أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ثائر العذاري - سلوك اللغة في القصة القصيرة جدا















المزيد.....

سلوك اللغة في القصة القصيرة جدا


ثائر العذاري

الحوار المتمدن-العدد: 2757 - 2009 / 9 / 2 - 16:33
المحور: الادب والفن
    


يؤدي الحيز المتاح للقاص في القصة القصيرة جدا الى أن تتخذ اللغة أشكالا جديدة وغير معتادة، ففي ق.ق.ج تكون اللغة كالأوكسجين المضغوط في القناني الفولاذية، حيث يتغير سلوكه وشكله.
نحاول هنا أن نتخذ من (الموجة) نموذجا تطبيقيا لرصد سلوك اللغة في ق.ق.ج، و(الموجة) قصة قصيرة للقاص العراقي (فرج ياسين) في مجموعته (رماد الأقاويل) المنشورة عام 2007، فقد اعتاد القاص أن يختم كل مجموعة قصصية له بقصة قصيرة جدا، وهذا نص الموجة:
(( بنى الصبي قصره على الشاطئ ، جمع العيدان والقش من خريط الأغصان المتناثرة تحت شجيرات الطرفاء ، واحضر الغضار الصلب الدبق من فوهات جحور اليرابيع ، حيث كانت قد قذفته بأرجلها الدقيقة ، ثم أتى بالأعمدة والجسور التي نصبها تحت سقوف الحجرات والمجازات والأبهاء ، من صراة الخليج الراكدة . لقد استل القصب من بين أقدام الضفادع العائمة في الماء ، وقام بتهشيمها ألواحاً ، وانفه يقطر عرقاً .
أفلح الصبي في بناء قصره ذاك ، بعد أن سلخ في بنائه ساعات طويلة ، أي فرح كان سيغمر قلبه لو لم تأت تلك الموجة وتمحوه ؟))
تقوم الفلسفة التقنية لدينامية ق.ق.ج ، حسب ما نرى، على إحداث تراكم ملحوظ لحركة لغوية تؤدي منطقيا الى نتيجة متوقعة، لكن هذا التوقع يصطدم بجملة النهاية التي تغير اتجاه المركم، ليشير إلى نتيجة بعيدة تماما عن التوقع الأول. وفي هذه القصة يتمثل المركم في جمل بناء البيت:
بنى الصبي قصره على الشاطئ
جمع العيدان والقش
احضر الغضار الصلب الدبق
أتى بالأعمدة والجسور
.................
أفلح الصبي في بناء قصره ذاك
ونظن أن الجملة الأولى في المركم زائدة، ولو لم تكن موجودة لكانت القصة أجمل، فقد أظهر فيها القاص القصر قبل أن يتم بناءه.
ويمكن أن نلاحظ هنا أن جميع جمل بناء القصر جمل فعلية متوازية في التركيب النحوي:
فعل ماض+فاعل+مفعول به
والحقيقة أن تراكم الأفعال سمة مميزة للغة ق.ق.ج، فقصة (الموجة) تتكون من 97 كلمة فيها 16 فعلا، أي بنسبة 17% وهذه نسبة كبيرة مقارنة باللغة الطبيعية.
وكل هذه الأفعال المتراكمة تؤدي الى توقع نتيجة واحدة، اكتمال بناء قصر عجيب، قد يحدث داخله حدث ما، فكل جملة فعلية تضيف قطعة أخرى من قطع بناء القصر، ومن المهم أن نلاحظ إصرار القاص على ذكر مصدر المادة (خريط الأشجار، فوهات جحور اليرابيع، أقدام الضفادع....)، لكن هذه الوظيفة تتغير عند جملة النهاية لتكتسب دلالة جديدة لم يكن من الممكن الإحساس بها قبل إنهاء القراءة، كما سنرى.
أفعال البناء التي استخدمها القاص هي (بنى، جمع، أحضر، أتى بـ ، نصبها، استل، قام، أفلح، سلخ) وكلها أفعال تدلّ على ضم الأشياء إلى بعضها، حتى نصل إلى الفعل قبل الأخير (أفلح) الذي يدل على تمام التراكم، وهنا يأتي الفعل الأخير من أفعال جمل البناء ليكسر النسق، فالفعل (سلخ)، على الضد من كل الأفعال السابقة يدل على تفريق الأشياء لا ضمها. وهو يهذا يمهد للتغير الجذري الذي ستحدثه جملة النهاية.
يعتمد فرج ياسين على البناء الصوتي، بوصفه تقنية من تقنيات بناء المستوى الشعوري، ويمكن أن نلاحظ هنا الالحاح في تكرار صوتين، هما الصوتان الأولان من الكلمتين (بنى قصره) الواردتين في الجملة الأولى. وهما (الباء والقاف)، حيث يمكن ملاحظة تكرارهما اللافت، فثمة ثمانية عشر باء، وستة عشر قافا، جاءت بتشكيلة إيقاعية واضحة، حيث وردت بهذا التناوب:
ب ب ق ق ب ب ق ب ق ق ب ق ق ب ب ق ب ق ق ب ب ق ق ب ق ق ب ب ق ب ب ق ب
ومن الواضح أن هذه المتتالية تظهر الحرص على تناوب أزواج من كل من الصوتين ما أمكن ذلك، لتكون صورة مكررة لكلمتي الجملة الأولى (بنى قصره).
هذا يعني أن المركم الذي أشرنا اليه، لا يراكم الأفعال حسب، بل ثمة تراكم صوتي أيضا يساند السلسلة الفعلية المتراكمة ويؤازرها في بناء التوقع.
ويمكن أن نلاحظ كيف اكتسبت البيئة دورا فاعلا، فالمحيط الذي وصفته جمل بناء القصر، لم يوصف لمحض رسم المشهد القصصي، بل إن البيئة ذاتها كانت موجودة لتكون عنصرا مهما في عملية البناء، فالأحجار والطين والضفادع واليرابيع وغيرها كلها كانت موجودة ليكون لها وظيفة محددة بدقة في عملية البناء، إذ تحولت الى أعمدة وجسور ومجازات وأبهاء.
ثمة سمات عديدة تغيرت في سلوك اللغة في جملة النهاية، وهي السمات التي أعطتها القدرة على إجراء عملية تحويل دلالي على كل الجمل السابقة، يمكن إجمالها بالآتي:
1- كل الجمل فعلية الا جملة النهاية فهي إسمية.
2- كل الجمل خبرية إلا جملة النهاية فهي جملة طلبية (استفهام).
3- كل الجمل بنيت على فعل ماض الا جملة النهاية التي بنيت على فعل مستقبل غير متحقق (سيغمر).

وتكتسب الجملة الشرطية في النهاية أهمية كبيرة تتضح لو أعدنا كتابة جملة النهاية بالصيغة القياسية لجملة الشرط:
لو لم تأت تلك الموجة وتمحوه، أي فرح كان سيغمر قلبه؟
فالفعل (سيغمر) لم يتحقق ليس لأنه بصيغة المستقبل فحسب، بل لقد أمعن القاص في إبعاد إمكانية تحققه بوضعه في جواب شرط (لم) التي يمتنع تحقق جوابها لامتناع تحقق شرطها.
ويمكن أن نلاحظ أيضا أن الجملة المنفية الوحيدة في القصة هي (لم تأت تلك الموجة وتمحوه) فهذا حدث لم يكن مرغوبا فيه، غير أن نفيه ملغى بـ(لو) إذ وقعت الجملة في شرطها لينقلب النفي إثباتا (مجزوما) بصحته.
جمل البناء عند القراءة الأولى توحي بنشاط الصبي وحركته وسعادته بالعمل على تشييد هذا القصر، ويبدو أن هذه هي وظيفتها الدلالية، غير أن جملة النهاية تقلب الموازين وتجعل القارئ يغير رأيه وانطباعه، فبدلا من مشاركة الصبي سعادته تتحول دلالة جمل البناء الى تصوير جهد مضنٍ استلزم مدة طويلة من الزمن بطرفة عين.
وقد كان للفعل (سلخ)- بما يعبر عنه من دلالة الفصل بين الأشياء وتفريقها وارتباطه في الوعي العربي بسلخ الذبيحة، بما في ذلك من قسوة- دور بارز في تهيئة مجرى الأحداث الى الانقلاب الكلي، وهكذا يمكن أن نتصور أن الفعل (أفلح) يمثل أعلى نقطة في خط متصاعد رسمته أفعال البناء، وأن الفعل (سلخ) يمثل لحظة انحدار رأسي للخط باتجاه القاعدة التي انطلق منها.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,476,609,572
- (أرابيسك) لعلي عبد الأمير صالح لعبة التخفي
- علم النفس الرقمي
- أنا شاعر..إذن أنا موجود
- وقفة مع التراث (1) / البلاغة في الصناعتين
- الرسم بالكلمات
- هكذا كنا... فكيف أصبحنا....
- الفن والتاريخ / حول مسلسل الباشا
- الموت والحياة في شعر محمود درويش
- تقديم لمجموعة القمر المنشور القصصية
- بلند الحيدري وأزمة الإنسان المعاصر
- القافية.. حقيقتها ووظيفتها - القسم الأول
- شعراء الكيس
- قطار محمود درويش الساقط من الخريطة منذ ستين عاما
- مقتل سحر وموهبة ميسون أسدي
- الواقعية الشعرية في النص المفتوح – إشارات أولية / أشرعة الهر ...
- مناحة نبيل ياسين على بلاد الرافدين
- الفضاء الفاعل في نصوص خالدة خليل
- علم الأدب
- في البلاغة الرقمية
- البطولة في الوعي العربي /حول مسلسل (باب الحارة)


المزيد.....




- ميادة الحناوي تلغي حفلا في لبنان وتكشف عن السبب
- في الجزائر.. استقالة وزيرة الثقافة وإقالة مفاجئة لمدير الشرط ...
- استقالة وزيرة الثقافة الجزائرية على خلفية مقتل خمسة أشخاص إث ...
- بعد حادثة التدافع.. وزيرة الثقافة الجزائرية تقدم استقالتها و ...
- قراصنة المتوسط الذين نقلوا كنوز العربية لأوروبا.. رحلة مكتبة ...
- استقالة وزيرة الثقافة الجزائرية على خلفية مصرع خمسة أشخاص جر ...
- -عندما تشيخ الذئاب-.. إنتاج سوري يزعج الفنانين الأردنيين
- استقالة وزيرة الثقافة الجزائرية بعد حادث تدافع مأساوي أثناء ...
- استقالة وزيرة الثقافة الجزائرية بعد وفاة 5 أشخاص في حادث تدا ...
- فيديو: اكتشاف بقايا حوتيْ عنبر في بيرو يسهم في معرفة أسرار ح ...


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ثائر العذاري - سلوك اللغة في القصة القصيرة جدا