أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نصير عواد - في ذهاب المهنة وبقاء المهانة















المزيد.....

في ذهاب المهنة وبقاء المهانة


نصير عواد

الحوار المتمدن-العدد: 2772 - 2009 / 9 / 17 - 19:22
المحور: الادب والفن
    


كنّا نبحث في ترحّلنا القديم عن حاملٍ لثقافتنا ومعاناتنا وحكاياتنا ولم نجدْ، بسبب الجفاف والفقر وغياب الاستقرار، سبيلا إلى ذلك سوى المهنة المحتقرة اجتماعيا "الحِيَاكَة" ثم تعايشنا معها كقدر ومصير وأسلوب حياة. لكننا لم نستطعْ في المدن المترهلة إقناع أصحاب النظرة الدونية بإنسانية مهنتنا وكيف يأخذ شكل "المَغْزَل" وطبيعة خشبته وطريقة الإمساك به أبعاداً غائرة في القِدَم عند المجموعات الهامشية التي أخذ الفقر والجفاف كل أسباب الفرح من بيوتها. فشكل المغزل ودربة الأصابع وأعوام العزلة والجلوس في حضرة الألوان هي من يعطي الخيوط روحا وحكايات وخصائص تؤسس لبصمة المجموعة وثقافتها المتجلية في جمالية السجادة بباحة الحوش وفي متانة بيت الشَعْر في عري الصحراء، وفي حضور مفردات الزينة التي تستدعيها حاجات الفقراء اليومية من الخيوط الزائدة والسجاجيد القديمة والحبال التي ظفرت على عجل.
بعد ثلاثة عقود من الدوران في المنافي الباردة والوجوه الموحشة عدت إلى المكان الأول وفي رأسي تومض مجموعة من الصور لوجوه وأصابع "حَاكَة" كان لابد من زيارة قبورها والاعتذار منها عما سببته لهم من ألم ومعاناة، وسؤال الأحياء عما علّمته المهنة في الأصابع والانحناءات وعما تركته أعوام الحروب والحصار والاحتلال من أثر على أجساد الفقراء المنسيين. لكن هالني ما رأيت، فقد وجدت البيوت قد خلت من أكوام الصوف وشَعْر الماعز والخيوط الصغيرة المتطايرة التي كانت تكدر شرابنا وطعامنا، واختفت الأوتاد التي كانت تُمَدُّ إليها سدى الخيوط حيث تجلس النسوة المتوجات بالوشم والعيون الغائرة والعباءات السود متقابلات يتبادلن الأسرار والقصائد الشعبية والأغاني والأشواق إلى أبناءهن الغائبين في سجون الدكتاتور. ثم انتبهت، يا للوحشة، إلى أن مراح الأغنام والماعز الذي كان عتبة طفولتنا ومتنفس بداياتنا وقد تحوّل إلى غرفٍ متداخلة وغير منسجمة مع باحة الحوش القديم وكأنها بنيت على عجل، وعلى عجل تم توزيعها بين الأبناء وكأنهم ينهبون بيتهم .
المشكلة لم تتوقف عند غياب الصوف والشَعْر والخيوط بل تعدّتها إلى حدود القطيعة مع تاريخ المجموعة بعد أن رأيت بيوت الحَاكَة التي تجولت فيها صامتا وهي تخلو من السجاجيد التي حاكوها بأيديهم وتغنوا بألوانها وأسماءها وبالأيادي التي صنعتها وحلت محلها، بفضل الاحتلال، سجاجيد بأسماء وألوان ومصادر متنوعة. لقد كنّا من نظرة سريعة ولمسة خيط نعرف طبيعة السجادة ومصدرها ومتانة خيوطها، فهذه السجادة العريضة شغل الحيّ وتلك الهادئة والزاهية الألوان من كاشان وهذه (الشكَة أو الفلي) من شغل عمتي"ظلمة" التي مات زوجها مبكرا ولم تجد غير الغزل والحياكة ملاذا ومساحة لأحاديثها التي تنحصر من الزنار وتحت. لم تبقْ في بيوت الحَاكَة حتى سجادة واحدة من صنع أيديهم للذكرى أو للتاريخ أو في الأقلّ من أجل حكايات نوم الأطفال، وحلت محلها سجاجيد مستوردة دقيقة المسافات وباردة الألوان وميتة. في صباح اليوم التالي ذهبت إلى السوق المركزية على أمل الحصول على سجادة يدويّة الصنع دعما لذكرياتي فوجدت السوق هي الأخرى قد فرغت تماماً من السجاد المحلي وحلّت مكانه سجاجيد إيرانية الصنع وبكافة الأنواع والأطوال والألوان والأسعار، إضافة إلى بسط ويزر وسجاجيد صينية وتايوانية رخيصة ومغرية ومتنوّعة وخفيفة الوزن. وبدل حصولي على سجادة الطفولة حصلت على سخرية أقرب الناس لي بسبب إلحاحي بالسؤال عن السجاد الذي كان متواجدا في غرف البيت والذي كنّا نفترشه في النهار ونتدثر به أحيانا نحن الأطفال في الليالي الباردة بعد أن نخيط أثنين منها سوية، وأحيانا نهدي في المناسبات الاجتماعية سجادة صغيرة لإدامة المحبة ولحمة العلاقة أو يتصدق كبيرنا على جيراننا اليتامى بواحدة منها كجزء من الزكاة والخمس وهو ما أدى يومها إلى بعض المشاكل مع المعممين الذين يريدون السجادة لهم. باعة السجاد في السوق هم كذلك فوجئوا بسؤالي وتطلعوا في وجوه بعضهم بعض عندما سألتهم عن السجاد المحلّي وكأني قادم من زمن آخر كان فيه السجاد حكايات عن الألفة والدفء والتكافل الاجتماعي والجلوس على الأرض. لم استطعْ التصديق أن بضعة أعوام أمريكية قادرة على إلغاء الذاكرة الشعبية بهذه السرعة لو لم يكن عند أهلنا الاستعداد لذلك. في السوق وبسبب صدمة غياب السجاد اليدوي لم أنتبهْ لرائحة الخيار وهيبة رشّاد البر في مدخل السوق، ثم سرعان ما تبين أن الخضراوات هي الأخرى تأتي من بلاد الشام خضراء طازجة من دون طعم أو رائحة، ومشتقات الألبان متحللة تصل من تركيا، والزعفران لون فقط يأتي من طهران، والحمّص منتهي الصلاحية يصل معلبا من بيروت، حالهم حال السجاد المحلي. لقد تحوّلت بطون العراقيين مثل ذاكراتهم إلى مكب للنفايات القادمة من خارج الحدود بعد أن ترك الفلاحون أرضهم ونزلوا إلى المدن الخربة لتمنحهم الدولة الخضراء امتيازات وأراضي ورواتب وأحزاب، وأستطيع القول أن انقطاع مياه النهرين جاء في مصلحة الكثير من الفلاحين الانتهازيين والمراوغين الذي ركبوا الموجة وتحولوا إلى دعاة وسياسيين وشعراء شعبيين.
في المدن الشبيهة بالقرى الكبيرة ما زالت قيم القبيلة مؤثرة وتلعب دورا واضحا في تحديد العلاقات الاجتماعية والعاطفية والاقتصادية أحيانا، نتلمسها في النظرة الدونية إلى مهن وأعمال أفرزتها حاجات المجتمع اليومية وتعيل الكثير من فقراء المدينة كالحَائِك ومنظف المواسير وبائع الشاي الذي كانت التقاليد العشائرية تجبره على الجلوس عند باب المضيف، حيث يترك الضيوف أحذيتهم. ولكننا أبناء المِهَنْ المحتقرة كنّا يومها نعمل وندرس رغم الفقر والخوف من الديكتاتور ووصلنا إلى الجامعات وساهمنا في أندية وأحزاب ونسجنا علاقات إنسانية متنوّعة مع كافة شرائح المجتمع العراقي، لكن أبناءنا في زمن الاحتلال الأمريكي ليسوا في مهنة أهلهم وتركوا التعليم الذي يجلب، على حد قولهم، وجع الرأس والنفخة الفارغة، وانخرط أغلبهم في الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية مع نظارات سود وكروش صغيرة حديثة التكوين حاملين ثلاثة أقلام بارزة في جيب واجهة القميص على الرغم من أنهم لا يفكون الحرف ولا يحترمون التعليم. والنساء اللائي كن قلب المهنة وروحها وراويها نجدهن في غياب الخيوط جالسات عند أبواب بيوتهن يلوكن الملل والنظر للعابرين ومتابعة الأولاد وهم يلعبون في الشارع منتظرات ساعة بدء المسلسلة التركية بعد أنّ كنَّ يتمايلن عند سجادة الألوان باعتبارها مصدر عيشهن وسلوتهن ونافذتهن المحببة على حراك الشارع، كانت يومها اللحمة والسدى والوشيعة والمضراب والمغزل مفردات تضيء المعيش وما يبطنه من فقر وصراع ومعاناة، وحركة أياديهن ترتب أفكارهن وذاكرتهن الشفاهية وهن يحيكن ويحكين عن الحب والثورات والسجون والمنافي. لقد جعلتهن المهنة المحتقرة اجتماعياً راويات من الطراز الأول، يتسمع من أفواههن الأطفال معاناة وصراعات وحكايات وقصائد مظفر النواب وطور اللامي وخيانات النساء.
لقد رأينا ما أن يسقط ديكتاتور حتى يستحوذ ضحاياه على كرسيّه وعصاه وأوسمته ومراياه، وهذا باختصار ما جرى بالعراق. ورأينا أيضا أن الضحايا، بعد طول غياب وقمع وانقطاع، لم يعرفوا ماذا يفعلون بآلة الدولة العظيمة والواقفة كنخلة يابسة، فعمدوا إلى تحطيبها ونهبها وحرقها أمام شاشات التلفزة وهم يتضاحكون ويتبادلون التهاني بمفردات ووجوه خارجة توا من حصار وحروب وأوبئة. لقد ترك الراعي أغنامه وغزا مستشفى المدينة حاملا ما لا يعرفه من الأجهزة الكهربائية فتح بثمنها لاحقا محلا لبيع المواد المستوردة، وهجر الفلاح أرضه بعد أن استحوذ على آليات الإصلاح الزراعي ثم غادر إلى المدينة ليمتهن السياسة والشعر الشعبي والانتقال من حزب إلى آخر، وترك الحائك سجادته غير مكتملة الألوان ليسطوا على مدرسة للأطفال جامعا أخشابها العتيقة ومصابيحها المعطوبة لينخرط بعدها في الجيش والقوات الخاصة، في الوقت الذي كان فيه المثقف العراقي يصرخ ويشيد بأبناء جلدته القادمين من حضارات سومر وبابل وعظمة كَلكَامش وقوانين حمورابي، في نفاق ثقافي لا تحسدنا عليه قبائل البدو من حولنا .
بعد أنْ تَعِبَ الأجداد وهم يبحثون في ترحّلهم عن حاملٍ لثقافتهم ومعاناتهم وحكاياتهم ولم يجدوا غير المهنة المحتقرة اجتماعيا "الحِيَاكَة"، جاء الاحتلال الأمريكي ليهدم البلد ويحرر الأبناء من قسوة الديكتاتور ومن مهنة الحِيَاكَة ومن عذاب الضمير ومن سلطة الماضي، لكن أهل المدينة الشبيهة بالقرية لم ينسوا بعد حكاية المهنة الدونية خصوصا بعد أن تحوّلَ الحَائِك إلى شرطي.






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,472,686,593
- يا أهل الشام أحيو المعروف بإماتته
- فنانو المنفى في ضيافة كامل شياع
- تعقيب على-محاولة-الناصري
- -أوراق من ذاكرة مدينة الديوانية- لزهير كاظم عبود
- نعم تآمرنا على وطن!!
- فنانو المنفى شعراء عاطلون
- المكانية في الفكر والنقد والفلسفة
- إعادة إنتاج الحادثة
- َظاهِرة الأدب الشَخصي عند العراقيين
- العراقيون ومهرجان روتردام للفيلم العربي
- طف كربلاء.. الحادثة التي أتت عليها أحوال
- حروبنا الأهلية..بين سوريا والسعودية
- ثلاث هُجْرات..ثلاثة حُرُوب..ثلاثة عُقود
- المنفى .. دليل كاظم جهاد إلى دانتي
- الإرث إلاسماعيلي.. وأحزابنا السياسية
- الحركية .. ومواسم التحليل
- إبحث للمبدع عن عشرين عذر


المزيد.....




- بنعبد القادر يمر للسرعة القصوى لتنزيل ميثاق اللاتمركز الادار ...
- أفلام -أكشن- عن -مدن الفضيلة- والنوادي الليلية في عمّان
- بالفيديو.. مفاجأة أمل عرفة لجمهورها بعد قرار اعتزالها!
- عرض مسرحي عن -الهولوكوست- يثير جدلا في مصر
- بعد 20 عاما من أول أفلامه.. ماتريكس يعود بجزء رابع
- -عندما يغني لوبستر المستنقعات الأحمر- تتصدر نيويورك تايمز
- من هو الشاعر والكاتب الإماراتي حبيب الصايغ؟
- كيف يواجه الآباء استخدام الأطفال المفرط للشاشات؟
- مستشرق روسي يحوز جائزة أدبية صينية
- سيرة شعرية مليونية.. ماذا بقي من تغريبة بني هلال؟


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نصير عواد - في ذهاب المهنة وبقاء المهانة