوم حمل راية تلك المطالب الإنسانية والتحررية والمساواتية وتجسيدها سياسياً هي الطبقة العاملة وقواها الاشتراكية والماركسية الثورية. فتلك الطبقة العملاقة والمحرومة والخاضعة للاستغلال الرأسمالي هي الوحيدة التي تربط تحررها كطبقة بتحرر كامل المجتمع وبالتالي الإنسانية من الحرمان والتغريب والاستلاب الإنساني. إن مطلبها في تحقيق الاشتراكية بالقضاء على الرأسمالية ونظام العمل المأجور هو التجسيد المادي لتقدمية هذه الطبقة. كما أن معيار الإنسانية لديها هو في تحطيم النظام الرأسمالي الاستغلالي وإحلال نظام آخر هو الاشتراكية محله.. وبالتالي فان الطبقة العاملة وهي تناضل من اجل العلمانية والتمدن والحرية والمساواة و الرفاه للجميع تدرك أن الاشتراكية هي التجسيد السياسي الوحيد الممكن لتلك العلمانية لا الديمقراطية البرجوازية ولا أي شكل من البنى الفوقية السياسية للرأسمالية.
إن الاعتذارية التي تبديها قوى اليسار التقليدي إزاء الإسلام السياسي هو موقف رجعي معاد لأماني ومطامح الجماهير في الحرية والمساواة والتمدن والعلمانية مهما أسهبوا في الحديث عن الجماهير المحرومة ومهما استعانوا بالماركسية لتبرير مواقفهم البرجوازية.
2006 / 10 / 27 المصدر : الحوار المُتمدّن



§ - لاحظ النزعة العمالوية الكوزموبوليتية (العولمية) غير المنشغلة بالقضايا القومية و بالتحالفات السياسية بين الطبقات عند الكاتب/ من المحرر
تعليق على
البيان الموجه للقوى و الأحزاب الماركسية العربية
مازن كم الماز
هناك عادة سيئة في الخطاب السياسي العربي يتمثل في المبالغة و الحديث عن استثنائية المرحلة أو خطورتها فكل الأوقات استثنائية ( ربما كاستمرار للقوانين الاستثنائية التي تحولت إلى حالة دائمة حاضرة في كل شيء في بلادنا ) لكنني سأتجرأ لأصف إصدار بيان موجه للقوى و الأحزاب الماركسية العربية بالاستثنائي , هذا طبعا بالنسبة لمن يسعى لإنجاز تغيير وطني ديمقراطي جذري يرى اليسار بما يعنيه و يفترض أن يمثله من جماهير على الأرض و من قراءة ثورية للواقع تتجسد في البديل الثوري عن هذا الواقع كحامل و رأس حربة له..
رسم البيان خط النار الفاصل بين القوى المتصارعة و قدم توصيفا لطبيعة الصراع يتجاوز السائد خاصة في أوساط اليسار المتلبرل (من الليبرالية) الذي يخلط بين الديمقراطية و المشروع الأمريكي بما في ذلك دخول إسرائيل في منظومة إقليمية تشكل الأنظمة "المعتدلة" قطبها الآخر..و كان توصيف حالة اليسار أيضا بداية ضرورية لطرح بديل ثوري قادر على تطوير رؤية ثورية للواقع و طرح البديل الثوري و الانخراط في نضال جماهيري في اتجاه تفعيل الشارع و مواجهة سياسات القهر و الاستغلال المفروضة من الداخل و الخارج..إن اليسار ليس عدوا لأمريكا بالمطلق و لمجرد أنها أمريكا..إن أمريكا تسعى لإدامة نهبها للمنطقة و هي حاليا تستبدل تكتيكاتها فقط و قد سبق لها أن استخدمت القوى التي تعتبرها اليوم معادية للحرية و الاعتدال لتلبية مصالحها في الماضي..أمريكا تشكل رأس جبل الجليد الذي تمثله الشركات المتعددة الجنسيات التي تبسط نفوذها الآن في كل مكان على حساب إفقار الشعوب و استلاب حريتها و ظروف حياتها..لكن ليس كل ما هو معاد لأمريكا فهو في خندق الشعوب..إن شعوبنا تعرضت لقمع و استغلال مارسته أنظمة ادعت الحداثة و العمل على تعزيز الاستقلال وصولا إلى تهميش حولها إلى حالة جامدة مشلولة عاجزة عن التصدي لاستغلال الداخل و الخارج..إن هذه الأنظمة مستهدفة أمريكيا لكنها في ذات الوقت مسؤولة عن حالة القهر و إضعاف قدرة الجماهير أو دورها لصالح هذا القهر..جرت سابقا و حاضرا محاولات لتبرير هذا القهر و السعي لتصويره على أنه شر لا بد منه أو أنه البديل الوحيد عن ديكتاتورية عسكرية أو عن وصول الأصوليين إلى السلطة أو عن الفوضى و ما شاكل ذلك في تغييب لأي بديل وطني ديمقراطي شعبي خارج ثنائيات النظام/ أمريكا أو النظام/ الأصولية..من الملفت حضور حزب الشعب الاشتراكي المصري هذا اللقاء و هو يشكل امتدادا للفريق من الحزب الشيوعي المصري ( جناح ميشيل كامل- نبيل الهلالي ) الذي رفض مثل هذه التبريرات التي سادت في أوساط اليسار المصري بعد وصول مبارك إلى السلطة..بقي هذا الطرف على توصيفه لنظام مبارك كممثل للتحالف الحاكم المعادي للشعب و واصل نضاله ضد استغلاله و قمعه للشعب فيما تمترست قوى يسارية أخرى وراء تلك التبريرات رافضة التحرك ضد نظام مبارك لتنتهي إلى ابتعاد اليسار عن الشارع و لجوئه إلى تكتيكات فوقية توفيقية إزاء استغلال و قمع النظام..إن المطلوب العمل على تجاوز أخطاء و سلبيات الممارسة في الماضي و لا سيما غياب النقد سواء الذاتي أو للحليف و تطوير رؤية الواقع حسب معطياته و ليس مجرد انتقاد هذه السلبيات التي منها قبول اليسار بدور هامشي إزاء ما اعتبر يوما قوى حاملة للتقدم الاجتماعي و ما هي إلا البرجوازية الصغيرة التي وصلت إلى السلطة مع انقلابات الخمسينيات و انخراطه في مؤسسات الحكم و المنظمات الجماهيرية الشكلية التي أقامتها و غياب أية مقاربة جدلية انتقادية تجاه مشروعها و ما آل إليه من أزمة عميقة مجتمعية..إن البديل الثوري الشعبي و الديمقراطي لا يمكن إلا أن يشكل تجاوزا لهذه الأنظمة بما تمثله و تمارسه و لدورها و خطابها..اليسار كممثل للجماهير و مصالحها لا يمكن أن يكون محايدا أمام قهر و استلاب هذه الجماهير من قبل هذه الأنظمة و لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبارها جزءا من حالة التصدي للمشاريع الأمريكية للمنطقة أو جزءا من الحل أو البديل..طبعا إن الدخول في صراع مع السلطة دون مبرر هو انتحار سياسي بقدر ما هو الصمت إزاء قضايا أساسية في نقد الواقع الفاسد و بناء البديل..إن إمكانيات حركة اليسار اليوم أكبر و انفلات أجهزة الأمن منكفئ شيئا ما إضافة إلى أن اليسار مطلوب منه ( خلافا للمعارضة الليبرالية ) أن يطرح و يعبئ الجماهير وراء مطالب اقتصادية معيشية ذات مضمون طبقي تتجاوز المطالب الصرفة المتعلقة بالحريات التي لا تنفصم في رؤية اليسار و نضالاته عن القضية الاجتماعية..في المقابل فإن الرؤية التي عبر عنها البيان عن القضية الديمقراطية ضحلة غير واضحة و غير مركزية مما يتطلب حوارا و مراجعة ضرورية لطرح يساري ثوري عن مفهوم العلاقة بين الحاكم و المحكوم و شكل السلطة السياسية و الجدل بين القوى السياسية المختلفة مع الإصرار على حق الشعوب و الجماهير في تحديد حاضرها و مستقبلها دون وصاية من أي أحد في إطار جدال مجتمعي مفتوح .. هناك أيضا موقف هام ملفت بحاجة للتطوير و للتعميق إزاء تيارات الإسلام السياسي و دور بعضها في مقاومة الغزوة الأمريكية مما يفترض أن يمهد لرؤية عن الاصطفافات السياسية و احتمالات التحالف مع قوى سياسية و اجتماعية في سياق تحقيق مشروع البديل و شروط هذه التحالفات و أهدافها و تكتيكاتها يتجاوز تابوهات الممارسة الماضية و مخاوف اليسار من قوى شعبية ذات إمكانيات تطور كبيرة متنوعة حسب مزاج جمهورها و انتماءاته الطبقية الشعبية أساسا مع وجود معيقات كبيرة لإمكانات تعاونها مع قوى التغيير الجذري تأتي من طبيعة فكرها رغم وجود إمكانيات للتعاون مع قواعدها في قضايا مختلفة من قضايا الحريات إلى القضايا المطلبية الجماهيرية..
إن البيان يشكل بداية أو محصلة ضرورية للجهود لتجاوز الحالة الراهنة لليسار و المجتمع المأزومين في سعي لصياغة البديل الثوري..إن مشروع البديل ليس مجرد جدل سفسطائي منفصل عن الواقع..إنه حالة نضال يومي شعبي فكري سياسي تحتي بقدر ما هو فوقي..إننا محكومون بالأمل محكومون بالالتزام بالشعب بقضاياه بالحرية و بالعدالة محكومون بالحلم و النضال في سبيل غد أفضل لشعوبنا
03 / 10 / 2006 المصدر: صفحات سورية
مشاركة في الحوار
حول نداء الماركسيين والأحزاب الماركسية
حسقيل قوجمان
صدر في الحوار المتمدن مؤخرا نداء للماركسيين والأحزاب الماركسية نداء يدعو إلى تجمع وتحاور الأحزاب والعناصر الماركسية "من أجل تأسيس تحالف يجمعهم , عبر صياغة برنامج مشترك يتعلق بالتوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية , كما يتعلق بالنشاط العملي المشترك" ووجهت دعوة من الحوار المتمدن إلى إجراء حوار حول هذا البيان. إنها دعوة صادقة وجيدة من عناصر شعرت بالتدهور الذي أصاب الحركات الماركسية وبالوضع الذي بلغته الجماعات التي تدعي الماركسية أو تؤمن بالماركسية من الانحطاط والابتعاد عن النضال الحقيقي للطبقة العاملة والكادحين وابتعاد هذه المنظمات والعناصر عن قيادة النضال الحقيقي للطبقة العاملة والكادحين. واستجابة لدعوة الحوار المتمدن أود أن أبدي بعض الملاحظات حول وسائل تحقيق مثل هذا التحالف وتحقيق وضع برنامج ايجابي حقيقي يؤدي إلى الهدف الذي أعلن عنه النداء.
في العقود الماضية منذ المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي المنعقد سنة ۱٩٥٦ وخطاب خروشوف السيئ الصيت والقرارات الانتهازية التي اتخذها هذا المؤتمر سادت في الحركات الشيوعية والماركسية مفاهيم انتهازية لا ماركسية تغلغلت في أذهاننا إلى الجذور بحيث ما زلنا حتى اليوم نعتبرها مفاهيم ماركسية وثورية. في اعتقادي أن أول مهام الماركسيين الحقيقيين والثوريين المؤمنين بحركة الطبقة العاملة وبمهمة تحقيق الاشتراكية هي تمييز هذه المفاهيم والشعارات الخاطئة ومحاربتها والتغلب عليها. فبدون ذلك لا يمكن أن تقوم حركة ماركسية حقيقية مهما بذل الماركسيون من مجهود لتحقيقها.
في هذه الكلمة أود أن أركز البحث عن واحدة من هذه الظواهر التي سادت خلال تدهور الحركة الشيوعية العالمية. أود أن أشير إلى أن الحديث عن حركة ماركسية حقيقية يجب أن يكون على أساس التمييز الطبقي للمجتمع مما توقفنا عن الحديث عنه خلال العقود الماضية. علينا أن نعود إلى تحليل كل مجتمع تحليلا يستند إلى التركيب الطبقي لذلك المجتمع في المرحلة التي يمر بها.
إذا راجعنا تاريخ الأحزاب الشيوعية قبل المؤتمر العشرين نجد أن كافة الأحزاب كانت تبني برامجها على أساس التركيب الطبقي للمجتمع في مرحلة تكوين الحزب. فالتكوين الطبقي للمجتمع يدلنا على صفات كل طبقة من طبقات المجتمع وكل مرتبة من مراتبه مع الصفات الطبقية الاقتصادية والفكرية والاجتماعية لتلك الطبقة أو تلك المرتبة. فإن ما يحدد سلوك طبقة معينة سلوكا عاما متشابها هو تكوينها الطبقي إذ أن التكوين الطبقي هو الصفة الوحيدة التي بإمكانها تحديد الصفات العامة لتلك الطبقة أو المرتبة.
وأن التكوين الطبقي هو الذي يدلنا على إمكانيات التعاون والنضال المشترك بين طبقة وأخرى وبين مرتبة وأخرى. والتكوين الطبقي هو الذي يدلنا على الطبقة أو الطبقات والمراتب التي لا يمكن التعاون معها أو العمل المشترك معها أو التي ينبغي إطاحتها خلال النضال الثوري للمجتمع. إن التحالفات الاجتماعية والسياسية الثورية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا على أساس التكوين الطبقي للفئات المتحالفة.
إذا راجعنا تاريخ الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي (البلشفي) مثلا نجد أن برنامجه مبني على التكوين الطبقي للمجتمع الروسي. نجد أن الحزب كان يميز الطبقات الاجتماعية التي لها مصلحة في تقدم المجتمع وتطوره والتي لا مصلحة لها في تقدم المجتمع وتطوره. نجد أن الحزب البلشفي حدد منذ ۱٩۰۳ أن المجتمع الروسي يتألف من طبقات ومراتب لها مصلحة في الثورة وهم الطبقة العاملة ومراتب الفلاحين الدنيا والمتوسطة والفئات المتوسطة في المدن كالحرفيين وأصحاب المهن وفئات المثقفين والطلاب وهم ما نسميه عادة "البتي" برجوازية (البورجوازية الصغيرة) وكذلك الطبقة البرجوازية. ولذلك حدد الحزب الإمكانيات الثورية لكل من هذه الطبقات والمراتب ومدى إمكانية التعاون مع كل من هذه الطبقات والمراتب. وحدد الطبقة التي لا يمكن التعاون معها والتي ينبغي إسقاطها والإطاحة بها من أجل تقدم المجتمع وهي طبقة الإقطاع المتمثلة بالقيصرية. وعلى أساس هذا التكوين الطبقي للمجتمع الروسي توصل الحزب إلى أن الثورة في روسيا تتألف من مرحلتين، مرحلة الثورة البرجوازية ومرحلة الثورة الاشتراكية وحدد سبل تحقيق كل من هاتين المرحلتين والقوى التي يمكن الاعتماد عليها في كل منهما. وضع منهاج الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي المشترك بين البلاشفة والمنشفيك في مؤتمر ۱٩۰۳ وبقي هذا البرنامج ثابتا لم يتغير حتى ثورة أكتوبر. وقد كان كتاب لينين "تكتيكان"§ بحثا رائعا للمقارنة بين تكتيك البلاشفة في الثورة البرجوازية وتكتيك المنشفيك فيها.
وإذا راجعنا تاريخ الحزب الشيوعي الصيني نجد أن برنامجه هو الآخر وضع على نفس الأساس. وقد كتب ماو تسي تونغ كراسا رائعا حول التركيب الطبقي للمجتمع الصيني ودور كل طبقة ومرتبة في الثورة الصينية.
وإذا راجعنا تاريخ الحزب الشيوعي العراقي نجد أن فهد في الأربعينات بحث هو الآخر التركيب الطبقي للمجتمع العراقي وحدد دور كل طبقة وكل مرتبة في الثورة المقبلة (وقد كان ذلك واضحا في كراس حسين الشبيبي عن الحركة الوطنية والمقدمة التي كتبها فهد لهذا الكراس) وكذلك حدد أن المجتمع العراقي يواجه ثورتين أو مرحلتين للثورة هما مرحلة الثورة البرجوازية ومرحلة الثورة البروليتارية. وعلى أساس هذا التحليل الطبقي للمجتمع العراقي وضع برنامج الحزب الذي يتألف من شقين، المنهاج وهو يكون المنهاج الاستراتيجي ويحدد مرحلتي الثورة (وقد حذف هذا الجزء من البرنامج في مجموعة مؤلفات الرفيق فهد التي نشرها الحزب الشيوعي في السبعينات) والجزء الثاني من البرنامج الميثاق الذي يتضمن الأهداف الآنية التي يناضل الحزب من أجل تحقيقها في طريق الإعداد للثورة البرجوازية في العراق، وهذه أهداف تكتيكية يمكن أن تتغير فإذا تحقق شعار منها نشأت شعارات أخرى يناضل الحزب من أجل تحقيقها. لذا نلاحظ أن كل فقرة منها كانت تبدأ بكلمة "نناضل من أجل" إذ أن الحزب لا يستطيع أن يحقق التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بنفسه قبل أن تكون الطبقة العاملة هي الطبقة الحاكمة وان النضالات التكتيكية التي يريد تحقيقها تعتمد على النضال اليومي الذي بمجموعه يهدف إلى تحقيق اللحظة التي ينبغي فيها تحويل الطبقة العاملة من طبقة محكومة إلى طبقة حاكمة. هذا البرنامج الذي يتألف جزؤه الاستراتيجي من صفحة واحدة أو صفحتين هو الذي جمع العمال والكادحين وكثيرا من المثقفين حول الحزب فأصبح الحزب بفضله أقوى وأكبر حزب سياسي في العراق وربما في البلاد العربية. إنه برنامج يفهمه العامل البسيط ويفهمه الفلاح الفقير ويفهمه الطالب والمثقف والحرفي.
ويبدو لي أن مراجعة تاريخ كافة الأحزاب الشيوعية في عهد ما قبل المؤتمر العشرين تدلنا على أن برامجها وضعت كلها على نفس الأساس، على أساس التركيب الطبقي للمجتمع.
ونلاحظ أن القسم الاستراتيجي من هذه البرامج جميعها لم يتغير طالما بقيت طبيعة الثورة لم تتغير. فبرنامج الحزب الشيوعي السوفييتي البلشفي لم يتغير إلى ما بعد ثورة أكتوبر وكذلك برنامج الحزب الشيوعي الصيني واعتقد أن برنامج الحزب الشيوعي العراقي المتخذ في ۱٩٤٤ ما زال حتى اليوم البرنامج الصحيح لأي حزب ماركسي حقيقي في العراق سوى أن المرحلة الأولى من البرنامج، مرحلة الثورة البرجوازية، تمت بكاملها في ثورة ۱٤ تموز ۱٨٥٨ وتحول المجتمع العراقي إلى المرحلة الثانية من الثورة، مرحلة الثورة الاشتراكية. وطبيعي يحتاج كل حزب أو كل منظمة مشاركة في النداء أن يبحث عن تاريخ وضع برنامج الحزب الشيوعي في بلده ويدرس الأساس الطبقي الذي بني البرنامج على أساسه. يحتاج كل مشترك في النداء إلى دراسة التركيب الطبقي في مجتمعه وتحديد المرحلة الثورية التي يمر فيها مجتمعه لان المجتمعات العربية مثلا مازالت تختلف إحداها عن الأخرى في هذا الصدد.
إن من أول مهام النداء والمشتركين فيه هو العودة إلى الحديث عن التركيب الطبقي وميزات كل طبقة وكل مرتبة في المجتمع وتحديد موقف الحركة الماركسية الحقيقية تجاه كل من هذه الطبقات والمراتب لان هذا الطريق هو الطريق السليم الأوحد لتحديد العلاقات بين طبقات المجتمع ومراتبه وتحديد سياسة الحزب الماركسي على هذا الأساس. وتحديد إمكانيات التعاون بين هذه الطبقات والمراتب وإمكانية عقد الجبهات الوطنية فيما بينها.
إن الشعارات التي نسمعها اليوم عن حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية والتعددية والعدالة الاجتماعية والقضاء على البطالة وغيرها من شعارات عامة هي شعارات لا تعبر عن المصالح الطبقية للطبقة العاملة وإنما تعبر عن مصالح المراتب المتوسطة في المدينة خصوصا، المراتب المتذبذبة بين الطبقة العاملة وبين الطبقة البرجوازية. فليس هناك حقوق إنسان تشمل حقوق الإنسان العامل والإنسان الرأسمالي وليس هناك حريات ديمقراطية مشتركة للرأسماليين والعمال وغيرها من الشعارات التي يبدو كأنها تشمل المجتمع كله ولكنها لا يمكن تحقيقها إلا لفئات معينة.
لنأخذ مثلا ما يسمى حقوق الإنسان. هل هناك حقوق إنسان عامة تشمل كافة طبقات ومراتب المجتمع؟ إن ما يفهمه العامل من حقوق الإنسان هو حقه في العمل، وحقه في زيادة أجوره، وحقه في مسكن مريح يعيش فيه هو وعائلته، وحقه في تثقيف (تعليم)أولاده مجانا، وحقه في التفاوض الجماعي حول الأجور وظروف العمل. ولكن الإنسان الرأسمالي يفهم من حقوق الإنسان حقه في زيادة استغلال العامل من اجل زيادة أرباحه، وحقه في الاستغناء عن عمل العامل إذا لم يعد عمله مجديا في زيادة أرباحه، إلى آخر ذلك من الحقوق. فليست في المجتمع الرأسمالي حقوق متساوية تشمل جميع طبقات المجتمع إلا في أذهان فئات من المثقفين "البتي" برجوازيين. ويصدق الشيء ذاته على مفاهيم الديمقراطية والعدالة والحرية وغيرها.
ولكننا لم نترك الحديث عن الطبقات والمراتب الاجتماعية في فراغ. فقد استعضنا عن ذلك بالحديث عن الشرائح والسندويشات. ففي كل سياساتنا وأهدافنا أخذنا نتحدث عن شرائح بدلا من التحدث عن طبقات ومراتب. والفرق بين الشريحة والطبقة هو أن الشريحة ليس لها مفهوم اقتصادي واجتماعي وسياسي مشترك. فان الشريحة قد تتكون من أشخاص ينتمون إلى طبقات مختلفة متعارضة وغير متجانسة. اعتقد أن أية حركة ماركسية حقيقية في أيامنا ينبغي أن تتخلص من لغة الشرائح والسندويشات والعودة إلى لغة الطبقات والمراتب الاجتماعية. فهي اللغة التي يفهمها العمال والكادحون ويستطيعون الانسجام معها والنضال في صفوفها من اجل تحقيق مطالبهم الآنية والسير قدما في طريق تحقيق مطالبهم الإستراتيجية البعيدة.
قد أعود وأتحدث في مقالات تالية عن مفاهيم أخرى تجذرت في عقولنا خلال فترة التدهور في الحركة الشيوعية والماركسية والتي يجب التخلص منها لكي نستطيع تكوين حركة ماركسية حقيقية سواء على نطاق قطري أو على نطاق مجموعة من الأقطار كالأقطار العربية مثلا. ولا يستطيع الموقعون على البيان أن يحققوا برنامجا مشتركا فاعلا من اجل تنظيم العمال والكادحين وجرهم إلى النضال إلا إذا استطاعوا أن يتحدثوا بلغة يفهمها العمال ويؤمنون بها ومنها الحديث عن الطبقات والمراتب الاجتماعية
المصدر: الحوار المتمدن - العدد: 1687 – 2006 / 9 / 28
§ - المقصود هو كتاب لينين: "خطتا الاشتراكية في الثورة الديموقراطية" . كتبه في حزيران- تموز 1905

حوار قوى اليسار الديمقراطي وسمات العولمة الرأسمالية
لطفي حاتم
أرسل لي مشكوراً الباحث والصديق الأستاذ سلامه كيله النداء الصادر إلى القوى والأحزاب الماركسية في الوطن العربي الأمر الذي حثني على المساهمة في دراسة التوجهات والرؤى الفكرية الأساسية للنداء المذكور.
بداية أود الإشارة إلى أن اللقاء والنداء الصادر عنه يشكل مساهمة جدية في تحريك المياه الراكدة وعلامة ايجابية على حيوية الفكر الماركسي الذي لازال وبرغم كل الأصوات الصاخبة والخافتة حيوياً قابلاً لتفسير التطورات الجديدة وذلك بسبب التصاقه ـ الفكر الماركسي ـ ببنية أسلوب الإنتاج الرأسمالي ومراحل تطوره وأحد منتجاته الفكرية الكبرى.
على أساس تلك الملاحظة دعونا نطرح السؤال التالي: ـ ما هي البنية الفكرية / السياسية للنداء ؟ وهل يشكل النداء خطوة جادة نحو تجديد الرؤية الماركسية لمشاكل بلداننا العربية ؟ وأخيراً هل هناك إمكانية لنشوء حركة عربية ماركسية تشكل عتبة ضرورية نحو التغيير اللاحق ؟
محاولة التقرب من تلك الأسئلة تنطلق من محورين الأول رؤية النداء للإشكالات السياسية الفكرية المبنية على وصف الطور الجديد من التوسع الرأسمالي. والثاني إستراتيجية النداء لآفاق المستقبل انطلاقاً من بناء الحركة العربية الماركسية.
على أساس تلك المحددات دعونا نبدأ بالمحور الأول الذي يتضمن التحليل التالي:
أولاً ـ طبيعة الصراع والقوى الساندة له
يتمثل الصراع الدائر في المنطقة العربية بين مشروعين أساسيين [مشروع التحرر العربي ومشروع الهيمنة الاستعمارية.] ويتمحور هذا الصراع حول القضية الفلسطينية باعتبارها [ بؤرة الصراع الرئيسية ]
ـ الطبقات الاجتماعية المباركة لهذا المشروع يمكن تحديدها ب [الطبقات الرجعية السائدة الحاكمة في مختلف البلدان العربية ذات المصالح المتشابكة مع الإمبريالية ].
ـ القوى الاجتماعية الساندة لمشروع الشرق الأوسط الكبير و[ الجديد ] تتمثل ب [ النظم الرجعية التابعة والاستبدادية والحركة الأصولية وبعض الأطراف والأحزاب الليبرالية ]
ـ يشير النداء إلى إن القوى المشار إليها [ مندمجة أو قابلة للاندماج في النمط الرأسمالي العالمي، ومتحالفة أو ساعية للتحالف الاستراتيجي مع القوى الإمبريالية ]
ـ إن ظروف التردي التي تعيشها قوى التغيير العربية تستند إضافة إلى ما ذكر إلى [تراجع دور العديد من القوى الماركسية والشيوعية حتى أصبح العديد منها هامشيا ] بسبب إن بعضها [اختار التكيف نتيجة أخطاء في التصور والممارسة, وقد ارتد بعضها أو أعضاء منها إلى مواقع ليبرالية وقبل التكيف مع العولمة الرأسمالية] وبالتالي جرى فصل [المسالة الديموقراطية عن المسالة الوطنية ]
ثانياً ًـ رؤية النداء للبديل القادم والتصدي لكل بدائله.
ـ إن تحقيق هذا الهدف يشترط [ بلورة برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي يمثل التقاطعات التي تجمعها ( القوى والأحزاب الماركسية ) ( 2 ) من أجل خوض النضال بجميع أشكاله حسب وضعية كل قطر] إن هذا البرنامج يفضي إلى [ بلورة رؤية فكرية مشتركة].
ـ من المفيد التذكير إن البديل القادم الذي يتصوره النداء هو [بديل يعبر عن مصالح الطبقة العاملة والشعوب ويقوم على التحرر الوطني والتكافؤ وحرية تقرير المصير وضمان حق الاختلاف والتعدد والعدالة والمساواة الاجتماعية, والديموقراطية ]
هذه باختصار قراءة مكثفة لأهم آراء النداء ومضامينه الفكرية ولغرض مناقشة هذه الأفكار والتوجهات بصورة تنسجم وروح النداء الهادفة إلى تقريب وجهات النظر بين القوى والشخصيات الماركسية دعونا نبدأ برؤية عامة قد تمهد الطريق لمعالجة الإشكالات والقضايا الفكرية المثارة ووضعها في الإطار الملموس لتاريخنا المعاصر تاركين التفاصيل لفترة لاحقة (1 ).
الموضوعة الأولى: ـ أفضت العولمة إلى توحيد العالم وتكمن وحدانيته في سيادة أسلوب الإنتاج الرأسمالي على الرغم من أن هذا النمط يتطور تطوراً متفاوتاً تتعايش فيه دول مختلفة متباينة التطور.
إن وحدة العالم المتمثلة برأسماليته تطرح مسألتين أساسيتين على الواقع العملي أولاهما إن نمو وتطور بلداننا العربية يسير في إطار التطور الرأسمالي التابع منذ نشوء دوله الوطنية ، وبذلك تبقى عملية فك الارتباط عملية تاريخية خاضعة لحزمة من المتغيرات الاقتصادية/ السياسية الدولية. وثانيتهما أن العولمة الرأسمالية ورغم تناقضاتها ( 3 ) تشترط إعادة الاعتبار إلى موضوعة الاتحاد العربي الفدرالي المستند إلى بناء سوق اقتصادية عربية ضامنة للتطور المستقل عن التكتلات الاقتصادية الكبرى. في هذا الإطار تأتي أهمية وحدة الحركة العربية الاشتراكية واليسارية التي أشار إليها النداء بالنسبة إلى القوى والأحزاب الماركسية.
الموضوعة الثانية ـ بسبب عمليات الترابط والتدويل وما أفرزته تناقضات العولمة الرأسمالية المتجسدة بقانوني الاستقطاب والتهميش حصلت كثرة من التغيرات على صعيد السياسة الدولية تتطلب الفحص والتدقيق عند رسم السياسة العامة للأحزاب الماركسية منها:
أ ــ لم تعد التناقضات الاجتماعية الوطنية قادرة وحدها على حسم النزاعات الطبقية لصالح الأطراف اليسارية بسبب إن تلك النزاعات أصبحت جزءاً من المصالح الدولية وبهذا المعنى فان الصراعات الوطنية تشكل في المرحلة الجديدة من التوسع الرأسمالي جوهر السياسة الخارجية للدول الإمبريالية.
ب ــ إن أساليب العنف الثوري التي أفرزتها تجارب الأحزاب الاشتراكية في القرن المنصرم لم تعد قادرة على حسم المعارك الطبقية ذات المنحى الاشتراكي نتيجة لعمليات التدويل المتسارعة للقضايا الوطنية من جهة. ونمو وتطور ازدواجية الهيمنة الداخلية / الخارجية على مسار تطور السلطة السياسية في الدول الوطنية من جهة أخرى.
إن التطور المشار إليه والذي أفرزته العولمة الرأسمالية يطرح على الأحزاب الاشتراكية مهمة اكتشاف الطرق الكفاحية القادرة على إجبار القوى المتحالفة مع الوافد ألاجني على مراعاة المصالح الوطنية.
ج ــ إن عمليات تهميش القوى والشرائح العاملة في حقل الإنتاج الوطني التي فرضتها البنية الاقتصادية المرتكزة على هيمنة قطاع الخدمات والوكالة التجارية تشترط تغيير البنية الطبقية للحزب الاشتراكي وما يتطلبه ذلك من توسيع قاعدته الاجتماعية وعدم حصرها بالعمال والفلاحين. بكلام آخر إن التهميش والاستقطاب الناتج عن التوسع الرأسمالي أصبح واسعاً بسبب الانهيارات المتواصلة للطبقتين الوسطى والبرجوازية الوطنية وما يعنيه ذلك من حصر الكفاح الوطني ضد البرجوازية البيروقراطية المتحالفة مع الشركات الاحتكارية الناهبة لثروات الدولة الوطنية.
الموضوعة الثالثة - إن قانون الاستقطاب الرأسمالي ونتائجه المتمثلة بعمليات التفكك والاندماج والتهميش المتسارع تطرح قضايا مهمة منها آفاق الكفاح الاجتماعي وكيفية بناء السلطة الديمقراطية، ومنها كيفية الوصول إلى السلطة السياسية، ومنها دور الدولة في التحولات الاجتماعية. والسؤال الذي يواجهنا هل تسعى الأحزاب الاشتراكية إلى استلام السلطة بهدف البناء الاشتراكي أو بناء نظام ديمقراطي رأسمالي متوازن مناهض لوحشية الرأسمالية المرتكزة على الليبرالية الجديدة.
إن الأسئلة المثارة تستمد شرعيتها من الإشكالات الفكرية التالية:
أولاً ـ لم يعد بناء الاشتراكية في بلد واحد قضية عملية مطروحة على جدول الأعمال بسبب انتفاء مساندها التاريخية والعودة إليها في المرحلة الجديدة من التوسع الرأسمالي يشكل ضرباً من المثالية الفكرية.
ثانياً ـ أصبح بناء الاشتراكية قضية أممية ترتبط بطبيعة التكتلات الاقتصادية ومسارات المعارك الوطنية / الاجتماعية في بلدان هذا التكتل الاقتصادي أو ذاك. من أجل بناء البديل القادم لابد أولاً من [هزيمة المشروع الإمبريالي الأمريكي بالخصوص والمشروع الرأسمالي عموما,
ثالثاً ـ وضعت العولمة الرأسمالية قضية الدولة الوطنية على طاولة التكييف الهيكلي من خلال مساعي تحويلها إلى شركة كبيرة تدار من قبل جهاز بيروقراطي مرتبط بمصالح الشركات الاحتكارية من جهة وتوطيد وظيفتها القمعية لضبط النزاعات الوطنية من جهة أخرى. وبهذا المعنى تتحقق المقولة الماركسية القائلة إن ( الدولة جهاز قمعي .... ).
رابعاً ـ ربط الوطنية بالديمقراطية تتمتع بأهمية استثنائية في الظروف التاريخية الملموسة بمعنى إن الوطنية تجد تجسيدها في صيانة المصالح الوطنية المرتكزة على الموازنة الاجتماعية أولاً وإدارة السلطة السياسية على أساس الديمقراطية والتداول السلمي ثانياً.
خامساً ـ تكيف الحركات الماركسية وفق المستجدات التاريخية هي عملية تاريخية مرتبطة بمراحل التوسع الرأسمالي الأمر الذي يضفي على مساهمتها الكفاحية طابعاً جدلياً مساهماً في إنضاج المهام الوطنية القابلة للحل والتنفيذ.
خلاصة للأفكار والآراء التي جرى استعراضها يمكن القول إن النداء الصادر إلى الأحزاب القوى والأحزاب الماركسية في الوطن العربي سيساهم في دفع السجال الفكري الدائر بين قوى اليسار الديمقراطي إلى عتبة جديدة تفضي إلى بناء توجهات فكرية وأعمال تضامنية ملموسة في مواجهة التحديات الكبرى التي تفرزها أيديولوجية الرأسمال المعولم.
الهوامش :
1 ـ لن أتناول قضايا الاحتلال ومقاومته والتي بحثتها في دراسات سابقة
2 ـ الإشارة الواردة بين القوسين من وضع الكاتب
3 ـ إن عمليات التهميش والاستقطاب الجارية لا تقتصر على التشكيلات الاجتماعية في هذا البلد أو ذاك بل تتعداها إلى الدول الوطنية كوحدات سياسية.
المصدر: الحوار المتمدن - العدد: 1687
2006 / 9 / 28








بين نصّين
موريس عايق
طرحت خلال الفترة الأخيرة ورقتين لليسار العربي. الأولى هي برنامج الحزب الشيوعي العراقي والثانية هي نداء للماركسيين العرب. لن أدخل في مناقشة تفصيلية لكلتا الورقتين ولكن سأحاول قدر الإمكان استكشاف المشاكل التي يطرحها الفكر الذي يكتب هذه النصوص.
يبدأ برنامج الحزب الشيوعي بالتأكيد على استفادته من التراث الماركسي والاشتراكي غير الماركسي وأيضاً تراث نضال شعوب العراق. البداية بحد ذاتها مجرد كذبة فعمل كهذا سيحتاج إلى جهود فرق بحثية ولفترات طويلة وقد لا يصيبه النجاح وليس بضعة أشخاص مكلفين من الحزب وخلال فترة أسابيع لكتابة برنامج, لا نلمس فيه نهاية أي اثر لأي فكر( وضمنا الفكر الماركسي). هذا النمط من إطلاق الكلام على عواهنه هو الميزة الأولى لهذا البرنامج. كذلك سيتحدث عن مراعاته للوضع العراقي ولكن سيكون واضحاً من خلال سياق النص غياب العراق تماما.
الشيوعية تغيب من البرنامج وحتى كهدف يوتوبي ولا نعرف لماذا يحتفظ الحزب بعدها باسمه؟ بالمقابل تحل الاشتراكية مكان الشيوعية كهدف ولكنها أيضا لا تعرف بالملكية العامة ولا ترد إلا في الختام وبشكل عابر.
ما يسعى إليه الحزب الشيوعي كما يبدو من نصه هو دولة رعاية اجتماعية قوية. ولكن أليست هذه الدولة لا تقل يوتوبية عن الشيوعية في العراق تحديداً.
كيف سيحقق الحزب هذا الهدف؟
هو لا يخبرنا, بل يجمع لنا كما هائلا من البنود التي يناضل الحزب لأجلها. وأحياناً يلمح- بطريقة تدل على استغباء (وللدقة استحمار) لكوادره- للوسيلة التي يرغب عن طريقها بتحقيق أهدافه. فهو يريد أن يغري المستثمرين وأن يستدين من صندوق النقد والبنك الدولي, ولكنه بالمقابل يرفض شروطهما مسبقاً ويدين العولمة ويطالب بإلغاء الديون.دعونا نفترض أن العراق تحرر وانتهت المسألة الأمنية على خير ما يرام واستلم الحزب الشيوعي السلطة وبأغلبية مريحة فهل سيكون قادرا على تنفيذ هذا؟
بكل تأكيد سينفذها البنك الدولي كرمى لعيون الحزب الشيوعي في مكان آخر يرفض الحزب الشيوعي المحاصصة الطائفية للعراق ولكنه وفي مكان آخر يؤيد الفيدرالية ويطالب بتعزيزها في كردستان وإقامتها في الجنوب. فكيف سيوفق بين فيدرالية على أساس طائفي ورفض للمحاصصة الطائفية للدولة, إن كان هناك اختلاف بالمعنى؟
يؤكد برنامج الحزب الشيوعي على النضال من أجل استقلال العراق ولكن دون ذكر لكلمة واحدة عن سيئات هذا الاحتلال, بالتالي لم نفهم لماذا يطالب أصلا بخروجه؟
الأطرف أن الحزب الشيوعي في الشق البيئي من البرنامج يتحدث عن إعادة الأهوار التي جففها النظام المقبور,ثم عن محاربة آثار اليورانيوم المنضب لكن من دون ذكر لمن استعمله.
برنامج الحزب الشيوعي العراقي هو إحدى إجابات الحركة الشيوعية العربية المأزومة, إجابة الشق الرسمي منها. إجابة تحاول إخفاء أزمتها بتبني خطاب الجميع وكتابة نص يرضي الجميع. وهو لا يمتاز بأية معالجة نظرية أو تدقيق بواقع العراق وحتى أسوأ من أن يكون مجرد برنامج انتخابي. هو يخشى المحاولة الجدية لطرح الأزمة لأنها قد تؤدي إلى انشقاقات بالإضافة إلى أنها ستكشف العجز الواقعي الذي يعانيه.
نأتي إلى النداء وهو يملك الكثير من الحسنات ولكن حصراً بالقياس إلى برنامج الحزب الشيوعي العراقي. تبدأ مشاكل النداء بطريقة توصيفه للواقع وللمشكلة. فنحن لسنا إلا ضحايا للامبريالية وحلفائها من الطبقات الاستعمارية أو مقاومون. أما مشاكلنا الفعلية فهي غائبة.
مشكلة النداء انه يمكن كتابته في أي زمن, بمعزل عن الجمل التي تحيل إلى أحداث حالية, فإننا لن نجد ما يدل على انه كتب في الزمن الراهن.
تجرد النص من زمانيته هي الدليل على أزمة مقاربته للواقع. هو يكدس لنا أهداف حركة التحرر بشكلها الأولي (زائد التعدد والاختلاف) دون أن يراعي واقعنا الجديد أو التحول الذي أصاب هذه الأهداف.
لنأخذ على سبيل المثال "حق تقرير المصير" النص يتناسى - في ذهنه فلسطين حصرا- الأكراد أو البربر أو القدرة على تعميم هذا الحق طائفيا ليتضمن الشيعة في العراق أو السعودية وخاصة أن تعريف الهوية حالياً هو تعريف طائفي. وحتى ضمن تعريف قومي أصبح حق تقرير المصير إشكالياً إزاء حقيقة التداخل القومي.
في مكان آخر يتحدث النداء عن ضعف الحركة الشيوعية العربية ويعزوه إلى القمع الذي طالها وبدون اعتبار للممارسة السياسية الذاتية لهذه الحركة وإهمال تاريخها. الإهمال لا يقتصر على التاريخ إنما يتعداه للواقع ذاته فهو يجعل من الطائفية مجرد وعي مزيف تسوقه القوى صاحبة المصلحة ( ولا نعرف كيف) للتغطية على الصراع الحقيقي, أي الصراع الطبقي والوطني (والأخير يفترض أن يكون صراعاً مزيفاً ولكن لعلة ما أدرج على انه صراع حقيقي) ودون إطلالة على " نمط الإنتاج" الذي يفرز الطائفية كواقع.
يتماثل النصان في أنهما كتبا بطريقة المعاجم, أي تجميع الكلمات المعجمية الجميلة وجعلها أهدافاً ودون النظر إلى واقعيتها أو معناها أو قدرتنا على انجازها.
الأسوأ أن النصين ينتميان إلى عقلية توحيدية (ربما بتأثير مذاهب التوحيد الدينية لدينا) تفترضان وبسذاجة أن المفاهيم الخيّرة (حق تقرير المصير, الاختلاف, الحرية, المساواة...) تتماهى معنويا ولا تتناقض. طبعاً هذا مجرد عسف فكري ضد الواقع(متعدد الآلهة أو الوثني بتعبير سيء). فالحرية بإطلاق نقيضة للمساواة بإطلاق وكل منهما يحمل بذاته تناقضاً. ونظرية العدالة هي إنتاج ما بينهما.
لكن هذه النصوص لا تملك قوة تغيير الواقع ولهذا فهي غير مضطرة إلى الاهتمام بما ستعنيه. فهي لن تمارس بالنهاية وعليه فإنها لن تحاسب. كذلك يبين النصان انعدام المسؤولية في مخاطبة الآخرين (وأولهم الكوادر) فلا صدق ولا مصارحة ولا مواجهة شفافة.
لكن بالمقابل لهما حسنة - ليست الانتقال إلى مستوى أعلى من الوعي كما ذهب بعض المعلقين- وهي إظهار الأزمة في الحركة الشيوعية بوضوح أشد. أزمة تفكيرها تتكثف في هذين النصين.
الحركة بشقها الرسمي تنتهي إلى التعمية والآخرون إلى المبالغة الثورية الفجة. ما الذي سيحصل الآن؟
الشيوعيون العراقيون سيعقدون مؤتمرهم ويبدأون بالتأكيد على أن التاريخ أثبت صحة تحليلاتهم وينتهون بالتصويت على برنامجهم. وأهل النداء سيطرحون- كما فعلوا سابقا- بعد مدة نداءً جديدا للقوى الماركسية.
ما أردته في النهاية هو رمي حجرة في حوار الذات الذي يمارسه الطرفان وأتمنى أن أكون أصبت
المصدر: الحوار المتمدن - العدد: 1692 2006 / 10 / 3





















حول الديموقراطية
الطاهر المُعِزّ
مقدمة:
ظهر مصطلح الديموقراطية عند اليونانيين القدامى (حسب ما بلغنا) ثم عند الرومان بمعنى مشاركة قاطني الحي أو المدينة في الشأن العام وعدم تفرد الملك أو الإمبراطور أو الحاكم باتخاذ القرارات المصيرية دون استشارة مجلس أو هيئة أو مجموعة تبدي رأيها وتتحاور قبل تنفيذ القرار أو القانون. أما تركيبة هذه الهيئات الاستشارية فكانت تقتصر على "المواطنين الأحرار" أي الأرستقراطيين أو النبلاء أو قادة الجيش... وبالتالي فهي نخبوية خلافا لما نفهمه اليوم من مصطلح "الشعب", فحكم الشعب لنفسه بنفسه لم يكن يعني مشاركة كافة فئات الحرفيين والفلاحين والعبيد والجنود في تقرير مصير المملكة أو الإمبراطورية أو الإمارة, بل إن نخبة من الأحرار هي التي تتمتع بحق المواطنه وبالتالي المشاركة في صنع القرار. أما ما اصطلح على تسميته بالشورى عند المسلمين قبل الدولة الأموية فإنه أقل تحررا وانفتاحا إذ يضمّ عددا قليلا جدا من "أصحاب الحل والعقد" من النافذين المقربين من الحاكم كالصحابة مثلا.
في مثل هذه الحالات, لا يمكن للفئات الشعبية أن تعبّر عن رأيها ومشاغلها ومصالحها إلا بواسطة الهزات العنيفة والانتفاضات والثورات وأشهرها ثورة العبيد المعروفة بثورة "سبارتاكيس", أو ثورة الزنج بجنوب العراق أو ثورة "صاحب الحمار"... ولم يخل عصر من احتجاجات الفقراء والكادحين أو الفئات المقصية من السلطة. أما في العصر الحديث فان الثورة الفرنسية هي المعبر عن الرغبة في توسيع مفهوم الديموقراطية إلى فئات كانت مقصية عن التعبير عن مشاغلها ومصالحها وعن التمثيل في أجهزة اتخاذ القرار. ونجحت الثورة الفرنسية لأن البرجوازية الصاعدة لم تعد مصالحها تتناسب مع التضييقات والعراقيل, التي يفرضها حكم الإقطاع, على حرية التجارة والتبادل السلعي والقيود المفروضة على الإنتاج وتنقل اليد العاملة. التقت مصالح البرجوازية مع مطالب الفلاحين الصغار والحرفيين والجنود والقساوسة, ونجحت في استقطاب الغضب مستعينة في ذلك بأفكار فلاسفة الأنوار ونظرياتهم الإصلاحية والثورية في ذلك العصر ضد الحكم الاستبدادي الإقطاعي والكنيسة المتحالفة معه. وبذلك دشنت الثورة الفرنسية عهد قيادة البرجوازية للمجتمع حسب برنامجها الذي يدعو للتحرر من القيود المفروضة على التبادل السلعي والمعرفي داخل المجتمع وخارجه, مما مكنها من إحداث ثورة صناعية وتقنية ومعرفية وانفتاح على العالم لم يسبق له مثيل, وإن كانت بوادر هذه الثورة قد بدأت قبل قرنين لكنها لم تتمكن من قيادة المجتمع إلا في أواخر القرن الثامن عشر. أصبح مفهوم المواطنة محكوما بقانون وضعي يحدد الحقوق والواجبات, عوضا عن القانون الديني اللاهوتي, وبذلك وقع تحجيم دور الكنيسة ورجال الدين, وفصل الدين عن الدولة, واعتبار الدين شأنا خاصا بكل فرد وليس شأنا عاما يهم مجموع المواطنين (حرية المعتقد). أما العمال والمنتجون فإنهم أحرار ويمكنهم بيع منتوجهم أو قوة عملهم حسب قانون العرض والطلب, وليسوا ملكا لإقطاعي أو صاحب مصنع. مع ذلك بقي حق الاقتراع مقتصرا على المالكين للأراضي أو لأدوات إنتاج وأقصيت منه النساء، الخ... لم تدّع البرجوازية أن المساواة هي حق فعلي يمارسه الشعب وإنما اكتفت بالتصريح بأن المواطنين سواسية "قانونا" أي نظريا
الديموقراطية بين النظرية والممارسة:

إن انتصار البرجوازية التاريخي في أوروبا وأمريكا أحدث ثورة كبرى في المجالات كافةً, لكن هذا لا يعني أنها قامت بثوراتها لتحرير العمال والفلاحين والفقراء, بل قامت بتقنين هيمنتها واستغلالها للعمال والكادحين في الداخل واستعمارها لمناطق شاسعة من العالم خارج حدودها وأصبح خيار الفقراء ضيقا: فإما الاستغلال في المصانع والحقول أو التجنيد في المستعمرات. بل إن الثورة الفرنسية لم تعترف بحق العبيد في الانعتاق رغم الجدل الذي دار حوله(1793) ولم يتم التصويت على قانون نهائي لتحرير العبيد إلا سنة 1848. أما في أمريكا فان القوانين التي تبرر التفرقة العنصرية بقيت سارية حتى نهاية الستينات من القرن الماضي. وتشترك البرجوازيات الأوروبية في تبريرها لاستعمار الشعوب بدعوى نشر الحضارة والثقافة والدين(المسيحي) والتمدن، الخ.. وسرعان ما ظهرت حدود الديموقراطية البرجوازية, التي استغلت لصالحها وحدها, نتائج الثورات التي كان وقودها العمال والفلاحون والفقراء, الذين حولتهم إلى عبيد جدد. فتعددت الثورات والانتفاضات ضد هذه الطبقة الجديدة التي كانت في زمن قريب حاملة لمشروع ثوري تحرري مقارنة بما كان سائدا قبل انتصارها. هذا لا ينفي التقدم الذي حصل على مستوى الحريات الفردية والجماعية, نتيجة نضالات ومصادمات ونقاشات داخل شرائح المجتمع, في القرن التاسع عشر الذي احتدت فيه التناقضات بين مالكي وسائل الإنتاج ومن لا يملكون إلا قوة العمل والسواعد, ونجح العمال في استصدار قوانين تضمن حرية التنظيم في النقابات والجمعيات العمالية والتعاونيات.
أما ممارسة الديموقراطية فهي وان كانت نظريا من حق جميع المواطنين إلا أنها عمليا بقيت حكرا على الأغنياء. إن ممارسة الديموقراطية تتطلب أدوات ووسائل مكلفة, فحرية التعبير تتطلب امتلاك صحف ومجلات ( ولاحقا محطات إذاعة وتلفزيون) لإبلاغ رأي أو وجهة نظر والدفاع عن موقف, خاصة إذا كان مخالفا للرأي السائد, والمنافسة الانتخابية تتطلب أموالا طائلة للدعاية والتنقل وكراء القاعات, بالإضافة إلى ضمانات من طرف أعيان القوم في شكل عدد من الإمضاءات, وخلو الملف الشخصي من "السوابق العدلية" الخ. هذا بالإضافة إلى أجهزة الدولة من إدارة وشرطة مُنصَّبة من قبل البرجوازية وتعمل لفائدتها, وإن بأشكال غير ظاهرة للعيان أحيانا, فالهدف من سيطرة البرجوازية على أجهزة الدولة هو خدمة مصالحها أولا إما بشكل مطلق وبارز, أو بشكل ملتو و متستر وراء "المصلحة العامة وخدمة الشعب". فأجهزة الدولة والقوانين والتشريعات لم تكن قط محايدة أو فوق الطبقات وإنما هي نتاج موازين قوى, وفي خدمة الطرف الأقوى .

الديموقراطية في الوطن العربي وفي بلدان المحيط:

عرفت البلدان العربية كغيرها من بلدان العالم هزات وانتفاضات وثورات ضد الظلم و الاستغلال والقهر الطبقي أو القومي في كافة مراحل تطورها, سواء في عهد الحكم الإسلامي أو العثماني أو الاستعماري أو تحت حكم الأنظمة الكمبرادورية الحالية. لكنها لم تمر بنفس المراحل التي مرت بها أوروبا من تراكم رأسمالي وثورة برجوازية صناعية وتقنية وفكرية في القرن الثامن عشر, وظهور طبقات ثورية- بالمعنى التاريخي- تتجاوز علاقات الإنتاج السائدة وتخلق ركائز مجتمع جديد. كانت الإمبراطورية العثمانية تحتل معظم الأقطار العربية, وكانت محل أطماع البرجوازيات الصاعدة في أوروبا. في القرن الثامن عشر. في مرحلة اكتمال الشروط لتولي البرجوازية الأوروبية السلطة على أنقاض الإقطاع الآيل إلى السقوط, انتشر الفكر المتحجر في الأقطار العربية فأعلن ابن تيمية غلق باب الاجتهاد, وتولى محمد بن عبد الوهاب الدعوة إلى التمسك بالنص القرآني دون حياد عنه. أما الحديث عن الإصلاح السياسي وتطوير أساليب الحكم فإنها جاءت متأخرة, بعد غزوة نابليون لمصر وبعد الاحتكاك القسري بالبلدان الأوروبية. والمحاولات القليلة التي حصلت من قبل محمد علي في مصر وخير الدين التونسي لتأسيس مجتمع عصري جاءت متأخرة أيضا تاريخيا, حيث التراكم الرأسمالي الداخلي لا يسمح بالقيام بكل تلك الإصلاحات, كما أن المنطقة صارت محل أطماع الرأسمالية الأوروبية , التي كادت هيمنتها على السوق المحلية تنتهي لتغزو الأسواق الخارجية ومن ضمنها كافة المنطقة العربية. كان للدين الإسلامي دور كبير في كبح جماح المفكرين المتنورين, لكن الشروط المادية لم تكن سانحة لتجاوزه, فلم تبرز في المجتمعات العربية طبقة اجتماعية قادرة على خلق المناخ الذي يجعل من الدين شأنا خاصا بالإنسان الفرد. وبما أن العديد من المجتمعات في قارات مختلفة, عاشت نفس ظروف الهيمنة والاستعمار فان الاستنتاج المنطقي هو أن الرأسمالية في مرحلة الامبريالية احتجزت بالقوة تطور هذه المجتمعات وأبقت على تخلفها لتستغل خيراتها وتلغي إمكانية تطورها ومنافستها لها. في ظل الاستعمار المباشر, حدثت ثورات وانتفاضات ومحاولات لمزج النضال السلمي بالعنف المسلح واستغلال الفضاءات الممكنة فتكونت أحزاب ونقابات ومنظمات أهلية, لكن لم يسمح الاستعمار بخلق مناخ حر يتمتع فيه أهالي المستعمرات بنفس القدر من الحرية التي يتمتع بها الأوروبيون, لأن مهمته أصلا ليست التطوير وإنما تأبيد التخلف بالقوة وبالحيلة وبالرشوة وغيرها من الوسائل. أما في مرحلة الاستعمار الجديد, أو الاستقلال الشكلي فان الأنظمة العربية وغيرها بقيت مرتبطة بالقوى التي استعمرت البلاد, اقتصاديا وسياسيا وعسكريا فلم يؤد هذا الاستقلال الشكلي إلى تغيير في حياة الناس , مع استثناء بعض الدول, وفي مراحل قصيرة من الزمن. وهذا ليس بالغريب لأن هذه الأنظمة تم تنصيبها غالبا من قبل المستعمر وبقاؤها في الحكم رهين بدرجة رضا الاستعمار عنهم.
هناك انتخابات صورية في معظم الدول العربية لكن الحياة السياسية والاجتماعية للبشر تبقى تحت المراقبة الدائمة, فلا حرية تعبير ولا حرية تنظيم ولا حريات شخصية(فردية) أو جماعية. هناك قمع وحكم عسكري أو بوليسي في كافة البلدان العربية وأغلبية بلدان المحيط.
لماذا نصر على ربط المسألة الديموقراطية بالعوامل التاريخية والاستعمار والهيمنة؟ لأن الديموقراطية بشكلها المتداول (الديموقراطية البرجوازية) هي نتيجة لتطور علاقات الإنتاج ووجود طبقة اعتبرت أن من مصلحتها إطلاق الحريات العامة لمضاعفة الإنتاج وتشريك المواطنين في مشروع المجتمع المزمع تركيزه. وهي بلغت الآن حيزا من السيطرة على المجتمع, لا يضيرها بعض النقد, بل تستفيد منه لتقويم نظامها وإصلاحه لسد الباب أمام كل ثورة أو تغيير جذري يمكن أن يعصف بالنظام برمته ويرسي علاقات إنتاج أخرى (اشتراكية). ونظامها بلغ حدا من القوة والسيطرة على وسائل الإعلام تمكنه من بث إيديولوجيته, والهيمنة على الأدمغة دون اللجوء إلى قوة العسكر والشرطة, وتجعل من الاستهلاك لسلعها غاية يسعى لتحقيقها كل مواطن ويعمل ليلا ونهارا لإشباع هذه الرغبة. أما في بلدان المحيط فان هذه الظروف غير متوفرة, ولا يمكن القيام بثورة بورجوازية كما حدثت ببلدان المركز. والبرجوازية انتهى دورها التاريخي الثوري وأصبحت طبقة رجعية منذ اكتملت ثورتها وأصبحت تعيق تطور القوى المنتجة باستغلالها الفاحش للطبقة العاملة والشعوب والأمم المضطهدة.

المهمات الديموقراطية في الوطن العربي:

إذا كانت فلسطين والعراق محتلة احتلالا مباشرا, فان باقي البلدان إما مهددة بالاحتلال أو واقعة تحت السيطرة والهيمنة وتبقى مهام التحرر الوطني قائمة. هذه المهمة لا يمكن انجازها دون السعي لجعل أغلبية شعبية من الطبقات المتضررة من هذه الوضعية, تتحرك وتفعل في الساحة لكي تزيح الأنظمة القائمة التي تعرقل عملية التحرر, مسنودة في ذلك من قبل الامبريالية. هذه المهمة تتطلب حدا أدنى من حرية التعبير والتنظيم والتنقل والاجتماع الخ. وهذه الحريات لا يمكن المطالبة بها دون محاولة فرضها على الساحة بممارستها عمليا دون انتظار أن يمنّ بها أي نظام أو حكومة. فهي تدريب للمواطنين على النضال الجماعي والمنظم وبالتالي تكوين أحزاب ونقابات وجمعيات وغيرها من الأطر التي تجمع ذوي المصالح المشتركة في هياكل منظمة وموحدة. لكن في مجتمعات عانت طوال عقود من القمع والأمية والبطالة, تبدو هذه المهمة صعبة إذا أرادت تجاوز محيط النخبة المثقفة وتشريك الفلاحين الصغار والنساء والشباب والعاطلين عن العمل والمهمشين وغيرهم من الفئات التي لها مصلحة في التغيير لكنها غير ممثلة في مؤسسات"المجتمع المدني". هذا يفترض خلق أساليب نضال وهياكل جديدة لتكون الديموقراطية مطلبا شعبيا وليس مقصورا على بعض الأوساط البرجوازية الصغيرة في المدن الكبرى. من خلال التجارب التي حصلت في المنطقة العربية فان الأطر الموجودة فشلت في جعل الديموقراطية مطلبا شعبيا وجماهيريا. أما الأسباب فهي متعددة, منها القمع الشديد, والشيء من مأتاه لا يستغرب, ومحاولات تجميع أطياف النخبة من يمينها الإسلامي إلى يسارها الماركسي, والاعتماد على سفارات أمريكا وأوروبا للضغط على الأنظمة "كمن يستجير من الرمضاء بالنار". وهذا التصرف بقي محل خلاف كبير وعميق إذ أن الامبريالية, المتسببة في تأبيد الاستغلال والاضطهاد, وحامية الأنظمة العربية وغيرها, تصبح ملجأ للتخلص من الدكتاتورية. إن الهدف ليس التخلص من الدكتاتور الحالي فقط, مهما كانت الشروط , ولو بالتعاون مع الشيطان المحلي والخارجي, ثم ننظر في الأمر فيما بعد. بل المطلوب هو نظام حكم مغاير, ونابع من مطالب الأغلبية, يحقق مطالبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الخ. أن ربط قضية الديموقراطية بالتخلص من الهيمنة والاستغلال وعدم التعويل على الامبرياليين الدين يحتلون العراق وفلسطين ويضطهدون شعوب العالم, يمثل برنامجا واقعيا, يتماشى مع طموحات أغلبية فئات الشعب الكادح ولا يعيد تجربة الاستعمار الجديد..
هناك العديد من النقاط الأخرى التي لا بد من الإشارة إليها والعمل على تضمينها في برامجنا, ومنها مسألة الأقليات القومية أو الثقافية أو الدينية أو غيرها, إذ يجب الدفاع عن حقها المتساوي مع غيرها حتى لا يحس أفراد هذه الأقليات بأن الوطن ليس وطنهم وتتمكن القوى المعادية من اختراقها واستعمالها لتقسيم أبناء الوطن الواحد, فالوطن ملك للجميع بغض النظر عن الجنس والعقيدة والملة والأصل، الخ.. أما بدعة" الديموقراطية والانتخابات النزيهة في ظل الاحتلال" لمؤسسات هي دون الحكم الذاتي الإداري والتي جرت في فلسطين والعراق فإنها ظاهرة خطيرة قسمت الصفوف وأثارت البلبلة, بسبب ضعف القوى التقدمية سياسيا وتنظيميا وفكريا وجماهيريا, وأصبحت لا تفرق عن المنظمات غير الحكومية الممولة خارجيا والتي تحاول فرض التطبيع بأشكال متنوعة وتقسم قضايا الشعوب وتجزيئها إلى فروع دون ربطها بالسبب الأصلي.
من الضروري كذلك عند الحديث عن الديموقراطية, بالنسبة لنا كماركسيين, أن نقيم تجربة البلدان الاشتراكية وممارسة الديموقراطية داخل الأحزاب التي حكمت باسم الاشتراكية أو أسلوب الحكم الذي اتبعته في إدارة شؤون المجتمع, حتى يتسنى لنا معرفة مواطن الخلل, وأسباب انتصار النهج الرأسمالي داخلها دون مقاومة تذكر. فإذا اعتبرنا اليوم انه مطروح على الطبقة العاملة قيادة المجتمع لبناء دولة ديموقراطية علمانية عصرية, تهيئ الشروط المادية لبناء الاشتراكية, فانه من الضروري عدم تكرار الأخطاء والسلبيات التي أدت إلى انهيار التجارب السابقة وانتصار الرأسمالية بها, انتصار البرجوازية التي انتهى دورها التقدمي التاريخي...
إن مطلب الديموقراطية يبقى مطلبا ملحا في كافة أرجاء الوطن العربي, بيد أن القوى التي حشرت بنفسها في الجبهات والائتلافات التي تشكلت, لا يمكن الاطمئنان إليها بسبب معاداة بعضها للفكر العقلاني العلماني, والبعض الآخر الذي يتفاخر بالمساندة التي يلقاها من بعض السفارات والهيئات الدولية المشبوهة, والتمويلات المباشرة أو غير المباشرة التي تأتي في شكل مساعدات مادية أو تمويل ورشات ورحلات ودورات تأهيل وتدريب يشرف عليها "أخصائيون" في الاختراقات والتطبيع مع الكيان الصهيوني والتجسس وتنظيم "الثورات" البرتقالية ومتعددة الألوان. وقد سقط في الفخ بعض الماركسيين الذين تحولوا إلى دعاة تطبيع داخلي مع الإخوان المسلمين, وأهملوا الجانب المناهض للإمبريالية أو تخلوا عنه بدعوى الأولوية المطلقة لإسقاط الدكتاتورية الحاكمة, مهما كان الحليف ومهما كان الخلف. إن التحالفات بين القوى الماركسية لها الأولوية على تحالفات قوى اليسار, وتحالف قوى اليسار له الأولوية على التحالفات الواسعة مع القوى اللبرالية الديموقراطية, وتحالف القوى المناهضة للإمبريالية لا يمكن أن ينجح بدون برنامج مستقبلي يربط باستمرار بين التحرر الوطني بجوانبه الاقتصادية والسياسية والاستجابة لمتطلبات الحياة الديموقراطية: حريات فردية وجماعية, حرية الخلق والإبداع, المساواة الكاملة بين الأجناس والملل, بين المؤمن والملحد... وتبقى هذه الحريات منقوصة, بالنسبة للماركسيين, ما لم يتمكن المنتجون من السيطرة على وسائل الإنتاج والتحكم في مقاليد الدولة.






































مشروع توافقات سياسية
من أجل اللقاء الماركسي العربي
أيلول2007

يتعرّض العالم منذ عام 1990 لاجتياح إمبريالي أميركي خصوصاً، فرض احتلال عديد من الدول من كوسوفو إلى أفغانستان إلى العراق، وهو مستمرّ. ولقد بدأ هذا الاجتياح على ضوء انهيار المنظومة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة، وبالتالي تفرّد الولايات المتحدة في القوة والمقدرة. ويهدف هذا الاجتياح السياسي الاقتصادي وبالأساس العسكري، إلى إعادة صياغة العالم بما يحقّق مصلحة الشركات الاحتكارية الإمبريالية التي باتت متعدّية الحدود و هائلة الرأسمال و التقنية وفائقة المقدرة على المناورة، لكنها المأزومة والتي تعاني من ضيق السوق و التنافس و من تضخّم الرأسمال المالي و من اختلال العلاقة بين الرأسمال المنتج ( الذي بات يشكّل ما يقرب من ألـ 20% من كتلة الرأسمال) و الرأسمال المنفلت الذي يبحث عن منافذ لنشاطه مادام لا يحمل إمكانية التوظيف في القطاع المنتج خشية تفاقم المنافسة و بالتالي خطر الانهيار. و لهذا فان الاجتياح العسكري هو محاولة للعودة إلى أشكال السيطرة القديمة القائمة على الاحتلال و النهب المباشر، و التدمير و التهميش، من أجل فتح المنافذ لاستثمارات تدرّ الربح الأعلى. مما يسهم في تعميّق الاستقطاب و توسيع اللاتكافؤ، و يقود إلى دمار ما تحقق في المجال الاقتصادي والمجتمعي في دول عديدة، خصوصاً في الصناعة، كما في المجال المجتمعي، مما يدخل الأطراف التي هي مخلّفة في حالة من التفكك والتفتت والموت السريري.
وإذا كانت فترة الحرب الباردة ( 1945- 1991) قد سمحت بتحقيق نهوض عام، و بالتالي قادت إلى انتصار حركات التحرّر القومي، نتيجة التوازن الدولي الذي كان وجود الاتحاد السوفييتي يفرضه، الأمر الذي أفضى إلى تحقيق تطوّر صناعي ومجتمعي معيّن في العديد من الأمم. وكانت قد انهارت تلك التجارب بعد دخول الاتحاد السوفييتي في أزماته، و نتيجة التناقضات الداخلية فيها بفعل النهب الذي مارسته الفئات المسيطرة. فان الاجتياح الإمبريالي الراهن يعقّد الوضع في مختلف بقاع العالم، و يجعل إمكانية التطوّر أكثر صعوبة، و كذلك أكثر ارتباطاً بالصراع ضد الرأسمالية، الأمر الذي يفتح على البحث من جديد عن بديل للرأسمالية يحقّق التطوّر بمعناه الاقتصادي الاجتماعي و الثقافي السياسي و المجتمعي الشامل من جهة، و يزيل الاضطهاد و الاستغلال و القهر و عدم المساواة و اللاتكافؤ من جهة أخرى.
وإذا كان إخفاق التطوّر العربي قد ارتبط بالأحزاب القومية العربية التي قادت النشاط الثوري منذ خمسينات القرن العشرين،رغم كل الإنجازات التي تحقّقت و هي كبيرة و لاشك، فان استعادة المشروع النهضوي العربي في وضع يفرض المواجهة مع الإمبريالية التي باتت قوّة احتلال مباشر ، وكذلك مع جزئها العضوي ( أي المشروع الصهيوني)، يتطلّب أن يسعى الماركسيون العرب لكي يكونوا قوّة فعل حقيقي، و أن يعملوا على أن يخوضوا الصراع من موقع الفعل الريادي. لقد كان عليهم لعب هذا الدور منذ تشكّل العمل الشيوعي، حيث كان يجب أن يقودوا النضال الثوري من أجل الاستقلال و الوحدة والتطوّر، و من أجل تجاوز الرأسمالية، لكن "العقل" الذي حكمهم، و الرؤية التي مارسوا على أساسها، جعلتهم " يهربون" من السياسي إلى المطلبي و من الثوري إلى "الديمقراطي" و من الفعل إلى رد الفعل، و بالتالي من تبنّي الأهداف العميقة و الواقعية المعبّرة عن المشكلات الحقيقية، إلى لمس انعكاسات هذه المشكلات فقط، و تقديم حلول جزئية لها كذلك. كما أسّست هذه "العقلية" و تلك الرؤية لمنطق يقوم على القبول بالأمر الواقع و التكيّف معه و التخلّي عن ضرورة تجاوز الواقع انطلاقاً من ممكنات الواقع ذاته، هذه الممكنات التي ظلّت غائبة عن وعيهم لأنهم لم يستطيعوا وعي الواقع و ظلّوا في مستوياته "الخارجية"، أي في المستويات التي تطال السياسي بما هو سطحي. لهذا عرفوا بـ" السلب" أو بالنقد و لم يعرفوا بالميل لتأسيس ما هو ابعد من الواقع و يتجاوزه عبر تحديد البديل والعمل على تحقيقه.
ونتيجة ذلك اقتحم الريف واجهة المشهد، فقد دخلت الفئات الفقيرة و المتوسّطة الصراع وهي التي كانت تئنّ تحت وطأة استغلال عنيف طيلة قرون، حيث كان الإقطاع المتمدّن ( أي الذي يسكن المدينة و يعمل في التجارة كذلك) يمارس أبشع نهبه، و بالتالي كان الصراع الطبقي يتمركز هناك، حيث كان الريف هو التكوين الأساسي للمجتمع. كما أن النمط الرأسمالي العالمي الذي كان قد مدّ سيطرته كان يهمّشه، حيث كان يمنع التطوّر الذي كان يمكن أن يستوعب أزمات الريف عبر توظيف جيش العمل الاحتياطي، وكان يكرس البنى التقليدية مع تركيزه على إنتاج السلع الزراعية الضرورية لصناعته.
وكانت وسيلة اقتحامه هي الجيوش المشكّلة أصلاً من القاعدة الريفية. وإذا كانت الفئات التي انتصرت قد هدمت البنية القديمة - عبر الإصلاح الزراعي الذي كان هو مركز ثقل الثورة الديمقراطية، و أساس توحيد القطاعات الشعبية و تأسيس قوة تغيير حقيقية – إلا أنها كانت تعمل على تحقيق مشروعها الخاص، البادئ بالمساواة و الواصل إلى التحوّل إلى طبقة مترسملة عبر النهب. وهي لم تكن تحمل مشروعاً بديلاً عن المشروع الرأسمالي، رغم أنها- ولتحقيق مصالحها- قلّدت و استفادت من التجربة الاشتراكية. لقد نادت بـ " الاشتراكية" القائمة على المساواة و تقديس الملكية الخاصة، الأمر الذي كان يحوّل المساواة إلى لا مساواة، كما كان تقديس الملكية الخاصة يفرض النهب و مراكمة الثروة التي كانت تهرّب إلى البنوك في المراكز الإمبريالية. و لقد تحقق ذلك في ظل أنظمة دكتاتورية استبدادية دمرت النشاط السياسي و الاحتجاجات الشعبية و الميول المطلبية، ولم تستطع مواجهة الأخطار الامبريالية الصهيونية.
وإذا كانت قد ترسملت حقيقة و أعادت التكيّف مع النمط الرأسمالي، أو سعت إلى ذلك، فان نهبها و استبداديّتها أفضيا إلى إدخال عملية التطوّر في مأزق عميق، وأوجدا أزمة اقتصادية وإفقارا شديدا، وأسسا لحالة من الرفض الشعبي، مع تدمير للحركة السياسية و القيم و تشويش على الأهداف. وها هي الآن تواجه الاجتياح الإمبريالي فتتكيّف معه أو تقف عاجزة عن ردّه.
لكن ليست الحركة الأصولية هي البديل، لأنها ترفض الغرب ليس لأنه رأسمالية تستغل و تنهب و تضطهد و تدمر و تحتل، بل ترفضه من منطلق "ديني" وقيمي أخلاقي ماضوي، و بالتالي فهي تعيد الصراع إلى شكله المغرق في القدم، و تفتح الأفق للتدمير و القتل على أسس بالية، دون رؤية لبديل يحقّق التطوّر والحداثة التي ترفضهما. لكنها في الواقع تكرّس الاستغلال والإثراء والنهب، وأيضا التفكك و التخلف و الاستبداد، كما تكرّس التبعية لذاك "الغرب" الرأسمالي لأن رؤيتها تقوم على الحق المطلق في الملكية الخاصة، وعلى أن النشاط الاقتصادي هو التجارة فقط. الأمر الذي يجعل صراعها مع "الاستكبار" ( أو مع الإلحاد، أو المسيحية و اليهودية) مؤسس على وعي ماضوي، وليس من منطلق مستقبلي وبهدف مستقبلي، ولكنه سرعان ما يتحوّل إلى "تحالف" نتيجة توافقها مع ذاك الغرب في تعميم الحرية الاقتصادية القائمة على النشاط التجاري فقط، وإتحادهما ضد الإلحاد والشيوعية كما جرى لعقود طويلة قبل الحرب الباردة وخلالها. و هي في كل الأحوال لا تستطيع توحيد القطاعات الشعبية لأنها تميّز على أساس الدين. وتتجاهل أوضاع الطبقات الفقيرة، وإن نشطت في "الإحسان". على العكس من ذلك تقف مع الفئات الرأسمالية التابعة (وهي جزء منها) من أجل إلغاء الإصلاح الزراعي وإعادة "الإقطاعيين"، ومن أجل إلغاء التأميم وخصخصة الصناعة وكل المرافق العامة. وهي ترفض الميول التحررية حتماً. وتتجاهل أن الواقع يؤسس لتكوين مدني حديث نتيجة العلاقات الرأسمالية التي أصبحت واقعا لا يمكن شطبه، مما يجعل ميلها معاكسا لهذا المسار، ومدمرا لما هو ايجابي فيه، مع تكريس لما هو سلبي ومحافظ. لهذا ورغم أنها باتت تواجه " المسيحية و اليهودية" فان التصوّر الذي تطرحه لا يحمل أي ملمح يطال المشكلات التي نعيشها، و لا يقدّم حلولا حقيقية لها، على العكس من ذلك نجدها تقدّم الحلول المدمرة لمصالح الطبقة العاملة والفلاحين بالأساس، كما لتحررية الفئات الوسطى.
إذن، يتقدم الاجتياح الإمبريالي في لحظة انهيار البنى التي تشكلت خلال فترة الحرب الباردة، وانهيار الأحزاب التي تشكلت خلالها، و في إطار مقاومة ماضوية وهوجاء من قبل الحركة الأصولية. وفي وضع انتفت فيه البدائل، حيث أن انهيار النظم الاشتراكية فتح باب التشكيك في الاشتراكية كبديل، كما أن النهاية المأساوية لتجربة " رأسمالية الدولة" التي تحققت بقيادة الحركات القومية، قد أبعدت التفكير في هذه الصيغة من التطوّر. ووهم السماء لا يحل مشكلات الأرض. رغم أن الفقر و الجوع ينخران كتلة هائلة من المواطنين، و يؤسسان لاحتقان شديد، و يحرّضان على الفعل، على الانتفاض وعلى الثورة. كما أن الوجود الصهيوني والإرهاب الذي يمارسه والأخطار التي يوجدها على الوطن العربي، وكذلك احتلال العراق والسعي لإعادة صياغة خريطة المنطقة لدمجها في العولمة الإمبريالية المتوحّشة، كلها تحرّض على التمرّد والاندفاع إلى المقاومة، و هو الأمر الذي بات هاجس كتلة شعبية هامة تعيش احتقانا هائلا نتيجة القهر الذي يسببه الاجتياح الامبريالي الصهيوني وكل الممارسات الوحشية التي يقوم بها، ونتيجة الإفقار الشديد الذي باتت تعانيه، وبالتالي بدء تفاقم الصراع الطبقي.
وربما كان غياب البدائل هو الذي يجعل للحركة الأصولية هذا الدور الذي تلعبه في وضع يتّسم بالتفجّر، حيث يحل أمل السماء محل أمل الأرض، وحيث يلعب الإعلام دوراً في تضخيم الفعل الأصولي ضد الامبريالية مع تجاهل لكل المقاومات الأخرى.
و أيضا ربما استطاعت قوى لا تحمل بديلاً أن تواجه و تنتصر ( رغم صعوبة ذلك الآن)، لكن ذلك لا يسمح بتحقيق التطوّر و الحداثة، أي تحقيق المشروع النهضوي العربي، مشروع الاستقلال و التوحّد و الدمقرطة و التطوّر الاقتصادي ( بناء القوى المنتجة)، رغم أن هذا الاحتمال بات ضعيفاً جداً لأن الصراع مع النمط الرأسمالي بات حاسماً، الأمر الذي فرض تجاوز النمط ذاته، حيث عبر ذلك يمكن تحقيق التطور في القوى المنتجة و الحداثة، وكذلك كل المشروع القومي الديمقراطي.
هذا يطرح دور القوى والأحزاب الماركسية. لقد كان على الحركة الماركسية(الشيوعية) العربية أن تؤسس لنضال جذري ضد الاستعمار و ضد الطبقات المسيطرة الحاكمة و ضد التجزئة و التخلف و الإقطاع و المشروع الصهيوني، لكنها لم تُقْدم، فتاهت في الفكر و في الرؤية و مالت إلى المساومة و "الاستسلام" و المهادنة و التكيّف. أما الآن فيجب أن يختلف النظر، لكي تختلف الرؤية. و ليس مطلوباً هنا الانتقال من طرف إلى آخر، لأن المعاكس ليس هو الحقيقة، و لقد حاولت قوى ذلك و فشلت كذلك. المطلوب يتمثّل في وعي الواقع و وعي حركته( صيرورته) من أجل أن يتحدّد دور القوى الماركسية على ضوء هذا الوعي، وبالتالي لكي تلعب دورها الممكن. والممكن يشير إلى أن لها دوراً محورياً يستطيع لمّ تململات الطبقات و القوى، و يمكنه تطوير المقاومة بشكل عاقل وعقلاني، كما أن بإمكانه بلورة بديل حقيقي، يتجاوز التخلف و التهميش و يحقق التطوّر و يزيل الاستغلال و الاضطهاد و ينحو لأن يحقق إنسانية الإنسان. إن الطابع الاستقطابي للنمط الرأسمالي يفرض أن يتحقق التطور و تتحقق الحداثة عبر تجاوزه ( أي عبر نفيه)، و ليس من مشروع يطمح إلى ذلك سوى المشروع الماركسي، المشروع المعبّر عن الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء. لقد حاولت الفئات الوسطى تجاوز احتجاز التطوّر عن طريق الدور الذي لعبته الدولة، وكان جوهر مشروعها يتمثّل في الرسملة، لكنها فشلت حيث أنها فئات تغلّب الخاص على العام، المصلحة الخاصة على المصلحة العامة. وإذا كان المشروع الرأسمالي مستحيلاً أصلاً نتيجة عالمية النمط الرأسمالي، فان الخروج على آليات النمط الرأسمالي تفرض الخروج على الرأسمالية ذاتها، و هنا يتحدّد دور المشروع الماركسي.
المسألة الآن هي مسألة مواجهة الاجتياح الإمبريالي الأمير كي، لكنها كذلك و في الوقت ذاته مسألة تحقيق التطوّر وتجاوز الاستغلال والاضطهاد والاغتراب والاستبداد.
الأمر الذي يفرض على القوى والأحزاب الماركسية في الوطن العربي أن تكون عنصر فعل حقيقي في الصراع، وأن تعمل على تطوير الصراع الطبقي ضد الطبقات المسيطرة، كما ضد الرأسمالية الإمبريالية و خصوصاً رأسمالية الولايات المتّحدة. و أن تعطي لهذا الصراع اتساقه وشموله وأبعاده العميقة عبر تفعيل حركة اجتماعية شاملة، عن طريق تطوير نشاطات الطبقات الفقيرة، خصوصاً العمال والفلاحين الفقراء وكل المهمشين، والدفاع عن حقوقها وعن دورها وحق تشكلها كذات سياسية. وهذا الدور يفرض عليها إعادة بناء تصوّراتها ورؤاها، وتحديد أهدافها. وفي هذا الوضع يجب التأكيد على الأمور التالية:
1) إن الصراع الأساسي هو صراع مع النمط الرأسمالي، وبالتالي مع الطبقة الرأسمالية الامبريالية في المراكز، وإن الهدف هو تجاوز الرأسمالية من أجل تحقيق التطور والحداثة والاشتراكية. وهذا يعني أن نفي الرأسمالية هو ما يوجّه النشاط و يفرض تجاوز الميول القائمة على التكيّف معها باعتبارها "حقيقة" ليس من الممكن تخطيها الآن. على العكس، ليس من الممكن تحقيق التطوّر وأي من الأهداف المطلبية التي تهمّ الطبقات الفقيرة مباشرة دون تجاوز الرأسمالية، كما أن الرأسمالية غدت قوّة تدمير و تخريب للبيئة و قوّة إفقار و تهميش. وإذا كانت الحركة الماركسية القديمة قد بنت سياساتها على أرضية الرأسمالية وانطلاقاً من ضرورتها باعتبارها مرحلة " تقدمية" لا يمكن تجاوزها، فان أوهامها سقطت منذ زمن بعيد، الأمر الذي يستدعي التأكيد على أن الرأسمالية في الأطراف ليست قوة تقدم بل هي قوة إعاقة، و أن عالمية النمط الرأسمالي تشكل قوة منع و تخليف إضافة إلى كونها قوة نهب و استغلال و اضطهاد و تدمير، أو نتيجة كونها كل ذلك. وإن التطور والحداثة وتجاوز الاضطهاد و الاستغلال تفرض كلها صيغة أخرى للتغيير تلعب الحركة الماركسية دوراً محورياً فيها.
إذن يجب أن تكون الحركة الماركسية في طليعة القوى التي تخوض الصراع ضد الاجتياح الإمبريالي الراهن، و بالتالي تكون في طليعة القوى التي تقاتل من أجل طرد الاحتلال الأمير كي من العراق وإنهاء الوجود الصهيوني في فلسطين، والتصدي للتوسّع ألاحتلالي الأميركي المستمر. أن تبني إستراتيجيتها على أنها قوّة مقاومة وتغيير من جهة، و أنها تحمل مشروعاً بديلاً من جهة أخرى. و بالتالي فان مراهنتها على أن تنتصر الرأسمالية، أو أن تتخلّف عن أن تصبح قوة مقاومة عبر الركض وراء أوهام راهنية الرأسمالية، يفسح لقوى أخرى أن تحل التناقضات دون أن تقدّم بديلاً حقيقياً، الأمر الذي يفتح على مشكلات جديدة.
إن تحوّل الرأسمالية إلى نمط عالمي فرض أن يرتبط التطوّر بالحركة الماركسية، الأمر الذي جعلها قوة تطوير قبل أن تكون القوة التي تحقق الاشتراكية . إنها وهي تقاتل من أجل تكريس الاستقلال، وهو الأمر الضروري و الحاسم راهناً، تعمل من أجل تحقيق الأهداف الديمقراطية العامة، أهداف التطوّر والحداثة. وبالتالي فهي لا تسعى للرفض فقط بل تعمل من أجل تحقيق برنامج التطوّر و الحداثة كخطوة في طريق تجاوز النمط الرأسمالي.
2) ولهذا يجب أن تعمل من أجل تحقيق مشروع نهضة في الوطن العربي،أن تجيب على أسئلة التقدم العربي و تعبّر عن حداثته. إن مواجهة الرأسمالية ترتبط بتحقيق التطوّر، الذي يفترض تحقيق جملة المهام التي يفرضها تحقيق الثورة القومية الديمقراطية. أي مهام الانتقال من الاعتماد على المواد الأولية و الخدمات و الزراعة كقوي " منتجة" في الاقتصاد، إلى تأسيس قوى منتجة تكون الصناعة هي أساسها، ويجري تحديث الزراعة اعتماداً على ذلك. وكذلك الانتقال من التفكك السياسي الذي تكرّس خلال القرن العشرين إلى الدولة- الأمة. ومن أيديولوجيا القرون الوسطى و البنى القروسطية إلى المجتمع المدني الحديث الذي يتأسس على مفهوم المواطنة، والقائم على العلمانية والديمقراطية. ومن الفروق الطبقية الواسعة إلى تحقيق مصلحة الطبقات الشعبية. وأيضاً الانتقال من التبعية و الإلحاق إلى الاستقلال و لعب دور فاعل في العلاقات الدولية، و تكريس العلاقات الأممية و تشكيل التكتلات الاقتصادية الكبيرة.
مسائل مبدئية
هذا الدور يفرض إعادة النظر في كل الرؤية التي كانت هي الرؤية الرائجة، والتي همّشت الحركة الماركسية وأفضت إلى سيرها نحو التلاشي.
المسألة القومية:
أولى هذه المسائل مسألة الموقف من المسألة القومية في الوطن العربي ،فالدول القائمة على الأرض العربية هي التكيّف العملي مع النمط الرأسمالي العالمي و هي نتاجه، لهذا فهي متنافرة مع التشكل التاريخي الذي كان العرب نتاجه و متضادة مع " الشعور القومي". كما أنها المكمّل للتكوين الاقتصادي الذي فرضه الالتحاق بالنمط الرأسمالي العالمي و المكرّس له، و بالتالي المكرّس لهيمنة القوى الإمبريالية. و إذا كان التحديد لا ينطلق من الدولة بل ينطلق من الأمة ( إلا إذا اعتبرنا أن الدولة القطرية تشكل أمة وهذا منافِ للواقع) فإن إستراتيجية النضال تنطلق من الإطار القومي. وبهذا تكون المسألة القومية مسألة تحتاج إلى حل، وتكون في صلب برنامج التطوّر، ويصبح " الشعور القومي " أصيلاً في فهم ميول العرب وتحديد مطامحهم. و من ثمّ يصبح النضال من أجل التوحيد القومي جزءاً جوهرياً في سياق تحقيق التطوّر، كما هو ميل لتجاوز اغتراب الذات عبر تحقّقها لكي يكون ممكناً تضمّنها في تكوين أشمل و أقصد الأممية.
لكن التأكيد على حل المسألة القومية العربية يجب أن يرتبط بحل مسألة الأقليات والقوميات المتداخلة مع العرب. وكذلك إعادة صياغة العلاقات القومية في كل المنطقة على أسس واضحة تنطلق من مبدأ حق تقرير المصير للأمم، وحق تشكيل الدولة - الأمة، مع تأسيس الترابط الضروري الذي يفرضه التداخل البشري والتعايش التاريخي، والأمل في تشكيل كتلة قادرة على تحقيق التطور في كل المنطقة في عصر سيطرة الاقتصاديات الضخمة للأمم الامبريالية.
ولهذا ، فإذا كان من حق الأمم أو أجزاء من أمم المتداخلة مع العرب أن تستقل، وأن أن يعمل الماركسيون في الوطن العربي على مساعدتها على ذلك، فإن من حق الأقليات القومية أن تحصل على المساواة وحق المواطنة وكل حقوقها اللغوية الثقافية وحتى الإدارية إذا اقتضت الضرورة ذلك.
إن الصيرورة الواقعية بما هي حركة من أجل التطوّر وتحقيق إنسانية الإنسان، هي أيضاً ميل لتحقيق هويته،ليكون " الشعور القومي" جزءاً عضوياً في الصيرورة ليس من الممكن إهماله. إن الترابط المتشكّل تاريخياً و المؤسّس لنشوء الأمم لا يمكن شطبه أو القفز عنه أو تجاهل مفاعيله، وبالتالي حينما لا ينتظم في تكوين موحّد يؤسّس لميل إلى التوحيد، و هو ما يطلق عليه الشعور القومي الذي يكون وفق ذلك ميلاً موضوعياً ليس من الممكن تجاهله. لهذا كما أن في كل " دولة" مشكلات محلية تتعلّق بوضع الطبقات و الاقتصاد و السلطة، ستكون التجزئة وبالتالي الميل لتشكيل الدولة- الأمة مشكلة داخلية في كل منها كما هي مشكلة عامّة، ولاشك في أن النشاط الشعبي تجاه العديد من المسائل العربية ( فلسطين و العراق مثلاً) يعبّر عن ذلك. من هنا يصبح تشكيل الدولة/ الأمة هدفاً في البرنامج الديمقراطي، و هو هدف محوري لأن تحقيق الوحدة القومية يؤسس لسوق واسعة قادرة على استيعاب التطوّر في القوى المنتجة ( الصناعة)، كما أنه قادر على تأسيس الدولة/ الأمة القادرة على حفظ استقلالها و بناء علاقات متكافئة على الصعيد العالمي.
لقد اختار الشيوعيون النشاط القطري ( خصوصاً منذ نهاية ثلاثينات القرن العشرين)، و كان ذلك من أسباب أزمتهم، كما عبّر عن تكيّفهم مع " المنطق البرجوازي" الذي حكم الرأسمالية المحلية المتكيّفة مع سياسات النمط الرأسمالي العالمي الذي أسس للصيغة الراهنة للوطن العربي، في سياق تكيّفهم مع كون الرأسمالية هي التي تحقّق التطور الراهن لتحقيق المهمات الديمقراطية. ولهذا فان التأسيس لدور مختلف يفرض تجاوز المنطق البرجوازي والتأسيس لوعي عميق بالمسألة القومية، والانطلاق من أنها جزء عضوي في صيرورة التطور الراهنة، وتحققها هو من مهمات الحركة الماركسية، لتصبح على رأس برنامجهم، ويكونوا في مقدّمة المناضلين من أجل حلّها، بالترابط مع تحديد موقف واضح من وضع الأمم المتداخلة مع العرب نتيجة تقسيمات اتفاق سايكس/ بيكو، ينطلق من مبدأ حق تقرير المصير المحدّد في حق الاستقلال. و كذلك التأكيد على حق الأقليات القومية الديمقراطية والثقافية. ولاشك في أن دورهم هذا يعطي للمسألة القومية طابعها التقدمي، لأن أممية الماركسيين تجعلهم يؤكدون على ترابط النضال الأممي و على تحالف الطبقات الفقيرة و المستغلّة ضد الرأسمال، و تحالف الأمم المضطهدة ضد المراكز الإمبريالية. ليكون تحقيق التوحيد القومي خطوة ضرورية في مسار تشكيل عالم موحّد.
يجب إذن أن يخرج الماركسيون من النظرة المحلّوية الضيّقة، و أن يؤسسوا لدور حقيقي ينطلق من تحقيق المهمات الديمقراطية ، فتكون المسألة القومية مسألة محورية في رؤيتهم،و يعملوا لكي يكونوا الأجدر في حلها عبر تحقيق الوحدة القومية العربية بالترابط مع حل مشكلة القوميات المتداخلة والأقليات القومية.
المسألة الفلسطينية:
المسألة الأخرى التي يجب على الماركسيين أن يؤسسوا لموقف مختلف منها هي المسألة الفلسطينية، حيث مال الموقف العام الذي راج و أصبح أساس سياسات الحركة الشيوعية إلى القبول بالأمر الواقع، و اعتبار أن ميزان القوى المختلّ يفرض التكيّف مع " الحقائق"، والانطلاق من أنه يمكن التعايش مع التكوين الجديد الذي هو الكيان الصهيوني (أو إسرائيل)، وأن يكون مبدأ " التعايش السلمي" هو أساس الرؤية، وأساس القبول بالمفاوضات والاعتراف بهذا الكيان، وبالتالي رفض كل سياسة تدعو إلى المقاومة باعتبارها طفولية و تطرّفاً، والقبول بكل "المبادرات الدولية" والتزام قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية التي هي في الواقع تكرّس الوجود الصهيوني.
ولما كان هذا الوجود يؤسس لرفض عربي شعبي بالأساس، و يهيئ لنشاط سياسي مقاوم، فقد أصبح موقف الحركة الشيوعية العربية صعباً ومحلّ رفض من قبل الأوساط الشعبية، حتى تلك التي يدافع الشيوعيون عن قضاياها المعيشية والمطلبية. الأمر الذي كان يضيّق من قاعدتها الاجتماعية، ويضعف من تأثيرها العام، كما كان يجعلها مجال هجوم من قبل الاتجاهات القومية وكل الاتجاهات الأخرى. وبالتالي كان يضعف دورها في تحقيق التطوّر و تحقيق المهمات الديمقراطية.
لقد نبعت إشكالية موقفها من المسألة الفلسطينية من خلل في الرؤية كما من خلل في المنهجية. حيث كان هذا الموقف يتجاهل الطابع الإمبريالي للمشروع الصهيوني، كون تأسيس الكيان الصهيوني هو جزء من السياسة الإمبريالية العامة للسيطرة على الوطن العربي، وحيث كان تكريس التجزئة الجزء الآخر منها، بهدف تكريس البنى التقليدية القديمة وتأبيدها لضمان استمرار السيطرة في سياق تحقيق مصالح الرأسمالية المهيمنة عالمياً. لهذا كان الوجود الصهيوني ضرورياً كمركز إمبريالي متقدّم، وكحاجز يؤسس لظروف تشلّ إمكانات تنامي الميول التوحيدية العربية، وكقوة ردع إمبريالية حينما تفرض الضرورة ذلك، ومن ثمّ كمركز اقتصادي متقدم حينما تتحقق الهيمنة. إذن ليس تأسيس الكيان الصهيوني حلاًّّ للمسألة اليهودية ( التي هي مشكلة أوروبية بالأساس جرى تصديرها إلى الوطن العربي)، الأمر الذي ينفي عن هذا الحل أي طابع إنساني، ويضعه في خانة الاستعمار الاستيطاني في إطار السيطرة الإمبريالية على العالم، وليكون موطئ السيطرة على الوطن العربي. وبالتالي فان مواجهة الرأسمالية بما هي نمط عالمي يستدعي مواجهة تمظهراتها. لهذا تكون مواجهة الوجود الصهيوني جزءاً من الصراع مع الرأسمالية من أجل التطوّر و التحرر، وليس من الممكن رؤيتها خارج هذا الإطار، لأنه ليس من الممكن فصل الوجود الصهيوني عن الإمبريالية، وليس من الممكن رؤية الطابع " الإنساني" لهذا الوجود دون الطابع الإمبريالي، كما لا يمكن رؤيته دون رؤية انعكاساته غير الإنسانية على العرب.
لهذا سوف تصطدم كل السياسات التي تنطلق من القبول بالوجود الصهيوني والتعايش معه، باستحالة أن يتخلى هذا الوجود عن طابعه الإمبريالي، وبالتالي عن ميوله التوسّعية الهيمنية، و عن كونه احتلالا استيطانيا متعصّبا، وكذلك عن كونه عنصر إعاقة وتوسّع وتدمير. الأمر الذي يجعل كل السياسات الهادفة إلى إيجاد " حل سلمي" تغرق في متاهات العدوانية الصهيونية و ميلها التوسّعي ألاحتلالي. و ما من شك في أن سنوات المفاوضات الطويلة التي مارسها العرب و الفلسطينيون توضّح مدى الوهم الذي ينبني على مفهوم التسوية و التعايش. وفي هذا الإطار تتوضح استحالة تحقيق أية تسوية، وخصوصاً أن كل الخطوات التي قامت بها الدولة الصهيونية منذ احتلال سنة 1967، وخصوصاً بعد اتفاقات أوسلو، تشير إلى سيطرتها على جزء مهم من أرض الضفة الغربية، وتعزيز الاستيطان، وحصر الفلسطينيين في كانتونات غير قابلة للحياة، وليس لإقامة دولة مستقلة فقط.
على الماركسيين إذن أن يجعلوا المسألة الفلسطينية مسألتهم، وأن ينطلقوا من أن الصراع مع الوجود الصهيوني هو جزء من الصراع مع الإمبريالية، وأن فلسطين جزء من الوطن العربي، و بالتالي يجب أن تظلّ كذلك. وانطلاقاً من ذلك يجب التأكيد على بلورة حل ديمقراطي للمسألة اليهودية، لا يقوم على القتل، و يقبل العيش مع اليهود ( الذين هم في قسم كبير منهم عرب عاشوا قروناً طوالاً في الوطن العربي) في إطار دولة ديمقراطية علمانية عربية. و هنا يستطيع الماركسيون العرب أن يقدّموا رؤية متماسكة لا تنطلق من التعصّب أو ارث التخلّف أو ردود الأفعال، بل تستند إلى كل ما هو إنساني و ديمقراطي في التراث العالمي.
يجب إذن مقاومة الاستسلام لميزان القوى كما للوجود الصهيوني، وبالتالي يجب العمل من أجل "تغيير ميزان القوى" عبر تغيير الواقع العربي، ليصبح الصراع ضد الوجود الصهيوني جزءاً من الصراع العام من أجل التطوّر والتوحيد والحداثة. ولا شك في أن تداخل السيطرة الإمبريالية والوجود الصهيوني و التخلّف و التجزئة و التفكك يفرض هذا الترابط الضروري، حيث سنكون في صراع متشعّب الاتجاهات ومتعدّد الأشكال، الأمر الذي يجعل تفعيل نشاط الطبقات الشعبية مسألة حاسمة، مما يفرض وعي ظروفها والدفاع الحقيقي عن مصالحها، وهو ما يعطي للصراع عمقه الاجتماعي ( الطبقي) الضروري.
مسألة الديمقراطية:
في هذا الوضع يصبح التأكيد على الديمقراطية و السعي من أجل العلمنة من المسائل الحساسة والضرورية كذلك. وإذا كانت الحركة الشيوعية قد بدت متجاهلة هاتين المسألتين أو رافضة لهما، أو كانت قد طرحتهما في سياق إشكالي، فإن مآلات التجربة الاشتراكية وموقع الاستبداد في الوصول إليها، يفرض التأكيد على أهميتهما و يعزّز الحاجة لأن يكونا في صلب البرنامج الديمقراطي. لقد بدا أن الديمقراطية هي الطريق للانتقال إلى اشتراكية أرقى، و هي التي تنهي اغتراب البشر و تعيدهم إلى صلب السياسة وبالتالي إلى تملّك مصيرهم، ومن ثمّ تحقيقهم التحولات الضرورية لتطوّر الاقتصاد وتحسّن الوضع المعاشي، لكن تجاهلها قاد إلى انهيار الاشتراكية لأن السلطة التي تبلورت والتي حكمت باسم الاشتراكية دفعت البشر ( و للتخلّص من اغترابهم ومسخ شخصياتهم) إلى التخلّص من الاشتراكية ذاتها، فساروا في هاوية مريعة، جلبت لهم الفقر و الموت دون أن تجلب نهاية الاغتراب أو الديمقراطية الحقة.
آن لنا إذن أن نتخلص من صيغة للعلاقات وللحكم نهايتها الدمار، وأن نؤسس تصوّراتنا و علاقاتنا على أساس ديمقراطي، خصوصاً وأن التجربة تكرّرت عندنا في صيغة مسخ، حيث سادت الدكتاتورية دون أن يتحقق التطوّر المرجو. وسادت " الحداثة" دون أن تتحقق القطيعة مع الأيديولوجية التقليدية، الأمر الذي أسس لعلمانية ملتبسة ومنخورة، مما أعاد نهوض الأصولية كحركة سياسية وجعلها قوة تدمير ببرنامج ظلامي وممارسات بشعة. لقد نشأت الحركة الأصولية ضد الحداثة والتطوّر، ولعبت دوراً في التدمير الداخلي القائم على أساس ديني ومذهبي، و قاتلت السلطات في بعض الدول انطلاقاً من ذلك وبالتحالف مع الامبريالية، كما سعت لفرض برنامج محافظ ورجعي ( فيما يتعلق بالمرأة و العلاقات الاجتماعية و الاقتصاد ). وإذا كان الصراع العالمي قد حوّلها إلى قوة مناهضة لأميركا بعد أن تحالفت معها لعقود و تدرّبت لديها ( كما في أفغانستان مثلاً). وبالتالي بدت إزاء انهيار اليسار و الحركة القومية أنها القوة التي تناهض "الاستكبار" الأمير كي، وتقاتل "المسيحية واليهودية"، لتصبح هي قائدة "التحرر"، فان الرؤية التي تنطلق منها القائمة على أساس الدين ( صراع المسيحية/الإسلام، أو اليهودية/ الإسلام) تدخل الصراع، الذي هو صراع مصالح، في متاهات دموية لا تسمح بوصوله إلى الانتصار وبالتالي التحرّر. كما أنها يمكن أن تعيد التحالف مع القوى الامبريالية مادامت تنطلق من أولوية مواجهة الإلحاد والشيوعية والعلمانية لتكريس سلطة "الشريعة"، وفي إطار نظام اقتصادي ليبرالي تريده الرأسماليات الامبريالية.
إن البديل الضروري، لكي يكون الاستقلال حقيقياً، ولكي يصبح التطوّر فاعلاً، ولكي تتحقق المهمات الديمقراطية هو البديل المحقق لمصالح الطبقات الفقيرة في الوضع الحاضر. وهذا الأمر يجب أن يكون من أهداف الحركة الماركسية و من سياساتها. حيث أنها لا تعبّر عن القضايا المطلبية للعمال والفلاحين الفقراء فقط، بل أنها تعبّر عن مشروعها السياسي الطبقي. لهذا يجب عليها أن تطرح بديلها الاقتصادي الاجتماعي والسياسي، وأن تدمج النضالات المطلبية في سياق فعل سياسي يحقق التغيير لكي يكون ممكناً تحقيق كل تلك المهمات.
نقاط برنامجية
وعلى ضوء ذلك فإن الرؤية التي يجب أن تنطلق منها القوى والأحزاب الماركسية تتحدّد في المحاور الآتية:
1) مقاومة الاحتلال الأمير كي الجديد، وتطوير مقاومة شعبية ومسلحة ضده تتخذ أشكال القتال العسكري والمظاهرات الشعبية والإضرابات ومقاطعة المصالح والسلع. ولاشك في أن الاحتلال يفرض المقاومة المسلحة التي يجب أن تنصبّ على تدمير قوّاته و تكبيده أكبر الخسائر، و الحرص على توحيد كل القطاعات الشعبية في هذا الصراع من أجل هزيمة الاجتياح الإمبريالي وتكريس الاستقلال.
2) مواجهة المشروع الصهيوني والعمل على تغيير ميزان القوى عبر تحقيق التحويل العميق في المجتمع العربي، بما يسمح بإنهاء الدولة الصهيونية، وتقديم حلّ ديمقراطي للمسألة اليهودية تؤسس لتعايش سلمي في إطار دولة عربية ديمقراطية وعلمانية. وهذا الأمر يفرض تجاوز منطق التناحر الديني الذي تقيمه الحركات الأصولية، وبالتالي تجاوز منطق القتل العشوائي.
3) إن تحقيق ذلك، وأيضاً تحقيق التطور والحداثة يفرضان التأكيد بأن النظم القائمة هي نظم رأسمالية تابعة تسهم في تكريس السيطرة الامبريالية والتخلف والتفكك، لهذا يجب العمل على تحقيق التغيير لمصلحة العمال والفلاحين وكل الطبقات الشعبية.
4) السعي لتحقيق الوحدة القومية العربية و تأسيس الدولة/ الأمة على أساس ديمقراطي و فيدرالي، وتكريس استقلال الأمم المتداخلة مع العرب وحق الأقليات القومية في المواطنة وكل الحقوق الثقافية بما فيها التكلم بلغتها وتعليمها.
5) وهنا تصبح الديمقراطية هدفاً أساسياً و جزءاً من عملية التطوّر والحداثة. وهي تعني تأسيس نظام فيدرالي ديمقراطي، يقوم على مبدأ المواطنة ورفض التمييز بين المواطنين على أساس طائفي أو ديني أو إثني، ويفصل بين السلطات، ويفصل الدين عن الدولة، ويقرّ بكل الحريات العامة، ويقوم على الانتخاب.
6) التأكيد على مبدأ العلمانية القائم على فصل الدين عن السياسة و بالتالي عن الدولة. والتأكيد على علمنة مؤسسات الدولة، وفي مجال التعليم خصوصاً.
7) التأكيد على حق المواطنة و الحريات الأساسية و على التعددية و حقوق الإنسان السياسية و الاقتصادية/ الاجتماعية و حق النشاط السياسي و النقابي و المدني. حرية الرأي والصحافة وتشكيل الأحزاب وحق تشكيل النقابات والاتحادات والجمعيات.
8) الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة و الفلاحين الفقراء المطلبية و المعيشية، و كذلك الدفاع عن مصالح كل الفئات الشعبية الفقيرة و المهمّشة.
9) النظر الجدّي إلى وضع المرأة ودورها والتأكيد على دورها السياسي الفاعل، و إصدار التشريعات التي تكرّس ذلك.
10) تحقيق الحداثة في التعليم و في الثقافة و كذلك في التكوين المؤسسي.
11) صياغة برنامج تطوّر على الصعيد الاقتصادي تلعب الدولة دوراً محورياً في تحقيقه، ينطلق من بناء الصناعة وتطوير الزراعة وتأسيس البنية التحتية الحديثة. دون تجاهل دور الملكية الخاصة لكن مع ضبط نشاط الرأسمالية المافياوي والطفيلي. والانطلاق من ضبط العلاقة مع السوق العالمي بما يسمح بتحقيق فائض رأسمالي يكون أساس عملية التوسع في بناء القوى المنتجة وتطوير المستوى المعيشي لكل الطبقات الشعبية.
12) التأكيد على أن الهدف الذي يسعى كل الماركسيين الوصول إليه هو الاشتراكية، التي تمرّ بمرحلة تقوم على تجاوز الرأسمالية لتحقيق مجمل الأهداف الديمقراطية، المحددة في الاستقلال والوحدة والتطور والحداثة.
13) العمل مع كل القوى الماركسية في العالم، ومع حركات الشعوب التحررية من أجل هزيمة الرأسمالية وتأسيس نمط بديل يخدم تقدم الشعوب ومساواتها وتحقيق التكافؤ فيما بينها، عالم تستطيع فيه الاشتراكية أن تتطور إلى أقصى مدى.
عن الماركسية ومهمات القوى الماركسية
الحركة الماركسية إذن هي حامل مشروع التطوّر، وهي التي يجب أن تقود تحقيقه. وإذا كانت لم تستطع الإمساك بهذه المهمة الكبيرة فيما مضى مما جعلها تتلاشى أو تكاد، فان تحقيق ذلك الآن يفرض إعادة النظر في " العقل"، أي في منطق التفكير، لأن الخطأ المعرفي هو الذي استحكم فيها في العقود الماضية. حيث كان ينقصها العمق والشمول والنسبية وكل النظر القائم على الجدل المادي الذي هو أس الماركسية وأساس تشكيلها الرؤية التي تحكم فعلها السياسي. لقد فشلت في أن تكون ماركسية حينما لم تستطع تجاوز المنطق الذي يترعرع ويجري توارثه، و المؤسس على الثنائية اللاهوتية التي تنطلق من رؤية الشكل ( السطح) في أحاديته وسكونه وتضاده، هذا التضاد الذي يبدو ثنائياً ( خير/ شر). لهذا فهمت السياسة في إطارها المبسّط والسطحي، معزولة عن الاقتصاد والمصالح الطبقية. كما فهمت في حدثيّتها ولحظيّتها دون رؤية صيرورتها وتحوّلاتها، الأمر الذي أسس لسيادة المنطق التكتيكي، أي المنطق الذي يبدأ من التكتيك و ينتهي به، لتغيب الرؤية وينتهي الفكر أو يتحوّل إلى عنصر تبرير لسياسة تكتيكية .
وهو الأمر الذي كان يقود إلى عدم رؤية الواقع بما هو صيرورة وتحوّلات. وبالتالي إلى العجز عن رؤية ممكنات التحوّل في ميزان القوى، مما كان يقود إلى التكيّف مع ميزان القوى الواقعي وليس رؤية ممكنات التغيير فيه من خلال استنهاض الحركة الاجتماعية، ورؤية أن فعل القوى المسيطرة يقود إلى استثارة الطبقات الشعبية، الأمر الذي يلقي على الحركة الماركسية مهمة تنظيم وتطوير النشاط الشعبي من أجل قلب ميزان القوى وفرض انتصار برنامج بديل هو برنامج العمال والفلاحين الفقراء وكل الطبقات الشعبية. إذن يجب تجاوز منطق التكيّف مع الأمر الواقع و الانطلاق من إمكانية تحويل الواقع لأنه يحمل هذه الإمكانية بفعل التناقضات التي يوجدها الاحتلال و توجدها السيطرة و النهب و الاضطهاد، أي التي توجدها ممكنات الصراع الطبقي. إن فعل البشر أساسيّ هنا، وهو جزء من الحركة الواقعية التي تسمى الصيرورة،وحيث لا يتحدّد ميزان القوى إلا بعد استنفاذ كل طاقاتهم عبر نشاطهم في الصراع. وهنا يكون وعي عمق الواقع حاسماً لأنه يؤسس لوعي فعل البشر هذا، مما يقود إلى بلورة الأشكال التي يمكن أن يتبلور فيها، و يفرض صياغة الرؤية الضرورية لتحقيق ذلك، والمؤسِّسة لتحديد الأهداف المحققة لمصالح البشر أنفسهم.

إن منطق المواجهة والمقاومة والتعبير عن أزمات الطبقة العاملة و الفلاحين الفقراء، ووعي مفاعيل صيرورة الانسحاق التي تلقى فيها، وبالتالي العمل على تسييسها وتحويلها إلى فعل سياسي منظّم، هو ما يجب أن يكون في رأس أولويّات الحركة الماركسية، حيث سيكون من مهمّتها وعي الظروف الواقعية من أجل وعي صيرورة التغيير التي هي مهمتهم. يجب الانطلاق من الدور الفاعل للماركسية والماركسيين دون الوقوع في الإرادوية، لكن بما يحقق تجاوز منطق " الاستسلام" والتكيّف، وبما يجعل الحركة الماركسية قيادة حركة اجتماعية حقيقية.
هذا ما يجب أن يحاوله الماركسيون و أن يمارسوه، حيث يجب أن يقودوا حركة المجتمع من أجل تحقيق مشروع تطوّر حقيقيّ لما بعد الرأسمالية في القرن الواحد والعشرين. أن يقودوا القتال ضد الاحتلال الأمير كي، وأن يتصدّوا للمشروع الصهيوني انطلاقاً من بديل ديمقراطي للمسألة اليهودية، وأن يحققوا التغيير الجذري في النظام الإقليمي العربي بما يؤسس لمجتمع جديد يفتح أفقاً لتطوّر محتجز، ويفضي إلى نقل العرب إلى القرن الواحد والعشرين.
الماركسيون الآن يجب أن يناضلوا ضد النمط الرأسمالي العالمي، وضد عولمته وضد الحروب الإمبريالية التي يخوضها، وضد الاحتلال الأميركي الجديد، وضد المشروع الصهيوني. من أجل الاستقلال و التوحيد و التطوّر و بناء عالم آخر يعزز قيم الإنسان ويؤسس التشارك و المساواة و التكافؤ و الاعتماد المتبادل، هو عالم الشعوب.
الماركسية ليست تصوّراً فقط ، إنها قوّة فعل كذلك، لهذا يجب أن يتحدّد دورها في الصراع الراهن.







ملاحظات حول نص ـ توافقات سياسية ـ
(من أجل اللقاء الماركسي العربي )
لجنة التنسيق للحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي-
برأينا تشكل هذه التوافقات أرضية لصياغة أخرى أكثر إلماما وشمولاُ ذلك لأن ما بين أيدينا ارتكز على رؤية تبدو كلاسيكية ليس بسبب الأفكار بل باعتمادها منطلقات سياسية دون الدخول في تقييم جدي للتجارب السياسية للتيار الماركسي وقواه السياسية في الأقطار العربية . في الصفحات الثلاث الأولى أي لغاية الدخول في مسائل مبدئية نلاحظ :

1ـ عودة لاســتحضار الماضي , تجلى في الصفحة الأولى لا بقصد تقييم التجارب الفاشلة في المســتويين الاجتماعي والحكم ( العراق واليمن الديموقراطي )، بل على طريقة الأصولية الإسلامية في تناول السلف و إن باختلاف يتداخل فيه التوصيف والإسقاط من بعد ثقافي نخبوي في ندب الماضي نسردها كما هي من النص:
ـ كانت الحرب الباردة (1945ـ 1991) .....
ـ كان وجود الاتحاد السوفيتي ....
ـ كان إخفاق التطور العربي ...... فإن استعادة المشروع النهضوي العربي ....
ـ كان عليهم لعب هذا الدور منذ تشكل العمل الشيوعي ....
ـ كان يجب أن يخوضوا الصراع من موقع الفعل الريادي ....
ـ (الفئات الفقيرة والمتوسطة الصراع ) كانت تئن تحت وطأة استغلال عنيف ....
ـ كان الإقطاع المتمدن ....
ـ كان الصراع الطبقي يتمركز هناك ....
ـ كان الريف هو التكوين الأساسي للمجتمع ...
ـ كان مد سيطرته ....
ـ كان يهمشه ....
ـ كان يمنع التطور ....
ـ كان يمكن أن يستوعب أزمات الريف ...
ـ كانت وسيلة اقتحامه هي الجيوش المشكلة أصلاً من القاعدة الريفية ....
ـ كانت الفئات التي انتصرت قد هدمت البنية القديمة .....
ـ كان مركز ثقل الثورة الديموقراطية ....
ـ كانت تعمل عل تحقيق مشروعها الخاص ....
ـ كان يحّول المساواة إلى لا مساواة ....
ـ كان تقديس الملكية الخاصة .....
ـ كانت تهرب إلى البنوك ....
2ـ ثم ينتقل فجأةً إلى محاولة الدخول في البدائل نتيجة لتخلف السياسات والواقع في تناول الحركة الأصولية مثلاً:(نجدها تقدم الحلول المدمرة لمصالح الطبقة العاملة والفلاحين بالأساس كما لتحررية الفئات الوسطى ) ؟
لا يمكن وضع الحركة الأصولية ، وبغض النظر عن التوصيف والموقف السياسي في مجاراة موقف الغرب القيمي والديني، في سلة واحدة وتغييب السمة التحررية ( الطهطاوي ـ الكواكبي ـ الأفغاني وغيرهم ) بسبب التباينات في طبيعة التوجهات للجماعات الدينية والإســلام السـياسي كما أن ظاهرة التشدد الديني لها بواعث وعوامل هي سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية تم استغلالها لأجل استقطاب قطاعات واسعة ( خاصة الشباب) من المجتمعات العربية مستغلة ً المؤسسات الدينية العلنية ( المساجد والجمعيات الخيرية والمدارس الدينية ) ووفرت الكثير من الحاجات الضرورية ( معونات مالية ـ دورات تعليمية ـ تدريس أصول الدين و الفقه والاجتهاد والتفسير ـ وغير ذلك) التي تهم هذه القطاعات وخاصة الفقيرة منها ، فمن الصعب اليوم فصل الدين عن المجتمع رغم أهمية فصله عن الســياسة والدولة في ظل أوضاع دولية ضاغطة على المنطقة العربية لأهميتها الإســتراتجية وهذا ليس جديداً بالنسبة للغرب ونظرته الاسـتعمارية للشرق منذ الحملة الصليبية على بلاد الشـام مروراً بدور الدول الاسـتعمارية في أزمات المنطقة التي نعيشــها من حيث المقدمة والنتيجة والتداعي ،ومن منا يتنكر لدور المؤسـسات الدينية ورجالها (المختار ـ الأشمر ـ الجزائري ـ وغيرهم )، وهنا يجب الانتباه إلى بدايات العمل الشيوعي في كلً من مصر والسودان.
مع أهمية عصرية الأحزاب فهناك دول مختلفة نجد فيها أحزاباً في عناوين دينية في ألمانيا وإيطاليا وكذلك ماليزيا وهناك حزب حاكم في تركيا جاء بإرادة شعبية عبر صندوق الاقتراع بسبب فصله المهم في إدارة الحكم والسيطرة بين الدين والسياسة , بين الدين والاقتصاد، معتمداً برنامجاً متكاملاً لحل المشكلات التي صعب حلها من قبل أحزاب علمانية .
3ـ ومن الحديث مطولاً عن البدائل في الصفحتين التاليتين يدخل النص في مقولة التجاوز بطريقة تقريرية نُوردها كما هي:
ـ الأمر الذي فرض تجاوز النمط ذاته .....
ـ بلورة بديل تحقيقي يجاوز التخلف والتهميش ....
ـ تتحقق الحداثة عبر تجاوزه ( أي نفيه ) ....
ـ لقد حاولت الفئات الوسطى تجاوز احتجاز التطور ....
ـ إن الهدف هو تجاوز الرأسمالية من أجل تحقيق التطور والحداثة والاشتراكية ....
ـ تجاوز الميول القائمة على التكيف معها باعتبارها حقيقية....
ـ ليس من الممكن تحقيق التطور وأي من الأهداف المطلبية التي تهم الطبقات الفقيرة مباشرة دون تجاوز الرأسمالية ....
ـ الحركة الماركسية بنت سياساتها على أرضية الرأسمالية....لا يمكن تجاوزها فإن أوهامها سقطت منذ زمن بعيد ....
ـ إن التطور والحداثة وتجاوز الاضطهاد والاستغلال....
ـ الحداثة كخطوة في طريق تجاوز النمط الرأسمالي ....
4ـ وردت عبارة في الصفحة الثانية تحتاج إلى إيضاح " ربما استطاعت قوى لا تحمل بديلاً أن تواجه وتنتصر ( رغم الصعوبة الآن ) " مبدئيا ً كيف يمكن ذلك ؟ هل نحن مع عودة التغيير عبر الانقلابات العسكرية ؟ أم ماذا ؟ !!
5ـ دخلت الورقة في طرح ثلاث مشاريع يجب الوقوف عندها ومع أي ً منها نكون ؟ :
ـ المشروع النهضوي العربي.
ـ المشروع القومي الديموقراطي.
ـ المشروع الماركسي.
تناولت الحديث عن هذه المشاريع لقوى سياسية ذات توجهات قومية وماركسية ويسارية وليبرالية وأقلام كثيرة في الوسط الفكري والثقافي العربي , أين هذه المشاريع ؟ لقد تم حصرها في ورقة التوافقات في " الاســــــتقلال والتوحد والدمقرطة والتطور الاقتصادي ( بناء القوى المنتجة )" هذه النظرة للمفهوم المشروع قاصرة جدا ً. هذا جانب ومن آخر فلم يعد في ظل العولمة الآن الحديث عن استقلال ناجز أو تطور اقتصادي في الأطراف دون تغيير في البناء الاجتماعي والمعرفي والعلمي وغير مترافق مع تداخل اقتصادي دولي.
ما يهمنا ما ورد حول المشروع الماركسي الذي تناوله بمنطق أيديولوجي محض وهو " الحتمية " :
" إذا كان المشــروع الرأســمالي مستحيلاً أصلا ً نتيجة عالمية النمط الرأســمالي فإن الخروج على آليات النمط الرأسمالي ذاتها " ؟ تليها مباشرة " وهنا يتحدد دور المشـروع الماركسـي " بأسلوب " الأمر الذي يفرض على القوى الأحزاب الماركسية في الوطن العربي أن تكون عنصر فعل حقيقي في الصراع " و " الحركة الماركسية. إذن هي حامل مشروع التطوّر, وهي التي يجب أن تقود تحقيقه" وبمنطق شمولي "الأمر الذي يلقي على الحركة الماركسية مهمة تنظيم وتطوير النشاط الشعبي من أجل قلب ميزان القوى وفرض انتصار برنامج بديل العمال والفلاحين الفقراء وكل الطبقات الشعبية "
في المنطقة العربية هُزمت مشـاريع سياسية تسـلطية مشـخصنة كانت مقدمة في بروز وتكريس التكورات الدينية والطائفية والمذهبية والعشائرية والعائلية وهي اليوم تعكس حالة التردي الذريع في النظام العربي في صورة تخلف الأنظمة السياسية العربية ومنها حصر السلطة في التوارث العائلي حتى في الأنظمة الجمهورية دستورياً.
6ـ وردت بعد محصلة القراءة للوضع بالتأكيد على أمرين:
"1ـ إن الصراع الأساسي هو صراع مع النمط الرأسمالي, وبالتالي مع الطبقة الرأسمالية الإمبريالية في المركز, وإن الهدف هو تجاوز الرأسمالية من أجل تحقيق التطور والحداثة والاشتراكية ": حقيقة هذا كلام إنشائي وأيديولوجي وهنا يبرز التساؤل لماذا تبقى رهانات الماركسيين نظرية و من منطلقات اقتصادية صارمة دون رؤية حقيقية التمفصل مع السـياق التاريخي والاجتـماعي كجزء من علاقـات الحكم والسـيطرة السـياسية , وتبدو نوعاً من المراوغـة بين الرأسمالية ( تقدمية ـ في استعمار الهند والجزائر ) والإمبريالية وما يترتب عليها من حروب وفقر وبؤس وحرمان من المنطق اتخاذ موقف فكري وسياسي ضد الرأسمالية والإمبريالية كشكل متطور لها، ذلك لأن التوسع الإمبريالي ينطوي على إعادة الإنتاج والتراكم لخدمة هذا التوسع في أبعاده. هناك خبطات فكرية في تناول " الرأسمالية في الأطراف ليست قوة تقدم بل قوة إعاقة " و" أن تحوّل الرأسمالية إلى نمط عالمي فرض أن يرتبط التطور بالحركة الماركسية , الأمر الذي جعلها قوة تطوير قبل أن تكون القوة التي تحقق الاشتراكية " ومن ثم الدخول في طور شعاراتي حول مهمات الحركة الماركسية:
" يجب أن تكون الحركة الماركسية في طليعة القوى التي تخوض الصراع ضد الاجتياح الإمبريالي الراهن " وأن " تكون في طليعة القوى التي تقاتل من أجل طرد الاحتــلال الأميركي " ( هذا فعل مشروع ) و " القوة التي تحقق الاشتراكية " وأن " تقاتل من أجل تكريس الاستقلال " و " تعمل من أجل تحقيق الأهــداف الديموقـراطية العـامة " و " أن تبني إستراتيجيتها على أنها قوة مقاومة وتغيير " هذا الخطاب لا يختلف عن الخطاب الأصولي للجماعات الإسلامية العنيفة .
"2ـ يجب أن تعمل من أجل تحقيق مشروع نهضة في الوطن العربي , أن تجيب على أسئلة التقدم العربي وتعبر عن حداثته ". هذه المهمة الكبرى والجسيمة تحتاج بالطبع إلى تلاقي كافة التيارات وقوى التغيير في الساحة العربية في حين لم تدخل الورقة في مستوى تحديد الأساليب و الآليات والأدوات العملية والمتاحة للقوى الماركسية ودورها بل اكتفت " المطلوب يتمثل في وعي الواقع ووعي حركته ( صيرورته ) من أجل أن يتحدد دور القوى الماركسية على ضوء هذا الوعي وبالتالي لكي تلعب دورها الممكن " وهذا بالطبع كلام عام و مكرر في الخطاب الســـياسي الماركسي والقومي على وجه خاص .
إن الإجابة على أسئلة التقدم العربي مسألة في غاية الأهمية وهي ليست مهمة الماركسيين العرب فحسب بل تحتاج إلى جهد وتقسيم عمل بين ورشات سياسية وثقافية وفكرية مختصة تنتظم في ترتيب لقاءات ومؤتمرات وندوات هيئة تقوم بتنسيق المهام , تتناول جوانب الواقع وأفاق النهوض العربي. أما ما ورد في ورقة التوافقات ففيه عمومية مفرطة:
" تطوير الصراع الطبقي ضد الطبقات المستغّلة "و" عبر تفعيل حركة اجتماعية شاملة " و" طريق تطوير نشاطات الطبقات الفقيرة.....خصوصا ًالعمال والفلاحين الفقراء وكل المهمشين " و" بتحقيق التطور, الذي يفترض تحقيق جملة من المهام التي يفرضها تحقيق الثورة القومية الديموقراطية " هذه خبطات أيديولوجية تتناقض بعد قليل مع مقولة " المجتمع المدني الحديث الذي يتأسس على مفهوم المواطنة , والقائم على العلمانية والديموقراطية ": ماذا يعني طرح الثورة القومية الديموقراطية اليوم بعد كل هذه الهزائم والانكسارات؟ من المناسب اليوم أن يكون خيارنا الصحيح هو ( التغيير الديموقراطي ).

حول " مسائل مبدئية "

مبدئياً أصابت الورقة القول: بـ " إعادة النظر في كل الرؤية التي كانت هي الرؤية الرائجة والتي همشت الحركة الماركسية وأفضت إلى سيرها نحو التلاشي"
1ـ في المسألة القومية:
من المؤكد أن " المسألة القومية مسألة تحتاج إلى حل " وعلى هذا الأساس تبدو الوحدة القومية جوهر هذه المسألة وهي قضية لا تعني القوى الماركسية فقط من نظرة اقتصادية أو بقصد" تحققها لكي يكون ممكناً تضمنّها في تكوين أشمل وأقصد الأممية " بل في صلب مهام تيارات مختلفة من قومية وإسلامية وليبرالية وهي طموح الشعوب العربية وهي مسألة تندرج في مشروع النهضة العربية الذي لم ير النور بعد ولا يمكن أن تبقى أوضاع التجزئة والقطرية والتمزق القومي قائمة.
إن " حل المسألة القومية العربية يجب أن يرتبط بحل مسألة الأقليات والقوميات المتداخلة مع العرب " هذا في بعض أجزائه أصبح ضروريا ً أكثر من أي وقت مضى لكن لا نفهم إدراج " القوميات المتداخلة " وهي قوميات انتظمت في دول ذات سيادة نتيجة بروز العامل القومي وتقدمه على المشترك الديني في القرون الوسطى بفعل الفتوحات الإسلامية وبذلك ظهرت دول ( إيران ـ باكستان ـ تركيا والقائمة تطول ) والغريب هنا الحديث " من حق الأمم أو أجزاء من أمم المتداخلة مع العرب أن تستقل وأن يعمل الماركسيون في الوطن العربي على مساعدتها على ذلك": أين هي هذه الأمم والأجزاء من أمم ؟ وإذا كان المقصود في الفقرة الأخيرة الأقليات القومية ( الأمازيغ والأكراد وأفارقة جنوبي السودان وموريتانيا ) تكون مقدمة المساعدة للاستقلال " حق الأقليات القومية أن تحصل على المساواة وحق المواطنة ...."
وهذه الحقوق هي في صلب مهامنا ولكن هل الهدف منها اقتطاع أجزاء جغرافية من الخارطة العربية. إن حالة التجزئة هي أحدى أهداف السيطرة والهيمنة الإمبريالية والمستمرة حديثا ً بعد انتهاء التوازن الدولي ( تمزيق تشـيكوسلوفاكية ويوغسلافية وأندونيسيا ومشروع تمزيق العراق) وإلا لماذا لم تتمزق سويسرا أو المملكة المتحدة أو ينفصل إقليم الباسك عن أسبانيا أو الألزاس واللورين عن فرنسا؟ ونشير هنا إلى وجود ثلاثة مليون كردي في ألمانيا و في فرنسا ما يقارب ستة مليون عربي ومغاربي وأفارقة , كيف تكون مهام الماركسيين في هذه الدول نحو هؤلاء أكثر من المواطنة ؟
إن مفهوم حق تقرير المصير تأسس على حق الأمم في تقرير مصيرها(وهو اجتهاد فردي من ماركسي محدد هو لينين لا يلزم الماركسيين أو يشكل جزءاً من الماركسية) وهذا بالطبع لا يشمل الأقليات التي لها حق المواطنة ( المساواة دون تمييز على أساس ديني أو عرقي أو .... ) بما فيها الحقوق والحريات الإنسانية والمدنية والدينية والحقوق الثقافية وسقفه الحكم الذاتي .

2ـ في المسألة الفلسطينية:
إن التناقض بين الأمة العربية وإسرائيل هو تناقض بين مشروعين وهو غير قابل للحسم وسيمتد هذا الصراع وتتغيّر أشكاله وتتكيّف، لذلك لا مجال للتعايش بين تصورين للمنطقة أحدهما يقوم على بقاء هذا الكيان وتفوقه المادي والعسكري وخدمة ورعاية المصالح الغربية وهذا الدور عدواني لا يهدف إلى التوســع الجغرافي فحسـب بل إلى وضع المحيط العربي لصالح القوة الإمبريالية والآخر يعتبر أن الأمة العربية لابد أن تراكم تدريجياً مشروع نهوضها ووحدتها،ومما يزيد الأمر تعقيداً أن هذا الكيان بات المركز الرئيسي للحياة السـياسية والدينية والثقافة اليهودية وقد نجح الغـرب في تصدير " المسألة اليهودية " إلى الشرق لتكون وسيلة لإخضاعه إلى أمد طويل وبفعل المتغيرات الدولية التي خدمت الحركة الصهيونية في تراجع العداء لها ،وهذا يسـتدعي أن يمتلك الموقف العربي تصورا ًيجمع بين الرغبـة في حل جذري وبين استحالة أن يكون هذا الحل عسكريا ً خالصا ً ويجب أن يكون بندا ًعلى جدول أعمال النهوض العربي المقبلة يتدرج من أدنى درجات الممانعة راهنا ً إلى أقصى حالات الضغط المتنوع الأشكال والمفتوح لاحقا ً. لقد شكل انهيار المعسكر الاشتراكي ضربة جدّية للجانب العربي , لا لأنه حرمه من نموذج بل لأنه حرمه من حليف مشروع النهوض وهذا ممنوع عليه غربيا ً منذ بدأت مشاريع النهضة مع مشروع ( محمد علي في مصر ).
واليوم ندرك إن إسرائيل باتت أهم استثمار أميركي في المنطقة العربية , من هنا يجب القول أن المسألة الفلسطينية ليست مسألة الماركسيين " على الماركسيين إذن أن يجعلوا المسـألة الفلسـطينية مسألتهم .... من ذلك يجب التأكيد على بلورة حل ديموقراطي للمسألة اليهودية لا يقوم على القتل ويقبل العيش مع اليهود ": هنا نتوقف عند الالتباس في المقطع الأخير " لا يقوم على القتل ويقبل العيش مع اليهود " فمن قام بأعمال القتل والتهجير لشعب فلسطين من أجل إنشاء وطن قومي لشعب آخر ومسـتمر بمشاريع الإبادة والفـصل العنصري والذبح اليومي والحصار والاعتقال؟ وهل " مقاومة الاستسلام لميزان القوى كما للوجود الصهيوني , وبالتالي يجب العمل من أجل"تغيير ميزان القوى" عبر تغيير الواقع العربي ليصبح الصراع ضد الوجود الصهيوني جزءاً من الصراع العام من أجل التطور والتوحيد والحداثة " يفترض على الفلسطينيين التخلي عن المقاومة ورفع الرايات البيضاء لصالح" تغيير ميزان القوى " برسم السلام . إن الحل للمسألة الفلسطينية يقوم على إنهاء " الدولة الصهيونية " ككيان عنصري قائم على الاحتلال والاستيطان وهو صراع مع المشروع الأميركي الامبريالي/ الصهيوني وقيام الدولة الديموقراطية العلمانية على كامل أرض فلسطين.
3ـ في المسألة الديموقراطية:
وردت الجملة " لقد بدا أن الديموقراطية هي الطريق للانتقال إلى اشــتراكية أرقى " وهذا تغيّر جوهري وأساسي في التوجهات وهو مهم جدا ً.إذن أصبح الخيار هو التغيير السلمي واعتماد طريق تداول الســلطة عبر صندوق الاقتراع والقبول بتنافس البرامج السياسية والاجتماعية والتعددية السياسية والحريات العامة وتقسيم السلطات والقبول بالعقد الاجتماعي " الدســـتور" والمجتمع المدني .هذا يتناقض مع " يفترض تحقيق جملة من المهام التي يفـرضها تحقيق الثورة القومية الديموقراطية ".
هذا التوجه الجديد لدى الحركة الماركسية بحاجة إلى إعادة درس وتأسيس لكي لا يبقى الكلام على عواهله وحسناً ما ورد في ذلك: " أن نؤسس تصوراتنا وعلاقاتنا على أساس ديموقراطي , خصوصاً وأن التجربة تكرّرت عندنا في صيغة مسخ " .

حول نقاط برنامجية
ـ إن النقاط المحددة لمشـروع محاور للقاءات القوى والأحزاب الماركسية في الورقة مهمة جدا ً ولا يبدو الأمر سهلا ً ويجب العمل من أجل دراستها من أصحاب الاختصاص من المفكرين والمثقفين وأهل الشأن والبناء عليها و المطلوب البحث جدياً في الآليات والوسائل والأساليب والأدوات لجذب اهتمام الناس للشأن العام وتحقيق امتداد اجتماعي ملموس .
ـ إن هذه النقاط يجب ألا تكون مجال لقاءات القوى الماركسية فقط بل يجب مشاركة كل القوى والتيارات التي يعنيها التغيير الديموقراطي على المستويين الوطني والقومي .
ـ إننا اليوم أكثر مما مضى بحاجة للتخلص من خندقات الماضي والتصارع السياسي والبحث وبشكل حثيث لأجل قيام تكتل تاريخي والتخلص من إرث الماضي وتنسيق العمل وتقسيمه.
ـ المطلوب تقديم الأساسي على الثانوي والعام على الخاص في العلاقات بين القوى والتيارات السياسية.
ـ التنسيق مع كافة التيارات والقوى الســياسية على المستوى العالمي وقيام أوثق العلاقات معها والمباشــرة بإجراء لقاءات تهم البشرية أين ما كانت وهذه مهمة الماركسيين بالدرجة الأولى لأجل التضامن حول مســائل مقاومة العربدة والتفرد الأميركي في الأزمات الدولية وتراجع دور المؤسسات الدولية والحروب والكوارث الطبيعية والفقر والحرمان والأمراض المستعصية ومشكلات الديون والإرهاب الدولي وتلوث البيئة والاحتباس الحراري وانهيار التبادل بين الإنسان والطبيعة.
ـ السعي الجاد لتـكوين تكتل يساري عالمي ذي توجه إنساني مناهض لظاهرة العـولمة بشقها المتوحش والوقوف في وجه الأحلاف الدولية الاحتكارية التي تعتمد نهج العســكرة والعربدة والتبعية والعقوبات المختلفـــة ونهب ثروات الشعوب وانتهاك سـيادة الدول وإعـادة أشكال الاستعمار بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية تحت مسميات (الفـوضى البناءة ) ونشـر الديموقراطية وفق مشاريع وهمية والتسـويات غير العادلة لحل الأزمات المستعصية والإنفراد في إدارة وحل المشاكل الدولية.

عن الماركسية ومهمات القوى الماركسية
برأينا،من الضروري الآن للماركسيين العرب أن يحددوا التناقض الرئيس للمرحلة من خلال تحديد طبيعتها: هل هي مرحلة تحرر وطني، أم أنها في إطار أعلى من ذلك؟
من وجهة نظرنا: المرحلة العربية تتحدد في كونها لم تتجاوز إطار مرحلة (التحرر الوطني)، وقد أكدت تطورات ما بعد سقوط العراق ذلك،حيث لا تهدف الولايات المتحدة من مجيء قواتها للمنطقة أقل من الذي قامت به لندن وباريس في مرحلة الاستعمار المباشر للبلدان العربية،وهناك- إذا وضعنا التجربة العراقية جانباً- الكثير من المؤشرات على تدخلات مباشرة وأشكال من السيطرة،وبحث عن رهن اقتصاديات دول عربية للشركات الأميركية، وعن قواعد عسكرية، وعن تدخلات لسفراء أمريكان وتحكمهم المباشر بحكام عرب عديدين.
نحن نرى أن( الديموقراطي)- الذي يعني مواجهة قوى الاستبداد التي هي بهذا الشكل أو ذاك مرتبطة بالقوى الامبريالية أو تبحث عن توافقات معها- يُؤخذ من خلال دلالة(الوطني)، وبالترابط معه وعبره، وكذلك جانبي (الاقتصادي-الاجتماعي) و (التحديث): هذا يعني أن مهمات الماركسيين العرب تتحدد- برأينا- من خلال مهمات لا يمكن أن تتجاوز ما واجهه الشيوعيون الفيتناميون في فترة السيطرة الأجنبية على بلادهم، والتي ترافق فيها التجزؤ مع تلك السيطرة. هنا،علينا أن نلاحظ أن ريادية الشيوعيين الفيتناميين لمواجهة الأجنبي الغازي هي التي أعطتهم وضعية القيادي لشعبهم ، إلا أن هذا لم يمنعهم من التعاون والإتحاد، في جبهة وطنية عريضة مثلتها جبهة(الفيتكونغ)، مع القوميين والمتدينين البوذيين والكاثوليك، ضد الأمريكي ونظام فيتنام الجنوبية العميل للأميركي الذي كان يستند إلى قوى محلية ذات توجه ليبرالي. أيضاً،في الحالة الفيتنامية أتى التوحد القومي وإسقاط النظام العميل في سايغون عبر التحرر الوطني من السيطرة الأميركية، وكذلك أتى (التحديث) و(التطور الاقتصادي-الاجتماعي).
هل حالة الماركسيين العرب مختلفة الآن عن حالة هوشيه مينه والجنرال جياب؟
كانون ثاني 2008



الوطن العربيّ: أفكار في وحدة اليسار(•)
يستحيل فهم الأوضاع وقيادة المعارك دون الإلمام بالتناقضات التي تحكم تطوّر المجتمعات البشريّة. ولئن تعدّدت تلك التناقضات بحكم تعدّد أوجه الحياة وتعدّد مجالاتها فإنّ هناك جملة من التناقضات الأساسيّة الفاعلة في المجال السياسي.
من بين تلك التناقضات الأساسيّة التناقض بين الطبقة العاملة والبرجوازيّة في البلدان الرأسماليّة التي أنجزت المهام الديمقراطيّة مثلما أنجزتها الثورة الفرنسيّة على أحسن وجه سنة 1789. تتجلّى مظاهر هذا التناقض من خلال الإضرابات والتحرّكات العماليّة في بلدان أوروبا وأمريكا الشماليّة و اليابان ومن خلال المظاهرات الصاخبة التي تدور بمناسبة اجتماعات "مجموعة الثمانية" وغيرها من التظاهرات المناهضة للعولمة الليبرالية. إنّ علاقات الإنتاج الرأسمالية السائدة في تلك البلدان تضع على عاتق الطبقة العاملة مهمّة تحرير المجتمع من هيمنة رأس المال وإرساء النظام الاشتراكي المنشود مع الأخذ بالاعتبار التجارب التاريخيّة وخاصّة الجوانب السلبيّة التي أدّت للانحراف والتكلّس والانهيار.
ومن بينها أيضا التناقض بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي الذي برز كتناقض أساسي إثر انتصار ثورة أكتوبر والذي اكتسى طابعا تناحريا على امتداد القرن العشرين وانتهى أو يكاد إلى انتصار كاسح - ولكنّه غير نهائي لانّ التاريخ لم ينته- للنظام الرأسمالي على حساب قيم التقدّم والعدالة الاجتماعيّة والمساواة. ولقد فتح هذا الانتصار المجال أمام المزيد من الغطرسة الرأسمالية والاكتساح الامبريالي تحت يافطة العولمة الليبراليّة وسيطرة الفكر الغيبي الظلاميّ بمختلف مراجعه العقائديّة ومبشّريه.
ومن بينها أيضا التناقض بين الامبرياليات التي تتنافس فيما بينها وتسعى كلّ منها لتأمين مصالحها وللمحافظة على مواقعها أو لتوسيعها. ولئن تراها تتحالف مع بعضها البعض في عدد من الحالات والظروف فإنّ الصبغة التنافسيّة تصبغ على الدوام علاقاتها ولقد أفضت إلى العديد من النزاعات والحروب بما فيها الحرب العالميّة الأولى. ولئن اختلّ ميزان القوى لصالح الامبرياليّة الأمريكية بشكل ملحوظ منذ أواخر القرن المنصرم فإنّ ذلك لا يعني أنّ الامبرياليات الأخرى قد اصطفّت بشكل كليّ وراءها بل تعمل على منافستها وقد اتضح ذلك بشكل جليّ قبيل الحرب الانجلو- أمريكية على العراق حيث عبّرت دول امبرياليّة كفرنسا وألمانيا عن تحفّظها. ونحن نشاهد يوميا مظاهر هذا التنافس في العديد من بقاع العالم وحول العديد من القضايا الكبرى كقضايا التسلّح وغزو الفضاء والتجارة العالميّة وإنتاج الأدوية والسيطرة على كبريات الشركات الماليّة والصناعيّة والتجاريّة. ويعبّر عن ذلك مصطلح جديد ظهر منذ بضعة سنوات في البلدان الرأسماليّة وهو مصطلح "الوطنيّة الاقتصاديّة" (le patriotisme economique). لذا فالحنكة السياسية تتطلب الاستفادة من تلك الخلافات وتوظيفها لفائدة النضال التقدّمي وتركيز الجهد الرئيسي في محاربة الامبريالية الأمريكية بوصفها الأكثر غطرسة وبطشا وجشعا.
أمّا التناقض الأساسي الأكثر حدّة والأكثر تأثيرا في أوضاع العالم وجلّ سكّانه فهو التناقض بين الامبرياليّة من جهة والشعوب والأمم المضطهدة من جهة ثانية. فالامبريالية في شكلها المعولم تزداد شراسة وجشعا يوما بعد يوم لإرضاء رغبة الاحتكارات الكبرى والشركات الماليّة في تحقيق أكثر ما أمكن من أرباح. وهي ترى في بلدان العالم الثالث مصدرا للمواد الخام من نفط وغاز ومعادن ومجوهرات وغيرها من المواد الطبيعية ومن المنتوجات الفلاحية ومن منتوجات البحار يجب الاستحواذ عليها ونهبها بكلّ الطرق. وهي ترى فيها أيضا سوقا وجب إخضاعها بشتى الوسائل لترويج رؤوس أموالها ومنتوجاتها ذات القيمة الإضافية المرتفعة كالأسلحة والتكنولوجيات المتطوّرة والأدوية والطائرات والأقمار الاصطناعيّة والبواخر والقطارات والسيارات وكذلك لمنتوجاتها الثقافيّة الرديئة ولمنتوجاتها الزراعية ذات الصبغة الإستراتيجية كالحبوب والزيوت واللحوم والألبان. وهي بذلك تحول دون التطوّر الطبيعي للبلدان الخاضعة لسيطرتها وتبقي على علاقات الإنتاج المتخلّفة ولا تسمح بتنمية إلا بعض القطاعات الهامشية التي أصبحت في نظرها غير مجدية أو قليلة الجدوى على غرار قطاع النسيج والإلكترونيك ومراكز البيع عن بعد (centres d’ appels). والتي تبقى في كلّ الأحوال خاضعة لها من حيث التمويل والتسيير والتسويق. ولإحكام سيطرتها على بلدان العالم الثالث تعتمد الامبريالية على الشرائح الاجتماعيّة المحلّية الأكثر تخلّفا من وسطاء وسماسرة وكمبرادوريين وكبار ملاكي الأراضي وشيوخ قبائل وقادة عسكريين وأمراء حرب وزعماء مجموعات وأقليات اثنية. كما تعتمد على قادة الأحزاب الليبرالية بما فيها الأحزاب التي تتخذ غطاء دينيا.
هذه المعركة ضد الامبريالية، وعلى رأسها الامبريالية الأمريكية، تدور رحاها في كافّة أقطار الوطن العربي وخاصّة في العراق وفلسطين ولبنان والسودان والصومال كما تدور رحاها في أفغانستان والباكستان وإيران والجمهوريات النفطيّة المنتمية سابقا إلى الاتحاد السوفيتي والكنغو وساحل العاج والتشاد وكوبا وفنزويلا وكولمبيا وبدرجات مختلفة في كافّة بلدان العالم الثالث. على أن تبقى المنطقة العربيّة بحكم أهميتها وانتصاب الكيان الصهيوني داخلها المنطقة الأكثر حساسيّة والمستهدفة قبل غيرها في هذه الآونة. وهذه المنطقة كما هو الحال بالنسبة لبقيّة أقطار العالم الثالث، ولئن تفاوتت درجات نموّها، لا تزال تعيش مرحلة التحرّر الوطني والديمقراطي. فالمحاولات التي قامت بها البرجوازية الوطنيّة هنا وهناك لتحرير المجتمع من علاقات الإنتاج البالية ولنشر علاقات الإنتاج الرأسماليّة عبر التأميمات والإصلاح الزراعي والتنمية الصناعية فشلت بسبب ضعف هذه الطبقة وتذبذبها ونزعتها للارتداد والقبول بأنصاف الحلول. وعلى العكس من ذلك فإنّ المنطقة تشهد عودة قويّة للفئات المتخلّفة من المغرب إلى مصر ومن مصر إلى لبنان واليمن والسودان... ولذلك فإنّ الطبقة العاملة التي تتحلى على الرغم من ضعفها العددي بقدرات فكريّة ونضاليّة وتنظيميّة متطوّرة أصبحت المؤهلة لتجميع كلّ الفئات التي يستهدفها النهب الامبريالي من فلاحين منتجين وصغار موظفين وصغار تجّار وحرفيين ولتحقيق أهداف المرحلة الوطنيّة الديمقراطيّة وإعطائها صبغة تقدّمية والمضي بها ضمن أفق اشتراكي.
ويندرج الوضع العربي في هذا الإطار العام مع اكتسائه لخصوصيات تتمثّل في استهداف المنطقة العربية بشكل رئيسي من طرف الامبريالية والصهيونية بعد أن كانت الامبريالية الأمريكية قد استهدفت في فترات سابقة كوبا والفيتنام والشيلي ونيكارغوا في عهد الحرب الباردة. فهي اليوم تضع كلّ ثقلها لمواجهة حركة التحرّر العربية والاستحواذ على خيرات المنطقة والحيلولة دون النموّ المستقلّ لأي قطر من الأقطار العربية وبروز قوّة إقليمية عربية قد تهدّد الكيان الصهيوني ولضرب تيّار التضامن والتوحّد القومي. إنّ احتلال العراق والهجمات على المقاومة الفلسطينية والمناورات العسكريّة والسياسيّة ضدّ لبنان والسودان والصومال والتدخّل السافر في الشؤون الداخليّة لكافّة الأقطار العربية يرمي إلى إضعافها وتفكيكها وإعادتها إلى العهود القروسطيّة وإنعاش الفئات الاجتماعية المتخلّفة داخلها. فهي تستعمل جملة من الأوراق بالاعتماد على الأنظمة التابعة لها وبإعداد البدائل لها إذا اقتضت الحاجة وهي بدائل إسلامويّة ليبرالية لا تقلّ تخلّفا.
إنّ هذه الأوضاع الرديئة تستوجب نهوض التيارات التقدمية والعقلانية على مستوى كلّ قطر والسعي للتشاور والتنسيق فيما بينها على النطاق القومي ودفع عملها المستقلّ بالتخلّص من الأوهام حول تحالفها ولو كان ظرفيا مع القوى الإسلاموية المحتكرة للشارع العربي والتي يتباين مشروعها تباينا تاما مع المشروع التقدمي الوطني الديمقراطي والتي تكتسي طرق عملها طابعا استبداديا يكرّس التبعيّة العمياء والتي تسخّرها الامبريالية لفرض مشيئتها وتأمين مصالحها ولذا فإنّ العمل معها يخدمها بينما التباين معها يدعم تطوّر العمل التقدّمي.
ولدفع حركة اليسار التقدمي قطريا وقوميا وجب الالتفاف حول جملة من المهام الأساسية:
1) مناهضة السيطرة الامبريالية وعلى رأسها الامبريالية الأمريكية والنضال ضدّ الصهيونية في كلّ قطر من الأقطار وعلى المستوى القومي مع التركيز على انسحاب الجيوش الانجلو- أمريكية من العراق وعلى مساندة النضال الوطني في فلسطين في سبيل إقامة الدولة الديمقراطية العلمانية.
2) مناهضة الاستبداد في كلّ قطر من الأقطار والعمل على الظفر بحقّ المواطنة وبالحريات الفردية والحريات الجماعية لكافّة الأحزاب والمنظّمات المدنية.
3) الانخراط في الحركة الاجتماعية والمطلبيّة والنقابية للظفر بحقوق العمّال والفلاحين والفئات الشعبيّة الأخرى والدفاع عن القطاع العام والمرافق الاجتماعية والقدرة الشرائية والإنتاج الوطني في كافّة المجالات.
4) نشر الفكر العقلاني النيّر خاصة في قطاعات التعليم والثقافة والإعلام والتصدي للثقافة الامبريالية الرديئة والفكر الظلامي.
5) الدفاع عن مبدأ المساواة التّامة بين الجنسين والعمل على تكريسه على أرض الواقع.
6) الانخراط في حركة التضامن العالمية المناهضة للحركة الليبرالية وللهيمنة الامبريالية.
دراسة وتقييم تجربة الحركة التقدّمية والبلدان الاشتراكية للحيلولة دون الوقوع في نفس الأخطاء القاتلة ولتحديد مقوّمات المجتمع الوطني الديمقراطي المنشود وعلاقته بمسألة الوحدة العربية وبالتحوّلات اللاحقة في اتجاه الاشتراكية والمجتمع اللاطبقي.
*- المصدر: "الإرادة" نشرة حزب العمل الوطني الديمقراطي في تونس ـ ديسمبر 2007







بلاغ
بعد أكثر من عامين على اللقاء الذي عقد في باريس يوم 15/9/2006، والذي كلفنا التحضير لعقد لقاء يضم كل القوى والأحزاب الماركسية التي أقرت أو وافقت على النداء الصادر عن اللقاء في 18/9/2006، يمكن أن نقول بأننا توصلنا إلى المرحلة النهائية، ألا وهي تحديد موعد ومكان عقده.
نذكر أولاً بأن النداء المشار إليه قد حدد أربعة معايير أساسية جرى التداول على أساسها مع مختلف القوى والأحزاب، والتي كانت هي الأرضية التي انطلق منها في الدعوة الأساسية والدعوات اللاحقة، حيث لم نكتفِ بالتحديد الماركسي لهذه القوى، أو بالتحديد اليساري، بل شددنا على التالي:
1) أن المشروع يقوم على مناهضة المشروع الإمبريالي الصهيوني، وعلى مواجهته.
2) الموقف الواضح من كل النظم في الوطن العربي، باعتبار أنها تمثل طبقات رجعية وذات مصالح متشابكة مع الإمبريالية.
3) رفض الليبرالية والعولمة الرأسمالية، والتأكيد على أن دور القوى والأحزاب الماركسية هو " تأسيس عالم بديل يعبر عن مصالح الطبقة العاملة والشعوب، ويقوم على التحرر الوطني والتكافؤ وحرية تقرير المصير وضمان حق الاختلاف والتعدد والعدالة والمساواة الاجتماعية, والديمقراطية".
4) اتخاذ موقف واضح من الحركات الأصولية والإسلام السياسي، حيث أنها " تقدم خدمة ثمينة للامبرياليين بتصوير الصراع الوطني والطبقي على أنه صراع ديني وطائفي، وهي تلتقي في ذلك مع غلاة المحافظين من منظري الامبريالية الذين يروجون للصدام بين الحضارات والأديان". رغم أن بعض تيارات الإسلام السياسي أبدت "مقاومة ايجابية للاحتلال".
وبالتالي فقد أكدنا على أن على القوى والأحزاب الماركسية " البحث عن بديل حقيقي يعبر عن مصالح العمال والفلاحين الفقراء،والطبقات والفئات الشعبية. ويحمل مشروعها الهادف إلى التحرر والاستقلال والتطور الاقتصادي والمجتمعي , بديل وطني ديموقراطي شعبي يعطي الأمل بالمستقبل, ويعزز من دور الحراك المجتمعي , دور النقابات والمنظمات المدنية المستقلة، وكل أطراف النضال الشعبي. ويهيئ لتأسيس القوى القادرة على هزم المشروع الامبريالي الأمريكي بالخصوص والمشروع الرأسمالي عموماً, والتصدي لكل بدائله. وينجز تغييراً حقيقياً بات متأكداً".
ونحن هنا نعيد التأكيد على هذه المسائل، ونحن نتقدم لعقد اللقاء الذي يهدف إلى بلورة توافقات سياسية مشتركة هي بمثابة برنامج مهمات سياسية، وتشكيل تحالف سياسي على ضوئها من أجل النضال المشترك في كل الوطن العربي.
ثانياً: سوف ينعقد لقاء في القاهرة، من أجل إقرار:
1) مشروع التوافقات السياسية.
2) هيكلية التحالف وهيئاته.
3) ورقة المهمات المشتركة.
وإذا كنا قد وزعنا ورقة "توافقات سياسية" لكي تكون أساساً للحوار تسهيلاً لمهمة الوصول إلى البرنامج المشترك، فإن التفاعل المحدود معها قد دفع لجنة المتابعة إلى الإقرار بأن من حق كل الأطراف لأن تقدم أوراقاً، سواء كبرنامج أو كخلفية لكي تسهم في الفهم المشترك.
لهذا نطلب من القوى والأحزاب أن تبادر إلى الإسهام في ذلك، وكذلك أن تقدم مقترحاتها حول الهيكلية والمهمات المشتركة، لكي يجري تعميمها والحوار حولها في المدة المتبقية من بداية العام الجديد إلى الأول من أيار عيد العمال العالمي. ولسوف تقوم اللجنة بتوفير إمكانيات التعميم والحوار عبر الإيميل المشترك.
ثالثاُ: ترجو اللجنة من الأحزاب أن تلتزم بإرسال عضو أو اثنين فقط، بسبب حجم المكان الذي سوف يعقد فيه اللقاء. وأن تبلغ إن كان الأعضاء بحاجة إلى فيزا لترتيب أمر ذلك.
نأمل التجاوب السريع.
لجنة المتابعة للقوى والأحزاب الماركسية في الوطن العربي

1/1/2009








































مشروع برنامج
يوحد نشاط القوى والأحزاب الماركسية في الوطن العربي
(من حزب مغاربي)
بعد المداولات التي استمرت لأكثر من عامين ونصف توافقت القوى والأحزاب الموقعة أدناه على هذا البرنامج كأساس لتحالفها، وأرضية لتنسيق نشاطاتها وأفعالها. وهي إذ توضح بأنها، وهي تناضل في بلدانها، تعمل على النشاط المشترك فيما يتعلق بالمسألة القومية في الوطن العربي، الذي يضم العرب وكل الأقليات المتعايشة فيه، من الأمازيغ والأكراد والأرمن والتركمان. وكذلك كل الأقليات التي كانت في ترابط مع العرب في صيرورة تشكلهم، مثل السريان والآشوريين والكلدان والأقباط. وهي تعتبر بأن دورها هو تنظيم نشاط الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء في نضالهم الثوري من أجل تحقيق هذه المهمات الديمقراطية، وتحضير الظروف التي تسمح بالانتقال إلى الاشتراكية التي هي هدفهم الأساس. ولهذا قرروا هنا تثبيت التوافقات الخاصة بالمهمات الديمقراطية هذه.
وهم إذ يطرحون هذه المهمات يعتقدون بأن عليهم التنسيق مع كل القوى التي تتقاطع معهم حول مجمل الأهداف هذه أو بعضها، ويعتبرون أن كل تنسيق أو تحالف هو ضرورة في مواجهة الإمبريالية والدولة الصهيونية والنظم الرأسمالية التابعة، ولتحقيق المهمات الواردة أدناه.
وأيضاً يرون بأن الصراع ضد الإمبريالية يفرض عليهم إيلاء الاهتمام الكامل لمختلف أشكال النضال في العالم المتوافقة مع أهدافهم، وخصوصاً مع القوى والأحزاب الاشتراكية. حيث أن هزيمة الإمبريالية تتطلب هذا النضال العالمي وتقتضيه. وهم أساساً جزء من النضال الأممي من أجل تجاوز الرأسمالية نحو الاشتراكية.
وينطلق تكتيكهم من رفض الميول الليبرالية التي غزت قوى في اليسار لأنها تكرس البنى الرأسمالية التابعة القائمة في الواقع، وبالتالي تكرس كل المشكلات القائمة. كما تكرس التكيف مع السيطرة الإمبريالية. ويعتقدون بأن نشاط القوى الأصولية لا يشكل بديلاً حقيقياً لأنه يدخل الصراع في متاهات "ثقافوية" وغيبية. وعلى العكس من ذلك فهو – إضافة إلى أنه يكرس الليبرالية التي هي جزء جوهري من منظور هذه القوى- يفتح أفق التفكك والتفتت والتدمير لأنه ينطلق من التمييز بين قطاعات الشعب، ويغلب التناقض فيما بينها على أساس ديني أو طائفي على الصراع ضد الإمبريالية، أو على الأقل لا يسمح بتوحيدها في جبهة متراصة انطلاقاً من التمايز الديني والطائفي.
إنهم بالتالي ينطلقون من النضال الطبقي، في أبعاده القومية والعالمية، ويهدفون إلى تحقيق التطور والحداثة وصولاً إلى الاشتراكية التي هي هدفهم الأسمى.
مبادئ عامة
إننا ننطلق من مبادئ عامة، يمكن أن نجملها في التالي:
(1) إننا قوى ماركسية، ننطلق من أن الماركسية هي منهجية تحليل، هي الجدل المادي، وهي خاضعة ككل الظواهر لهذه المنهجية كذلك. لهذا نرى أن مهمتنا ليست القياس على مواقف وسياسات سابقة بل وعي الواقع والتأسيس من خلاله لمواقفنا وسياساتنا، مستفيدين من كل التراث الثري لكل الماركسيين.
ونحن هنا نؤكد على أننا لسنا معنيين بتقليد هذا المفكر الماركسي أو ذاك، ولا التمسك الحرفي بالنصوص، بل معنيون بتلك المنهجية التي تعيننا على وعي الواقع ووعي آليات تغييره.
(2) رغم انهيار التجربة الاشتراكية السوفيتية فإننا لا نعزو هذا الانهيار إلى خطأ أصلي في الماركسية، ولا إلى طموح البشر في العدالة من خلال تحقيق الاشتراكية. بل نرى أن التجربة قد انحكمت لظروف واقعية من الضروري مناقشتها في خضمها وليس قياسًا على أفكار وتصورات، لأن هذه الأفكار والتصورات، كما الأحكام والمثل، تخضع لممكنات الواقع.
ولقد حققت التجربة الاشتراكية ما عجزت عن تحقيقه كل أساليب التطور الأخرى، ونقصد نقل مجتمعات بأكملها من التخلف والتهميش، ومن هيمنة بنى القرون الوسطى إلى عصر الصناعة والحداثة، فتشكلت مجتمعات صناعية حديثة تستطيع أن تكافئ المجتمعات التي سارت في طريق الرأسمالية قبلها بقرنين.
ولهذا لا نستطيع أن نقول إنها فشلت من هذه الزاوية، لأنها حققت التقدم الضروري، ولكن فشلها يتحدد في أن صيرورة التقدم توقفت، وبالتالي توقف الانتقال إلى الاشتراكية برغم التطور الصناعي والحداثي المتحقق، أو بفعله.
ونؤكد أن تطور المجتمعات المتخلفة بات مرتبطًا بعمق بسياق الانتقال إلى الاشتراكية، ومهمتنا اليوم تتمثل في الإفادة الجادة من التجربة من أجل بلورة الآليات التي تسمح، ليس بتحقيق التطور الصناعي والحداثي فقط، بل بتحقيق الاشتراكية الفعلية، التي لن تكون ممكنة إلا بتحقيق هذا التطور الضروري في كل هذه المجتمعات المتخلفة من جهة، وفي إطار أوسع من الأطر القومية، أي في إطار عالمي، من جهة أخرى.
لذا لن نندب على الانهيار، بل يجب أن نستفيد من خبرة ثرة من أجل أن تستمر الصيرورة، وصولاً إلى تحقيق الاشتراكية.
(3) ننطلق من أن النمط الرأسمالي المهيمن هو نمط عالمي، ولقد أسس للتفاوت القائم بين تشكل أمم صناعية وأخرى زراعية أو مهمشة، حيث إن مصلحة الطغم المالية تفرض عليها حصر قوى الإنتاج فيها، وفي أممها، لهذا قاومت كل محاولات بناء الصناعة في الأمم الأخرى، وحاولت تدمير ما بُني في الأمم التي خرجت عن هيمنتها، خصوصًا في البلدان الاشتراكية.
وهذا يحدد جوهر التناقض على الصعيد العالمي، وليصبح السعي لتحقيق التطور مرتبطًا حكمًا بتجاوز الرأسمالية، وإنهاء هيمنتها.
وهو الأمر الذي يلقي على عاتق القوى الماركسية الدور الأهم في النضال من أجل تحقيق التطور والحداثة، وصولاً- بالتالي- إلى الاشتراكية.
(4) إننا ننطلق من رؤية نقدية لتاريخ الحركة الشيوعية في الوطن العربي، ونعتقد أن الإستراتيجية التي قامت عليها كانت تعاني (في الغالب) من خطأ جوهري في فهم الواقع العالمي (طبيعة الرأسمالية) والعربي، لهذا راهنت على انتصار البرجوازية، وظلت موصولة الرحم بهذه الأوهام، حتى والبرجوازية تعمق ارتباطها بالإمبريالية، وتتشكل كطبقة كومبرادورية.
لقد انتهى دور البرجوازية في الأطراف منذ تشكل الرأسمالية كنمط عالمي بداية القرن العشرين، وبات التطور منوطًا- كما أوضحت تجربة القرن- بالدور الأساسي للحركة الشيوعية، مستندة على الطبقة العاملة، والفلاحين الفقراء، وبالتحالف مع مختلف شرائح الفئات الوسطى في الريف والمدينة.
ولهذا نعتقد أن مشروع التطور والحداثة هو مشروع الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء، وبالتالي هو مشروعنا، ونحن معنيون بالنضال من أجل تحقيقه.
(5) إننا ننطلق من رؤية نقدية عميقة لتجربة الحركة الشيوعية في الوطن العربي، وهذا يطال طبيعة الوعي الذي حكمها، حيث لم ترتقِ (في الغالب) إلى مستوى الوعي الماركسي لأنها عجزت عن استيعاب وتمثل منهجية الماركسية، الجدل المادي، وبالتالي فشلت في وعي الواقع وتحديد السياسات الصحيحة، فتاهت في سياسات تابعة لطبقات أخرى (البرجوازية ثم البرجوازية الصغيرة) رغم بطولات أعضائها وتفانيهم في النضال، ورغم الظروف الصعبة التي عاشوها.
لقد عانت، بالتالي، من سوء فهم لكثير من القضايا، مثل دور البرجوازية، والمسألة القومية، والديمقراطية، ودور الحزب وبنيته.
ونحن نسعى لأن نؤسس متجاوزين كل هذه المشكلات، وبالتالي أن نركز على تأسيس الوعي الماركسي، كما على البنية الديمقراطية التي تنطلق من مبدأ الوحدة والاختلاف (وحتى التناقض)، ولا نعتبر أننا الوحيدون الذين نحتكر الحقيقة، والنشاط. وهو الأمر الذي يفرض الانفتاح على كل الطبقات والقوى التي نتفق معها على مجمل البرنامج، أو بعض أهدافه، في سياق السعي لتحقيق التطور والحداثة، والوحدة القومية.
إننا لا نلغي أحدًا، ونعتقد أن دورنا يرتبط بفاعليتنا، وبالتالي بمقدرتنا على توحيد قطاعات أوسع من العمال والفلاحين الفقراء، وكذلك مع توثيق التحالف مع الفئات الوسطى (الفلاحين المتوسطين، والفئات الوسطى المدينية).
قوتنا تنبع من دورنا وفاعليتنا، وقيادتنا للنضال تبدأ من ذلك.
برنامج المهمات
ونعمل من أجل:
أولاً: إذا كانت الدولة الصهيونية تحتل فلسطين وتهدد محيطها، وإذا كانت الإمبريالية الأميركية باتت تحتل العراق وتهدد محيطه وكل المنطقة، فإن المشروع الإمبريالي الصهيوني يستهدف كل الوطن العربي ومحيطه، وربما كل العالم.
وانطلاقاً من أننا في صراع أساسي ضد النمط الرأسمالي ككل من أجل تشكيل نمط بديل: تحرري واشتراكي.
نرى أن من مهمتنا مقاومة هذا المشروع، ومواجهة قوى الاحتلال، ودعم كل القوى المقاتلة ضد الاحتلال والسيطرة والنهب والاضطهاد.
لهذا:
1) نناضل ضد الوجود العسكري الإمبريالي الصهيوني في كل الوطن العربي.
2) نقاوم قوى الاحتلال.
3)ندعم كل القوى التي تقاوم الاحتلال على أسس وطنية.
ونرى:
1) أن إنهاء الدولة الصهيونية وبناء دولة ديمقراطية علمانية متلاحمة في الإطار العربي، هو هدف أساسي لنا.
2) أن طرد الاحتلال الإمبريالي الأميركي من العراق، حيث يجب أن تلعب القوى الماركسية دورها الأساس في المقاومة، هو هدف يخصنا جميعاً.
3) أن تحقيق الاستقلال التام لكل البلدان العربية هو المدخل لتحقيق نهضته وتطوره.
ثانياً: إننا كقوى ماركسية نتلمس أهمية تحقيق الوحدة في الوطن العربي، ونلمس الشعور القومي الذي ينغرس في نفوس الطبقات الشعبية، ولأن تحقيق الدولة/ الأمة هو الذي يعيد التوازن لصيرورة التطور التاريخي، وهو الأساس الذي يمكن في إطاره تحقيق التطور الاقتصادي، وخصوصاً الصناعة التي هي في حاجة إلى السوق الواسعة، وبالتالي أن يكون لهذه المنطقة موقع مكافئ في عالم يقوم على أساس الدول/ الأمم في العلاقات والتوازنات الدولية، ويتأسس على أساس نشوء التكتلات الاقتصادية الكبيرة، نرى:
1) إننا نناضل في بلداننا من أجل تحقيق الوحدة في الوطن العربي.
2) إن تحقيق الوحدة يرتبط بإقرار حقوق الأقليات القومية المتواجدة في حدوده، ونخص حقها في التكلم بلغتها والتعبير عن ثقافتها، والى حدود الحصول على الاستقلال الذاتي.
3) إن تحقيق الوحدة يجب أن يتم على أساس ديمقراطي، وبإقرار الطبقات الشعبية، وفي شكل فيدرالي يضمن الاستقلالية لمناطقه المختلفة.
4) من حق أي أقلية أن تطالب بالانفصال، لكننا نرى أن تشكيل تكتل كبير هو مسألة مصيرية لكل الشعوب القاطنة في الوطن العربي.
5) إقرار حق الانفصال للأمم أو أجزاء الأمم التي أدرجت في حدود أي من البلدان العربية التي تشكلت على أساس اتفاق سايكس/ بيكو.
6) التفاعل مع كل الأمم المحيطة بالوطن العربي، أو المتداخلة معه، لتأسيس تعايش حقيقي في إطار علاقات متكافئة وديمقراطية، وحل كل المشكلات ذات الطابع القومي عبر التفاوض، وبما يخدم تقدم المنطقة كلها، خصوصاً وأنها كانت منطقة تفاعل وتواشج وتطور مشترك خلال العهود الماضية.
7) إقرار حل ديمقراطي للمسألة اليهودية في فلسطين تقوم على أساس أن هناك عرباً يدينون بالديانة اليهودية هم جزء طبيعي من الوطن العربي، ومن حقهم العيش حيثما شاؤوا. أما الأشكناز (اليهود القادمون من مختلف بلدان أوروبا وروسيا) فمن حقهم البقاء وفق الأسس الجديدة، وفي إطار دولة عربية تضمن حقوق الأقليات. وإذا ما تبلوروا كأقلية يمكن أن تتخذ طابعاً قومياً فلها الحق بالتكلم بلغتها وتداول ثقافتها، والاستقلال الذاتي فيما إذا كانت أماكن تواجدها تسمح بذلك.
ثالثاً: إن تحقيق الاستقلال والوحدة، اللذين يحظيان بأولوية أساسية، يجب أن يترابطا مع السعي لبناء الاقتصاد، الذي لا يزال في غاية التخلف، ويعاني من التهميش، وسيادة النمط الريعي المعتمد على المواد الأولية، دون قوى منتجة حقيقية. وفي إطار علاقات تبعية مع النمط الرأسمالي المهيمن، تمتص الفائض المنتج، وتنهب الثروة النفطية، وتتحكم بمسار التطور، وبالتالي تكرس البنى التقليدية من أجل ذلك.
لهذا نرى،
1) إن تحقيق العلاقات المتكافئة مع العالم تفترض تطوير القوى المنتجة، وأساسها الصناعة التي هي أساس كل التطور الحديث، ومحور الاقتصاد العالمي الراهن. وأيضاً تطوير الزراعة بما يحقق الاكتفاء أولاً.
2) إن المقدرة على بناء القوى المنتجة تفترض حماية الدولة، ودورها الاقتصادي الاستثماري في عالم يعيش أشد أشكال التنافس حدة، في مرحلة من الاحتكار لم تبلغها من قبل.
3) ولهذا يجب أن نواجه الاختلال في التنافس عبر التحكم بالعلاقات الاقتصادية مع السوق الرأسمالي دون منعها. والتحكم بالاستثمارات الرأسمالية الخارجية بما يخدم تحقيق التطور المحلي دون تسرب الفائض إلى الخارج. وضمان منافسة متكافئة للقوى المنتجة المحلية. وكذلك ضمان عدم هروب التراكم الرأسمالي إلى الخارج.
4) الاهتمام بتحديث البنية التحتية، وتحقيق التطور العلمي الذي هو مركزي من أجل تحقيق بناء الصناعة والتحديث العام.
رابعاً: إن هدف العمال والفلاحين الفقراء هو الوصول إلى السلطة من أجل تحقيق برنامجهم، لكنهم يعملون على تحقيق تحالف شعبي واسع يضم كل الطبقات الشعبية، التي هي معنية بتحقيق الأهداف المشتركة، وهم يرون بأنه يجب إعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية تنطلق من:
1) تأسيس نظام فيدرالي ديمقراطي، يقوم على مبدأ المواطنة ورفض التمييز بين المواطنين على أساس طائفي أو ديني أو إثني، ويفصل بين السلطات، ويقرّ بكل الحريات العامة، ويقوم على الانتخاب، ويعطي دوراً مركزياً للنقابات والاتحادات وكل الروابط التي تعبر عن مصالح طبقات وفئات اجتماعية في الرقابة والمحاسبة واختيار المسئولين.
2) التأكيد على مبدأ العلمانية القائم على فصل الدين عن السياسة وبالتالي عن الدولة. والتأكيد على علمنة مؤسسات الدولة، وفي مجال التعليم خصوصاً.
3) التأكيد على حق المواطنة والحريات الأساسية وعلى التعددية وحقوق الإنسان السياسية والاقتصادية/ الاجتماعية وحق النشاط السياسي والنقابي والمدني. حرية الرأي والصحافة وتشكيل الأحزاب وحق تشكيل النقابات والاتحادات والجمعيات.
خامساً: لقد أصبح وضع الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء في غاية الصعوبة نتيجة النهب الإمبريالي من جهة، ونهب الرأسماليات الحاكمة من جهة أخرى، ولقد اتسعت حالة الإفقار وتعمقت بحيث باتت لا يجد سوى التمرد والمقاومة خياراً، ولهذا نرى،
1) أن تبني كل مطالب العمال والفلاحين الفقراء هو الأساس في نشاط الحركة.
2) إن تطوير آليات مقاومة هذه الطبقة هو من المهمات الضرورية اليوم، ولهذا يجب الدفع نحو تأسيس نقابات وروابط تعبر عنها، وتدافع عن مصالحها بأقصى المسئولية.
3) التوضيح بأن حصولها على مطالبها لن يتحقق إلا من خلال التحالف الشعبي وعبر الوصول إلى السلطة، لأنه ليس من الممكن أن تقوم الرأسمالية بذلك.
4) إن مهمتنا تتحدد في الاندغام وسط هذه الطبقة، وممارسة الدعاية الثورية والتحريض، وتنظيم نشاطها وتطويره وصولاً إلى تحقيق الانتصار.
5) وإن الهدف المطلبي يتحدد في النضال من أجل تحسين وضعها المعيشي، عبر ربط الأجور بالأسعار، وتوفير الضمان الاجتماعي، وتحقيق الضمان الصحي، وزيادة تأثيرها في مجمل السياسات المتبعة.
سادساً: لا بد من أن يحمل مشروعنا مهمة تحديث المجتمع، تحديث التعليم وضمان مجانيته. وتحديث المؤسسات وبنائها على أساس الفاعلية والخبرة. وتحديث القوانين بما يجعل المساواة بين المرأة والرجل أساساً نهائياً، وبالتالي أن تنطلق القوانين من هذه البدهية. وكذلك تحديث الفكر بهدف تجاوز وعي وعقلية القرون الوسطى.
سابعاً: إن تحقيق هذا البرنامج لا يتأتى من المطالبة والمناشدة، والترجي، فهذه لا معنى لها، بل يتحقق عبر تطوير النضال الطبقي، وتفعيل الحراك المجتمعي، بما يسمح بأن تفرض الأغلبية منطقها وبرنامجها. ولهذا نرى بأنه يجب إتباع كل أساليب النضال،
1) المقاومة الثورية المسلحة ضد كل القوى المحتلة في فلسطين والعراق ولبنان، وأي منطقة يمكن أن تتواجد فيها قوى عسكرية إمبريالية. حيث أن الصراع على هذه الجبهة لن يكون بالأساس سوى صراع مسلح، فهذه شرعة المقاومة، وهذا هو طريقها. وهي مهمة لنا جميعاً ولا ترتبط بالبلد المعني فقط.
2) تطوير النضال المطلبي الاقتصادي، وتوسيع فاعليته. حيث يجب تطوير الإضرابات وكل أشكال الاحتجاج، وممارسة كل أشكال الضغط من أجل تحقيق المطالب.
3) تطوير الصراع الطبقي الذي يبدأ مطلبياً لكي يتحول إلى إضراب عام أو انتفاضة شعبية. حيث أن هدف النضال هو تحقيق مصالح كل الطبقات الشعبية.
4) خوض النضال الفكري/ الأيديولوجي ضد كل الاتجاهات والميول التي قد تضر بالنضال العام وبقضية الثورة والاشتراكية. مثل الميول الليبرالية، خصوصاً التي تتغطى بيسارية ما. وكذلك الميول والاتجاهات الأصولية والطائفية التي تعمق من المشكلات وتفتت حركة المواجهة، وتضيع الصراع الطبقي.
5) تطوير النضال السياسي ضد النظم الرأسمالية التابعة بهدف تحقيق التغيير الذي هو المدخل لتطوير الصراع ضد المشروع الإمبريالي الصهيوني، والمدخل لتطوير الاقتصاد وتحديثه وتحويله إلى اقتصاد منتج. وأيضاً المدخل لتأسيس نظم ديمقراطية حقيقية.
وتأسيساً على كل ذلك نقرر تأسيس هذا التحالف من أجل تحقيق هذه المهمات.
كانون الثاني؛ 2009
قائمة بالكتب المتوفرة لدى التجمع الماركسي- الديمقراطي في سوريا
1- إيران من 1900-1980 مجموعة مفكرين ، خاصة يرفند إبراهاميان
2- الفكر العربي في عصر النهضة . ألبرت حوراني
3- إسلاميات (الحزب الهاشمي ، حروب دولة الرسول، النسخ في القرآن، ) سيد القمني
4- مدخل إلى الاشتراكية ، ارنست ماندل
5- محاضرات في الاقتصاد السياسي، ارنست ماندل
6- مبادئ أولية في الفلسفة، جورج بوليتزر
7- أسس الاقتصاد السياسي ، نيكتين
8- الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية ، لينين
9- الأممية الشيوعية وفلسطين 1919-1928 ، ماهر الشريف
10- الشيوعية والمسألة القومية العربية في فلسطين 1919-1948، ماهر الشريف
11- الثورة الصينية ، بيير روسيه ، مجلدين
12- جذور القضية الفلسطينية ، إميل توما
13- أصل رأس المال ، ماركس
14- النضال الطبقي في فرنسا، ماركس
15- في القول السياسي ، الجزء الثاني ، نايف سلّوم 2002
16- الأبعاد الستّة ، نايف سلّوم 2000
17- علم الديالكتيك والمذهب الوضعي ، نايف سلّوم 2009
18- ما بعد الحداثة ، نايف سلّوم 1998





















البيان النظري والسياسي
للتجمع الماركسي-الديمقراطي في سوريا
(تـمـــــــــــد)
ورقة مقدمة إلى لقاء الماركسيين العرب
المستوى المنهجي/ النظري:

تمهيد
"المنطق الديالكتيكي منطق نقدي ، فهو يكشف أحوالاً ومحتويات للفكر تعلو على النمط المقنن للمبادئ المقننة والسائدة .. ليس الفكر الديالكتيكي هو الذي يخترع هذه المحتويات ، بل هي قد انضافت للمفاهيم خلال التراث الطويل للفكر والفعل"
في هذه العبارة تتجلى تاريخية الديالكتيك عبر إضافة محتويات جديدة إلى مفاهيمه . فقد أضاف ماركس مفهوم القيمة التي هي عند ماركس علاقة إنتاج اجتماعية و فضل القيمة التي هي شكل استغلال اجتماعي خاص بنمط الإنتاج البضاعي وخاصة النمط الرأسمالي للإنتاج .
وأضاف لينين وقبله مفكرون ليبراليون واشتراكيون (هوبسون، هلفيردينغ) مفهوم الإمبريالية. العلاقة الإمبريالية هي احتكار و علاقة استغلال وعلاقة إلحاق وعلاقة ظلم قومي واجتماعي ، وهي تتضمن حروب عدوانية واحتلال بلدان وإخضاعها ، وتقتضي هذه العلاقة إعاقة كل تطور صناعي في البلدان المتخلفة . العلاقة الإمبريالية هي علاقة إنتاج بورجوازية ولدها تطور القوى الإنتاجية لدرجة عالية نتيجة تمركز رأس المال وتركزه في أيدي حفنة من الشركات الدولية الاحتكارية وما ينتج عن ذلك من تقسيم دولي محدد للعمل بين مراكز النظام وبين أطرافه المتخلفة. ، ولاحقاً بعد الحرب العالمية الثانية أضيف مفهوم التخلف في أطراف النظام الرأسمالي ، والعلاقات الاقتصادية في مجتمع رأسمالي طرفي متخلف ملحق بمصالح وإرادة البورجوازيات الإمبريالية في المراكز الرأسمالية هي صورة للعلاقة الإمبريالية مجسدة بسيطرة طبقة بورجوازية رثة. وهكذا لا يمكن دراسة الاقتصاد العالمي الراهن بنيته ، دينامياته وآلياته ودولته بعيداً عن مفاهيم من مثل فضل القيمة وأشكال الاستغلال ، ومفهوم الإمبريالية ومفهوم البنية العالمية للنظام الرأسمالي وتفاوت هذه البنية ومعه مفهوم التخلف والتقسيم الإمبريالي الدولي للعمل والاستغلال . والاستغلال قيمة تبادلية تولد قيماً جديدة مقتطعة من نتاج قوة عمل العامل (فائض الإنتاج) تراكم لمصلحة البورجوازيات الإمبريالية في المراكز . إن البورجوازيات الإمبريالية في المراكز الرأسمالية هي رب عمل صاحب مداخيل إضافية وهي تستولي على فائض الإنتاج الدولي . وقوة العمل التي تستغلها هذه البورجوازية لها طابعاً مزدوجاً: فمن الناحية الأولى استغلال قوة العمل في المراكز نفسها عبر الاستيلاء على فائض إنتاج قوة عمل العمال في البلدان المركزية ، والثانية استغلال قوة عمل أغلبية السكان في البلدان المتخلفة بآليات مختلفة . تذهب حصة من فائض الإنتاج لرشوة الطبقة العاملة في المراكز عبر ارتفاع أجور هذه الطبقة نسبة لأجور العمل في البلدان المتخلفة والحصة الثانية لرشوة الطبقات المسيطرة في البلدان المتخلفة والتي تعمل بسيطرتها ولحاقها بالبورجوازية الإمبريالية إلى تأبيد العلاقة الإمبريالية . لقد غدت كل هذه المفاهيم التي كانت سابقاً محتويات للفكر("نظرية ") ، غدت أدوات ضرورية للتحليل اللاحق، ومفاتيح مفهومية لا غنى عنها للتحليل التاريخي والاجتماعي . وهذا ما نسميه بـ ديالكتيك النظرية والمنهج أو ديالكتيك محتوى وشكل العلم الاجتماعي في حركة نموه التاريخية . إن النظرية خضراء دائماً ، وهي المحتوى الفكري العلمي للواقع الراهن ، وهي الأداة المفهومية الجديدة للتحليل النظري اللاحق.
على النظرية أن تهتم للبعد الحضاري (نقد الثقافة القومية ودراسة نمط الإنتاج "الخراجي" الذي كان سائداً قبل غزو نمط الإنتاج البضاعي الرأسمالي ) وعلى النظرية دراسة الأثر "الخاص " الذي نتج عن هذا الصدام الحضاري والذي أعطى البنية الرأسمالية الطرفية الرثة تميزها ضمن البنية الرأسمالية العالمية . إن دراسة كهذه تعني رصد السير المادي التاريخي كما حصل في الشرق الأوسط وفي المنطقة العربية . على الماركسية أن تدرس وتبحث في ثلاث لحظات تاريخية الأولى: نمط الإنتاج الرأسمالي في طوره الإمبريالي والثاني : دراسة نمط الإنتاج "الخراجي" (ما قبل الرأسمالي)، والثالثة: دراسة أثر الصدام بين النمطين في ظل تفوق النمط الرأسمالي واحتلاله للمنطقة العربية وإقامة الكيانات الإدارية القطرية العربية كما ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية.


مطارحات THESES تشكل الأساس النظري/ المنهجي للتجمع الماركسيّ- الديمقراطيّ في سوريا (تمد)
المطارحة الأولى
I
*- اسم التجمع؛ التجمع الماركسي- الديمقراطي في سوريا: هو تجمع سياسي للماركسيين - الديمقراطيين وليس حزباً سياسياً، نظراً لفقر الحياة السياسية السورية، ولضخامة المهام الملقاة على عاتق الاشتراكيين الماركسيين بعد انحطاط التجربة السوفييتية وتفككها، ونظراً لتضخم الجانب الشخصي عند الناشطين في الحقل السياسي خاصة اليساري والديمقراطي منه بحكم بقاء الطبقتين الرئيسيتين العمال والفلاحين في كنف السلطة عبر الجبهة الوطنية التقدمية وعبر المنظمات الشعبية الحكومية وعبر النقابات التابعة للنظام . إن تضخم الكاريزما الشخصية وعدم وجود قاعدة شعبية ناشطة وذات نضالات يومية واضحة (سلبية الجماهير) تجعل صيغة التجمعات أكثر قدرة على التعبئة في الشروط الراهنة وإذا ما توفرت شروط متقدمة ومناسبة في المستقبل المنظور يمكن للتجمع التحول إلى حزب سياسي بالمعنى الحرفي للكلمة.
صيغة التجمع تناسب عمل سياسي موات لحرب المواقع في سلطة الدولة كون الهجوم غير وارد على سلطة الدولة البورجوازية في الشرط الإمبريالي والإقليمي الراهن. الصيغة المقترحة تستفيد من جميع الإمكانيات المتوفرة والواعدة . إضافة إلى أن صيغة التجمع تسمح بتواجد تنسيق وتفاعل منتج بين التيارات والكتل الماركسية- الديمقراطية على اختلاف أنواعها وتصوراتها للعمل الديمقراطي الماركسي .
ديمقراطي، بدلاً من يساري للأسباب التالية: صحيح أن أي عمل يساري؛ يعمل لصالح الطبقات الشعبية الكادحة من عمال وفلاحين فيه إنجاز لمهام ديمقراطية إلا أن عدم ترافق وتزامن الديمقراطية السياسية مع مهام كهذه (خاصة في التجربة السوفييتية في روسيا) تدفعنا للإشارة للتأكيد على أن العمل الديمقراطي يشمل الجانبين الاجتماعي (المهام الديمقراطية ) والسياسي أي الديمقراطية السياسية والمهمة القومية العربية الديمقراطية .
أما اختيار ماركسي بدلاً من اشتراكي أو اشتراكي ديمقراطي فلأن للاشتراكية عدة أنواع كما ظهرت تاريخياً، الأولى الاشتراكية الفظة أو العقائدية والتي تهتم بجانب التوزيع دون المساس بجوهر نمط الإنتاج الرأسمالي في المراكز و الأطراف ، أي دون المساس بشكل الملكية الخاصة الرأسمالية. وقد ثبت أن هذا النموذج من الاشتراكية سواء الاشتراكية الديمقراطية في المراكز ممثلة بالأممية الدولية الثانية أو اشتراكية الطبقات الوسطى في الأطراف (الاشتراكية العقائدية) ما هي إلا اشتراكية بورجوازية في المحصلة؛ ذات دولة رأسمالية تدخليّة بحكم الضغط الاشتراكي الماركسي (الشيوعي). والتي تتحول في أطراف النظام الرأسمالي ، وفي سياق نموها الفعلي والمنطقي إلى بورجوازية كولونيالية تابعة للمراكز الرأسمالية، وتتحول محلياً إلى نظام سياسي عصبوي استبدادي عار يحتكر الثروة والسلطة.
إذاً، ماركسيّ للتمييز بين الاشتراكية الديمقراطية والتي هي تيار في السياسة البورجوازية في المراكز والأطراف، وهي تمييز عن الشيوعية لأنها "تلوثت" بالشيوعية الستالينيّة البيروقراطية، والتي شوهت الاشتراكية الديمقراطية الماركسية ودفعتها قرناً كاملاً نحو الوراء في الفلسفة والاقتصاد والسياسية ، كما أن ماركسيّ تعني تجديد الثقة بالديالكتيــك المادي كمنهج ما كروي إجمالي في التحليل التاريخي والاجتماعي الاقتصادي والقومي ، وتجديد الانتباه لأسس النظرية الماركسية بما يخص العداء للرأسمالية كعلاقات إنتاج [ملكية خاصة رأسمالية ] أضحت مصدر خطر وكارثة على البشرية وعلى البيئة الكونية، وحتى على الكيان الوجودي الفردي للكائنات البشرية. كما أن ماركسيّ تعني إعادة الاعتبار- وفق المعطيات الجديدة المتسارعة- للتفسير الماركسي للوجود البشري وإعادة الاعتبار للإنسان بعدما ندمت البورجوازية على نقدها للدين (المسيحية واليهودية) في القرون الثلاثة الماضية، أي إعادة الاعتبار والهمّة لنقد التراث القومي بما فيه نقد التراث الديني في سبيل بناء الحركة القومية العربية الديمقراطية الجديدة .
التجمع الماركسي- الديمقراطي في سوريا ، نقول في سوريا لأن للتجمع مهمة قومية ديمقراطية وهي العمل باتجاه إنجاز التوحيد القومي العربي عبر نهوض عربي قومي ديمقراطي بقيادة اشتراكية ماركسية أممية النزعة. ولأن التجمع ذو نزعة أممية، فإنه يسعى للتعاون والتنسيق مع القوى العالمية في الأمم الأخرى من أجل تجاوز الشرط البورجوازي للبشرية وبناء عالم الحرية والمساواة الحقيقية في الثروة والسلطة، وفي بناء سلام حق للعالم أجمع بعد إنصاف جميع الأمم والأقوام المتظلمة والمحرومة.
المطارحة
ΙΙ
ننظر إلى الماركسية على أنها ذات بعدين، بعد تفسيري، أي الماركسية منظوراً إليها كعلم تاريخي يدرس الشروط المعطاة وحركة الواقع الفعلي وإمكانيات هذا الواقع. وبعد تغييري هو ما ندعوه بالأيديولوجية العضوية، أو أيديولوجية الطبقة العاملة في وجودها السياسي وبرنامجها الديمقراطي العضوي* . وعلى هذه الأيديولوجية أن تعتمد على نتائج العلم التاريخي/ الاجتماعي الاقتصادي ، العلم الذي جبره الديالكتيك المادي كمنهج ماكروي [إجمالي] في التحليل يقرأ جميع المناهج الجزئية والميكروية كل في حقله ليقدّم تصوره الإجمالي، وأن تكون(الأيديولوجية العضوية) في حالة حوار ومراجعة دائمتين مع نتائج هذا العلم التاريخي/ الاجتماعي الاقتصادي. الماركسية كشكل للتفسير التاريخي والاجتماعي هي قراءة نقدية للقراءات الأخرى وعلم قائم على البحث في المعطيات التاريخية والاجتماعية الاقتصادية العالمية والقومية .
المطارحة
ΙΙΙ
ننظر إلى انفصال الليبرالية عن المهام الديمقراطية على أنها قضية نظرية محورية وحاسمة وذلك اعتباراً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، خاصة مع ظهور الاحتكار والإمبريالية والنزعة العسكرية والكولونيالية الاقتصادية والاستعمار في الرأسمالية أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ومع تحول الدولة القومية الأوربية من دولة بورجوازية ديمقراطية معادية للإقطاع والمقدس والإيديولوجية الدينية الظلامية إلى دولة إمبريالية استعمارية متحالفة مع الطبقات البائدة والرجعية في المراكز(ألمانيا وإيطاليا في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر) ، و في الأطراف الرأسمالية عبر تحالفها ودعمها للطبقات المحافظة والرجعية وتشجيعها للعصبوية الدينية والطائفية والاثنية. فبعد أن كانت الرأسمالية توحّد ديمقراطياً باتت تفتت وتمزق وتخلع أطرافها . أي باتت بورجوازية الأطراف ذات السمات الإقطاعية عاجزة عن إنجاز المهمات الديمقراطية التي أنجزتها البورجوازية الصاعد في أوربا بين القرنيين السادس عشر والتاسع عشر. وقد تأكدت هذه النزعات مع الإمبريالية الراهنة ذات السياسات "المعولمة". لهذا نرى أن الوريث الشرعي التاريخي لـ البرنامج الديمقراطي للبورجوازية الصاعدة، الأعوام: 1500-1870 هي البروليتاريا كطبقة عالمية وكبرنامج سياسي واجتماعي- اقتصادي ، وكبرنامج ديمقراطي وقومي. وهي وراثة أولية ومنهجية، يتوجب العمل لنقلها إلى حيز الوجود بالفعل. ومن هنا العلاقة العضوية، المترابطة والمتداخلة بين المهام الاشتراكية والمهام الديمقراطية والقومية . أي أن هذه المهام في تداخلها وترابطها هي مهمة الطبقة العاملة وبرنامجها الديمقراطي، أي مهمة الطبقة العاملة وتحالفها الشعبي، خاصة في أطراف النظام الرأسمالي. حيث أن قيادة البورجوازية الليبرالية العائلية ذات الأصول الإقطاعية للمهام الديمقراطية أو قيادة البورجوازية "القومية" لهذه المهام لم تؤد إلى حلها أو دفعها خطوات جدية إلى الأمام. وأعطت هذه القيادة الحرب ضد الصهيونية والإمبريالية صفة التراخي وعدم الحزم ، وأدت هذه المواجهة إلى اصطفا فات اجتماعية داخلية أكثر تفجراً واضطراباً . كما أدت إلى الاستبداد السياسي وإلى العصبوية السياسية وإلى الإفقار الاقتصادي.
المطارحة
ΙV
من المهمات الديمقراطية الكبرى للطبقة العاملة وبرنامجها الديمقراطي مشروع التوحيد القومي العربي الديمقراطي، ومسألة الوحدة العربية كشكل للمشروع المنجز. ذلك لأن هذا المشروع سيكون في حالة صراع طويل ومرير مع الإمبريالية "المعولمة" ، ومع المشروع الصهيوني القومي. ومن هنا ضرورة هيمنة الاشتراكية الماركسية في قيادة مشروع التوحيد القومي هذا . كما تفترض مواجهة التخلف العربي، ومواجهة الأوضاع الإمبريالية التي تعيد إنتاجه الموسع، ضرورة نقد التراث القومي نقداً جذرياً وشاملاً بما فيه التراث الديني، ودمج كل ما هو حي ونابض بالعلم التاريخي/ الاجتماعي الجديد كعلم ذو محتوى قومي في جانب منه.
يفرق التجمع بشكل منهجي وأساسي بين الدين كتراث قومي وبيانات من جهة ، وبين التدين كوجدان حاضر وممارسة وجدانية يومية يتوجب مراعاتها واحترامها، وأن جذر التدين قائم في البنية الاقتصادية الاجتماعية القائمة بالفعل رغم استعارتها لعناصر من الماضي القومي "المجيد". كما ينظر التجمع إلى إقحام الدين في العمل السياسي والحياة الحزبية على أنه ملمح انحطاط لمشروع النهوض القومي العربي الديمقراطي وانحطاط للحياة السياسية والحزبية. وأن هذا الإقحام يعرقل مشروع النهوض القومي العربي الديمقراطي ويعقد مسيرة تطوره . مع أنه يمكن للصراعات الطبقية والسياسية أن ترتدي أشكالاً دينية مختلفة . قد ينجز بعضها مهاماً ديمقراطية (وطنية) جزئية .
المطارحة
V
يقر التجمع بشكل واضح وصريح بالحقوق الثقافية للأقليات القومية ، وبالتحديد القومية الكردية ، وبحق المواطنة للجميع مهما تكن عقائدهم الدينية أو اثنياتهم . إن وجود برنامج اجتماعي/ سياسي ذو توجه شعبي حق وديمقراطي حق ومقاوم ؛ ووضعه موضع التنفيذ هو الكفيل بتحويل الاثنيات والأقوام والقوميات والطوائف إلى مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات فعلاً.
المطارحة
VI
ينظر التجمع إلى المشروع الصهيوني "القومي" وتشخيصه التاريخي /دولة إسرائيل، على أنه مرتبط عضوياً بالنظام الإمبريالي الرأسمالي من ناحيتين : أن المشروع الصهيوني "القومي" وتشخيصه ليس وظيفياً ، بل عضوياً في علاقته بالإمبريالية تتعزز هذه العلاقة حيث تتعزز الإمبريالية ، هذا أولا وثانياً أن المشروع الصهيوني "القومي" وتشخيصه ليس منحلاً (من الحلول ) في الإمبريالية ، بل رُكِّب على الظاهرة الإمبريالية لأنها تستفيد من وجوده السياسي والأيديولوجي بحيث تغدو العقائد والأساطير الصهيونية والظلامية اليهودية جزءً لا يتجزأ من المتاع الأيديولوجي الإمبريالي. وكلما انحطت الإمبريالية وأسفرت عن رجعيتها في السياسة والأيديولوجية ، وكلما عززت سيطرتها على الأمم الضعيفة والمغلوبة كلما زاد احتياجها للقاموس الأيديولوجي الصهيوني و الظلامي اليهودي. إن عدم الانحلال هذا يعطي فرصة تاريخية للأقلية اليهودية من سكان فلسطين لتحل مشكلتها مع المشروع القومي العربي الديمقراطي كأقلية دينية و إثنية .
إن المشروع الصهيوني "القومي" في تضاد تاريخي وصراع مع المشروع القومي العربي الديمقراطي . و ستترتب على نتيجة هذا الصراع الطويل والمرير آثار عالمية حاسمة. وإذا أراد السكان اليهود في فلسطين الخروج من المأزق التاريخي الذي وضعتهم فيه الإمبريالية الرأسمالية والصهيونية "القومية" فعليهم القبول بحل مشكلتهم التاريخية كأقلية دينية إثنية لها حقوق ثقافية ، وحق مواطنة يشمل جميع سكان فلسطين . وذلك في سياق المشروع القومي العربي الديمقراطي
المطارحة
VII
ترجع أزمة الديمقراطية السوفييتية في روسيا إلى الأمور التالية : أولاً، عزلة الثورة الروسية نتيجة فشل الثورة الاشتراكية في أوربا الغربية ، خاصة الثورتين الألمانية و الإيطالية بدايات عشرينات القرن العشرين. ثانيًا، دمار خيرة طلائع الطبقة العاملة في الحرب الأهلية 1918-1921، ودعم الدول الإمبريالية الرأسمالية للثورة المضادة، وحصار القوى الثورية . ثالثاً، تصدع الهيمنة البروليتارية في روسيا على أثر الصعود التاريخي للبيروقراطية السوفييتية بحكم شروط العزلة السالفة الذكر، وانفجار الصراع بين البروليتاريا والفلاحين نتيجة سياسات التجميع القسري البيروقراطية بداية الثلاثينات من القرن العشرين ، والإرهاب ضد الفلاحين الروس والذي طال قسماً من فقرائهم. لقد فقدت الديمقراطية السوفييتية قدميها اعتباراً من أواخر عشرينات القرن العشرين. والقدمان هما: 1- قيام ثورة اشتراكية في أوربا الغربية خاصة ألمانيا وإيطاليا تكون عضداً للثورة الاجتماعية الروسية من جهة ، 2- ونجاح الهيمنة تجاه الفلاحين عبر استمرار التحالف معهم.
هذا من جهة ، ومن الجهة الثانية يشكل تصنيع روسيا المهمة الديمقراطية القومية التي أنجزت تحت قيادة البيروقراطية السوفييتية اعتباراً من 1928. وعلينا أن نفرق بين المهمة الديمقراطية من جهة ، وبين الديمقراطية الاشتراكية كبديل و وريث تجاوزي للديمقراطية الليبرالية أي الاحتفاظ بالجانب الحي منها وترك المَيْت، بكلام آخر: رفع ما هو حي إلى مستوى العمل الاشتراكي. لقد أنجزت البورجوازية الألمانية، من قبل، مهمة ديمقراطية عبر تصنيع ألمانيا وتوحيد سوقها القومية ، وذلك عبر تسوية تاريخية مع الطبقات القديمة ؛ بما فيها العناصر الإقطاعية والمَلَكية البروسية . وذلك لتزامن إنجاز هذه المهمة مع بداية دخول النظام الرأسمالي في مرحلة اقتصادية/سياسية جديدة هي الاحتكار والإمبريالية الرأسمالية الجديدة . واعتباراً من ثورة 1905 لم تعد البورجوازية قادرة على ذلك وباتت هذه المهمات الديمقراطية من عمل البروليتاريا ومشروعها الاشتراكي.
المطارحة
VIII
ينظر التجمع إلى النظام الاقتصادي العالمي من منظور تاريخي أطول ، ويفترض أن التغيرات الحالية وإن كانت مهمة ومتميزة ، فإنها ليست بلا سابق ، مع ضرورة التأكيد على دراسة هذه التغيرات دراسة موسعة وموثقة وقراءة نتائجها على مستوى تشكل البنية الطبقية خاصة في أطراف النظام الرأسمالي. كما نؤكد على أن عناصرها الحاسمة لا تشير إلى نقلة كيفية (نوعية) باتجاه مرحلة جديدة من النظام الاقتصادي . فالنظام الاقتصادي الراهن ما يزال يحتفظ بطابعه الاحتكاري الإمبريالي وهو اقتصاد بين- دولتي أي بين دول ولم ينتقل إلى مرحلة عابرة للدولة القومية أو الأمم رغم التدويل الشديد لرأس المال ورغم النشاط الاقتصادي للشركات الاحتكارية الكبرى في الخارج بعد الحرب العالمية الثانية، مع الإشارة إلى التوسع العالمي الشديد بفعل الثورة التقنية الناجمة عن الحرب العالمية الثانية، وما وفرته من سهولة التحرك الدولي لفروع الشركات الاحتكارية العملاقة، وسهولة الاستثمار في الخارج. وتوفير تقنيات وإمكانيات مالية أكبر بفعل سيطرة الدولار الأمريكي، سيطرة تسهل نشر القوات العسكرية الأمريكية حول العالم، وتمويلها.
ما تزال الازدواجية القومية العالمية قائمة تحت هيمنة القومي، وما يزال الدولار الأميركي عملة عالمية وقومية في الوقت نفسه ، له هذا الطابع المزدوج مع هيمنة مصلحة الشركات الأميركية والدولة الأميركية.
في أواخر الثمانينات من القرن العشرين تفتحت بنية مالية عالمية جديدة ؛ فقد عبدت موجة اندماج الشركات الطريق أمام تعزيز جيل جديد من الماليين تجمعوا حول البنوك التجارية والمستثمرين المؤسسين وشركات السمسرة في البورصة وشركات التأمين الكبيرة ، الخ.. وفي هذه العملية تداخلت وظائف البنوك التجارية مع وظائف بنوك الاستثمار وسماسرة البورصة. والأزمة الرأسمالية الراهنة ناجمة في الأصل عن الحركة المجنونة لرأس المال المضارب في العقارات وفي الأسهم والأوراق المالية المتنوعة الأشكال.
هذا النشاط المضارب الهائل الذي أصبحت تتسم به الحركة الدولية لرؤوس الأموال وعلى نحو يتجاوز بكثير حركة الاستثمارات الأجنبية المباشرة . أصبح يشير على حقيقة خطيرة جداً. وهي أن الشطر الأكبر من الأرباح التي أصبحت تحققها كبريات الشركات الصناعية في العالم لم يعد يتحقق في مجال الإنتاج الحقيقي، بل في الاستثمار في حافظة الأوراق المالية . وهذا دليل دامغ على الطابع الطفيلي الذي تتسم به الرأسمالية المعاصرة . كما أن هذا النشاط المضارب يقف وراء كثير من الأزمات النقدية والمالية التي حدثت في بلاد كثيرة (دول النمور الآسيوية مثلاً) لما يسببه من نشاط جنوني في ارتفاع الأسعار دون مبرر حقيقي. ثم هبوطها مرة واحدة. تماماً مثل بالون ينتفخ أكثر من اللازم ولابد أن تأتي لحظة انفجاره. وفي ضوء هذا النشاط المحموم والجنوني الذي حدث في ارتفاع أسعار الأصول المالية والمادية بسبب المضاربات نشأت ما تسمى "الاقتصادات المنفوخة" التي تعاني من أنشطة المضاربات وتتهددها الأزمات.
تضبط حركة الاقتصاد العالمي عملية واسعة لجباية الديون ، تقيد مؤسسات الدولة القومية وتسهم في تدمير العمالة والنشاط الاقتصادي . فقد وصل عبء الدين الخارجي في البلدان المتخلفة 2 تريليون دولار . وتزعزعت بلدان بكاملها نتيجة انهيار عملاتها الوطنية ، مما أدى في كثير من الحالات إلى نشوب الشقاق الاجتماعي والنزاعات العرقية والحروب الأهلية.
وإذا كان "التكامل الاقتصادي" (تحت سيطرة المنشأة العالمية ) يعطي مظهر الوحدة السياسية فإنه كثيراً ما يشجع التفكك والشقاق الاجتماعي في ما بين المجتمعات وداخلها.
يعيد رأس المال المضارب والمرابي إنتاج عالمه الطرفي مخلعاً ومحطماً ، معيداً إنتاج كل أشكال التفكير والاعتقاد ما قبل الرأسمالية ومنها السلفية الدينية وغير الدينية بكل أنواعها كوجه آخر لآلية عمل رأس المال هذا، ومن هنا يشكل النزوع القومي الديمقراطي في البلدان الطرفية ، ومشاريع النهوض القومي العضوي العدو الأساسي "للعولمة" الأمنية الإمبريالية. كما تلاحظ المطارحة أن الإمبريالية "المعولمة" تعمم ما يسمى بـ "مرض نقص الآمال المفرط" . يؤدي هذا الإحباط الناتج عن آلية اشتغال الإمبريالية وسياساتها وخاصة في أطرافها وعبر سد آفاق التحديث والتقدم في هذه البلدان الطرفية وعبر تعميم نمط من الثقافة والاستهلاك الخاص بها مع ما يرافق ذلك من حضور طاغ للماضي معبراً عنه بالسلفية الدينية إلى تفجر العنف اللامنتج وبالتالي المزيد من التفكك الاقتصادي والتمزق الاجتماعي وظهور دولة الطوائف.
المطارحة
IX
ينظر التجمع إلى مفهوم الوطن والوطنية Nationality على أنه شكل من أشكال المشروع السياسي لطبقة أو تحالف طبقات بعينها ، وبالتالي فإن معيار وطنية أية طبقة اجتماعية أو تحالف طبقات هو سلوك هذه الطبقة التجريبي في قضايا حاسمة كتحرير الأراضي المحتلة وتحديث بنى المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والاندفاع الديمقراطي نحو التوحيد القومي، ويبقى المؤشر الأكبر على وطنيتها هو الديمقراطية السياسية ، والمشاركة السياسية للطبقات الأخرى الهامشية. أي إشراك هذه الطبقات الهامشية في الثروة والسلطة . وهنا يشير التجمع إلى الفرق بين مفهوم الوطنية ، وبين مفهوم القومية أو "الوعي القومي" Nationalism .
يكتسب مفهوم الوطنية بعداً جديداً مع انتهاء الحرب الباردة والتفرد الإمبريالي الأميركي بمصير العالم؛ حيث يأخذ هذا المفهوم طابعاً مركباً: اجتماعي(طبقي)/وطني ، أي لم يعد تعريف الوطنية بدلالة "الخارجي" كافياً ، بل لا بد من رصد موقع الطبقة أو الطبقات المسيطرة في العملية الإنتاجية وسلوكها الاجتماعي (الطبقي )، ودور هذا الموقع وهذا السلوك في الدفاع عن مصالح الوطن وسيادته ضد الاعتداءات الخارجية . وتغدو كل مقاربة لمفهوم الوطنية من دون المرور بالطبيعة الطبقية للمجموعات المسيطرة والمهيمنة ضرباً من الخداع الأيديولوجي المضلل. كما يتوجب علينا رصد طبيعة البرامج الاجتماعية-السياسية للحركات المقاومة للاحتلال.
المطارحة
X
يعتمد التجمع العلنية في الممارسة السياسية . ويعمل مع جميع القوى والأحزاب الديمقراطية السورية لإنضاج وبناء حياة سياسية عقلانية وديمقراطية. مع التأكيٍد على الممارسات السلمية والديمقراطية في التعاطي مع المهام المطروحة. والتأكيد على ضرورة إصلاح وتطوير الفكر السياسي العربي . وبناء آليات عمل سياسي ماركسي خارج زمن الأزمات الثورية. وإنتاج علم سياسة في شروط ابتعاد راهنية الزمن الثوري الاجتماعي .
المطارحة
XI
الأممية الجديدة التي يراها التجمع تشمل جانبين الأول هو تصعيد النضالات القومية الديمقراطية عبر السعي لهيمنة الاشتراكية الماركسية ضمن قيادات هذه النضالات حتى تتلاقى مع النضالات القومية الديمقراطية لدى الأمم والشعوب الأخرى لقاءاً فعلياً ناتج عن تقدم النضالات القومية والمحلية حتى تصل بعملها إلى التلاقي مع الأمم الأخرى . والثاني تثمين النضالات ذات الطابع الكوزموبوليتي والتي تسمى بـ "العولمة البديلة والمنتديات البدائل " نظراً لتأثيرها الضاغط على آليات اشتغال الإمبريالية والصهيونية ومحاولة المشاركة في هذه النشاطات المناهضة للتأثيرات المدمرة للرأسمالية في شكلها الإمبريالي الليبرالي المضارب ، مع الاهتمام بالتنسيق مع المنظمات المحلية والعالمية المناهضة لـ "العولمة " مع تحفظنا ونقدنا لاستخدام مصطلح "العولمة" و"العولمة" البديلة الخ..

المطارحة XII
ملاحظات منهجية عن قضية التنظيم
أ- "إن التنظيم هو صيغة الوساطة بين النظرية والممارسة . وكما في كل صلة ديالكتيكية ، هنا أيضاً لا يحصل أعضاء الصلة الديالكتيكية على تجسيد وواقعية إلا في وساطتهم وبوساطتهم. إن هذا الطابع للتنظيم (الوساطة بين النظرية والممارسة) ، يبدو بأكثر وضوح بواقع أن التنظيم يظهر ، بالنسبة للتفرع بين الاندفاعات، شعوراً أكبر بكثير وأنعم بكثير وأثبت بكثير من كل قطاع آخر للفكر وللعمل السياسيين"
ب- "إن المساهمة الناشطة واقعياً بكل الأحداث ، والموقف العملي واقعياً لكل أعضاء تنظيم ما، لا يحصلان إلا بوضع كل الشخصية في اللعبة . ليس إلا عندما يصبح الفعل داخل كل التجمع العمل الشخصي المركزي لكل فرد يساهم فيه، أن يتمكن الفصل بين حق وواجب أن يضمحل"


المستوى السياسي

1-الماركسية وضرورتها للمسألة الاجتماعية-الاقتصادية و للمسألة القومية العربية الديمقراطية
2-مقاربة الامبريالية الرأسمالية الراهنة، وأزمتها الاقتصادية الأخيرة
3- نقد تجارب الانتقال الاشتراكي مع ملاحظات على الحركة الشيوعية العربية خصوصية النشأة، العيوب والأزمات، مع طرح إعادة التأسيس.
4- الحراك الديمقراطي اليساري والحراك الليبرالي في العالم
5- التحالفات السياسية
1- تنبع ضرورة الاشتراكية الماركسية للمسألة الاجتماعية/ الاقتصادية العربية وللمسألة القومية العربية الديمقراطية :
1- i : من تراكب وتعقد المهام الديمقراطية والقومية وتداخلها التاريخي مع الاشتراكية الماركسية من جهة القيادة والهيمنة ومن جهة الانتقال التاريخي والمنهجي للمهام الديمقراطية والقومية والوطنية نحو الاشتراكية الماركسية، وصعوبة تحليل أوضاع بهذا التعقيد دون أخذ الديالكتيك المادي كمنهج إجمالي في التحليل يجعل الماركسية ضرورية للمسألة الاجتماعية- الاقتصادية و للمسألة العربية كمنهج في التفسير التاريخي والاجتماعي وخيار اجتماعي وحزب سياسي من ناحية منهجية، مع ملاحظة أن الحزب الشيوعي البيروقراطي الذي شوه مع صعود الستالينية صورة الحزب البلشفي ليس سوى كاريكاتير الحزب الماركسي . فأشكال الحزب السياسي الماركسي يفرضها البرنامج السياسي وطبيعة التحالفات الديمقراطية التي يسعى إليها الاشتراكيون الديمقراطيون الماركسيون .
1- ii : والماركسية ليست مرجعية بالمعنى النصي بالتالي هي تقريرات منتهية . المرجعية هي موقف مبدئي يشمل مبادئ النظرية الماركسية في موقفها من الرأسمالية وعلاقات الإنتاج الرأسمالية ، ويشمل منهجها الديالكتيكي المادي في التفسير التاريخي وفي التحليل الاجتماعي الاقتصادي . وهنا المنهج لا يدخل في تقابل مع المناهج الجزئية والبؤرية بل هو يقرؤها ويستوعبها في كيانه كمنهج ماكروي إجمالي . المسألة ليست تضايف ولا مجاملة بل هي علاقة نقدية متفهمة ومتمثلة تمثلاً بعيداً عن الدمج البيروقراطي التعسفي والمتسرع في حكمه. إن محتوى العلم (النظرية) يدخل في المنهج ويغدو أداة تحليل من أدواته ، بهذا المعنى الديالكتيك تاريخي، وتاريخيته تتجلى في حركة محتوى العلم بكل أشكاله الطبيعية والاجتماعية. وفي ديالكتيك تحول المحتوى التاريخي إلى شكل وأدات للتحليل اللاحق.
1- iii : والماركسية موقف متفهم للإنسان في علاقته مع القدسي أو المقدس ، فإعادة البشر إلى مركز الفعل والمبادرة التاريخية بعد أن عاشوا في اغتراب عن نتاجهم الفكري آلاف السنين، وبعد أن سلخت عنهم منتجاتهم واستعبدتهم سواء أكانت منتجات عقائدية فكرية كالدين أم اجتماعية- اقتصادية كالمجتمع المدني أم سياسية كالدولة ، الماركسية تطرح مشروعها لاستعادة ما فقده الإنسان، أي إعادته إلى موقعه اللائق به في وجوده ، وامتلاك مصيره بين يديه . إذاً ، و بهذا المعنى الماركسية ليست بحاجة إلى نظرية متضايفة ولا إلى منهج متضايف مكمِّل ، لكنها تحتاج إلى جهد الماركسيين لإعادة إنتاج الماركسية كمنهج إجمالي (الديالكتيك المادي) ونظرية اجتماعية هنا عندنا نحن العرب ، أي في تميزها من حيث هي وحدة الوطني والطبقي والديمقراطي في عصر الإمبريالية ، ولإعادة إنتاج المنهج الماركسي والنظرية الماركسية وفق المعطيات الجديدة خاصة بعد ما حصل من تشويه وتشويش من ناحيتين: أ- التشويه البيروقراطي السوفييتي على مدى أكثر من ثمانين عاماً . ب- والبلبلة التي جاءت بها الاشتراكية الديمقراطية الأوربية و تيارات ما بعد الحداثة التي هي نتاج فلسفي وأدبي نقدي وفني أوربي مراجع لفكر الحداثة بشكل تهكّمي.
والماركسية بحاجة لجهد الماركسيين لقراءة ما طرأ من تغيرات في شكل عمل الإمبريالية الرأسمالية . هذه الماركسية هي جهد واع في مواجهة هذه التشوهات وتلك البلبلة وفي سبيل قراءة الأشكال الجديدة لاشتغال النظام الإمبريالي كنظام اقتصادي / سياسي عالمي كما ظهر في مركزه وفي أطرافه .
- في الوضع الدولي
أ- مقاربة الإمبريالية الرأسمالية الراهنة، ومقاربة أزمتها الاقتصادية الأخيرة
ب- المشروع السياسي الأميركي للشرق الأوسط
2- i : الإمبريالية مقولة مفتاحية لفهم دينامية الاقتصاد العالمي بعد الحرب العالمية الثانية وعلى فترتين- من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى 1979 ومن ثم حتى يومنا هذا:
الفترة الأولى: هيمن فيها ما يسمى دولة الرعاية الاجتماعية كرد فعل من النظام الرأسمالي في مراكزه الإمبريالية على الكساد الكبير الذي تبع أزمة 1929 وانهيار البورصات العالمية الرئيسية هذا أولاً و كرد فعل على قيام الثورة الروسية ثانياً.
الفترة الثانية: حيث اعتمدت الدول الرأسمالية الرئيسية سياسات جديدة باتجاه مزيد من تحرير نظام النقد وحرية حركة القروض قصيرة الأجل والمضاربات المالية عبر الدول وهي ما سميت بالسياسات الليبرالية الجديدة بعد عام 1979 خاصة في بريطانيا والولايات المتحدة.
"من الجدير بالملاحظة أنه بالرغم من التحولات العديدة التي حدثت في الستين سنة التي تلت ظهور مؤلف لينين الإمبريالية (1916) هذه التحولات التي تمثلت في الحرب العالمية الثانية وانتشار الاشتراكية وتصفية الاستعمار وفورة الإمبراطورية الأمريكية فإن النظرية التي رسم خطوطها الأولى ما تزال هي أفضل إطار لاستيعاب مسيرة الإمبريالية الرأسمالية- شريطة تطبيقها بطريقة غير جامدة وأعتقد أن السبب في ذلك هو الطريقة التي حدد بها لينين المرحلة الاحتكارية الجديدة للرأسمالية ومن ثم وضع إصبعه على أهم سماتها المميزة."[أي الاحتكار]
إن العصر الراهن عصر الاحتكارات وهذه الاحتكارات مسيطرة ومتحكمة بالعالم بطريقة أو بأخرى وهي برسمها لسياساتها الدولية تشرط الكثير من ردود الفعل السياسية والثقافية- بكلام آخر تشكل مقولة الإمبريالية المقولة المهيمنة عالمياً وأي تفسير لمجمل الظواهر الراهنة الاقتصادية والسياسية والثقافية لا ينطلق من هذا الاعتبار سوف يضل الطريق الصحيح. ليست الإمبريالية الرأسمالية الراهنة عقبة خارجية أمام التوحيد والتحديث العربيين فحسب بل هي أوضاع داخلية في كل قطر تحكمه بورجوازيات طرفية ملحقة بها، وهي تخلّع اجتماعي وتأخر اقتصادي ، وهي ضامنة استمرار التجزئة العربية ، وهي سياسات نظم بورجوازية طرفيـة رثة تابعة ومسلوبة القرار، تجعل الاشتراكية الماركسية ضرورة للبروليتاريا في وجودها السياسي والبرنامجي عبر مشروعها القومي و الديمقراطي وعبر برنامجها الاجتماعي- الاقتصادي وتحالفاتها الطبقية . إن سيطرة طبقات بورجوازية رثة وملحقة بالنظام الإمبريالي هو صورة للعلاقة الإمبريالية مجسدة بسيطرة هذه الطبقات. لذلك يشكل تدمير هذه السيطرة تدمير للعلاقة الإمبريالية في البلد المستهدف.
2- ii : ما تزال الإمبريالية الرأسمالية الراهنة تشتغل على أساس ديالكتيك الاندماج/ المنافسة مع هيمنة الاندماج على المنافسة وذلك تحت قيادة الولايات المتحدة الأميركية ، حيث ترجع هذه القيادة إلى نمو الهيمنة الأميركية على أساس إنهاك أوربا واليابان خلال حربين عالميتين حيث سيطر الدولار كعملة عالمية بعد الحرب الثانية وأعادت الولايات المتحدة إعمار أوربا واليابان عبر مشروع مارشال تحت إشراف الشركة الاحتكارية الأميركية العملاقة والمستفيدة من الازدهار الاقتصادي والتقدم التقني الأميركي بفعل الحرب العالمية الثانية . والمستفيدة من اندماج رأس المال الاحتكاري مع رأسمالية الدولة الاحتكارية ، إشارة إلى اندغام الطرفين، وهي إشارة أيضاً إلى الوظيفة الاقتصادية للدولة الرأسمالية الاحتكارية.
2- iii : نعيش اليوم بعد مرور أكثر من ربع قرن مصائر الخيارات السياسية الليبرالية الجديدة المتطرفة التي اعتمدتها الدول الامبريالية الرئيسة اعتباراً من عام 1979 حيث نقدم بعض الملاحظات حول هذه الفترة:
1- تعزز الهيمنة الأميركية على مقدرات النظام وقيادته
2- توضيب البيت الأوربي في الشرق والغرب، باستثناء روسيا، كقاعدة انطلاق لقوات النظام الامبريالي باتجاه إعادة إخضاع بقية العالم لمتطلبات اشتغاله الليبرالية الجديدة المتطرفة والمتوحشة ، وآسيا هي المسرح الكبير لعملياتها العدوانية. أي إعادة السيطرة و التحكّم بأطراف النظام الإمبريالي الرأسمالي وما كان يسمى "العالم الثاني" أيضاً بكافة الطرق، حتى لو اضطرت الامبريالية إلى الإقدام على احتلال بلدان بكاملها بشكل مباشر.
2- iv : يهدف المشروع الأميركي للشرق الأوسط إلى السيطرة على منابع النفط العربية والفارسية وفي الدول الآسيوية التابعة للاتحاد السوفييتي سابقاً ، ويهدف من الناحية السياسية إلى تأمين وجود دولة إسرائيل في المنطقة العربية ، وإلى تحويل النظم البورجوازية الرثة القطرية القائمة إلى نظم طائفية ؛ حيث لا يعود الحزب العلماني الحديث هو المعبِّر "الطبيعي" عن القوى الاجتماعية الفاعلة والنشطة ، بل تحل محله الطائفة الدينية والاثنية العرقية ، بحيث تغدو قيادة هذه النظم والتحكم بها أكثر سهولة ، وتغدو الصراعات الاجتماعية في هذه البلدان متلاشية في مكانها ، أي تغدو صراعات مماحكة وغير منتجة بالمعنى التقدمي والتاريخي.
2- v : لقد تحولت النظم السياسية في الأقطار العربية إلى نظم عصبوية تستأثر أقلية بالسلطة السياسية ، أقلية مستبدة كيفت الطبقات الشعبية من عمال وفلاحين وحرفيين وبورجوازية صغيرة مدينية ، وحولتها بفعل الإفساد والإرهاب السياسي وبفعل التهديد بالإفقار والحرمان من لقمة العيش، إلى جماهير سلبية مهزومة غير مبالية بالشأن العام الوطني وقضايا الأمة العربية والغزو الأميركي الجديد من جهة ، أو حولتها إلى عناصر سلفية انتحارية ليس لديها أي برامج بديلة عن الاحتلال والاستبداد من الجهة الأخرى .
2 - vi : لقد ثبت خلال الربع قرن الأخير أن الليبرالية الاقتصادية في أطراف النظام الامبريالي الرأسمالي لا يمكن أن تصمد إلا عبر سيطرة نظم استبدادية مدعومة أميركياً أو عبر احتلال أميركي مباشر مع قيام حكومة محلية (حكومة واجهة أو ظل ) أفغانستان ، العراق ، فلسطين ولبنان (حكومة فؤاد السنيورة).
2- vii : ما تزال الامبريالية تعتبر إسرائيل جزءً عضوياً من حركة اشتغالها، وقد عززت دعمها المادي والمعنوي لإسرائيل خلال الربع قرن المنصرم. ومع ذلك طرأت تغيرات على إستراتيجية التحرك الإسرائيلي تجلت بالتحول من إستراتيجية التوسع الإقليمي واحتلال أراضي عربية إضافية إلى إستراتيجية الانسحاب والانكفاء التي تبلورت في الأعوام 1973-1985 .
في هذه الفترة حصلت متغيرات دولية هامة ومؤثرة وهي:
1- ارتفاع أسعار النفط وما تبعه من كساد عالمي 2- أزمة الاقتصاد الرأسمالي العالمي الذي كان يعتمد دولة الرفاه بفعل قيام الثورة الروسية وأزمة 1929 ، وبات يتحول نحو السياسات الليبرالية الجديدة القائمة على ميل متعاظم نحو المضاربة في القطاع الأكبر من رأس المال العالمي، بسبب ضغط الكساد العالمي والحرب الباردة.
إن التحول في الإستراتيجية الإسرائيلية ناجم عن المتغيرات الدولية السالفة الذكر ، إضافة إلى العوامل الأربعة التالية:
أولاً: تفجر الأزمة في المعسكر الاشتراكي والتغيرات السياسية والأيديولوجية الكبيرة في الاتحاد السوفيتي .
ثانياً: ملامح اكتمال دورة تحول البورجوازية الصغيرة والمتوسطة المسيطرة في بعض الأقطار العربية إلى بورجوازية كولونيالية متجددة مندمجة بالنظام الإمبريالي الرأسمالي العالمي خاصة في مصر وفي منظمة التحرير الفلسطينية .
ثالثاًً: قيام الثورة الشعبية الإيرانية عام 1979 وخسارة الإمبريالية الأميركية لوكيل استراتيجي في منطقة الخليج العربي/الفارسي، وتحول في السياسة الأميركية من سياسة التوكيل إلى سياسة التدخل المباشر ، مع ما رافق ذلك من قيام مقاومة عربية وطنية ، يسارية وإسلامية في فلسطين ولبنان ، الإسلامية منها مدعومة من إيران بوساطة سورية.
رابعاًً: دخول تكنيك عسكري متطور إلى المنطقة العربية والشرق الأوسط على شكل صواريخ بالستيّة وأسلحة دمار شامل تهدد وجود الكيان الصهيوني .
وقد تجلت الإستراتيجية الإسرائيلية الجديدة والتفكير السياسي الصهيوني الجديد بحركة الانسحابات التي أنجزتها إسرائيل اعتباراً من سيناء حتى جنوب لبنان ، وانتهاء بغزة .
لن تصبح أزمة إسرائيل تاريخية وإستراتيجية إلا بأزمة عامة للإمبريالية وبقيام مقاومة عربية ذات مشروع نهضوي عربي ديمقراطي مع حضور لهيمنة الاشتراكية الماركسية في قيادة مشروع النهوض ذاك.
2- viii : أحد أهداف احتلال العراق، دعم وجود إسرائيل وإخراجها من النفق التاريخي الذي دخلت فيه . مع ذكر الأهداف الأخرى وهي: السيطرة على احتياطيات النفط العالمية في الخليج العربي/الفارسي ، وبحر قزوين . وأيضاً استعادة الأسواق التي خسرتها الامبريالية بعد الحرب العالمية الثانية عبر القطاعات المؤممة ؛ خاصة قطاع النفط ، بفعل الهوامش التي وفرتها الحرب الباردة .
2- ix : يخضع الاستثمار الرأسمالي في الخارج لاعتبارات أهمها ؛ الاحتكار والسيطرة على منابع النفط ، وعلى مناجم المعادن النادرة والإستراتيجية للصناعات الحربية ولصناعة الكومبيوتر، وذلك لحرمان المنافسين منها بالتالي التحكم الاحتكاري بأسعارها العالمية . وهذا هو الهدف الرئيسي للغزو الأميركي الجديد الذي يحاول إخراج روسيا من جميع البلدان التي نفذت إليها بعد الحرب العالمية الثانية ، وكذلك إخراج فرنسا وبريطانيا من بقايا مستعمراتهما القديمة. في هذا السياق ما تزال الصين تشكل تحدياً مهماً لمشروع الغزو والتوسع الأميركي بحكم النمو العضوي المثابر والمتماسك لاقتصادها القومي ، وبحكم مطالبتها المستمرة باستعادة جزيرة تايوان إلى البلد الأم الصين.
2- x : إن التناقض بين المشروع الأميركي للشرق الأوسط وصوره المحلية ( سواء دولة إسرائيل أو النظم العربية المندمجة والملحقة به) من جهة وبين الشعب العربي وقواه السياسية المعبرة عن حاجاته وطموحاته من الجهة الأخرى هو التناقض الأساسي الذي يشرط كل تناقض آخر.
مقاربة الأزمة الاقتصادية الرأسمالية الراهنة:
نستعرض هنا مطارحات أساسية بغرض مقاربة الأزمة الراهنة للنظام الرأسمالي العالمي ، التي بدأت بأزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأميركية ، وامتدت إلى القطاع المالي والمصرفي وإلى الاقتصاد الرأسمالي عامة ، وانعكاسات كل ذلك على الاستهلاك والبطالة وأسعار النفط والمواد الغذائية الأساسية كالقمح والرز وعلى معدلات الفقر وتفاقم الحروب الظالمة وغير ذلك من المشكلات العالمية .
1:
الأزمة الراهنة أزمة عالمية متفاقمة ذات تاريخ قريب، حيث شملت من قبل مناطق متعددة من العالم كالمكسيك والأرجنتين وبلدان "النمور" في جنوب شرق آسيا، وشملت أزمة الغذاء العالمي والارتفاع الجنوني في أسعار النفط والأزمة الحالية (أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأميركية)، وتطورها إلى انهيارات في بنوك الاستثمار وإلى أزمة مصرفية واقتصادية عالمية متفاقمة ومستمرة ، ومن ثم كساد اقتصادي عالمي طويل الأمد وبطالة متعاظمة في كافة البلدان وخاصة الرئيسية .
فالاقتصاديات القومية متداخلة والعمليات المصرفية التجارية وملكية المشروعات التجارية (التي تسيطر عليها نحو 75 شركة عالمية) تتجاوز الحدود الاقتصادية والتجارية الدولية . وتربط الأسواق المالية في العالم أجمع عمليات وصل فورية من الحواسيب الآلية ، والأزمة المالية الراهنة أكثر تعقيداً من أزمة ما بين الحربين العالميتين ، ونتائجها الاجتماعية وآثارها الجيوسياسية (الجغرافية- السياسية) بعيدة المدى ، وخاصة في فترة الشكوك التي أعقبت نهاية الحرب الباردة.
2 :
تضبط حركة الاقتصاد العالمي عملية واسعة لجباية الديون ، تقيد مؤسسات الدولة القومية وتسهم في تدمير العمالة والنشاط الاقتصادي . فقد وصل عبء الدين الخارجي في البلدان المتخلفة 2 تريليون دولار . وتزعزعت بلدان بكاملها نتيجة انهيار عملاتها الوطنية ، مما أدى في كثير من الحالات إلى نشوب الشقاق الاجتماعي والنزاعات العرقية والحروب الأهلية .
3 :
يعكس شيوع إصلاحات الاقتصاد الكلي انعكاساً ملموساً لميول النظام الرأسمالي بعد الحرب الباردة ، والتطور المدمر لهذه الإصلاحات . وقد لعبت هذه الإصلاحات الكلية للاقتصاديات القومية بعد الحرب الباردة دوراً رئيسياً في ظهور اقتصاد عالمي جديد سيطرت عليه السياسات الليبرالية الجديدة كمقولة رئيسية. لقد نظمت هذه الإصلاحات عملية التراكم على المستوى العالمي لصالح حفنة من المضاربين الماليين الكبار. وهذا النظام الجديد ليس نظام سوق رأسمالية "حرة" ، بالرغم من استناد " برنامج الإصلاح الهيكلي" الذي ترى المؤسسات المالية الرأسمالية الدولية(صندوق النقد الدولي، البنك الدولي) أنه يذهب أيديولوجياً إلى خطاب نيوليبرالي (ليبرالي جديد). إلا أنه يشكل إطاراً تداخلياً جديداً بين الشركات والمضاربين من جهة وبين الدولة الإمبريالية من الجهة الأخرى، خاصة الدولة الأميركية.
4 :
طرحت الأزمة الراهنة شكل قدرة البيروقراطية الدولية، ممثلة بحكومات الدول الغنية وبالهياكل الإدارية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ولمنظمة التجارة الدولية ، في الإشراف على الاقتصاديات الوطنية من خلال التلاعب المتعمد (القَصْدي) بقوى السوق عبر المضاربات المالية.
5 :
دور البطالة العالمية؛ في هذا السياق لعبت الإصلاحات التي يرعاها صندوق النقد الدولي دوراً حاسماً في "ضبط تكاليف العمل" في عدد من البلدان المستهدفة، غير أن هذا "التقليل من تكاليف العمل" يقوض توسع الأسواق الاستهلاكية . إن إفقار قطاعات واسعة من سكان العالم تحت وطأة "إصلاح الاقتصاد الكلي" قد أدى إلى انكماش درامي للقوة الشرائية .
بدورها ارتدت المستويات المنخفضة للدخول في جميع البلدان، المتقدمة اقتصادياً والمتخلفة، على الإنتاج، وأسهمت في سلسلة جديدة من إغلاق المصانع والإفلاس. والحركة في كل مرحلة من مراحل هذه الأزمة هي نحو فائض إنتاج عالمي وهبوط في الطلب الاستهلاكي .. مما يعوق في النهاية توسع رأس المال.
6:
يتسم النظام الاقتصادي العالمي بميلين متناقضين: الأول؛ دعم اقتصاد عالمي رخيص العمل من ناحية ، و الثاني؛ البحث عن أسواق استهلاكية جديدة .
والميل الأول يقوض الميل الثاني . ففي ظل نظام يولد فائض الإنتاج لا تستطيع الشركات الدولية والشركات التجارية "توسيع" أسواقها إلا بتقويضها أو تدميرها للقاعدة الإنتاجية المحلية في البلدان المتخلفة؛ أي بتفكيك الإنتاج المحلي الموجه إلى السوق الداخلية . وفي هذا النظام يقوم توسيع الصادرات في هذه البلدان على انكماش القوة الشرائية الداخلية ، وتفتح "الأسواق الناشئة" عن طريق الإزاحة المتزامنة لنظام إنتاجي موجود ، وتدفع المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى الإفلاس أو تجبر على الإنتاج من أجل موزع عالمي ، ويجري خصخصة منشآت الدولة أو إغلاقها، ويتم إفقار المزارعين المستقلين.
فتوسيع الأسواق أمام الشركات العالمية يتطلب تخليع الاقتصاد المحلي وتدميره، وتزال الحواجز أمام حركة الأموال والسلع ، ويحرر الائتمان ، وينزع رأس المال الدولي ملكية الأرض وملكية الدولة في كل مكان .
7:
اعتنقت الحكومات في كل أنحاء العالم بوضوح جدول أعمال سياسي نيوليبرالي منذ عام 1989. ومنذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي حددت إصلاحات الاقتصاد الكلي التي اتبعت في البلدان المتقدمة اقتصادياً (منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OCDE ) كثيراً من المكونات الأساسية لبرنامج التكييف الهيكلي المطبقة في البلدان المتخلفة وفي أوربا الشرقية .
8:
يميل الدائنون في الغرب الرأسمالي إلى ممارسة ضغوطهم على الحكومات "الوطنية" بدون وساطة البيروقراطية القائمة في واشنطن (الحكومة الأميركية، إدارة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومؤسسات بريتون وودز عموماً) ، وتصنف الأسواق المالية ديون المنشآت شبه العامة ، والمرافق العامة وحكومات الدول والمقاطعات والبلديات و "تقيمها " بعناية .. ويصبح وزراء المالية بصورة متزايدة مسؤولين أمام بيوت الاستثمار الكبرى والبنوك التجارية .
9:
أدى تراكم الديون العامة الكبيرة في البلدان الغربية بدوره إلى تزويد المصالح المالية والمصرفية "بأدوات سياسية" ، فضلاً عن القدرة على أن تملي على الحكومات السياسات الاقتصادية والاجتماعية .
10:
مع تحقق الانكماش تخيم على الاقتصاد العالمي حفنة من البنوك الدولية والاحتكارات العالمية. وهذه المصالح الصناعية الاحتكارية والمالية القومية في نزاع متزايد مع مصالح "المجتمع المدني". في هذا النظام كرست الدولة عمداً تقدم الاحتكارات الخاصة ، فرأس المال الكبير (الشركات الكبيرة الاحتكارية متعددة الجنسية) يدمر رأس المال الصغير بكل أشكاله. ومع الاندفاع نحو تكوين كتل اقتصادية في كل من أوربا وأمريكا الشمالية ، استؤصل المنظم الإقليمي والمحلي ، وحولت حياة المدن ، واكتسحت الملكية الفردية الصغيرة . وتوفر "التجارة الحرة" ، والتكامل الاقتصادي قدرة أكبر على الحركة للمنشأة العالمية في ذات الوقت الذي تكبح فيه عن طريق الحواجز غير الجمركية والمؤسسية ، حركة رأس المال المحلي الصغير. وإذا كان "التكامل الاقتصادي" (تحت سيطرة المنشأة العالمية ) يعطي مظهر الوحدة السياسية فإنه كثيراً ما يشجع التفكك والشقاق الاجتماعي في ما بين المجتمعات وداخلها.
11:
يقترن تحلل "الاقتصاد الحقيقي" تحت وطأة إصلاح الاقتصاد الكلي ذي الميل الليبرالي الجديد بـ نظام مالي عالمي غير مستقر للغاية. فمنذ يوم الأثنين الأسود 19 أكتوبر 1987 ، الذي اعتبره المحللون أقرب ما يكون إلى انهيار بورصة نييورك ، تكشف نموذج شديد التقلب اتسم بتشنجات كثيرة ومتزايدة الخطورة في البورصات الرئيسية ، وانهيار العملات الوطنية في أوربا الشرقية وأميركا اللاتينية ، فضلاً عن تدهور "الأسواق" المالية الطرفية الجديدة (مثل المكسيك وبانكوك والقاهرة وبومباي) الذي سرع به الاستيلاء على الأرباح والانسحاب المفاجئ لكبار المستثمرين المؤسسين . وقد أصبحت البورصات الطرفية وسيلة لانتزاع الفائض من البلدان المتخلفة.
تفتحت بنية مالية عالمية جديدة ؛ فقد عبدت موجة اندماج الشركات في أواخر الثمانينات من القرن الماضي الطريق أمام تعزيز جيل جديد من الماليين تجمعوا حول البنوك التجارية والمستثمرين المؤسسين وشركات السمسرة في البورصة وشركات التأمين الكبيرة ، الخ.. وفي هذه العملية تداخلت وظائف البنوك التجارية مع وظائف بنوك الاستثمار وسماسرة البورصة. والأزمة الرأسمالية الراهنة ناجمة في الأصل عن الحركة المجنونة لرأس المال المضارب في العقارات وفي الأسهم والأوراق المالية المتنوعة الأشكال.
هذا النشاط المضارب الهائل الذي أصبحت تتسم به الحركة الدولية لرؤوس الأموال وعلى نحو يتجاوز بكثير حركة الاستثمارات الأجنبية المباشرة . أصبح يشير على حقيقة خطيرة جداً. وهي أن الشطر الأكبر من الأرباح التي أصبحت تحققها كبريات الشركات الصناعية في العالم لم يعد يتحقق في مجال الإنتاج الحقيقي، بل في الاستثمار في حافظة الأوراق المالية . وهذا دليل دامغ على الطابع الطفيلي الذي تتسم به الرأسمالية المعاصرة . كما أن هذا النشاط المضارب يقف وراء كثير من الأزمات النقدية والمالية التي حدثت في بلاد كثيرة (دول النمور الآسيوية مثلاً) لما يسببه من نشاط جنوني في ارتفاع الأسعار دون مبرر حقيقي. ثم هبوطها مرة واحدة. تماماً مثل بالون ينتفخ أكثر من اللازم ولابد أن تأتي لحظة انفجاره. وفي ضوء هذا النشاط المحموم والجنوني الذي حدث في ارتفاع أسعار الأصول المالية والمادية بسبب المضاربات نشأت ما تسمى "الاقتصادات المنفوخة" التي تعاني من أنشطة المضاربات وتتهددها الأزمات .
12:
منذ أوائل الثمانينات من القرن الماضي مسحت مقادير كبيرة من ديون الشركات والبنوك التجارية الكبيرة في البلدان المتخلفة وحولت على إلى دين عام . وقد منحت قروض ثنائية ومتعددة الأطراف إلى البلدان النامية لتمكين هذه البلدان من السداد للبنوك التجارية (الخاصة) ؛ أي أن الدين التجاري قد حول بيسر إلى دين رسمي تتكفل به الدولة (ثنائي ومتعدد الأطراف ) مما يقلل من "تعرض" البنوك التجارية الخاصة للإفلاس. وعملية "تحويل الدين" هذه سمة رئيسية للأزمة : فقد حولت الخسائر التجارية والمصرفية ، بما في ذلك القروض السيئة ، بانتظام إلى الدولة . وليست خطة الإنقاذ التي قدمتها الحكومة الأميركية في أزمة الرهن العقاري والبنوك الاستثمارية في الفترة الأخيرة سوى مثال على ذلك.
نقد تجارب الانتقال الاشتراكية
ملاحظات نقدية على الحركة الشيوعية العربية؛ إعادة التأسيس
3- I : عانت التجربة الاشتراكية في روسيا من عزلة الثورة نتيجة فشل ثورات أوربا الاجتماعية ، ونتيجة الحصار الامبريالي والحرب الأهلية الضارية، حيث راحت تسيطر بيروقراطية حزبية على الحزب والدولة والمجتمع والأممية الشيوعية مما ترك آثاراً كارثية على المجتمع السوفييتي تجلى بتكييف الطبقة العاملة السوفييتية وسلبيتها وضعف نضالاتها كما انعكس على الحركة الشيوعية العالمية عبر تبعية الأحزاب الشيوعية المحلية للحزب الشيوعي السوفييتي و للبورجوازية المحلية ، وكانت تأتمر مباشرة من المركز الروسي مما جعل الكثير من هذه الأحزاب عاجزة عن إنجاز تحليل ملموس للوضع المحلي والقومي كما في المسألة القومية العربية الديمقراطية و المسألة الكولونيالية والمسألة اليهودية في فلسطين وخصوصية هذه المسألة لوجود ثلاثة أطراف في الصراع .
3- ii : إن سيطرة البيروقراطية السوفييتية ومعها سيطرة نزعة وضعية ميكانيكية وطبقوية كوزموبوليتية معادية للتحرك القومي العربي الديمقراطي، جعل هيمنة الحركة الشيوعية في الحركة القومية العربية مستبعداً، وحرمها من فرصة القيادة والهيمنة في هذه الحركة كما فعل الحزب الشيوعي الصيني وحزب العمل الفيتنامي .
3- iii : لقد عانت الحركة الشيوعية العربية من عيوب شملت خصوصية النشأة وسير حركتها أدت إلى أزمة متفاقمة قادت ليس إلى عجزها فحسب، بل إلى تفككها . ومن هذه العيوب :
أولاً - سيطرة النزعة البيروقراطية و الكوزموبوليتية غير المنشغلة بالمشاكل القومية والوطنية لبلدان هذه الحركات لدى البيروقراطية السوفييتية ومعها الأممية الشيوعية بعد 1924 وسيطرة مصلحة الدولة السوفييتية على مصالح الحركة الثورية في العالم. مما انعكس على الأحزاب الشيوعية المحلية على شكل سلبية في المبادرة المحلية ؛ وتبعية في الخط السياسي وعدمية قومية لصالح وطن الاشتراكية الأول.
ثانياً - غياب الديمقراطية الحزبية داخل هذه الحركات، مع سيطرة قيادات ذات أصول اجتماعية وطبقية غير ملائمة.
ثالثاً- انفصال الحركة الشيوعية عن الحركة القومية العربية بشكل ضار بسبب من خصوصية نشأة هذه الحركة .
أخيراً ، لن يفعل مشروع تسوية الصراع العربي الصهيوني سوى تأجيل وتعليق هذا الصراع . وهو مرتبط بموازين القوى الدولية الراهنة ، وسوف يكون الحل الحاسم لهذا الصراع عبر تفكيك مشروع الدولة القومية اليهودية في فلسطين عبر فك ارتباطها بالمشروع الإمبريالي العالمي وتمتع الأقلية اليهودية في فلسطين بالحقوق الثقافية وبحق المواطنة الذي يشمل كافة الأقليات الدينية والإثنية في سياق نهوض المشروع القومي العربي الديمقراطي ذو النزعة الأممية.
خامساً- إن تحرير الحياة السياسية في سوريا عبر قانون أحزاب منصف ، وعبر قانون انتخاب جديد، وعبر تعديل قانون المطبوعات ليواكب الحياة السياسية والفكرية الجديدة كفيل بتعزيز حق المواطنة للجميع بما فيهم الأكــراد "البدون" (من دون بطاقة هوية سورية). والسماح للأقليات القومية بممارسة حقوقها الثقافية في وطنها سوريا.
سادساً- لقد طرح البلاشفة الروس مبدأ حق تقرير المصير في شروط تاريخية ملموسة وبما ينسجم مبدئياً مع مصلحة الحركة الاشتراكية العالمية : " ففي روسيا ، حيث ملا يقل عن 57% من السكان، أي أكثر من 100 مليون نسمة ، ينتسبون إلى القوميات المضطهدة ، المظلومة ، وحيث تقطن هذه القوميات في أطراف البلاد بخاصة ، وحيث قسم من هذه القوميات أوفر ثقافة من الروس وحيث يمتاز النظام السياسي بطابع بربري خاص موروث عن القرون الوسطى ، وحيث الثورة البورجوازية الديمقراطية لم تنته ، في روسيا هذه يتبين أن الاعتراف للقوميات التي تضطهدها القيصرية بحق حرية الانفصال عن روسيا ، واجب إلزامي إطلاقاً على الاشتراكيين- الديمقراطيين ، واجب تفرضه مهماتهم الديمقراطية والاشتراكية . إن حزبنا [والقول لـ لينين] الذي أعيد تشكيله وتنظيمه في كانون الثاني يناير 1912 قد اتخذ عام 1913 قراراً يؤكد حق تقرير المصير ويوضحه ويشرحه بالمعنى الملموس المذكور أعلاه.."
لهذا تتوجب الإشارة "إلى الطابع الاصطلاحي سياسياً لهذا الشعار والمحتوى الطبقي اللذين تتسم بهما جميع مطالب الديمقراطية السياسية .. والإشارة أيضاً وبشكل أساسي "إلى ضرورة إخضاع النضال في سبيل هذا المطلب ، شأنه شأن النضال في سبيل جميع المطالب الأساسية الديمقراطية السياسية ، للنضال الثوري الجماهيري المباشر في سبيل دك الحكومات البورجوازية وفي سبيل تحقيق الاشتراكية "" (لينين: المجلد السادس ص ص 51-52- 54 )
مسألة الأقلية القومية الكردية الطارئة في شمال وشرق سوريا لا تدخل في هذا التصنيف و لا تخضع لهذا المبدأ المشروط بمصلحة النضال الجماهيري ضد الإمبريالية ومن تحقيق الاشتراكية . فالأقلية الكردية العراقية ربطت مصيرها مع الغزو الإمبريالي الأميركي للعراق ، بالتالي ضربت إسفيناً بينها وبين مصالح الشعب العربي في التحرر من الاحتلال والتحكم الأميركيين . والعرب بعكس الروس أيام لينين ليسوا إمبراطورية مستعبدة للأكراد والشعوب الأخرى بل هم أنفسهم ضحية الغزو والاحتلال ويسعون لتقرير مصيرهم القومي بمواجهة السيطرة والتحكم الإمبرياليين . إضافة إلى ذلك فالأكراد في سوريا نوعين: نوع أصيل سكن سوريا منذ أكثر من مائتي سنة وتعرب واندمج مثله مثل معظم عائلات دمشق والمدن السورية الداخلية من ذوي الأصول التركية والتركمانية والأفغانية والكردية وغيرها..التي تعربت واندمجت في المجتمعات العربية. وقسم طارئ نزح إلى الراضي السورية في الشمال والشمال الشرقي بدايات القرن العشرين على أثر مذابح الأرمن في تركيا . وهؤلاء يحق لهم ممارسة حقوقهم الثقافية وأن يعاملوا كمواطنين سوريين مثلهم كمثل جميع المجنسين في أقطار العالم.
سابعاً- تلاحظ الورقة محاولات للإمبريالية الأميركية لـ استخدام قضايا ديمقراطية ، مثل قضية الحريات السياسية في بلدان تعاني من الاستبداد السياسي واحتكار السلطة ، و قضية المرأة ومسألة الأقليات القومية والدينية بشكل مضاد وملتبس . إننا نؤكد على أهمية إعطاء هذه المسائل الاهتمام الكافي وتحليل كل منها تحليلاً عينياً وملموساً ، بما يخدم مشروع النهوض القومي العربي الديمقراطي وقضية الاشتراكية الماركسية. كما نشير إلى أن أي استخدام مضاد للمسألة القومية الكردية في مواجهة النهوض القومي العربي الديمقراطي لن يكون في مصلحة أي من الشعبين العربي والكردي ، ولا في مصلحة القضيتين العربية والكردية.
4- الحراك الديمقراطي اليساري والحراك الليبرالي الجديد في العالم:
4- i : يشهد العالم حراكاً يسارياً واضحاً ، خاصة في فنزويلا والبرازيل وبوليفيا ونيكاراغوا ومن المحتمل تشيلي ، تمثل بوضوح بوصول حكومات يسارية إلى السلطة عبر انتخابات شعبية (فنزويلا، بوليفيا، نيكاراغوا مع لحظ طبيعة السلطة في كوبا) . كما تم رصد تحركات شعبية يسارية نشطة في الأرجنتين (مظاهرة الجياع ) وفي بوليفيا (المظاهرات الشعبية الضخمة للمطالبة بتأميم النفط البوليفي في زمن السياسات الإمبريالية الليبرالية الجديدة المتوحشة ، وفي زمن الغزو الإمبريالي الأميركي لبلدان بكاملها )، حيث أصدر الرئيس البوليفي إيفو موراليس قرار تأميم قطاع النفط أثناء الاحتفال بعيد العمال 1/5/2006 وأعطى مهلة ستة أشهر للشركات النفطية لتجديد عقود استثمارها وإلا فإنها ستتعرض للطرد، وأكد الرئيس البوليفي أن قطاعات المناجم والغابات وبقية الموارد الطبيعية سيتم تأميمها تباعاً.
. كما تم رصد تحركات ونشاطات عمالية نقابية في كل من مصر و كوريا الجنوبية ذات طابع ديمقراطي يساري. ولوحظ أخيراً تجذراً في البرنامج اليساري الفنزويلي باتجاه برنامج اشتراكي صريح، ونشاطاً أممياً متنامياً تجسد في سحب السفير الإسرائيلي من كراكاس أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة وقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل لاحقاً من حكومتي كل من فنزويلا وبوليفيا.
4- ii : يشهد العالم تحركات جماهيرية ذات طابع يميني ليبرالي جديد ملتبس ومتناقض في كل من لبنان (ثورة الأرز) وأوكرانيا (الثورة البرتقالية ) وفي جورجيا (ثورة الورود) ، وأيضاً في يوغسلافيا السابقة على أثر العدوان الأميركي وإسقاط النظام القومي القائم ومحاكمته. وهي حركات مناهضة للاستبداد البيروقراطي عبر تشجيع إمبريالي أميركي خاصة. "ثورة الأرز" المماثلة لـ "لثورة البرتقالية" ولـ " ثورة الورود" روجت لها كثيراً وسائل إعلام محلية ودولية . لكن كالعادة فإن هذه الحركات اليمينية تكاد أن تمحو التاريخ الخاص بكل بلد من هذه البلدان ، ولا تقدمه إلا عبر قراءة تبسيطية دوغمائية متمثلة في الحرب بين الخير والشر ، بين الديمقراطية والتوتاليتارية (الاستبداد السياسي البيروقراطي)
4- iii : يلاحظ التقرير وجود مسألة قومية ذات محتوى ديمقراطي: المسألة القومية الكورية ، ومسألة جزيرة تايوان في الصين.
التحالفات السياسية:
5- i : يعتبر التجمع قضية التحالفات السياسية قضية أساسية وفي صلب عمله واهتمامه ، وإذ يعمل التجمع لبلورة رؤيته السياسية ، ونقده للبرامج السياسية للقوى الأخرى على الساحة السياسية السورية فإنه يلاحظ فقر الحياة السياسية هذه والناجم عن الشروط الموضحة أعلاه في التقرير السياسي . ونتيجة هذا الفقر يلاحظ شيوع بعض العيوب التي تعاني منها القوى والمجموعات والشخصيات السياسية السورية كالانعزالية والإقصائية أحياناً والنزعة الشخصية عند الناشطين.ومن حرصنا الأكيد على تنشيط وتفعيل الحياة السياسية في سوريا ومن الحرص على إنجاز المهام الوطنية - الديمقراطية المذكرة أعلاه فإننا نؤكد على قضية التحالف مع القوى الاشتراكية أولاً والوطنية- الديمقراطية ثانياً من حيث المبدأ الذي مفاده:
لا يمكن فهم المسألة الوطنية خارج المسألة الديمقراطية ، أي ترابط الوطني والديمقراطي، وترابطهما يعني رفض مشاريع الغزو الإمبريالي والهيمنة ، ورفض الخيار الليبرالي الجديد في سوريا كونه في تحالف طبيعي مع المشروع الإمبريالي وهو يريد حرمان غالبية الشعب السوري من ثروته القومية ومن مشاركة كل أبنائه في تقرير مستقبلهم.
5- ii : وبناء على المبادئ السابقة قام التجمع بفتح حوار منتظم دام حوالي سنتين مع خمسة تيارات ماركسية توّج هذا الحوار بإعلان "تجمع اليسار الماركسي في سوريا" (تيم) والذي أعلن عن نفسه ببيان ووثيقة تأسيسية في 20 نيسان أبريل 2007 . وأصدر التجمع الجديد مجلة "جدل" وجريدة "طريق اليسار" وقد صدرت عدة أعداد منهما، كما أصدر تيم عدة بيانات في مناسبات هامة مختلفة.
5- iii : شهد بداية العام 2008 أحداث مهمة على مستوى فرز القوى المعارضة في سوريا فعلى أثر اجتماع المجلس الوطني لإعلان دمشق في دورته الثانية حصل فرز وشقاق بين تيارين : التيار القومي الديمقراطي اليساري من جهة والتيار الليبرالي الجديد الساكت على أقل تقدير عن المشروع الإمبريالي والمتواطئ أحياناً . وقد تم إقصاء التيار القومي الديمقراطي عن المؤسسات القيادة للإعلان عبر استبدال غير متوقع لآلية التوافق بآلية الانتخاب والأقلية والأكثرية . إننا في التجمع الماركسي -الديمقراطي في سوريا إذ نرصد هذا الشقاق فإننا ندعو لتحرك وطني- ديمقراطي في سبيل إعادة بناء الحركة الوطنية الديمقراطية في سوريا على أسس جديدة وفي أطر مختلفة ، وذلك خدمة للعمل الوطني - الديمقراطي السوري .وبناء على ما سبق فقد دخل تيم في حوار مع أحزاب وشخصيات وطنية ديمقراطية ؛ حوار منظم امتد خلال النصف الثاني من عام 2008 وقد أثمر عن مسودة "مشروع وثيقة توافقات من أجل بلورة وتنظيم التيار الوطني الديمقراطي " في سوريا
أواخر آذار 2009
• الطبقة التقدمية بالإمكان والوجوب، بالإمكان كموقع في العملية الإنتاجية. وكوجوب بالوعي السياسي المقارب ، والتنظيم المستقل.
- تمتد أزمة الديون إلى أوائل الثمانينات من القرن الماضي ، مترافقة مع السعي إلى تحقيق أقصى ربح ، وهو ما وجه سياسات إصلاح الاقتصاد الكلي (الهيكلي) بما تؤدي إليه هذه السياسات من تفكيك مؤسسات الدولة الرأسمالية الطرفية وتمزيق الحدود الاقتصادية وإفقار الملايين حول العالم
2- جورج لوكاش، التاريخ والوعي الطبقي، حول قضايا التنظيم

3 - لقد غدت الطبقة العاملة ، في وجودها السياسي، في الدول المتخلفة هي الطبقة الوطنية الحقّة والقومية الحقّة بالإمكان و القوة، مع دخول عصر الإمبريالية الرأسمالية في الثلث الأخير من القرن 19
4 - هاري ماجدوف: الإمبريالية من عصر الاستعمار إلى اليوم
5 - التخلّع الاجتماعي يعني أن البنية الاجتماعية/الاقتصادية مخلّعة ؛ ما يعني أن أي ازدهار في أي من القطاعات الاقتصادية لا ينعكس إيجاباً على القطاعات الأخرى ، بالتالي تفتقد هذه البنية الاجتماعية المتخلفة صفة العضوية ، والتماسك العضوي. بحيث تعمل القطاعات الاقتصادية وكأنها معزولة عن بعضها البعض وتعمل كل منها كأنها بمفردها.
6- البروليتاريا: خضع مفهوم البروليتاريا لعدة تحولات دلالية : الأولى الدلالة الرومانية ؛ حيث كان المجتمع الروماني منقسماً إلى ست طبقات حسب حجم ملكية كل منها. والطبقة السادسة هي طبقة البروليتاريين الذين كانوا، على النقيض من البروليتاريا الحديثة ، يمتلكون القليل من الأشياء ومعفيين من الخدمة العسكرية والضرائب. وكانت البروليتاريا الرومانية تعيش عالة على المجتمع ، بينما يعيش المجتمع الحديث عالة على البروليتاريا. الدلالة الثانية ؛ الدلالة الحديثة في القرن التاسع عشر: حيث تعرف البروليتاريا بأنها طبقة العمال المأجورين في المجتمع الرأسمالي ، المحرومة من ملكية وسائل الإنتاج والمضطرة إلى بيع قوة عملها للرأسماليين. وهي تظهر مع ظهور أسلوب الإنتاج الرأسمالي . وهي إحدى الطبقتين الأساسيتين في المجتمع الرأسمالي. ثالثاً نستخدم هنا البروليتاريا بما يعني وجودها السياسي والبرنامجي ، إضافة إلى وجودها "الموضوعي " في المجتمع كطبقة أساسية(موقعها في العملية الإنتاجية الرأسمالية حتى لو كانت رأسمالية طرفية ) .
7 - تساهم الدولة الإمبريالية الاحتكارية مع رأس المال في ملكية الأسهم كشريك اقتصادي عبر الميزانية العامة للدولة والتي تجبى من عامة السكان ، وتشكل هذه الميزانية سوقاً مهمة للشركة الاحتكارية عبر الطلبات الحكومية والتسلح. ولهذا الالتحام تبعات ثقافية خطرة على الفكر الثوري خاصة والنقدي عامة: إن التحام البنية الفوقية السياسية (دولة الرأسمالية الاحتكارية) بالبنية التحتية-القاعدية (رأس المال الاحتكاري) يعني تخفيض التوتر بين الفكر والبنية التحتية وبالتالي تقليص العمل النقدي الفكري البورجوازي وتحويله إلى خادم وضيع لرأس المال الاحتكاري وتحويل السياسة ونشاط الدولة الرأسمالية المركزية إلى شريك متآمر مع رأس المال هذا عدا الضرائب التي يدفعها الفقراء لميزانية الدولة- وبالتالي ظهور الرجعية في السياسة على طول الخط والميل إلى السيطرة والإخضاع بالقوة (إخضاع أطراف النظام الرأسمالي). نشير إلى أن الاحتكار الاقتصادي والميل إلى السيطرة والإخضاع والإلحاق بالقوة أمور متلازمة في الرأسمالية الاحتكارية(الإمبريالية)
8- رتبنا العوامل حسب أهميتها الإستراتيجية وليس ترتيباً زمنياً
9- بلشفيك : كلمة روسية تعني الأغلبية، يقابلها منشفيك وتعني الأقلية : المنشفية كظاهرة عالمية مرتبطة بالظاهرة الإمبريالية كمرحلة اقتصادية جديدة أساسها الاحتكار في الرأسمالية أدت إلى إفساد شرائح واسعة من الطبقة العاملة في المراكز الرأسمالية والأطراف عن طريق تغليب المصلحة النقابية أو المطلبية المباشرة على الأهداف السياسية والتاريخية للبروليتاريا.





















قراءة في كتاب








الأيديولوجية الألمانية
كارل ماركس & فريدريك انجلز
ترجمة الدكتور فؤاد أيوب
دار دمشق للطباعة والنشر 1976
نقل هذا الكتاب إلى العربية بالاستناد إلى الترجمة الإنكليزية الصادرة عن دار اللغات الأجنبية في موسكو عام 1964 وإلى الترجمة الفرنسية الصادرة عن دار المنشورات الاجتماعية في باريس 1968 .
وقد اعتمدت القراءة أيضاً على النص الإنكليزي
"The German Ideology"
Moscow 1964 Progress Publishers





هوامش "الأيديولوجية الألمانية"
تحقيقات و تعليقات
القسم الأول

سعد الذّابح

تحقيق : الإيمان الديني؛ (الطريقة اللاهوتية الحقيقية) نقد متكافئ مع ذاته . إخفاء الإيمان كغرض أناني.."إنه صامد في مكانه يقاتل عن داره وأرضه"/ حماية نفسه ضد نكران الجمهور(انسحاب الوعي من الحياة) ؛ انكفاء الوعي حتى حدوده الخاصة.
تحقيق : برونو باور يسهو عن مقالة فيورباخ: "ضد الفلاسفة الوضعيين" في حوليات هال.
مؤلفات فيورباخ: "تاريخ الفلسفة الحديثة" عرض وتحليل ونقد فلسفة ليبنتز، بيربايلي؛ إسهام في تاريخ الفلسفة والبشرية، "جوهر المسيحية" ومقالته: "إسهام في نقد الفلسفة الوضعية" نشر دون توقيع في حوليات هال 1838 . ص 674 هوامش الكتاب "وتشير عبارة "الفلسفة الوضعية" هنا إلى الاتجاه الديني والصوفي في الفلسفة الذي يمثله ك.هـ. ويس، والشاب ج.غ. فيخته، أ. غونتر، و ف. بادر، وف. و. شيلينغ خلال السنوات الأخيرة من حياته، وكان هذا الاتجاه ينتقد فلسفة هيغل من اليمين. وكان "الفلاسفة الوضعيون" [الإيجابيون] يسعون إلى إخضاع الفلسفة للدين، وينكرون إمكانية المعرفة العقلانية، وينظرون إلى الوحي الإلهي على أنه مصدر المعرفة "الوضعية" وكانوا يسمون جميع الأنظمة (الأنساق) القائمة على المعرفة العقلانية أنظمة(أنساق) سلبية "
هامش : الاستحالة: التحول من دون توسط – الحَوْلة /الإزالة: الكلمة أمر مجتمع متناقض المصالح تظهر على لسان الفرد كأنها خاصته!
تحقيق : الممثلون الوضعيون للجوهر/برونو باور [الفلسفة الوضعية]
لقد قُدّمت الفلسفة الهيغلية في "العائلة المقدسة" على أنها وحدة سبينوزا وفيخته، وقد أكد المؤلفان [ماركس وانجلز] على ما تنطوي عليه هذه الوحدة من تناقض . هذه نقطة خلافية ضمن التأمل الفلسفي الهيغلي. ص 92 برونو باور : أخذ التعبير المجرّد (النزاع ضمن فلسفة هيغل) على أنه النزاع الفعلي. "هيغل يعطي عن النزاعات الفعلية تعبيراً مجرداً أو سديمياً يشوهها به حين يضعها في السماء". بينما الجوهر في الحقيقة هو العلاقات الاجتماعية القائمة، والطبيعة الواقعية.
تحقيق : برونو: وعي الذات "إن العبارة ؛ الصياغة الفلسفية للمسألة الفعلية [بالنسبة له] هي المسألة الفعلية بالذات" ص 93
تعليق وتحقيق : ماركس: "الناس الواقعيون ووعيهم لعلاقاتهم الاجتماعية القائمة بصورة فعلية" [توجد مسافة لا يمكن إغفالها بين شكل وعي الناس لعلاقاتهم الواقعية وبين حقيقة هذه العلاقات. هذه المسافة يقيم العلم الاجتماعي/ التاريخي حياته فيها] هنا يأتي الدين كأحد أشكال وعي الناس لعلاقاتهم الاجتماعية الفعلية؛ "الدين كتعبير فكري مؤقنَم عن العالم" [الدين كوعي مقلوب للحياة الواقعية]
تحقيق: شترنر: يصور الفرد الواحد على أنه "عمله الخاص" مع أنه نفسه للطرافة عمل على أنه برونو باور . هذه خطوة إلى الأمام. هذه ملاحظة مقتضبة عن عمل شترنر؛ [ شترنر يجرّد الفرد عن أمر الجماعة الاجتماعية، بالتالي يحرمه من تفسير سر عمله]
تحقيق: إنسان المسيحية المجرّد ليس.. إنساناً فعلياً ص 95
تعليق: الروح المطلق الهيغليّ (كتجريد) و "الجنس " الفيورباخيّ [نسبة إلى فيورباخ وفكرة الجنس البشري المجرَّدة لديه] وترابط هذه الأفكار مع العالم القائم ؛ علاقتها مع العالم المعطى لنا بالفعل[ العلاقة القائمة بالفعل، وتعليل العلاقة أو تفسيرها. بتعبير آخر وعيها في الأفراد وفوق الأفراد. هذه مهمة العلم الاجتماعي/ التاريخي] : كل حاجة تؤكد ذاتها في أيامنا هذه على أنها قوة في الأفراد وفوق الأفراد ، حالما تعترض الظروف إرضاءها! [ شكل هذه الحاجة وشكل إرضائها، يتوجب أخذها في تاريخيتها؛ أي في شرطها التاريخي ، وهذا ما تشير إليه عبارة ماركس: "كل حاجة ... في أيامنا هذه " لأنه سوف تظهر حاجات جديدة "في أيام أخرى" !
تحقيق: "ليس للدين "ماهيته" الخاصة " يتوجب البحث عن جوهر الدين خارجه في السياسة والتجارة !
هامش: tollkeeper; المكّاس: محصّل المكوس على طريق أو جسر؛ والمكْس: دراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية، أو ما يأخذه أعوان السلطان ظلماً عند البيع والشراء ، أو ضريبة تؤخذ عن أشياء معينة عند بيعها أو عند إدخالها المدن" ( معجم الرائد ص 1423)
هامش: الشّادرن من شَدُو: shadow : ظلّ، خيال صورة منعكسة (عن مرآة) وقاء، ستر، صورة باهتة، صورة زائفة عن ؛ شبح، طيف ، الظلّ.. حزن كآبة " ( المورد طبعة 1991 ص 842)
تحقيق: الزنا والدنس والوثنية .. من أعمال الجسد ؛ من الحسي والشهوة [سبيل قايين أو قابيل] الدين يجرّد الدوافع المتعددة في الفرد الواحد ويجسدها أشخاصاً متصارعين! (المجاز المُرْسَل)
برونو يتصارع مع إحدى عباراته؛ الله خلّع أوصال أيوب بينما برونو خلّع أوصال عبارته.
يتوجب أخذ الإنسان بكل خصائصه بما في ذلك الفكر كموجود واقعي وفعلي.
تحقيق: "إن عام 1842 عام أوج الليبرالية في ألمانيا " ؛ الحاجة الناشئة عن الشروط الاقتصادية للسلطة السياسية .
مثل مضروب: هذا هو الميدان وهذا هو العدو! (الماء يكذّب الغطّاس)
هامش: corpus delicti : [الواقعة الأساسية]
تعليق: التحرر السياسي والتحرر البشري؛ التحرر من أسلوب الإنتاج الرأسمالي ، والتحرر من الدين (عدم تحويل الواحد إلى الآخر؛ عدم الخلط بينهما)
تحقيق: الناموس: سلطان الصيغ العقائدية [عالم العهد القديم].. لابد لنا هنا [ص113] أن ندرس حتى درجة ما تاريخ الكنيسة ، وننظر إلى "الكتاب" عن كثب أعظم . أو إذا شئنا أن نستخدم لغة القديس ماكس : يجب علينا أن نحشر في "هذا الموضع" "تأملاً" عن الأوحد وخاصته هو فصل من تاريخ الكنيسة ..["الكتاب" كتاب شترنر ؛ الأوحد وخاصته، والكتاب المقدس.. الأوحد وخاصته هو ربّ الجنود ]
تحقيق: إن البورجوازي الصغير الألماني ، الذي لم يسهم بصورة فعالة في الحركة البورجوازية إلا على صعيد الأفكار وحدها ، والذي لم يفعل فيما عدا ذلك سوى عرض حياته على من يدفع أكثر... يتوهم أن قضيته الخاصة وحدها هي القضية العادلة .
قول: قدرة الله تماماً عدم كل شيء آخر .
تحقيق وتعليق: "إن الكتاب نفسه- كتاب شترنر – مقسم ، مثله مثل الكتاب القديم [المقدّس] إلى عهد قديم وعهد جديد – يعني إلى التاريخ الأوحد للإنسان (الناموس والأنبياء) والتاريخ اللا إنساني للأوحد (إنجيل ملكوت الله) . والكتاب الأول هو التاريخ في إطار المنطق، [المنطق: الكلمة المقيّدة إلى الماضي؛ هيغل: المنطق حكم مسبق وباطل!] والكتاب الثاني هو المنطق في التاريخ ، الكلمة المحررة التي تتأصل ضد الحاضر، وتتغلب عليه بصورة ظافرة " 115
هامش: في العربية "نطق يَنْطِق مَنْطقاً تكّلم بصوت وحروف تُعرفُ بها المعاني". القاموس المحيط 926
تحقيق: "ذلك " تعطى للإشارة وللتفريق . والمرء هو الشخص اللاشخصي! 118
لم يرغب الروح بعد في أي شيء كان، لم يمثل "الروح" على أنه شخص [تشخيص الروح والفكرة الدينية] .
تحقيق: روح فقير ، روح غني- فارق كمّي [ دنس]
روح ناقص، روح كامل - فارق نوعي [مقدس]
تحقيق وتعليق: "إن الألماني الذي هو "رجل" شترنر يصل على الدوام متأخراً جداً" 120 ، وهذه كناية إلى عواقب [التأخر الألماني؛ تأخر التصنيع والوحدة القومية الألمانية]
"إن الرجل ، الموحَّد [المتماهي] ها هنا مع "الأوحد" بعدما أعطى الفِكَر بادئ الأمر وجوداً جسدياً ، يعني بعدما حولها إلى أشباح ، يدمر الآن هذا الوجود الجسدي من جديد ، وذلك بإعادة احتوائها في جسده الخاص ، الذي يجعله من جراء ذلك جسد الأشباح، الأمر الذي يبين الطبيعة الحقيقية لهذا الإنشاء التجريدي " [الجسد؛ جسد شترنر: إنكار للشبح كما إبليس إنكار لله ولآدم]
تحقيق: وفقاً للقديس ماكس: "هذا الرجل يدمر حقاً جميع هذه القوى (الإمبراطور، الوطن، الدولة ..) إذ يطرد من رأسه رأيه الخاطئ عنها " 121 تلك الفِكَر التي هي "من صنع دماغه" فقط، أي التي هي نسخة بسيطة ينقلها دماغه عن الآراء العامة بشأن الأشياء كما هي قائمة . .. على أي حال إنه يريد أن يحملنا على الاعتقاد بأنه دمّر المقولة نفسها لأنه دمر علاقته الشخصية المريحة التي كانت تربطه بها – مثلما أراد أن يحملنا على الاعتقاد، منذ قليل، بأنه دمر سلطان الإمبراطور باستغنائه عن تصوره الوهمي عنه " شعوذة رقم .. كذا
قول: ظل شبحي نقارنه بجسده المفقود.
تحقيق: "البورجوازي الأناني الذي تتصرف به الأشياء والفِكَر كما يحلو لها ، لأن مصلحته الشخصية تضع جميع الأمور فوقه "
قول: "الشيخ: مالي و لك يا امرأة ؟" ص 124
تحقيق: "من المؤكد أن التبدلات الفزيولوجية والاجتماعية التي يتعرض لها الأفراد والتي تنتج درجات الوعي المختلفة لا تعني شترنر على الإطلاق" ص 124
علاقة الوعي بالذات تعادل ، تكافئ [even] علاقة الوعي ذاتها the relation of consciousness
"ما دام القديس لا يعير انتباهاً "لحياة " الفرد الفزيولوجية والاجتماعية إذ لا يقول شيئاً البتة عن "الحياة" بكل بساطة فإنه يصرف الانتباه - مخلصاً بذلك لنفسه – عن العصور التاريخية والقوميات والطبقات ، الخ.. أو يعمد وهذا يعود إلى الشيء ذاته إلى تضخيم الوعي السائد للطبقة الأقرب إليه في بيئته المباشرة حتى يجعل منه الوعي الطبيعي "لحياة الإنسان"" 125
قول: خلط الأوهام حول المراهقة مع حياة المراهق الفعلية.
تحقيق: "يقيم هيغل مثلاً اعتباراً كبيراً للعالم التجريبي بحيث يصور المواطن الألماني على أنه عبد العالم من حوله" 125 هيغل: الموسوعة؛ "موسوعة العلوم الفلسفية في شكل موجز" ، فلسفة الطبيعة(محاضرات في فلسفة الطبيعة)
تحقيق وتعليق: من العقيدة وسلطانها (الناموس) إلى الأنبياء (الاقتصاد والسياسة) [سر الاقتصاد المنزلي؛ الأنبياء]
لا بد أن نترك لبرهة كتاب "الناموس" كي ننتقل إلى كتاب "الأنبياء" مميطين اللثام منذ الآن عن سر الاقتصاد المنزلي الأوحد في السماء وفي الأرض .
لن تصادف في أي مكان سوى التنكرات المختلفة "للطفل والمراهق والرجل" كما اكتشفنا من قبل أنه عبارة عن ثلاث مقولات متنكرة" 126 مقولات متنكرة في أشخاص. [تشخيص المقولة والفكرة الدينية]؛ أرواح وأشباح!
قول: الفلاسفة الألمان "المحدثون": هيغل ، فيورباخ
تحقيق: "إن التاريخ التجريبي والفعلي الذي يشكل أساس ذلك التاريخ الشبحي لا يستخدم إلا من أجل توفير الأجسام لتلك الأشباح".. "إن القديس ماكس ليقدم لنا ها هنا مرة أخرى برهاناً على سذاجته غير المحدودة ، إذ يدفع إلى حدود قصوى أعظم من أي من سابقيه الإيمان بالمضمون التأملي للتاريخ ، المعد من قبل الفلاسفة الألمان" 127
هامش: "تحولات" transformations
تحقيق وتعليق: "التراتب- الوحدة السالبة لكليهما ضمن وجهة النظر المغولية – القوزاقية ومثل هذه الوحدة تظهر حيث تتحول العلاقات التاريخية إلى علاقات قائمة فعلياً ، أو حيث تمثل النقائض على أنها متواجدة ، بالتالي فإن لدينا هاهنا مرحلتين متواجدتين" 129 [ التراتب: حضور الماضي كنقيض حاضر بجسده. هكذا يفهم حضور السلبية على أنه حضور علاقات الماضي ، وليس إعادة إنتاج أشكال قديمة على أساس علاقات حديثة قائمة بالفعل]
هامش: الوحدة السلبية- التراتبية: Herarchy-negative unique
تعليق: حين يحضر الماضي وعلاقاته حضوراً جسدياً حيث تنقلب العلاقات التاريخية الماضية إلى علاقات موجودة بالفعل ، حيث النقائض موجودة جنباً إلى جنب [الشبح]
"Such unity appears where historical relations are changed into actually existing relations or where opposites are presented as existing side by side. Here therefore, we have two coexisting stages" p. 137 E. edi
هامش: هيراركي: 1- مرتبة أو طبقة من الملائكة ، 2- هيئة كهنوت منظمة في مراتب متسلسلة، 3- السلطة (هيئة من عدة أشخاص) ، التسلسل الهرمي." المورد- 1991 ص 426
الشامان: كاهن يستخدم السحر لمعالجة المرض ولكشف المخبأ وللسيطرة على الأحداث shaman;
الشامانية: دين بدائي من أديان شمالي أوربا وآسيا يتميز بالاعتقاد بوجود عالم محجوب ، هو عالم الآلهة والشياطين وأرواح السلف ، وأن هذا العالم لا يستجيب إلا للشامانات shamanism; المورد ص 843 .
تعليق: يقول مترجم الأيديولوجية الألمانية: "نترجم كلمة "تجاوز" الهيغلية aufhebung التي تعني التجاوز مع الإلغاء " ترجمة أيوب ص 130 [وفسر الماء بعد الجهد بالماء]
يوجد خطأ في الترجمة العربية ؛ لأن المقصود بالكلمة الهيغلية هو التجاوز مع الاحتفاظ. يكتب هنر ي لوفيفر: "لكلمة التجاوز aufheben معنيان: إنها تعني الاحتفاظ وتعني الإنهاء [علم المنطق الكتاب الأول ص 110-111 ] " لوفيفر "المنطق الجدلي" ص 19
هامش: عبور، انتقال : transition
تحقيق وتعليق: "يتصور شترنر التاريخ من حيث هو موضوع تأمل [وليس شيئاً واقعياً ودنيوياً] بالنسبة إلى الوعي ، من حيث هو عالم لا يبرح موجوداً في ظلمة صوفية ، على الرغم من تعرضه المتواصل للدمار ، كيما يعاود الظهور في أول فرصة سانحة " 131 [لاحظ : التاريخ كموضوع تأمل للوعي لا يبرح موجوداً في ظلمة صوفية على الرغم من تعرضه الدائم للدمار ، كيما يعاود الظهور في أول فرصة سانحة وفي مراحله المبكرة كشبح ؛ شبح التاريخ هو الذي يعود وليس التاريخ الدنيوي الواقعي في مراحله المبكرة ] "العلاقة الأيديولوجية" مع العالم المادي التجريبي. 134
"يستطيع جاك المغفل .. دونما المزيد من الصعوبة ، إذ يستعيض عن العالم القديم بالوعي الذي حققه البشر في وقت لا حق عن هذا العالم ، أن يقفز بوثبة واحدة من العالم القديم المادي ، إلى عالم الدين ، إلى المسيحية " 134 "إن مدار البحث إذاً [هو] علاقة الوعي بالموضوع ، بالحقيقة من دون أي شيء آخر ، وبالتالي العلاقة الفلسفية للأقدمين بعالمهم . فبدلاً من التاريخ القديم لدينا الفلسفة القديمة ، والأكثر من ذلك ، إنها مجرد الفكرة التي يصنعها عنه القديس ماكس وفقاً لهيغل وفيورباخ " 135 العالم الشبحي على أنه صراع بين تجريدات (العقل والروح والقلب)
الوجود الأرضي –يقدم هذا العالم الشبحي على أنه العالم الإغريقي، يفعل فيه أشخاص مجازيون" 136
"فلسفة الإغريق الإيجابية التي تعقب السفسطائيين وسقراط مباشرة ، وبصورة خاصة العلم الموسوعي لأرسطو " 136 [فلسفة الإغريق الإيجابية بعد سقراط ، معنى هذا أن هناك فلسفة سلبية قبل سقراط ، سقراط الحد الفاصل أو البرزخ أو الانتقال بينهما]
لسوف نجد أن الرجل الحكيم عند جاك المغفل(شترنر) sophos ليس سوى الشكل المؤمثل للرواقي ، وليس الرواقي تحقيقاً للرجل الحكيم ؛ ولسوف يجد عنده أن الرجل الحكيم ليس الرواقي وحده في حال من الأحوال ، بل يصادف بصورة لا تقل عن ذلك بين الأبيقوريين ، والأكاديميين الجدد ، والشكاكين . وبالمناسبة ، فإن الرجل الحكيم هو الصورة الأولى التي يجابهنا محب الحكمة الإغريقي بها ؛ إنه يمثل في مظهر أسطوري في الحكماء السبعة ، وفي مظهر عملي في سقراط ، وعلى أنه مثل أعلى بين الرواقيين والأبيقوريين والأكاديميين الجدد والشكاكين. ومما لا ريب فيه أن لكل مدرسة من هذه المدارس حكيمها الخاص بها ."136-137
[مظهر أسطوري للحكيم ؛ الحكماء السبعة ومظهر عملي يمثله سقراط]
يكتب ماركس: "نشاهد لديهم [الرواقيين ومنهم أبيقور] الرؤى الأولى، ... بينما استعار منهم الأفلاطونيون الجدد ، على النقيض من ذلك قسماً من رواياتهم عن الأطياف" 138
هامش: السكينة للروح ، والطمأنينة للنفس(الطمأنينة نتيجة السكينة والأخيرة تأتي من الشروط المحيطة) القاموس المحيط 1206، 1213 : "الطّمن؛ الساكن[حصل السكون] أو حصل على السكينة".
فيه سكينة من ربهم: ما تسكنون به إذا أتاهم... والأَسْكان: الأقوات [الأحوال الاجتماعية/الاقتصادية ] . السكينة ؛ ما يأتيهم من الشروط المحيطة ومن المعاش ليسكنوا، ويطمئنوا. أما أتاراكسيا ataraxia فتعني : رباطة الجأش والاتزان والجسارة ، و hedon تعني المُتْعة .
تحقيق وتعليق: .. و" أن الصالح يجب أن يحرر من الأوهام ، يعني أن يحرر من الخوف من الآلهة، [الخوف من السلطة] لأن العالم صديقي ."
يقول ماركس: "إن الفكرة القائلة أن الدولة تقوم على اتفاق متبادل بين الناس ، على عقد اجتماعي ، تصادف للمرة الأولى عند أبيقور" 140
الأيديولوجيون يعتبرون التاريخ الفعلي تاريخ الدين وتاريخ الفلسفة. يكتب ماركس: "ليس لتاريخ العصور الوسيطة والأزمان الحديثة ، وجود بالنسبة لشيء إلا على اعتباره تاريخ الدين والفلسفة" 143 .. الطريقة التأملية التي تجعل الأولاد ينجبون آباءهم ، ويحتل الأمس محل اليوم" 144
قول: .. إن المسيحية تنسب قيمة لا متناهية إلى الأنا Ego ..
تحقيق: .. من اليسير بصورة لا متناهية إعطاء التاريخ اتجاهات "فريدة" ما دام الأمر لا يتطلب من المرء سوى وصف النتيجة الأخيرة ، بالضبط على أنها "المهمة" التي اتخذها التاريخ في الأصل ، في الحقيقة " 145 .. مثال ذلك أنه يمكن أن يقال أن "المهمة " الفعلية التي اتخذها في الأصل نظام الملكية العقارية قد كانت إبعاد الناس لإحلال الخراف مكانهم ، وهي نتيجة اتضحت مؤخراً في اسكوتلندا ، الخ..
شترنر يعتبر التاريخ ذا مهمة ؛ ذا غاية ، وهذا يدخلنا مباشرة إلى فلسفة التاريخ ، وهو ما يتعارض تماماً مع الفهم المادي للتاريخ الذي يعمل لدراسة الشروط التاريخية (طبيعة العصر) ووضع القوى الفعلي والحالة الذهنية والتنظيمية للطبقة العاملة.
"بعد اثبات أن موضوعة شترنر ليست سوى تكرار "للمراهق" يستطيع المرء أن يعلن "أنه، في الحقيقة لم يتخذ في الأصل مهمة أخرى" غير توحيد روح النسك المسيحي مع الروح عامة، وتوحيد الظرف الروحي والطائش للقرن الثامن عشر على سبيل المثال مع العدم والروحي للمسيحية " 151 .. مما سبق يجعل منه ناسكاً. يعني رجلاً يريد أن يصبح الله (الروح النقي) . وبما أن هذا الأمر مستحيل ، فإنه يفترض الله خارجاً منه " ... إنه شيليغا هو الذي ينتج الله.." 151 ... إن القديس ماكس لا ينطق بكلمة واحدة عن كيفية قيام التصور المسيحي للروح على أنه الله.. " . لاحظ هنا أيها القارئ: التصور المسيحي للروح على أنه الله ... وهو يفترض وجود هذا التصور بصورة مسبقة " 152
تعليق وتحقيق و هامش: نقرأ في الأيديولوجية الألمانية هذا العنوان: "الممسوسون (تاريخ الأرواح الدنس)"
الدَنِس والرِجْس: الدَّنَس: الوسخ . والرِجْس: الاختلاط . وهما من عمل الشيطان في الفكر الديني.. إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشيطان فاجتنبوه " 90/المائدة.. " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر.." 91/المائدة
والاختلاط هو اختلاط الحسي بالعقلي ؛ بالروحي؛ بالمعنوي. وقد يقود هذا الاختلاط إلى الجنون.
المَسُّ: الجنون . جاء في سورة القمر: "ذوقوا مسّ سَقَر" 48/القمر، أي أول ما ينالكم منها .. وسَقَر: جهنَّم ، والسَّقْر: حرُّ الشمس وأذاه. المحيط 408 ..والمِسماس؛ والمسْمَسة: اختلاط الأمر والتباسه (اختلاط الحسي بالعقلي). المحيط 575 والمسوس : الماء بين العذب والمِلح. والماء نالته الأيدي . والذي يمسّ الغُلّة فيشفيها ، وكل ما شفى الغليل ، أو العذب الصافي، ضد (أضداد اللغة) المحيط 575 . جاء في سورة البقرة: "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما" 219/ البقرة
تحقيق: " لم يفعل القديس ماكس حتى الآن،بصورة لا شعورية ، سوى إعطائنا طريقة من أجل رؤية الأرواح ، وذلك بتصور العالمين القديم والحديث على أنهما مجرد "صورة جسدية لروح"، على أنهما ظاهرة شبحية ، لم يكن يرى فيها إلا صراعات الأرواح. وعلى أية حال، فإنه يعطينا الآن بصورة شعورية وعمداً Expresso ، طريقة من أجل رؤية الأشباح" 152 يقول شترنر: ".. منذ أصبحت الكلمة جسداً، تحول العالم إلى روح ، صار مسحوراً، فهو شبح" ويعقب ماركس: "إن في نية القديس ماكس أن يقدم إلينا ظواهرية للفكر المسيحي ،.." 153 لكنه على طريقته المعهودة لا يتناول إلا مظهراً واحداً من المسألة... فالنسبة إلى المسيحي لم يحول العالم إلى روح فحسب ، بل لقد جعل(العالم) في اغتراب عن الروح كما يعترف هيغل بصواب تام في الفقرة المذكورة ، حيث يجعل من كلا هذين المظهرين في علاقة متبادلة " 153
يقول ماركس: "ليس "للمسيحية" تاريخ مطلقاً وأن جميع الأشكال المتباينة التي اتخذها تصورها في أزمنة مختلفة لم تكن "تقريرات مصير" لتطورات لاحقة للروح الديني "، بل نجمت عن أسباب تجريبية كلياً ليست رهناً في حال من الأحوال بأي تأثير للروح الديني" 154 .. ولكن حتى إذا زودنا بعلم الظواهر هذا (الدين كسبب في ذاته- وهو أمر نافل بعد هيغل) ، فإنه لن يكون بأي حال قد زودنا بأي شيء على الإطلاق . إن وجهة النظر التي تحمل الناس على القبول بمثل هذه الأقاصيص عن الأرواح هي بحد ذاتها وجهة نظر دينية ، لأن الناس الذين يتخذونها مستكينون للدين ؛ وهم يعتبرون الدين سبباً في ذاته causa sui "
هامش: رؤية الأرواح : Spirit-seeing . والانتقالات أو العبور عبر برزخ أو "التحولات" تعني بالإنكليزية: Transformation ؛ والعبور يعني تجاوز البرزخ. (لاحظ عبور الطفل عند مرحلة معينة من نموه الروحي من البيولوجي إلى الاجتماعي/ الثقافي)
تحقيق: يكتب ماركس: "إن "التحولات" (العبور أو الانتقالات) المتنوعة لإنسان شترنر وعالمه لا تعدو كونها التاريخ العالمي الذي صبّ في قالب الفلسفة الهيغلية ، التاريخ العالمي المتحول إلى أشباح ليست (الأشباح هذه) وجوداً آخر "لأفكار الأستاذ البرليني إلا بصورة ظاهرية " [صور جسمية للروح]".. إن علم الظواهر (ظواهر الروح) phenomenology ؛ التوراة Bible الهيغلية ، "الكتاب" يبدأ بأن يجعل من الأفراد و "الوعي" و من العالم "الموضوع" الذي هو مجرد تمظهر للروح المطلق ؛ للفكرة المطلقة. راجع ص 154
.. يختزل الفرد إلى "الوعي" المجرّد والعالم يختزل إلى مجرّد موضوع للوعي في الرأس ؛ موضوع أمام الوعي في الرأس (موضوع داخلي).
العلاقة الخارجية (التنوع المتعدد الأشكال للحياة والتاريخ ) ترجع إلى علاقات متنوعة "للوعي" تجاه "الموضوع" . أي تحول العلاقات الخارجية الفعلية إلى علاقات داخلية فكرية ؛ علاقات بين أفكار (علاقات روحية). 154 .. بكلام آخر يحول شترنر "العالم إلى شبح للحقيقة ، وتحويل الذات إلى كائن مكرّس أو شبحي " 155 .. إن المقدس أيضاً لا وجود له من أجل حواسك (تحويل الذات إلى شبح)... لا تحس أنت حضوره قط ، بوصفك كائناً حسياً، وهذا يعني أنه بعدما "تبخرت" الموضوعات الحسية جميعاً واستبدلت "بالحقيقة" ، "الحقيقة المقدسة "- "المقدس-.. فإنه (المقدس ) موجود بالنسبة إلى قدرتك على الإيمان ، أو بصورة أدق إلى روحك " 156 .. إن "المقدس " الذي لم نعرفه حتى الآن إلا في صورة تحديد نظري خالص لعلاقات نظرية خالصة يكتسب معنى عميقاً جديداً كل الجدة على أنه شيء ما يجب أن أنشد فيه خلاصي الحقيقي ، الأمر الذي يسمح بجعل المقدس نقيضاً للأنانيّ" 157
يقول شترنر: "من هو هذا الكائن المتميز من "الأنا" هذا الكائن الذي هو روح؟
يعلق ماركس: يعطي الآن الجواب بمعنى أنه المقدس ، يعني ما هو غريب عن "الأنا" ، وأن كل شيء غريب عن " الأنا " يعتبر وفقاً لذلك ودون مزيد من الضوضاء على أنه روح... إن الروح ، والمقدس والآخر، هي أفكار متماثلة يعلن الحرب عليها بنفس الطريقة ، وكلمة فكلمة على وجه التقريب ، التي اتبعها في البداية بصدد المراهق والرجل. " 157
إن نظرة شترنر إلى التاريخ " تنص على أن الناس هم ،بصورة قبلية ، ممثلو مفاهيم عامة . وأن هذه المفاهيم العامة تبدأ بأن تمثل هنا في حالة الزنجي، يعني بوصفها أرواح موضوعية(شيئية) تملك بالنسبة إلى الناس طابع الموضوعات (الأشياء) ، وهي تسمى عند هذا المستوى بالأشباح أو الظهورات . إن الشبح الرئيسي لهو طبعاً "الإنسان" نفسه، لأن الناس ، وفقاً لما سبق قوله ة، لا وجود لهم الواحد بالنسبة للآخر ، إلا في صورة ممثلي العمومية ، الماهية المفهوم، المقدس ؛ الآخر؛ الروح، يعني في صورة كائنات شبحية ، في صورة أشباح . وأننا لنعرف من قبل أن الروح ، وفقاً لعلم الظواهر لهيغل .. بقدر ما يملك بالنسبة إلى الإنسان شكل "الشيئية " هو إنسان آخر.."158
تعليق و هامش: هذه النظرة المثالية للتاريخ تنص على أن الناس هم بصورة قبلية ممثلو مفاهيم عامة . جاء في القاموس المحيط في معنى كلمة: المِثل: بالكسر والتحريك وكأمير (مثيل): الشِّبْه.. والجمع أمثال ؛ "نحن نضرب الأمثال للناس" ، والمَثَل، محركة: الحجة والحديث،... وتمثَّل بالشيء : ضربه مثلاً ، والمثال: المقدار والقصاص. وصفة الشيء؛ والفراش ، والأمثل : الفضل، والمَثالة: الفضل ، والطريقة المُثْلى: الأشبه بالحق . وأمثلهم طريقة: أعدلهم وأشبههم بأهل الحق، وأعلمهم عن نفسه بما يقول . والتَّمثال ، بالفتح: التمثيل ، وبالكسر: الصورة . ومثَّله له تمثيلاً: صوّره له حتى كأنه ينظر إليه. وامتثله هو : تصوّره. وامتثل طريقته: تبعها فلم يعدها . . اقتصّ: كتمثل منه
ومثَل: قام منتصباً كمَثُل، بالضم مثولاً ، و لطأ بالأرض ، ضد (أضداد اللغة) وزال عن موضعه
مَثَل: زال عن موضعه وثبت . والتماثيل من الرسوم؛ تقول: ما زال أثره. والمَثَالة: الإزالة المِثْليّة: زال عن موضعه وقام منتصباً كمَثَل.
الشَّبَح، محركاً: الشَّخص، ويسكّن: أشباح وشبوح. وشَبَحَ الجِلْد: مدّه بين أوتاد ، والشَّبحان ، محركة: خشبتا المنقلة (كل خشبة شخص أو شبح) المحيط 226
الطّيْف: الغضب والجنون والخيال الطائف في المنام ، أو مجيئه في المنام ، وطاف الخيال يطيف طوفاً ، ومطافاً، ويطوف طوفاً، ولقد قيل لطائف الخيال: طيْف، لأن أصله: طيِِّف؛ كميِّت ، وميْت من مات يموت ، وابن الطَيفان كالحيران.. وطوّف : أكثر الطواف المحيط 834
أما بعد:
تحقيق وتعليق: "كان رجل في معون وأملاكه wesen في الكرمل" وترجمة wesen بالألمانية القديمة تعني الأملاك وفي الألمانية الحديثة تعني: الكينونة ؛ الجوهر. وقد استخدمت في ترجمة لوثر للتوراة بمعناها القديم . (صعود البورجوازية، واعتماد المعنى القديم للكلمة )
There was in Maon, und sein wesen en Carmel
تحقيق: نقرأ في الصفحة 160 من الأيديولوجية: "إنما إكراماً لأشخاص محميين ، يعني يخلقون بأنفسهم حمايتهم الخاصة ، وأصحاب امتيازات ، يعني يستولون على الامتيازات لأنفسهم ، قد كانت كائنات أسمى موضع العبادة ، وكانت أشباح موضع التكريس . ومثال ذلك أن القديس ماكس يتخيل أنه في الأزمان القديمة ، حين كان تماسك كل شعب مضموناً بفعل العلاقات والمصالح المادية المشتركة ، مثلاً العداء المتبادل بين القبائل المختلفة ، الخ.. ؛ وحين كان لا بد لكل امرئ ، من جراء نقص القوى المنتجة ، أن يكون إما عبداً وإما ملاكاً للعبيد ،الخ؛ وبالتالي حين كانت "المصلحة الأكثر طبيعية " تقتضي الانتساب إلى شعب خاص – يتخيل القديس ماكس إذاً أن مفهوم "الشعب بوصفه كائناً" هو وحده الذي أنجب في ذلك الحين هذه المصالح انطلاقاً من ذاته؛ وكذلك في العصور الحديثة ، حيث تنجب المزاحمة الحرة والتجارة العالمية النزعة الكوزموبوليتانيّة البورجوازية المنافقة وفكرة الإنسان . يقلب القديس ماكس الأمور ويتخيل أن الإنشاء الفلسفي اللاحق لفكرة الإنسان هو الذي أتى بهذه العلاقات على أنها "صنائع وحيه"... وينطبق الأمر نفسه على الدين، ملكوت الماهيات الذي يعتبره الملكوت الوحيد. أما عن الكائن، (الذي هو) ماهية الدين، فإنه لا يعرف شيئاً ، وإلا فإن يجب عليه أن يعرف أن الدين ، من حيث هو دين ، لا يملك ماهية ولا ملكوتاً. ففي الدين يحول الناس عالمهم التجريبي إلى نتاج خالص للفكر ، إلى تصور يتراءى لهم واقعاً غريباً. ولا يجوز هنا تفسير هذه الحقيقة ، في حال من الأحوال، انطلاقاً من المفاهيم ، ولا انطلاقاً من "الوعي الذاتي" أو أي هراء مشابه ، بل من مجمل نمط الإنتاج والتعامل الاجتماعي كما كان قائماً حتى ذلك الحين، والذي هو مستقل عن الفكرة المحضة قدر استقلال اختراع النول الآلي واستخدام الخطوط الحديدية عن الفلسفة الهيغلية . وإذا كان يتمسك بالحديث عن "ماهية" الدين ، يعني عن أساس مادي لهذه اللاماهيّة ، فإن من واجبه إذن أن يبحث عنه لا في "ماهية الإنسان"، ولا في صفات الله، بل في العالم المادي الذي تصادفه أي مرحلة للتطور الديني قائماً بصورة فعلية " (راجع- أعلاه- فيورباخ)
نهاية القسم الأول









- تم تعليق هذه الهوامش على كتاب : ماركس، انجلز : "الأيديولوجية الألمانية" . وقد اعتمدنا الترجمة العربية للدكتور فؤاد أيوب الصادرة عن دار دمشق 1976 والمعتمدة على الترجمة الإنكليزية الصادرة عن دار اللغات الأجنبية في موسكو عام 1964 وإلى الترجمة الفرنسية الصادرة عن دار المنشورات الاجتماعية في باريس عام 1968 . كما قارنا الترجمة مع الطبعة الإنكليزية الصادرة عن دار التقدم في موسكو سنة 1964 . وحققنا في القاموس العربي لبعض الألفاظ المعتمدة في الترجمة والمقابلة لكلمة ماركس ، انجلز.
2 - في القرن العشرين، يمكن فهم مصطلح "الفلسفة الوضعية" كمقابل لفلسفة النفي ، و كفهم للتطور من دون انقطاعات وقفزات أثناء السير ، و كنفور من الديالكتيك كمنهج إجمالي للتفكير.
3 - بالتقابل مع العلاقات الفعلية: actual relations

4- دينو بوزاتي والحرب الأميركية على "الإرهاب" ؛ محاربة "العدو" في الخارج لدرء الخطر القابع في الداخل؛ الإمبريالية وتحويل الحرب الطبقية في الداخل إلى حروب بين الأمم .
5 - عقد اجتماعي social contract . يقول نيتشه:"إن "الدولة" البدائية قد دخلت مسرح الأحداث حاملة معها سمات الطغيان المخيف ، سمات الجهاز الآلي المميت الذي لا يعرف الشفقة ... أعتقد أنه قد صير إلى الوقوف موقفاً منصفاً من تلك الأوهام التي كانت ترد أصل الدولة إلى "عقد " " فريدريك نيتشه: "أص الأخلاق وفصلها" ص 81 تعريب حسن قبيسي
6 - One : ذات؛ فرد؛ واحد .أما Unique فتعني: الأوحد؛ الفذ
7 - الشبح: تشخيص الروح . وفي القاموس المحيط: الشَّبَح؛ الشَّخْص ص 226
8 - وردت كلمة اغتراب كترجمة للكلمة الإنكليزية Estranged وتعني: منزوع الروح؛ عديم الروح؛ عالم من دون قلب. لذلك تظهر كلمة اغتراب هنا في غير مكانها الدقيق. يكتب ماركس في "مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيغل/المقدمة": "إن التشوه الديني هو في الوقت نفسه تعبير عن التشوه الفعلي واحتجاج على هذا التشوه الفعلي. إن الدين إنما هو زفرة الخليقة المضطهدة ، قلب العالم العديم القلب مثلما هو روح النظم العديمة الروح. الدين هو أفيون الشعب" 44 منتخبات في 15 مجلداً المجلد الأول.
9 - Apposistion: ضم ؛ إضافة ؛ بدل ؛ عطف بيان ص 56 المورد
10 - الظهورات : Apparitions: كل ما يظهر وخاصة إذا كان غريباً أو غير متوقع. شبح . المورد 55 [ظهور النوع الإنساني]
11- نام عليّ في فراش محمد؛ أي كان مثله أو مثيله ، ولو قتل لشبّه لهم .
12- من الرواة المشهورين عن جعفر بن محمد (الصادق) ، المضّل بن عمر ؛ والمفضَّل ؛ الممثِّل.
13 - راجع القاموس المحيط ص 1056
14- لاحظ:خاصية الامتداد للفيزيائي ، وخاصية الفكر للروحي والمعنوي.
15 - الطبعة الإنكليزية من الأيديولوجية ص 167
16 - cosmopolitan كوزموبوليتانيّ: عالمي؛ غير محلي ؛ متحرر من الأحقاد القومية أو المحلية مواطن العالم؛ شخص يعتبر العالم كله وطناً له 221 المورد

































باب الترجمة









"دروس التجربة السوفييتية"
مقالة
بول سويزي، ليو هيوبرمان
مقتبسة من كتاب: "ثورة أكتوبر في نصف قرن"
نقل الكتاب عن الإنكليزية بيار عقل
دار الحقيقة – بيروت 1970










دروس التجربة السوفييتية
بول سُويزي – ليو هيُبرمان
الذكرى ، تقليدياً، مناسبة للاحتفال . وبالفعل ، فهنالك الكثير مما يتوجب الاحتفال به في ذكرى الثورة التي استطاعت، لخمسين عام مضت ، أن تقلب نظام الحكم القديم، ومعه مجمل البنية الرأسمالية ، في روسيا.
فلم يسبق أن تصرفت قيادة ثورية بمثل البصيرة التاريخية العميقة ، والحسم الشجاع ، أو الحس الرائع في التوقيت الذي تميزت به ممارسات قيادة الثورة الروسية . وقد استطاع لينين ، ورفاقه البلاشفة الظافرون أن يثبتوا، في عام 1917 ، ما بدا للكثيرين ادعاءً فارغاً ، من أن الماركسية علم الثورة.
ولم يحدث، قبلاً، أن أصبحت الطبقة العاملة طبقة حاكمة لبلد عظيم . كما لم يسبق أن قاتلت طبقة ثورية بمثل ذلك المستوى من الإصرار والشجاعة، وضد ائتلاف بهذه الضخامة ، من الأعداء المحليين والأجانب.
كذلك لم يسبق أن تعرض بنيان مجتمع ما لمثل تلك التغييرات الجذرية ، التي لا يمكن أن تنقض أو تقلب ، التي شهدها المجتمع السوفييتي ، في فترة لا تتجاوز الخمسين عاما.
على أن أهم انجازات ثورة أكتوبر قد تتمثل في قدرتها على إثارة قدر من الانعكاسات، ومن الاهتمام والعطف الشعبيين ، على صعيد عالمي ، يفوق أية ثورة أخرى . فقد استطاعت الثورتان ، الفرنسية والأميركية في القرن الثامن عشر ، أن تهزا أوربا وامتداداتها فيما وراء البحار ، من الأساس. إلا أنها لم تستطع ، إجمالاً، أن تمس القسم الباقي من العالم ، القسم الأكبر بالنسبة لمساحته وعدد سكانه. هذا القسم بالذات من العالم ، هو الذي تمكنت ثورة أكتوبر ، أخيراً، من أن تستثيره إلى الحركة ، وأن تدفعه عبر الطريق الطويل والشاق للتحول الاجتماعي ، فحتى عام 1917 ، كانت الماركسية والاشتراكية ظاهرتين أوربيتين أساساً. وأما بعد عام 1917 ، فإنهما توصلتا بسرعة ، لأن تصبحا الأيديولوجية، والحركة السياسية الأممية، الوحيدة، الوحيدة التي عرفها التاريخ.
"لقد سافرتُ إلى المستقبل ، ورأيته يعمل بنجاح" . تلك كانت كلمات لنكولن ستيفنز، إثر زيارة لروسيا في عام 1918 . وبالفعل ، لم يحدث أبداً، أن تكلم أحد بمثل ذلك الصدق وبعد النظر . فقد سجلت ثورة أكتوبر ولادة العصر التاريخي للاشتراكية . ومن أجل ذلك الانجاز الأسمى ، فإننا نحتفل ، اليوم، بذكرى هذه الثورة ، كما ستفعل البشرية ، لقرون عديدة قادمة .
على أن هنالك المزيد لنحتفل به، ذلك أن خمسين عاماً لا تعدو أن تكون فترة قصيرة جداً، من وجهة النظر التاريخية. وكان ممكناً، بسهولة، أن لا تحرز الاشتراكية ، في سنواتها الخمسين الأولى ، سوى قدر ضئيل من التقدم ، أو حتى أن تسحق مؤقتاً، في مكان ولادتها، بواسطة قوى الثورة المضادة العالمية.
وإذا كان ذلك لم يحدث ،وإذا كانت الاشتراكية، بالمقابل ، قد استطاعت، خلال ثلاثين عاماً تقريباً، أن تتوسع إلى مناطق جديدة وشاسعة من الأرض، فإن السبب يعود غالباً، إلى التصنيع السريع ، الذي لم يسبق له مثيل ، والذي شهده الاتحاد السوفييتي في أواخر العشرينات ، وفي الثلاثينات . ولو لم يتم إنجاز ذلك التصنيع الضخم بنجاح، وفي الوقت المناسب ، لكان الاتحاد السوفييتي قد افتقد القوة الاقتصادية والعسكرية اللازمة لمجابهة الغزو النازي في عام 1941 ، ولكان بعث الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي من جديد وتوسعها إلى أراض جديدة ، قد تأخرا لسنوات عديدة . وقد كبد جيلان من التصنيع القسري ، والحرب الشاملة ، شعب الاتحاد السوفييتي عشرين مليون قتيلاً، وأنزل به عذابات لا توصف. غير أن تلك التضحيات الجسيمة لم تذهب عبثاً. كما لم يكن أولئك الذين قاموا بها المستفيدين الوحيدين منها. فقد استطاع الاتحاد السوفييتي ، بالنضال البطولي، وبالإعداد المناسب أن يلعب الدور الحاسم في سحق المحاولة الفاشية للسيطرة على العالم، وأن يبقي الطريق مفتوحاً أمام التقدم العظيم التالي الذي حققته الاشتراكية ، في سنوات ما بعد 1945 .ومن أجل هذه الانجازات التاريخية ، كما ومن أجل ثورة أكتوبر بالذات أيضاً، فإن البشرية تدين بعرفان جميل أبدي إلى الاتحاد السوفييتي وشعبه.
على أن الناطقين بلسان النظام السوفييتي ، سواء داخل الاتحاد السوفييتي نفسه، أم في الخارج ، يشيرون إلى إنجاز آخر ، يدّعون أنه ينبغي للبشرية أن تحتفل به كذلك ، في هذه الذكرى الخمسينية. فهم يقولون أن الاتحاد السوفييتي لم يكتف بأن أرسى أسس الاشتراكية ، من خلال تأميم وسائل الإنتاج وبناء الصناعة وتجميع الزراعة وحسب ، بل إنه قطع شوطاً بعيداً في إقامة الصرح الاشتراكي نفسه فوق تلك الأسس الاشتراكية- أي نحو مجتمع لا زال ملطخاً بأصوله البورجوازية ، إلا أنه ، تقدم، ويتقدم ، بثبات، على الطريق نحو الهدف النهائي للشيوعية الكاملة. ولو كان ذلك صحيحاً، لكان أمراً يجدر الاحتفال به بحماس يفوق الاحتفال بأي من الانجازات الأخرى التي حققها نصف القرن الأول من الوجود السوفييتي . وكنا سنعلم، حينئذ، أن البشرية قد توصلت ،على الأقل من ناحية المبدأ، إلى حل مشاكلها الأكثر عمقاً، وأن كل المطلوب هو الوقت الكافي لكي يقوم الاتحاد السوفييتي بإيصال هذه الحلول إلى نتائجها الختامية ، وكذلك التصميم والإرادة ، من جانب بقية العالم، لاحتذاء المثل السوفييتي.
فقط لو كان ذلك صحيحاً! ولكن،مع الأسف، فإنه من المتعذر، إذا استثنينا تصريحات أيديولوجيي النظام السوفييتي و معجبيه ، إيجاد الأدلة الكافية لإثبات صحة هذا الادعاء . وذلك في الوقت الذي تشير فيه الأدلة المتراكمة إلى استنتاج مغاير تماماً، كما أنه مقنع إلى حد كبير.
وتبين الوقائع أن الاتحاد السوفييتي يعتبر ، بالمقارنة مع معظم بلدان العالم، مجتمعاً مستقراً، يتميز بجهاز دولة قوي للغاية، وباقتصاد قادر على النمو السريع ، في المستقبل المنظور على الأقل . وتبين الوقائع أن هذا المجتمع هو مجتمع قائم على التمايز ، كذلك، من حيث وجود هوة عميقة بين الشرائح الحاكمة من بيروقراطيين سياسيين ومدراء اقتصاديين من جهة ، وبين جماهير الشعب العامل ، من جهة أخرى. وكذلك من حيث وجود تباينات كبيرة بالنسبة للمداخيل والمراتب على جانبي هذه الهوة . وفي الواقع فإن المجتمع السوفييتي غير مسيّس، وذلك على كل الأصعدة، مما يعني أنه، بالأحرى غير ثوري. وطبيعي في ظروف كهذه، أن تنصبّ اهتمامات الأفراد، والأسر ودوافعهم، في إطار الشؤون الخاصة، وبخاصة تلك المتعلقة بأوضاع العمل الفردية، وبمستويات الاستهلاك العائلية، وأكثر من ذلك، وبسبب قدرة الاقتصاد على توفير متسع من فرص العمل ، وكميّات متزايدة من سلع الاستهلاك ، فإن هذه الدوافع الخاصة تلعب دوراً مؤثراً في تكييف كمية قوة العمل ونوعيتها، وتوزيعها ونظامها. ومن المحتمل أنه لا يوجد أي بلد رأسمالي ،حالياً، ربما باستثناء اليابان، تعمل فيه الآلية البورجوازية الكلاسيكية ، بمثل تلك الكفاءة، لتأمين أصناف وكميات العمل الضروري لدفع الاقتصاد نحو مزيد من التقدم.
غير أن سيادة أنماط ، بل ونجاحها بالذات، يحتمان أن تمارس دوراً مؤثراً في تحديد نوعية المجتمع، وفي تحديد "الطبيعة البشرية" لأعضائه . ذلك بعض ألف باء الفكر الاشتراكي ، لسنا بحاجة إلى بلورته الآن : إذ يكفي القول أن الحياة الاقتصادية ، تؤدي على الحياة الاجتماعية ، وإلى تمزيق الحياة السياسية. وهكذا، تتنامى القيم البورجوازية ، ومقاييس النجاح البورجوازية، وأنماط السلوك البورجوازية ، وتصبح السياسة اختصاصاً متميزاً، وجزءاً من تقسيم العمل، كأنه حرفة أخرى. وتكون النتيجة استمراراً، وتعمق "استلاب" الإنسان بالنسبة لغيره، وبالنسبة لذاته بالتالي، ذلك الاستلاب الذي اعتبره الكثير من الاشتراكيين أكبر مساوئ المجتمع البورجوازي.
وقد يقال أنه إذا كانت تلك الاتجاهات موجودة فعلاً- وذلك أمر لا ينكره سوى العميان- فإنها ليست سائدة بعد، كما أنها تواجه مقاومة فعالة من جانب الاتجاهات المضادة . ويلجأ أصحاب وجهة النظر هذه، عادة، إلى الاستشهاد بتقلص الثغرة القائمة بين مداخيل ومستويات معيشة عمال المزارع الجماعية من جهة ، وبروليتاريي المدن، من جهة أخرى، وإلى ارتفاع الحد الأدنى للأجور والمعاشات ، وغلى تقلص مدة يوم العمل ، وغلى الارتفاع العام في مستويات المعيشة (أنظر مقالة موريس دوب في كتاب "ثورة اكتوبر في نصف قرن") . ويفترض أصحاب هذا الرأي أن تؤدي هذه التطورات إلى تغيير الوعي الاجتماعي والأخلاق السوفييتية . وقد أوضح "وليم بوميري" وجهة النظر هذه ، إثر قيامه بزيارة مطولة لمختلف أرجاء الاتحاد السوفييتي ، بقوله: "تتلخص وجهة النظر السوفييتية في أنه لا يمكن للتثقيف المتعلق بالسلوك الشيوعي أن يتجاوز الحدود التي بلغها حالياً دون الوصول إلى ارتفاع مستمر في مستويات المعيشة. ويقول السوفييت أنهم يعملون الآن على "إرساء الأساس المادي للشيوعية"، وذلك بهدف خلق أعلى المستويات المعيشية في العالم،" باعتبار أنه لا يمكن "للإنسان الجديد" أن يتبلور كلياً إلا في ظروف من الوفرة
غير أن وجهة النظر هذه تتجاهل أن مستويات المعيشة مسألة نوعية، بقدر ما هي مسألة كمية. وباستثناء مفكرين قلائل، فإن جميع الماركسيين والاشتراكيين يعترفون بضرورة إيجاد مستويات معيشة مرتفعة، ومتصاعدة، بغية إنجاز الأهداف الاشتراكية، وبغية أنجاز الانتقال إلى الشيوعية. على أن ذلك هو مجرد بداية المشكلة، وليس نهايتها. إذ ينبغي أن يكون واضحاً الآن، استناداً إلى تجربة البلدان الرأسمالية المتقدمة، أن مستويات المعيشة المرتفعة، والمستندة إلى تراكم السلع المخصصة للاستعمال الخاص ـ المنازل، السيارات، والتجهيزات، والملابس، والمجوهرات، الخ..ـ لا تؤدي إلى خلق "الإنسان الجديد"، بقدر ما تعمل على إبراز أسوأ صفات "الإنسان القديم"، مثيرة الجشع والأنانية لدى المحظوظين اقتصادياً، والحسد والبغضاء لدى من هم أقل حظاً. وفي ظل ظروف كهذه، لا يمكن لأي قدر من "التثقيف المتعلق بالسلوك الشيوعي"ـ كما تمارسه المؤسسات الكنسية التابعة للمسيحية الغربية، على سبيل المثال ـ أن يؤدي إلى أكثر من مجرد اشمئزاز بسيط من بشاعة الواقع.
ولكن، هل يمكن تصور نمط آخر من مستويات المعيشة المتصاعدة أكثر تلاؤماً مع تحقيق الأهداف الاشتراكية؟ الجواب نعم. فقد نوافق على أن المجتمع الاشتراكي يجد نفسه مضطراً، بغية تحقيق إنتاج متصاعد، إلى تزويد القادة، والعمال المسؤولين، والأكثر كفاءة, بالحاجيات الضرورية لتوفير مناخ يتيح لهم أداء عملهم على الوجه الصحيح، ولكن، باستثناء هذا الشرط، فإنه يتوجب إتباع مبادئ محددة: (أ) أن لا يتجاوز تلبية الحاجات والرغبات الخاصة المعدل الذي يسمح بتوفير الكفاية للجميع. (ب) أن لا يرفع إنتاج السلع والخدمات، المخصصة للاستعمال الخاص، إلا إذا كانت الزيادة المترتبة كبيرة إلى حد يسمح بتوزيعها على الجميع.(ج) أن تخصص الزيادات الناجمة عن إنتاج السلع الاستهلاكية للاستعمال الجماعي. وهذا يعني، بالنسبة لبلد متخلف أن لا يتم إنتاج السيارات، والتجهيزات المنزلية، أو أية سلع استهلاكية ثابتة مخصصة للاستعمال الخاص. ذلك أن إنتاج هذه السلع على مستوى يسمح بتوفير الكفاية للجميع سيتطلب سنوات، بل أجيال، عديدة، في حين سيؤدي توزيعها على فئات دون غيرها إلى خلق، أو إلى زيادة التفاوت المادي القائم. ومن هنا تتمثل السياسة الاشتراكية السليمة في إنتاج هذه الأصناف من السلع بأشكال وكميات ملائمة لتوفير الكفاية الجماعية للحاجات: مواقف سيارات جماعية، مؤسسات للطهي والأكل المشترك، والشقق السكنية، ومصابغ الأحياء، الخ... وينبغي التشديد على أن مثل هذه السياسة لا تعني استعمالاً مختلفاً للسلع فحسب، بل نمطاً مختلفاً من الإنتاج أيضاً. فبالنسبة للسيارات، بصورة خاصة، تتمثل السياسة الجماعية إلى كفاية جماعية للحاجات في تقليص إنتاج هذه السلعة، تقليصاًَ شديداً، باعتبار أنها تشكل، بالنسبة للعديد من الأغراض، وسيلة نقل غير كفوءة، وغير عقلانية. وأكثر من ذلك، فإن تقليص إنتاج السيارات والتركيز، بالمقابل، على إنتاج وسائل نقل مختلفة يتطلب نمطاً مختلفاً من التوظيف في الطرق الرئيسية، وفي السكك الحديدية، وفي الأنفاق، وفي المطارات، الخ...
ولو كان السوفييت يعملون على تحقيق برنامج لرفع مستويات المعيشة انطلاقاً من هذه الوجهة الثانية، الوجهة الاشتراكية، لكان حرياً بنا تصديق ادعائهم بأنهم يقومون فعلاً، برغم بعض المظاهر التي تشير إلى العكس، "بإرساء الأساس المادي للاشتراكية". لكن ذلك ليس صحيحاً، وهو لا يمكن أن يكون صحيحاً ما دام المجتمع السوفييتي مرتبطاً بنظام الحوافز الخاصة ومعتمداً عليه . وجميع هذه المسائل، التي تكلمنا عنها، مترابطة ترابطاً وثيقاً. ذلك لأنه لا بد للمجتمع غير المسيّس من أن يعتمد على الحوافز الخاصة ولا بد أيضاًَ، بغية تأمين فعالية الحوافز الخاصة، من أن يكيف البنية الإنتاجية بحيث تقدم السلع والخدمات القادرة على الاستجابة، استجابة ملموسة، للمداخيل النقدية وللحاجات الخاصة وتلبيتها. وليس من سبيل للخروج من هذا المأزق المسدود إلا بإعادة تسييس المجتمع السوفييتي، بحيث يصبح ممكناً الابتعاد عن الحوافز الخاصة، وإقامة بنيان اجتماعي مختلف بالتالي، ونوعية مختلفة لفائض الناتج الاجتماعي وتوزيعه بصورة مختلفة أيضاً. على أن عملية إعادة التسييس هذه تتطلب، بدورها، شروطاً أخرى، تشمل بشكل خاص، تغييراً جذرياً في القيادات الحالية، وفي وسائل الحكم التي تتبعها هذه القيادات ـ أي أنها تتطلب ثورة ثقافية على الأقل، أو ربما تتطلب إجراءات أكثر خطورة. وذلك يعني أنه إذا لم يحدث انقلاب شامل، وهو أمر لا يبدو محتملاً في المستقبل المنظور، فإن الاتجاه الحالي سيبقى على حاله لوقت طويل. ولما كان هذا الاتجاه لا يرتبط "بإرساء الأساس المادي للشيوعية"، كما بينا سابقاً، فإن علينا أن نحاول تحديد وجهة سيره. والجواب هو كما نعتقد، هو أن الاتجاه يؤدي إلى جعل التفاوت المادي القائم في المجتمع السوفييتي أكثر صلابة وقوة. ويمكن رؤية هذه العملية بجلاء من خلال التركيز على السلع الاستهلاكية الثابتة. فقد استبعدت الحاجة إلى التركيز على الصناعة الثقيلة، وعلى الإنتاج الحربي، وضرورة تكريس إنتاج السلع الاستهلاكية لتأمين الحاجات الدنيا للجماهير، طوال التاريخ السوفييتي، استبعدت إمكانية تطوير الصناعات التي تستجيب للرغبة الكامنة لدى قطاع أصحاب المداخيل العليا، في الحصول على سلع استهلاكية ثابتة. وهكذا عرف الاتحاد السوفييتي مساواة قسرية فيما يتعلق بهذا الجانب، من جوانب المستوى المعيشي، الذي يمتاز بالحجم الضخم الذي يشغله في إنتاج البلدان الصناعية المتقدمة. غير أن هذا الوضع قد بدأ يتغير، منذ بضع سنوات. فقد أصبح ممكناً، الآن، إنتاج البرادات، والغسالات، والسيارات، الخ.. وتعمل الحكومة السوفييتية، بحماس، على تطوير هذا القطاع من الاقتصاد. وبرغم أنه سيكون محتماً تخصيص نسبة كبيرة من الإنتاج، وخاصة فيما يتعلق بصناعة السيارات لتأمين الحاجات الرسمية والعامة، وذلك لسنوات عديدة قائمة، فإنه يبدو واضحاًَ أن سياسة الحكومة الأساسية تهدف إلى توفير كميات متزايدة باستمرار من السلع الاستهلاكية في السوق الخاصة. ويعطينا "هاريسون سالسبوري"، في مقال بعنوان "كشف حساب لخمسين عاماً من الحكم السوفييتي"، نشر في الـ "نيويورك التايمز" بتاريخ 2 تشرين الأول، عام 1967 ، فكرة عما سيؤدي إليه مثل هذا التطور:
" يقف الاتحاد السوفييتي، بعد خمسين عاماً من وصول البلاشفة إلى السلطة، على حافة عصر السيارات الذي دخلته الولايات المتحدة في العشرينات. فسيتمكن، في أوائل السبعينات، وبالاعتماد على التسهيلات الإنتاجية التي ستبنيها شركات فيات، ورينو، وغيرها، من إنتاج 1.500.000 سيارة ركاب في العام أي ما يعادل خمسة أضعاف الإنتاج الحالي. ولكن ذلك لن يكون كافياَ لقطع الطريق على التذمر الشعبي. فقد قال كاتب سوفييتي، إثر إحدى زياراته إلى أوربا الغربية: "إنني أتساءل" حين أرى أن أي عامل عادي في إيطاليا، وفرنسا، يمتلك سيارة، عما كنا نفعله في الخمسين عاماً الماضية. لقد كان هناك تقدم، بالطبع. إلا أنه ليس سريعاً بما فيه الكفاية".
ولن يكون دخول الاتحاد السوفييتي عصر السيارات أمراً سهلاً. فالكاتب الروسي، الذي تحدثنا عنه، يمتلك سيارة قديمة من طراز "بوبيدا"، غير أنه يجد نفسه مضطراً إلى إبقائها في الشارع، وذلك في شتاء تبلغ درجة الحرارة فيه 30 تحت الصفر. إذ لا توجد كراجات للسيارات، كما لا توجد كاراجات في الأبنية الجديدة، أو في أبنية المكاتب، ويضطر مالكو السيارات في موسكو، خلال الشتاء، إلى تخفيف خزانات تبريد سياراتهم أثناء الليل، لكي يعيدوا ملأها بالماء الساخن في الصباح، قبل أن يتسنى لهم إدارتها. كما لا يزيد عدد محطات البنزين الممتاز في موسكو عن الثلاث محطات. وكل ذلك في الوقت الذي لا يزيد فيه عدد السيارات الموجودة في موسكو عن 100.000 سيارة. فما الذي سيحدث حين يصبح هناك مليون سيارة؟.
إن جزءاً من الجواب يكمن، بالطبع، في أن الاتحاد السوفييتي سوف يجد نفسه مضطراً، مع ازدياد إنتاج السيارات، إلى توسيع التسهيلات التي يتطلبها هذا الوضع: بما في ذلك الطرق العريضة، والكاراجات، ومحطات الخدمة، والمواقف، والاستراحات، وما إلى ذلك. وإذا أمكن الاستناد إلى التجربة الأميركية، فإن حصيلة ذلك كله تعني أن التسهيلات سوف تمتص قدراً من قوة عمل الاقتصاد السوفييتي، ومن موارده المادية، يفوق ما يتطلبه إنتاج السيارات نفسه.
وهنا ينبغي التشديد على نقطتين هامتين. أولاً، حتى لو افترضنا ازدياداً سريعاً، ومتواصلاً، في إنتاج السيارات، فإن أعواماً كثيرة ستمر قبل أن يزيد عدد مالكي السيارات، من السوفييت، عن مجرد أقلية ضئيلة. وفي هذه الأثناء ستضيف ملكية السيارات، وما ينتج عنها، بعداً جديداً إلى بنية اللامساواة المادية الموجودة في المجتمع السوفييتي. إذ يميل من يملكون وسائل نقل خاصة بهم إلى تطوير نمط مميز من الحياة. وتلعب السيارات دوراً حاسماً في استعمالهم لأوقات فراغهم (ساعات ما بعد العمل، والعطلات، وعطلة الأسبوع)، مما يولد، بشكل غير مباشر، مجموعة من الحاجات الجديدة التي تتراوح من الحصول على منزل في الريف، إلى شراء معدات لإقامة المخيمات، وإلى الأغراض الرياضية.
وأما النقطة الثانية والكبيرة الأهمية (برغم أنها لا تلقى انتباهاً كافياً) فهي أن تخصيص قدر كبير من الموارد المادية والبشرية لإنتاج سلع استهلاك معمرة، ولإنتاج التسهيلات التي تترتب عليها، سوف يؤدي إلى إهمال أو إعاقة، تطوير قطاعات اقتصادية، واجتماعية أخرى. أو، بشكل أكثر وضوحاً: إن المجتمع الذي يقرر التركيز على السلع الاستهلاكية المعمرة على نطاق واسع، سيقرر، في الوقت نفسه، أن لا يجعل رفع مستوى الجماهير مهمته الأولى . وتلك هي بالفعل فحوى القرارات التي اتخذتها القيادة السوفييتية, والتي هي في صدد تنفيذها، الآن.
والخلاصة: إن الاتجاه الذي يسير فيه الاتحاد السوفييتي يفترض حقبة طويلة من اللامساواة المادية الفاحشة، يتم خلالها تسخير الموارد الإنتاجية، بشكل مباشر أو غير مباشر، نحو تلبية حاجات أقلية محظوظة. وفي هذه الأثناء، سيكون ارتفاع المستوى المعيشي للجماهير أكثر بطءً، وأقل اكتمالاً، مما هو ممكن بالفعل.
وقد يقال أنه حتى ولو كانت تلك الحقبة طويلة، بالضرورة، فإنها تبقى حقبة انتقالية، من ناحية مبدئية، مما يعني أنها ستتطور، بالتدريج، إلى وضع يصبح فيه كل فرد مجرد عضواً مشاركاً، مشاركة تامة، في مجتمع تتوفر فيه سلع الاستهلاك المعمرة بكثرة ـ أو، بكلمات أخرى (ولأن السيارة هي السلعة الاستهلاكية المعمرة، الأساسية) إلى مجتمع يمتلك كل فرد فيه سيارته الخاصة، وإنه لمفهوم غريب للاشتراكية، هذا التصور الخيالي المستنبط. غير أنه لا يبدو، لحسن الحظ، أو لسوء الحظ، قابلاً للتحقيق. ذلك لأنه إذا كانت التجارب التاريخية الطويلة والمتنوعة قد أثبتت أمراً ما، فإنها قد أثبتت أن قطاعاً حاكماً موطد الجذور في السلطة، ومعتاداً على التمتع بالامتيازات والأرباح، لا بد وأن يجد وسائل مناسبة لحماية نفسه، ولحماية مصالحه الثابتة ن أي غزو جماهيري. وتبين الوقائع أن مثل هذا القطاع الحاكم موجود بالفعل، في الاتحاد السوفييتي، وأن مجرى تطور الأمور يضمن تحسين، وتدعيم مركزه المحظوظ، لفترة طويلة قادمة. وإذا ما اعتقد أحد أن هذا القطاع الحاكم قد يتخلى عن مركزه طوعاً، ودون أن ترغمه على ذلك قوة قاهرة، فإنه سيكون حالماً، أو مؤمناً بالمعجزات. ويبدو أن شعار "إرساء الأساس المادي للشيوعية" لا يختلف، من الناحية الفعلية، عن الشعارات المعروفة التي طرحتها الثورات البورجوازية في القرن الثامن عشر ـ "الحياة والحرية، ونشدان السعادة"، و "حرية، إخاء، مساواة،"ـ والتي قصد بها تأمين دعم أولئك الطامحين إلى مستقبل أفضل. تلك الشعارات التي غدت بعيدة كل البعد عن حقائق الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وسيلحظ القارئ أننا حريصون على التحدث عن "شريحة" حاكمة، وليس عن "طبقة" حاكمة. ويكمن الفرق في أنه يمكن لأعضاء قطاع طبقي ما، أن يأتوا من أصول اجتماعية متباينة، في حين تكون الأكثرية الساحقة من أعضاء طبقة ما قد جاءت في هذه الطبقة، بالذات. وتبرر التشكيلات الأولى لأية طبقة جديدة في صورة شريحة طبقية. ولا تتحول هذه الشريحة الطبقية إلى طبقة تامة إلا بعد أجيال متعددة تصبح فيها الامتيازات وراثية، وتقام، في غضونها، حواجز كافية لمنع أي تحرك من الأسفل. ومن ناحية تاريخية، فقد شكلت الأنظمة القائمة على أساس الملكية، المؤسسة والقاعدة العامة المعممة التي أمنت وراثية الامتيازات، كما أعاقت أي تحرك صاعد للطبقات المحرومة. غير أن أساليب أخرى، كأنظمة السلالات أو أنظمة النبلاء الوراثيين، قد استخدمت لخدمة نفس الأغراض. وليس باستطاعتنا أن ندعي معرفة إلى أي حد تطور التمايز السوفييتي إلى نظام متكامل. ذلك أن خمسين عاماً ـ أي ما يقارب الجيلين، وفقاً للحسابات العادية ـ لا تعدو أن تكون وقتاً جد قصير كي يتيح المجال لبلورة مثل هذا التغيير الاجتماعي العميق. وكل ما باستطاعتنا قوله، في الوقت الحاضر، هو أن الظروف المواتية لقيام نظام طبقي، موجودة فعلاً، في الاتحاد السوفييتي، وأن وجودها لا بد وأن يعطي ثماره الطبيعية، في غياب أية قوى مضادة فعالة. ونعني بالقوى المضادة الفعالة. النضال السياسي المنظم وليس مجرد العقائد الأيديولوجية، أو إعلانات حسن النية. وإذا لم تبرز أية دلائل على ظهور مثل هذا النضال، فإننا نستطيع الاستنتاج بأن نظام التمايز السوفييتي سوف يتطور إلى نظام قائم على حكم طبقة جديدة.
ولسنا بحاجة هنا إلى إثبات أن هذا الواقع بعيد كل البعد عن الرؤيا الماركسية للمستقبل (وحتى ذلك المستقبل القريب، الذي يلي الثورة مباشرة) كما عبر عنها ماركس في كتاب "نقد برنامج غوتا"، أو لينين في "الدولة والثورة". وطبيعي أن يفسر النقاد البورجوازيون هذا الافتراق بين النظرية والممارسة، على أنه برهان (آخر) على فشل الماركسية، وعلى أنه يقدم أدلة (إضافية) على "استحالة تغيير الطبيعة الإنسانية". فما هو الرد الماركسي على هؤلاء النقاد؟ وهل كان كل ما حدث في الاتحاد السوفييتي محتماً. أم، هل كان ممكناً أن تأخذ الأحداث مجرى آخر؟ ليست هذه الأسئلة مجرد أسئلة "أكاديمية" (أي أسئلة لا تحمل الإجابة عليها أي مغزى عملي )، فإذا كان كل ما حدث في الاتحاد السوفييتي أمراً لا مفر منه، فإن إمكانية تجنب البلدان الاشتراكية الأخرى، الآن أو في المستقبل، لمصير مماثل، تصبح إمكانية جد ضئيلة. ولكن، لو كان ممكناً أن تأخذ الأحداث مجرى آخر، فإن ذلك يفسح المجال أمام إمكانية أن تثبت بلدان اشتراكية أخرى، مستفيدة من التجربة السوفييتية، إن ماركس ولينين كانا، برغم كل شيء على حق، وإن البشرية قد اهتدت بدخولها عصر الاشتراكية، إلى السبيل نحو مجتمع جديد، ومختلف نوعياًًًًًًًًًًًًً.
وفحوى المسألة هو، في الواقع السؤال القديم المتعلق بالحتمية التاريخية. إذ تفترض نظرية الحتمية، أساساً، أن الظروف القائمة في وقت ما هي التي تحدد التطورات اللاحقة. وهذا لا يعني أن هذه الظروف تحدد أفكار وممارسات كل الأفراد، بل إن مزيجاً واحداً من الأفكار والممارسات يمكن أن يوضع قيد التنفيذ فعلاًً. إذ يملك الأفراد القدرة على الاختيار، وأما المجتمعات فلا تملك مثل هذه القدرة. ومن الناحية الأخرى، يعتقد أصحاب الموقف الإرادي أن كل شيء ممكن الحدوث، وذلك وفقاً لإرادة وتصميم الأفراد أو الجماعات ذات النفوذ.
أما النظرية الماركسية، فإنها ليست حتمية، كما أنها ليست إرادية، أو، إذا شئت، فهي حتمية وإرادية، في الوقت نفسه. فقد كتب ماركس في المقطع الثاني من كتاب "الثامن عشر من برومير لويس بونابورت": "إن الناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم. غير أنهم لا يصنعونه على هواهم. وهم لا يصنعونه في ظروف يختاروها بأنفسهم، بل في ظروف يواجهون بها وهي معطاة ومنقولة لهم مباشرة، من الماضي". وبكلمات أخرى، فإن مدى الإمكانيات يتحدد بالاستناد إلى ما سبق حدوثه "الحتمية"، غير أن المجال يبقى مفتوحاً، ضمن هذا المدى، أمام الإرادية الحقيقية. إلا أن هذا المبدأ العام لا يستنفذ الموقف الماركسي بأكمله. إذ تشير أطروحة ماركسية أخرى، أكثر أهمية بالنسبة لبحثنا، وأكثر ارتباطاً بجوهر النظرية الثوري، إلى أن حياة المجتمعات تمر بفترات طويلة من الاستقرار النسبي، يتفتح خلالها نظام اجتماعي معين، إلى أن يأتي الوقت الذي تدنو فيه إمكانياته من نهايتها، إن مرحلة انتقال ثورية، نحو نظام جديد، تعقب فترة الاستقرار هذه. ولا تخفى هذه الأطروحة عن تلامذة ماركس، وخاصة أولئك الذين قرأوا المقدمة المعروفة لكتاب "نقد الاقتصاد السياسي". وأما الأمر الذي لا يلقى انتباهاً كافياً، فهو أن نسبة الدور الذي تلعبه كل من الحتمية والإرادية في إيضاح التطور التاريخي، يتفاوت بين مرحلة وأخرى. فحين يترسّخ نظام اجتماعي ما، وحين يأخذ "قانون حركته" مجراه الكامل، فإن السلطة تتركز في أيدي أولئك الذين يفهمون مقتضيات النظام، ويكونون مستعدين وقادرين، على خدمتها والاستفادة منها. وفي ظروف كهذه يجد الأفراد، أو الجماعات أنفسهم في وضع يتعذر عليهم فيه أن يفعلوا شيئاً ذا مغزى لتغيير مجرى التاريخ. وهكذا يبدو لوقت ما، أن نظرية الحتمية التامة تجد لها تبريراً كافياً. غير أن الوضع يتغير بشكل جذري حين تكون التناقضات الكامنة في النظام قد نضجت بشكل كاف، وحين تبرز، إلى الوجود، الظروف الموضوعية المؤهلة لأحداث تغيير ثوري. وعندها يتحطم قانون حركة النظام، كلياً أو جزئياًَ، وتغدو النضالا ت الطبقية أكثر حدة، وتزداد الأزمات . وفي ظل هذه الظروف الجديدة ، يغدو مدى الإمكانات أكثر اتساعاً، وتزداد أهمية الدور الذي تلعبه الجماعات (وخاصة الأحزاب السياسية المنظمة) والقادة العظام، على مسرح التاريخ. وهنا تتراجع الحتمية غلى الوراء، ويلعب الاختيار دوراً أكثر حسماً.
ولو حاولنا تعليل التاريخ السوفيتي من خلال هذا الجدل بين الحتمية والاختيارية، لبرز أمامنا استنتاجان واضحان: أولاً، أن السنوات الأولى للثورة - أي تلك الممتدة بين عام 1917 وأواخر العشرينات ، حين التزمت البلاد، التزاماً لا عودة فيه ، بالمضي في التصنيع القسري وفي تجميع الزراعة - كانت فترة "اختيارية" لعب فيها الحزب البلشفي ، وقادته، أي لينين وستالين بشكل أساسي ، دوراً حاسماً في تكييف مجرى الأحداث، وبالطبع، كانت هنالك حدود معينة لما كان مستطاعاً فعله بعد وصول البلاشفة إلى السلطة ، غير أن هذه الحدود كانت من جهة مرنة إلى حد فسحت فيه المجال أمام الاتجاه الذي فرض نفسه فعلاً، في ظل ستالين، ومن جهة أخرى فلأن الاتجاه الآخر (القابل للتنفيذ بالتأكيد، والذي عبر عنه بوخارين وسواه من قادة البلاشفة ) الداعي إلى إقامة "اقتصاد حر Laissez Faire اشتراكي"، الأمر الذي كان سيؤدي إلى الاستسلام أمام السوق الاقتصادية التي يسيطر عليها الكولاك، بل، على الأرجح، إلى ردة رأسمالية سريعة.
والاستنتاج الثاني هو أن الاتحاد السوفييتي قد دخل - منذ المؤتمر العشرين وبداية إزالة الستالينية، على الأقل- في مرحلة "حتمية" لا يزيد دور الحزب وقادته فيها عن مجرد أدوات في آلة كبيرة تدور بانتظام أحياناً، وبتعثر أحياناً أخرى، وفقاً لخط مقرر سلفاً،إلى حد ما، وهي مرحلة أبرزنا بعض مزاياها الرئيسية في التحليل الذي قمنا به سابقاً.
وهكذا يتضح أن هذه الآلة التي تتمتع بالسيادة في مرحلة "الحتمية" قد نشأت ، في الأصل ، في الفترة "الإرادية" ونتيجة للقرارات والأعمال الواعية التي اتخذتها قيادة الحزب ، وخاصة بعد تسلم ستالين السلطة. ولا يعني ذلك أن ستالين كان يحتفظ بمخطط لنمط المجتمع الذي أراد خلقه، وأنه كيّف سياسته وفقاً لهذا المخطط ، برغم أن مثل هذه الاعتبارات ربما لعبت دوراً ما في الفترة ما بين عام 1928 ونهاية الحرب العالمية الثانية، التي كانت ، بالتأكيد، الفترة التكوينية الحاسمة للمجتمع السوفييتي الحالي، كان ستالين مدفوعاً، على الأرجح، بالخوف من غزو خارجي ، وبالحاجة المفترضة، التي نجمت عن هذا الخوف ، إلى سحق أية معارضة داخلية، فعلية أو محتملة. وبكلمات أخرى ، فإن المجتمع الذي تم خلقه في هذه السنوات ، كان ، في الحقيقة، نتاجاً لسياسات قصد بها تحقيق أهداف أخرى. على أن ذلك ليس بالمسألة الهامة من وجهة نظر البحث الذي نقوم به فالمهم أن هذه السياسات جاءت نتيجة لتصميم واع ، وأنها لم تكن مجرد انعكاس للظرف الموضوعي . ومن هنا ، فقد كان ممكناً أن تتغير هذه السياسات . وكان ممكناً أن تتغير الأهداف المرجوة، وبالتالي ، وسائل تحقيق هذه الأهداف . وهكذا، لم يكن متعذراً الوصول إلى مجتمع مختلف عن المجتمع السوفييتي الحالي ، مجتمع يتبع منطقاً داخلياً مختلفاً ، ومجرى تطور مختلف.
وليست تلك مجرد تصورات خيالية. فنحن نعرف أن انتصار اتجاهات مختلفة كان أمراً محتملاً، في السنوات الحاسمة التي تلت وفاة لينين، وذلك لأننا نعرف أن صراعات ، وجدالات، عنيفة اجتاحت الحزب البولشفي في هذه الفترة.
وليس هناك ما يدفعنا للاعتقاد أن انتصار ستالين كان محتماً، أو أن أياً من "المعارضة اليسارية" أو "اليمينية" كانت ستضطر، في حال انتصارها، إلى إتباع نفس السياسة التي اتبعها ستالين. فقد كان مجال الاختيار حقيقياً. وليست الصورة الحالية للاتحاد السوفييتي إلا نتيجة لتبني اتجاهات معينة ، ولرفض اتجاهات أخرى.
وليس هذا المجال الصحيح لاستعراض المناقشات الدائرة بصدد السياسات التي كان ممكناً تبنيها، أو بصدد نتائج هذه السياسات؛ ذلك أن مثل هذا الاستعراض يتطلب جهداً شاقاً بالفعل. ويكفي القول أننا نعتقد بأن ستالين كان على حق في إعطاء الأفضلية للاستعدادات الهادفة إلى التصدي للعدوان الخارجي.
ولكننا نرى بأن خياراً مختلفاً للوسائل كان سيفرز نتائج أفض ، سواء في المدى القصير ، أو في المدى الطويل. وكان يمكن لسياسة تقوم على تحقيق قدر أكبر من المساواة ، وعلى تقليص امتيازات البيروقراطية ، وعلى مزيد من الثقة بالجماهير يمكن لهذه السياسة أن تؤمن مقداراً أعظم من الديمقراطية داخل الحزب ، وأن تؤمن نجاة الاتحاد السوفييتي من الأخطار المحدقة، وتوجهه نحو المستقبل الشيوعي المشرق، بدل إبعاده عنه.
تحفل الخمسون عاماً الماضية من حياة الاتحاد السوفييتي بالعديد من الدروس وأعظم هذه الدروس وأهمها هو ،فيما نعتقد، أن المجتمعات الثورية تستطيع، وينبغي لها، أن تختار، وأن اختيارها يفرز،بالضرورة ، نتائج حاسمة تترك أثرها لسنوات، ولأجيال عديدة مقبلة.
هوامش
- المقالة مقتبسة من كتاب "ثورة أكتوبر في نصف قرن" تأليف : اسحق دويتشر، بول سويزي، ليو هيبرمان، موريس دوب وآخرون ، نقله عن الإنكليزية إلى العربية بيار عقل دار الحقيقة للطباعة والنشر بيروت الطبعة الأولى نيسان /أبريل 1970
2- أنظر بهذا الخصوص ملاحظات "هانس بلومنفيلد" ، في دراسته المنشورة في كتاب"ثورة أكتوبر في نصف قرن"
3- National Guardian , July 8, 1967
4 - يجري النقاش بصدد الحوافز، في العادة انطلاقاً من إظهار التناقض بين الحوافز "المادية" والحوافز "المعنوية" . لكن مثل هذا النقاش ليس دقيقاً بما فيه الكفاية، باعتبار أن المكاسب المادية هي الهدف المرجو في كلا الحالين: ويكمن التناقض ، بالأحرى في تشكيل وتوزيع هذه المكاسب. وهكذا قد يكون أفضل لو تكلمنا عن الحوافز "الخاصة" كنقيض للحوافز "الجماعية" . وفي نفس الوقت ، ينبغي الاعتراف بأن هناك عنصراً أخلاقياً في نظام الحوافز الجماعية : ذلك أن السلوك الهادف نحو تحسين أوضاع الجميع (بما فيهم الفرد نفسه) هو ، بالتأكيد أكثر أخلاقية ، ويتطلب قدراً من الوعي الاجتماعي أعلى من ذلك الوعي الذي يرافق السلوك الموجه نحو الكسب الخاص المباشر.
5- وهكذا نرى مقدار السخف الكامن في النظر إلى الجدال الدائر بين الناطقين السوفييت . ونقادهم في المعسكر الاشتراكي،على أنه جدال بين ألئك الذين يريدون أن يحصل الشعب السوفييتي على "مسرات الحياة" ، وألئك الذين يبغون فرض تقشف مصطنع عليه. فالخلاف هو في الواقع، بين ألئك الذين يبغون إعطاء حصة الأسد ، من المسرات، لأقلية محظوظة، وألئك الذين يعتقدون أنه ينبغي إنتاج وتوزيع هذه السلع بأشكال مؤهلة لاستعمال أوسع الجماهير.
6 - انعكاس لموازين الصراع الاجتماعي التاريخي / الطبقي (المحرر)





ركن ا لأدب







Statue Sphinx


أبو الهول
إدغار ألن بو
قبلت دعوة من أحد أقربائي، خلال انتشار وباء الكوليرا في نيويورك، لقضاء أسبوعين في ضيافته في كوخ عزلته، المسمى بـ "كوخ أورنه" والواقع على ضفة الهدسون، وكانت تحيط بنا في ذلك المكان كل وسائل السلوى الصيفية، فنطوف في الغابات، ونرسم، و نجذف في القارب، ونصطاد الأسماك، ونستحم في النهر، ونستمع إلى الموسيقى، ونطالع الكتب، وكنا على الجملة نقضي الوقت في اللهو والمسرات، ولكنها مصحوبة بالأنباء المروعة التي كانت تصلنا كل صباح من المدينة الآهلة بالسكان... فلا يمر يوم إلا ويحمل لنا في طياته أنباء عن وفاة عدد من معارفنا، ولما تعاظمت النكبة بتنا نتوقع فقدان عدد من أصدقائنا يومياً.. وأخيراً صرنا نرتعد فرقاً لدى اقتراب كل رسول من كوخنا، وكان يتراءى لنا جو الجنوب مشحوناً برائحة الموت، وقد استولى علي شلل الفكر تماماً، فلم أعد أستطيع الكلام أو التفكير، أو الاسترسال في الأحلام.. أما مضيفي فكان أقل انفعالاً مني، غير أنه كان في حالة نفسية مكبوتة، ويجهد نفسه لمساندة حالتي النفسية، فعقليته الفلسفية الخصبة لم تتأثر بالأوهام في أي وقت من الأوقات، وكان يدرك كنه الرعب بالقدر الكافي، لكنه لا يفقه أبداً المعنى من ظلال الرعب!... فجميع المساعي التي بذلها لإنهاضي من حالة الوحشة غير الطبيعية التي سقطت فيها، باءت لدرجة كبيرة بالفشل، بسبب بعض الكتب التي عثرت عليها في مكتبته، ومن صفات هذه الكتب أنها عملت على تفتيح بذور الأوهام الكامنة في قرارة نفسي، وقد طالعتها دون علمه، ولم يكن ليدري ما تركته في مخيلتي من انطباعات.
فمن المواضيع المحببة إلى نفسي الاعتقاد بالعلامات التي تؤذن بالمستقبل المشؤوم، وهو اعتقاد دافعت عنه بقوة في تلك المرحلة من حياتي، وكانت لنا حول هذا الموضوع مجادلات طويلة نشيطة، فمضيفي يتمسك برأي لا يقوم على أساس بهذا الصدد، وقد حاججته بأن هذا الرأي بحد ذاته ينطوي على حقيقة لا تقبل الخطأ، وهو مدعاة للتقدير والاحترام.
وواقع الأمر أنه حدث لي بعد ذلك البيت الريفي حادث عجزت عن تفسيره تماماً، وهو يحمل الكثير من صفات الشؤم، بحيث أعتبره مبرراً لنظرتي في النبوءات المشؤومة.. لقد أرعبني هذا الحادث، وأفحمني، وشوش أفكاري، فانقضت علي أيام عديدة وأنا في هذا الحال قبل أن أتمكن من سرد ما حدث على مضيفي.
جلست أطالع كتاباً في عصر أحد الأيام الدافئة، عند نافذة مفتوحة الدرفتين، تطل من خلال منظر مديد لضفتي نهر الهدسون، على الجزء المعرى من أشجار التلال البعيدة، وكانت أفكاري تتيه طويلاً بين صفحات الكتاب الذي أطالعه وبين المدينة المجاورة الكئيبة المنكوبة، وإذ رفعت ناظري عن الكتاب شاهدت على تلك الناحية العارية من التل مخلوقاً فظيع الشكل، ينحدر بسرعة عظيمة من القمة إلى أسفل، ثم يختفي في الغابة الكثيفة الأشجار.
فلما لاح هذا المخلوق لناظري لأول وهلة ارتبت في صحة عقلي، أو على الأقل في صحة ما رأته عيناي، وانقضت دقائق عديدة قبل أن أقنع نفسي بأنني معتوه أو حالم، وأخشى أيها القراء أنني عندا أصف لكم هذا الوحش، وقد رأيته جيداً وتمعنته بدقة، أن ترتابوا في حقيقته كما أرتبت أنا.
إنني أقدر حجم هذا الوحش، بالنسبة إلى قطر الأشجار العريضة التي مر بها، وهي أشجار هائلة قليلة العدد تنتصب عند المنحدر، بما يوازي حجم سفينة أو أكبر، أقول حجم سفينة لأن شكل الوحش يوحي بذلك.
ففمه يقع في نهاية خرطوم يبلغ طوله بين الستين والسبعين قدماً، وتبلغ كثافة هذا الخرطوم حجم الفيل العادي وهو على شكل دعامة مستندة إلى الأرض!.. وكانت تحيط بهذا الخرطوم كميات هائلة من الشعر الأسود المشعث، تقدر بما يمكن أن يحز من شعر عشرين جاموساًَ، ويتدلى من بين هذا الشعر الكث نابان براقان، أشبه بنابي الخنزير البري، وبحجم أعظم وأضخم.. وكان يمتد إلى جانبي الخرطوم صاريان هائلان يبلغ طول الواحد منهما ثلاثين أو أربعين قدماً، ويبدو أنهما مكونان من البلور النقي، وعلى شكل موشور مستو في الهندسة، إذ كانا يعكسان أشعة الشمس المائلة للمغيب بأبهى صورة.
وللوحش أربعة أجنحة هائلة، يبلغ طول كل منهما مائة ياردة على وجه التقريب، وكلها مغطاة بقشور معدنية، وقطر كل قشرة من هذه القشور يقع في عشرة أقدام أو اثني عشر قدماً، وقد لاحظت أن الصفوف العليا والسفلى من كل جناح متصلة ببعضها بسلاسل قوية.. غير أن أهم ما يمتاز به هذا المخلوق المروع، هو جمجمته التي تغطي صدره بأكمله تقريباً.. ولصدره هذا لون أبيض براق، يتصل بجسم أسود، كأن ريشة رسام قد رسمته بدقة تامة.
وبينما كنت أنعم النظر في هذا الحيوان المروع في شكله عامة، وفي مظهر صدره خاصة، وكلي شعور بالخوف والجزع، مع إحساس عميق بشؤم مقبل لا قدرة لي على رده بالعقل والمنطق، أجل، بينما كنت في هذه الحالة النفسية أبصرت فكي الوحش، ولهما من الضخامة ما لخرطومه، يمتدان على حين غرة، ويصدر عنهما صوت عال وعويل بليغ، فعلا في أعصابي ما تفعله دقة الموت، وما أن اختفى الوحش عند سفح التل حتى أحسست بخور وسقطت على الأرض متهالكاً.
فأول ما كنت أود فعله بعد أن ثبت إلى رشدي، هو إطلاع مضيفي على ما رأيت وما سمعت، غير أن شعوراً من الاستنكاف، يتعذر علي تفسيره، قد حال دون ذلك.. وبعد انقضاء ثلاثة أيام أو أربعة على هذا الحادث، وبينما كنت أتسامر ذات مساء مع مضيفي في الغرفة ذاتها التي ظهرت لي فيها الرؤيا، وقد أخذت مقعدي بالقرب من النافذة، وهو مستلق على الكنية قريباً مني، رأيت نفسي مدفوعاً بتأثير الاجتماع والمكان لأن أفضي له بما حدث، فأصغى إلي حتى النهاية، فما كان منه في بادئ الأمر إلا أن أخذ يضحك من الفؤاد.. ثم توقف عن الضحك وتحول إلى الجد التام، كأنه اقتنع بأن جنوني لا يحتمل الشك قطعاً.. وفي هذه الأثناء رأيت الوحش من النافذة للمرة الثانية، فصرخت مرتعباً ونبهت مضيفي إليه، فتطلع من النافذة باهتمام زائد، وأفادني أنه لا يرى شيئاًَ، في حين أنني كنت أرى الوحش وهو ينحدر من الناحية العارية من التل.
لقد أقلقني هذا الأمر، وبت أعتبر ما رأيته بمنزلة نذير موتي، أو ما هو أردأ بمنزلة مقدمة لنوبة جنونية... فألقيت ظهري على المقعد، وأخفيت وجهي براحتي إلى حين، ولما رفعتها تطلعت إلى النافذة فإذا بالمنظر يتلاشى.
وبعد أن استجمع مضيفي هدوءه راح يستجوبني بشدة بصدد المخلوق الذي رأيته، فلما قدمت له ما يرضيه من ردود، تنهد بعمق، وكأنه ألقى عن كاهله حملاً ثقيلاً، وأخذ يتكلم بهدوء صارم عن الفلسفة التأملية، وقد غدت محور نقاشنا، وإنني لأذكر إصراره على القول (فيما عرضه من آراء) إن مصدر الخطأ الأول في جميع التحقيقات الإنسانية، يكمن في قابلية المرء لأن ينقص من قيمة الأشياء، أو أن يزيد في قيمتها، بسبب سوء القياس التقريبي.. ومما قاله على سبيل المثل: "إن المساعي التي تبذل لنشر الديمقراطية في الإنسانية الطليقة، والعصر الذي يحتمل أن يتم فيه يشر هذه الديمقراطية، يؤلفان موضوعاً للتقدير الصحيح.. فهل لك أنت أن تدلني على كاتب، يعالج موضوع الدولة، قد فكر في جعل ما أشرت إليه موضوعاً جديراً بالنقاش؟..".
وهنا توقف لحظة، وخطا نحو المكتبة، وأخرج منها مجلداً في التاريخ الطبيعي، وسألني أن نتبادل مجلسينا حتى يستطيع تمييز الحرف الصغير الذي طبع فيه المجلد، وجذب الكرسي ذا المسندين صوب النافذة، وفتح الكتاب، وتابع كلامه بذات اللهجة التي درج عليها سابقاً، وقال: لم يكن باستطاعتي خلال الدقائق المفرطة التي وصفت لي فيها الوحش، أن أعرض عليك ماهيته ونوعه، والآن دعني أتلو عليك بياناً لتلميذ مدرسة في نوع حيوان يسمى "سفينكس" وهو من أسرة "كريتوسكولاريا"، ومن فصيلة "ليبيدوبتريا"، التابع لطبقة "اينسكتا" ـ أو الحشرات، والبيان هذا ينص على ما يلي:
"له أربعة أجنحة مغطاة بصوف ملون، مظهره معدني، وفمه يشكل خرطوماً ملفوفاً يبرزه فكان مديدان، ويتدلى من على جانبيهما اللحى الأسفل، المغطى بالزغب. وجناحاه الصغيران يتصلان بجناحيه الكبيرين بشعر كثيف، وقرناه على شكل دبوسين طويلين موشورين، وبطنه مخروط الشكل، وأبو الهول هذا صاحب "الجمجمة" كان يثير الهلع بين العامة بسبب ما يصدر عنه من أصوات سوداوية، بالإضافة إلى شارة الموت التي يحملها على درعه".
ولما بلغ مضيفي هذه العبارة أقفل الكتاب، ومال بنفسه إلى الأمام، متخذاً الوضع الذي اتخذته وأنا أروي له قصة "الوحش المروع".
وهتف على الفور قائلاً: أجل هذه هي القضية.. وإنني أقرك بأن هذا المخلوق العجيب كان ينحدر من على صفحة التل، غير أنه ليس بتلك الضخامة، أو على ذلك البعد كما صورت لك مخيلتك، وكل ما في الأمر أن هناك عنكبوتاً كانت تنسج خيوطها بين جانبي النافذة، وهي تعادل ستة عشر جزءاًَ من القيراط طولاًَ، وتبعد عن بؤبؤي عيني مسافة تعادل ستة عشر جزءاً من القيراط أيضاً!...


- اقتبست القصة من مجموعة بو القصصية: "الخنفسة الذهبية" ترجمة نجاتي صدقي ، دار المدى للثقافة والنشر 2007 ، الطبعة الأولى 1954 .







إليك يا غزّة الصمود
عمران
* في غزة المحاصرة معجزة يصنعها جبابرة
صمودها أسطورة فليخسأ البرابرة
في غزة الذبيحة، أجساد أطفال تنادي
انظروا الفضيحة، وأنقذوا من لم يمت في غزة الجريحة
قد أمطروها بالرصاص. بالموت والدمار
لم يخطئوا طفلاً ولا شيخاً ولا امرأة في تلكم الديار
فذلك الوحش الذي انقض على فريسة من معْشر الفجّار
قد ملأ الجوَّ مع البرِّ مع البحر بحقده، يصبُّه
على مدينة عزْلاء تهوى الحق والحياة
ولو قضت شهيدة تقاوم الغزاة
جراحها نازفة وأهلها الأباة
يسطرون كل يوم قصة، ملحمة في الصبر والثبات
لا تنحني قاماتهم، عالية جباههم
ويصنعون نصرهم فذاك نصرٌ آت
* مدرسة تعلم الإباء. في غزة الشماء
وكيف يهزم السيف أمام صرخة الدماء
في أمة صماء، ماضية في السير للوراء
مدينة يتيمة تقاوم الطغاة
من حولها أنظمة كلعنة السماء
تقيم للضحية المحاصرة، مجالس العزاء
* أيتها المدينة العظيمة
يا سيف هذي الأمة الملومة
يا نبرة الضمير في الأزمنة الأثيمة
تحية لصبرك الجليل يا قاهرة الجريمة
تحية للواقفين وقفة كريمة
* مدينة الشموخ والوفاء مكتوبة بالنار والوفاء
باقية في قلب كل نجمة نهراً من الضياء
* أيتها المدينة المقاتلة، جحافل الطغاة في الأزمنة الحديثة
سيكتب التاريخ اسماً خالداً، مآثر النصر على الجحافل الخبيثة
* يا كل أهل الأرض هذا اليوم تشهدون
جرائماً، مذابحاً، فماذا تفعلون؟
حضارة الوحش الذي به تفاخرونّ!
وآلة الحرب التي يملكها الجنون
للفتك والدمار
لا تسكتوا بالصمت عار من سيسكتون.
* فما الذي تفعله القصائد، المواعظ البليغة؟
ودعمنا اللفظي للشعب الذي يقتل كل يوم!
لا أسأل التوراة والإنجيل والقرآن
لا أسأل النصر من السماء
بل أسأل الشعوب في مختلف الأوطان:
هل تقبلون قتل شعب آمن بآلة الطغيان؟
* تقدمي يا أمة واطرحي الخذلان
حذار أن تصدقي الوعود
حذار أن تنخدعي بكذبة السلام والأمان
ما لم يكن ذا الوحش في القيود
* خطان في حكاية الشعوب
خط يريد العدل والسلام والأمان
وآخر يريد البطش والحروب والعدوان
هو الصراع دائم حتى نرى
نصر الشعوب أو سيادة القرصان
* عميقة جراحنا يا أمة العرب
مسروقة دماؤنا ضائعة آمالنا
وأمة شائخة ليس لها غضب
حكامها توارثوا السلطان والسلب
في كل قصر جالس قسراً أبو لهب
ونشتم الغرب الذي كان هو السبب!
مدينة تدفع عن أمتها ضريبة الوجود
وليس من ينصرها يا خيبة الوعود
وقد أبت أن تلقي السلاح إذ آثرت الصمود
والبربري الحاقد الجبان
يلوذ بالأنذال في ممالك القرود!
* بيوتك المدوَّرة يا غزة الأبطال
شاهدة على مدى وحشية الأنذال
وشمم في أهلك الأحرار كالجبال
وتكتبين بالدماء
ملحمة الصمود في أزمنة المحال
تصبّري يا قدراً في بقعة صغيرة
تجذّري في أرضك الطيبة الأثيرة
مهما عتوا فأنت في عيونهم
كبيرة ..كبيرة

=========================







































فهرست
*-افتتاحية العدد:
"تحولات" المشهد السياسي العربي بعد احتلال العراق ___________________________________
*- المقالات:
1- نايف سلّوم: الصَنًميِّة السِّلعية وسِرّها ___________ 2- فاتح محمد جاموس: "دفاع صريح عن مشروع تجمع اليسار الماركسي/ تيم/.. القسم الثاني" _________________
3- د . فارس إيغو : "هل العلمانية إلحادية ؟"_______ 4- د. خالد المحمود: "قراءة للشرق الأوسط في مطلع الألفية"________________________________
5- نجيب روميّة:" مقولة السبب والنتيجة" ____________________________________ 6- كريم مروّة: "محمود أمين العالم"________________________________
7- أدونيس: "مدارات في ضوء غزة " __________
*- الملفّ السياسي:
الّلقاء الماركسي العربي ________________ 1- نداء إلى القوى والأحزاب الماركسية في الوطن العربي ___________________________________
2- عصام شكري: حول النداء الموجه إلى القوى والأحزاب الماركسية في الوطن العربي من قبل ”جمع من الماركسيين العرب في باريس“________________________
3- مازن كم الماز: " تعليق على البيان الموجه للقوى و الأحزاب الماركسية العربية" _______________________
4- حسقيل قوجمان: " مشاركة في الحوار حول نداء الماركسيين والأحزاب الماركسية" --------
5- لطفي حاتم: "حوار قوى اليسار الديمقراطي وسمات العولمة الرأسمالية" ____________________________ 6- موريس عايق: "بين نصّين _________________
7- الطاهر المعزّ: "حول الديموقراطية"____________
8- مشروع توافقات سياسية من أجل اللقاء الماركسي العربي
أيلول2007 ___________________________ 9- لجنة التنسيق للحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي-"ملاحظات حول نص ـ توافقات سياسية ـ (من أجل اللقاء الماركسي العربي )" ___________________________ 10- حزب العمل الوطني الديمقراطي في تونس: " الوطن العربيّ: أفكار في وحدة اليسار" ____________________ 11- حزب مغاربي: "مشروع برنامج يوحد نشاط القوى والأحزاب الماركسية في الوطن العربي "_______________ 12- التجمع الماركسي-الديمقراطي في سوريا (تمد): "ورقة مقدمة إلى لقاء القاهرة للماركسيين العرب" _____________ *- قراءة في كتاب:
سعد الذّابِح: "" هوامش "الأيديولوجية الألمانية؛ تحقيقات و تعليقات- القسم الأول" _____________________ *- باب الترجمة:
بول سُويزي، ليو هيُبرمان:" دروس التجربة السوفييتية" ____________________________________

*- ركن الأدب:
1- إدغار ألن بو: " أبو الهول" ______________
2- عمران: " إليك يا غزّة الصمود "__________

===========================================







كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,561,212,439
- طريق اليسار - العدد 15: سبتمبر/ أيلول 2009
- طريق اليسار - العدد 14: تموز 2009
- طريق اليسار - العدد 13: حزيران 2009
- طريق اليسار العدد 12: أيار 2009
- طريق اليسار - العدد11، مارس/ آذار ، 2009
- مشروع المهمات البرنامجية المرحلية
- جدل - مجلة فكرية-ثقافية-سياسية - العدد(4)-شباط2009
- طريق اليسار العدد 10: شباط
- طريق اليسار - العدد / 9 /: كانون الأول/ 2008
- طريق اليسار - العدد الثامن: تشرين الثاني 2008
- طريق اليسار - العدد السابع- سبتمبر/ أيلول2008
- جدل - مجلة فكرية سياسية ثقافية العدد 3 : آب 2008
- طريق اليسار - العدد السادس:أغسطس/آب/2008
- طريق اليسار - العدد الخامس: حزيران 2008
- طريق اليسار - العدد الرابع: أيار 2008
- جدل مجلة فكرية- سياسية – ثقافية العدد 2 : نيسان 2008
- طريق اليسار - العدد الثالث: نيسان 2008
- طريق اليسار العدد 2 : شباط 2008
- طريق اليسار جريدة سياسية - العدد الأول : أواسط كانون الأول 2 ...
- جدل - مجلة فكرية- ثقافية- سياسية : العدد الأول: أواسط كانون ...


المزيد.....




- إطلاق نار في القامشلي ابتهاجا بوقف العملية التركية
- تفاصيل وبنود اتفاق وقف إطلاق النار في شمال سوريا
- اتفاق بين واشنطن وأنقرة لوقف العمليات العسكرية التركية في شم ...
- سفير واشنطن لدى الاتحاد الأوروبي: ترامب ضغط على أوكرانيا للت ...
- البيت الأبيض: قمة مجموعة "جي 7" المقبلة ستعقد في & ...
- ما الجديد في اتفاق بريكست "الجديد" الذي توصلت إليه ...
- 20 سنتا على كل مكالمة عبر واتسآب.. "حلّ" الحكومة ف ...
- البيت الأبيض: قمة مجموعة "جي 7" المقبلة ستعقد في & ...
- ما الجديد في اتفاق بريكست "الجديد" الذي توصلت إليه ...
- ناشونال إنترست: نفوذ أميركا بالشرق الأوسط يتضاءل وخياراتها ت ...


المزيد.....

- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه
- الديمقراطية في النظم السياسية العربية (ملاحظات حول منهجية ال ... / محمد عادل زكي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - تجمع اليسار الماركسي في سورية - جدل - العدد الخامس- أيار2009