أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - مازن لطيف علي - الروائي المبدع برهان الخطيب:المثقف يغني في غابة سبطانات















المزيد.....



الروائي المبدع برهان الخطيب:المثقف يغني في غابة سبطانات


مازن لطيف علي

الحوار المتمدن-العدد: 2751 - 2009 / 8 / 27 - 08:00
المحور: مقابلات و حوارات
    


حاوره : مازن لطيف علي

الإبداع يبدأ من مواجهة المحظور والرقابة والأفق اللامحدود والسائد والرائد، من التفاعل بها جميعا. أبدع عراقيون في ظرف الحرب والرقابة الصارمة داخل الوطن كما أبدعوا خارجه، في ظروف مهجر مؤاتية. أحيانا يُعلل قصور في إداء عاليا بجبروت الظرف، كراقص يلوم الأرضية أو العازف. المبدع لا تهمه الأرضية ويؤثر في اللحن العام، يساهم في خلقه بإيماءات فكره على التضاريس الصعبة في اللحظة المناسبة، والصغير يتقافز على قرع طبل يطغي عليه، هذا ما ذكره الروائي العراقي المبدع برهان الخطيب المولود عام 1944 في بابل حيث أنهى الثانوية ونشر أول قصصه بمجلة الأحداث اللبنانية عام 1959 كما نشر منذ بداية الستينات في الصحافة العراقية تراجم عن الإنكليزية لفولكنر وسومرست موم وآرثر كونان دويل، ثم انتقل إلى بغداد وتخرج في كلية الهندسة العراقية بعد دورة تدريبية في مصر وأصدر مجموعة قصص (خطوات إلى الأفق البعيد) ورواية (ضباب في الظهيرة) حتى عام 1968. أوفد مهندسا إلى موسكو عام 1969 واستقال هناك من وظيفته والتحق بالمعهد الأدبي من الصف الأول ونال الماجستير بامتياز عام 1975 ثم عمل فترة للحصول على إقامة في غربته مترجما للأدب حتى عام 1986 حصيلتها ثلاثة عشر كتابا مترجما إضافة إلى اهتمامه الرئيس بالرواية والقصة والمقالة تأليفا وبحثا واضعا أكثر من دراسة وكتاب في القصة العراقية، عام 1972 منعت روايته (شقة في شارع أبي نؤاس) في بغداد، 1975 صدرت روايته (الجسور الزجاجية) في بيروت، 1980 مجموعته القصصية (الشارع الجديد) وفي العام 1986 استقال من عمله بدار النشر وغادر روسيا عبر الشام إلى السويد للإقامة وأسس دار أوراسيا للنشر وأصدر رواياته: (نجوم الظهر) المنشورة عام 1986 حلقات بمجلة أسبوعية في أبي ظبي، (الجسور الزجاجية) (طبعة ثانية) تلتها (سقوط سبرطة)، (ليلة بغدادية)، (بابل الفيحاء)، (ذلك الصيف في اسكندرية)، (الجنائن المغلقة)، وقبل عودته صيف 2003 إلى بغداد أنهى روايته (غراميات بائع متجول) ومجموعته(قصصي) و هنا بعد غياب أكثر من ربع قرن بدأ روايته (على تخوم الألفين) أنهاها في ستوكهولم العام التالي حيث قرر التوقف عن كتابة الرواية بعد عمل تكميلي لرواية سابقة له عنونه: (ليالي الأنس في شارع أبي نؤاس) كان لنا معه هذا الحوار:

* الكتابة الإبداعية في عصر المعلوماتية وعصر السرعة كيف تراها؟

ـ السرعة مهما زادت لا تتجاوز سرعة الضوء، يعني حتى للسرعة وما له علاقة بها ثمة حدود، هذا في الطبيعة والفطرة. في مجتمع توجد حدود أيضا، مرئية وغير مرئية. المرئية هي الأعراف والتقاليد والقوانين، زاحفة نحو أخرى غير مرئية، الطموح والجموح وتغير الخطأ والصواب. وكالطبيعة الحياة الإجتماعية ومنها الإبداع غير فالتة تماما، إلاّ إذا كانت الظاهرة سرطانية، مدمرة لما فيها. زوابع النوء والسياسة مقيدة بظروف. داخل التغيير المستمر، إلاّ في وطن مكبل بأجنبي وعقل مطلق، توجد شروط الإستقرار، النسبي دائما، مؤثرة على صياغة أحلامنا في يقظة ومنام وإبداع، مدوزنة بإيقاع العصر طبعا، أي سرعته. كل شئ يدور على فلك، سوى الكون الكبير منتشر في مفازته.
عوامل طارئة كالإحتلال، وأزلية جامدة، كأفكار مسبقة، تخلق ظروفا للإبداع وإبداعا زائلين، جامدين، إذ تؤخذ تلك العوامل كمطلق. لكنه في حالة الصفر. حين تؤخذ كتحدٍ تجدها مساعدة، محفزة، تبث روحا حيوية في الإبداع ويكتسب سرعة جديدة محلقا من الجمود في فضاء غير محدود يستوعب مختلف الإيقاعات.
المعلومات وبعضها مزيف أو غث تتدفق إلينا بإستمرار، بوفرة في عصر سرعة. إذا لم نتمكن الفرز بين الجميل والقبيح فيها، لهما علاقة بالجوهر أكثر مما بالمظهر، نفي ذلك قصور، بين السامي والداني، بين الشاعري والمبتذل، عن دراسة وخبرة، ولم تتم عملية التمثيل المعلوماتي طرديا مع وفرتها ونوعها، لا فائدة منها. بل قد تسبب ضررا لفرد، لإبداعه، لنسيجه الإجتماعي، عند إنتقال منه إليهما، بدراية أو غير دراية.
المعلومات لمبدع كالضوء لنبات. عملية التمثيل الضوئي والمعلوماتي وراء نمو وغنى أو فقر نسيج حي. لإبداع حياة داخلية. يموت سريعا أيضا إذا لم تكن ديناميكيته الخاصة أقوى من شروط الخارج. الإبداع ذاتي أكثر منه نشاطا إجتماعيا، يسمو عن رؤية فردية أنسانية شاملة على غوغائية محدودة وتسلطية فوقانية. وتكون الرؤية رؤيا بإرتفاع عن تفحص الجزء إلى الكل، هذا له علاقة بالوفرة وغربلتها، أكثر مما بسرعة مخربة للفن إذا طغت عليه.
والجزء تفتيت، الكل بناء. بالكتاب المقدس هناك وقت لبعثرة الأحجار وهناك وقت لجمعها. الإبداع جمع المبعثر. بالأدب جمع الفصول، بالسياسة جمع أمتنا العربية ثم منطقتنا المبعثرة، في كيان متناغم. هكذا تكون الصورة عن المشهد أصدق وأكمل، أفسح لعقل المتلقي، وأمضى في إحساسه.
السرعة لصالح الإبداع إذا تم تمثيلها عضويا، دون إفتعال. قاتلة إذا حقنت فيه إصطناعيا، بكولاج برّاني تمشيا وحداثة فوقانية. حيوية الأسلوب، فرادة الشكل، عمق وسعة التفاصيل، أبعاد الرؤية العامة، متداخلة ضمن الإبداع، كالغذاء في الجسم لعقل. خرق الشكل قصد تجديد، بفظاظة غير فنية، يشبه خرق جسد بسكين. والتفاصيل إذا لم تدعم العمل الإبداعي، بدعوى إن إيقاع اليوم السريع لا يسمح بالتوقف طويلا عند الأشياء، للبحث في الروابط والمعاني، تدمره، تدمير مواد غثة بدنا وعقلا.
مهما غيّر عصر إيقاعه، سرعته، يظل إبداعه محكوما بشروط فنية، غير نهائية طبعا، بل متجددة من داخله. هندسة البيوت تتغير، لكن لكل بيت يجب أن يكون سقف وباب ونافذة، هكذا في الإبداع، يجب أن يكون معنى، وسياق، وتناغم. غيّر فيها ما تشاء، لكن إلتزم بالأساسيات، بترابط العمل الإبداعي ولا نهائيته. حافظ على تهويته ودرجة حرارة مناسبة للعيش والراحة فيه، بجعل أفكاره متحاورة متصالحة في النهاية. الحياة فيها زوابع، لكن الهدوء فتان. حافظ على نٍسَب يطلبها الجسد والعقل ليشعر بحيويته وقيمته، بين سطور، بين شوارع. ما هي وكيف هذه النسب، بأية مسطرة تقاس؟ هي من إحساس شديد التطور، يلقف المعنى والنغمة في لحظة شاردة، من إدراك متى يجب الحركة وفي أي اتجاه وبأي قدر ومتى ينبغي التوقف ومعاودة الحركة. الموضوع هو الذي يحكم، والعقل هو الذي يدوزن، لا أي سلطة أخرى. السرعة داخل العمل الإبداعي، لا خارجه. كذا يكتب نص، قطعة موسيقية، لوحة رسم، بل وتُضاجع إمرأة، وتُنفذ جريمة، بفن، عند إمتلاك ناصيته.
الحب موضوع خالد، حاضر في كل عصر، مهما بلغت سرعته. إنما تغيرَ شكله ومضمونه مع تغير إيقاع الحياة. سابقا الرجل يلحق المرأة، اليوم قد يحدث العكس. غنى لها تحت شرفتها، وإذا تزوج قفل عليها وعليهما، اليوم أو غدا يخرجان من الكافيه ويلعنان الحب الذي جمعهما، ثم يعودان، ويعزفان ثانية وثالثة تلك المقطوعة. المرأة عموما مشت خلف الرجل. الآن معه. ليت السباق يكون أخلاقيا.
السرعة رفعت عنا بعض الأوهام، وعلى الكاتب، كمحترف تفكير، رفع أوهامها أيضا عن نصه. تغير الإيقاع الخارجي عموما، لكن القلب يظل في زاويته يدق دقاته المألوفة، أمام الخوف والفرح وبقية المشاعر لوجودنا الإنساني، موضوع الإبداع. تظل الدورة الدموية دفاقة تحاور بإيقاعها الخاص في أرجائها المغلقة المعتادة إيقاع الخارج، كالإبداع نفسه، يلتقط جزيئات الداخل الخارج أيا كانت سرعتها، يحرقها بأتونه الخاص، منتجا دفء الفن.
كل شئ ربما ممكن تغييره، لكن ليس كل شئ متاحا وممكنا. الإبداع صلة بين الإنسان والإيقاع حوله، بين سرعته الخاصة وسرعة الأشياء حوله، المحسوسة قبل الملموسة، بين النسبي والمطلق، إنتقالا من براءة الطفولة وحماس الشباب وتأني الرشد إلى خيبات وأوجاع الكهولة، جدالا مع السرعة لا إستسلاما لها. لا يمكنه تجاوز شروطه البدنية، ولا يحسن تجاوز الأخلاقية.
بالكتابة والموسيقى والرسم نصطاد سرعة الخارج ونروضها في داخلنا، نأنسنها. نجعلها جزء منا. بوقفة الإبداع نخلد السرعة. المبدع يؤثر في السرعة كما تؤثر فيه. تكلمت عن الإبداع الحقيقي. أما الكتابة على غرار وجبات الطعام السريعة فلها كلام آخر.
هي ليست قاتلة تماما كما يشاع عنها، لكن تقديم الوجبات الجاهزة للعقل مهمة الصحافة. الطبخ على أصوله مهمة الإبداع. ولا يخلو من وهم القول إننا نعيش عصر السرعة الآن، البشر عاشوا عصر السرعة دائما، بإيقاعات مختلفة، وإلاّ كانوا إندثروا، السرعة ديمومة الحياة وفناؤها، موجودة في الطبيعة الحية والفيزياوية بحت مذ خلقت، خذ حركة الألكترون حول الذرة، وحركة الذرة نفسها، وحركة الأجرام المؤثرة بنا عن مبعدة، فكيف حال المجتمعات والبشر الذين عليهم رعاية أنفسهم دائما. بدأنا نتكلم عن السرعة أخيرا بصوت عال مع أزدياد عدد السكان وبروز قيمة المادة، الوقت فلوس قيل، وأسقطنا هذا المفهوم على الإبداع، الناطق الرسمي بإسم البشر، لينطق به أيضا. ليس في هذا ضرر كبير، فهو يجعل الإبداع أكثر واقعية وجدوى. لكن فيه بعض تجن على الإبداع الحقيقي وقيمه الروحية العالية على المادية.
تغير حقا العالم كثيرا، لكن في الظاهر أكثر مما في الباطن، بمعنى تغيرت الأشكال والوسائل، الرواية مثلا يفضل الآن أن تكون أقصر، أغنية أم كلثوم الساعاتية إختفت، الأوبرا باقية وجمهورها يزداد، ظهرت مُختَصِرات المسافات والعلاقات، الكومبيوتر وسواه، لكن ما زلنا نسمع من أفريقيا وآسيا الآه. الغايات راوحت مكانك سر. أحيانا إلى الوراء در. كما رأينا بعد 2003 في العراق، ولو صعد درجة أعلى، على سلّم العم سام وبلاويه.
ضمن التغير العام الظاهري والباطني غير المنسجمين تتغير بنفس الإيقاع أساليب ومحتوى التعبير والإستقبال. البشرية مرت بأكثر من منعطف حاد للتأريخ، خاصة نحن العراقيين خميرتها، تبيّنا النجوم وأبراجها، ومبكرا عرفنا الأرض ليست مركز الكون، بنينا زقورة تقربنا للسماء، إكتشف كلكامشنا العظيم لا خلود لفان والأفضل الإنشغال بالبيت وسور المدينة، الوطن بمفهوم اليوم. ثم ترسخ بعد دورة من أساطير وأديان إن المقدس نسبي. الآن بتلسكوب هابل عرفنا إن مجرتنا على منتصف النهاية. ذلك له تأثير على بنية وطبيعة المجتمعات وحكمها. منذ الثورة الفرنسية لم تعد واهمة لاهوتية. زحف الإهتمام من الأمور الروحية إلى أوهام المادية هذه المرة. ضائقة مع زيادة سكان وعدم تنظيم العمل وأنانية أضرت المجتمعات. أفلح مَن تمسّك بخير الوطن للكل. فاتنا ذلك، لكن ها نحن نعرف منذ ركبوا الأكتاف إلى بغداد إن التأريخ ليس مصدر الحقيقة والقوة، سوى لمن يضعه تحت مجهر. القوة أو الحقيقة بيد أقصر الدول تأريخا، لعمليتها أولا. الآن مع تعدد أقطاب العالم، كتعدد مواهب عبقري، نكتشف هي ليست مركز التأريخ ولا نهايته، ولأي أمة مكان فيه ضمن مجموع.
بعضنا يقاوم التغير، السرعة، لإعتياده على نمط تفكير وعيش معينين، شأنه، شرط لا يفرض رأيه على غيره، ولا غيره عليه. هذا يخص تركيبة مجتمع معاصر وأيضا تركيبة رواية أو مسرحية لها شخوص متناقضة كما في الحياة.
تغيرت أنماط التفكير كثيرا، بموازاة إنتقال المعلومات، في وإلى مجتمع، العقدين الأخيرين، منذ سقوط السوفيت ونهوض الروس أخيرا. عصر المعلوماتية والسرعة في ذاته لا يمكن أن يكون شكليا فقط بلا محتوى، ولا بلا تأثير على الأشكال الإبداعية ومحتواها، لكن من غير فتق وتمزيق. ضروري الإمساك بإنتباه المتلقي بالصدق والتركيب الروحي الموحي وإلاّ ما كان الإبداع ولا تأثير السرعة عليه.
نقيضا لما قلت هنا يعترض آخر: تتكلم عن مكابرة، الكتاب مات، وسائل جديدة متاحة تأخذ مكانه، تلفزيون، حاسوب، ديسكو. لا يقنعني. كل إنسان يحتاج خصوصية، ولو قليلا، ليس غير الكتاب وعزلته، الرواية تحديدا، ترفعه إليها. نحن تأنسنا بالكتاب، التخلي عنه عودة إلى حيونة، ملونة.
ثم أن الكتاب الألكتروني، والقارئ الألكتروني، وتصاعد الفردية، الرغبة لدى طليعة في وعي الماضي والحاضر والمستقبل بإستمتاع جمالي عال، كلها مساعدة على رواج الرواية، الكتابة الإبداعية.


* الثقافة والسلطة، الإبداع والرقابة، والأفق اللامحدود والخطوط الحمراء... ما هو موقفك من هذه الثنائيات؟

ـ هذه الثنائيات موجودة منذ الأزل وتظل موجودة في شكل وآخر، في هيئة سلطة لها خطوطها الحمراء، فكرة غريبة وعرة لها مهاويها الخضراء، حرية تبدو بلا حدود، كما في الغرب، لكن لها ضوابطها ومسؤولياتها، عليك تبينها والتعامل معها طبيعيا لا بتشنج. مسموح وغير مسموح، هذان الخياران أمامك دائما حين تكتب. ليس خارج الموضوع فقط، بل داخله. الموضوع نفسه يفرض على المبدع محظوره، من داخله، قبل الخارج. هذا فنيا، تكنيكيا، قل تكتيكيا. أما فكريا، إستراتيجيا، عليك أن تكون قادرا على إبتكار تصورك العام الخاص عن كل شئ في وقت مناسب، إستراتيجيتك، هكذا يمكن السماح لنفسك بمنازلة إستراتيجيات سائدة. هذا ليس سهلا أبدا. ولا ممكنا دائما. لا يُغتصب التأريخ والمعرفة برؤيا، بسلاح، سوى من عسكر وساسة.
المبدع ـ ولا أقول عنه الحقيقي، لأنه لا يوجد مبدع سوى حقيقي، وإلاّ هو كاتب عادي، عرضحالجي، عامل أجير في جوقة، تعاظم إذن حنقباز ـ يضحي طوعا، كالمناضل السياسي الحقيقي الوطني، أيضا لا أقول الأممي، لأن الوطني أممي، والأممي ليس حتما وطنيا، أين كنا؟ نعم، المبدع الحقيقي يضحي طوعا بحياته جهدا متواصلا، لخاطر الجمال والتأريخ، يخدم المعرفة بأدب ينحو إلى العلا بتفان نزيه. والتأريخ هنا ليس حتما تأريخ غزوات وحروب وإنقلابات، قد يكون تأريخ قبلة، تأريخ حب، تجلي أخلاق أو دين نقي.
وتصعب على مبدع منازلة الإستراتيجيات السائدة لسبقها إبتكاره في فرض وجودها. أن ينتزع منها منطقة بسلاح المحبة قد يكون مستحيلا، خاصة أوقات نزاعات فكرية كبرى، على هذا المنعطف أو ذاك، حيث يرفض المتسيد مزاحمة، حيث يُنظر إلى سعي المبدع سذاجة، عليه التوحد أو الإنضمام لإحدى السوائد، الرضا بدور ملحق بالتأريخ لا منازلا له. وإذا وصل مبدع قبله رؤيا الكشف، مارس بها وجوده الفكري والفني، هنا خط، هو الرائد والكبير، وعلى الآخر الإعتراف بمكانته.
تبدو المسألة هكذا ميكانيكية، وظيفة كانت شاغرة وأخذها أول من إستطاع الوصول إليها، وعلى غيره ينبغي التراجع بعقل، البحث عن ثغرة أخرى في الفكر، للنفاذ وصياغة الحقيقة والجمال والحرية بطريقة خاصة، تكشف الموهبة والإمكانات، أو السير في ظل الغير لو إُعتنقت أفكاره، ممارسة الدور محدودا على صعيد أوطأ. التحدي لمبدع لا من رقابة وخطوط حمراء فقط، بل من أفكار عامة وزملاء، من نفسه. منطق ترتيب الأشياء لا توضع كلها على موقع واحد. إنما يُحشر مبدعون في خانة واحدة أحيانا، تعليبهم وإعادة إنتاج أفكارهم، كخانة أدب المهجر الذي له ثنائياته الخاصة.
أدب المهجر واسع، ظهر فيه أنبياء وصعاليك، وضعهم في قالب يدمر خصوصياتهم. لغياب الحساب النقدي هنا يتاح لصغار منهم تمثيل دور كبار، ينطلي أو لا ينطلي، يؤخذ لو فيه نفع لإعلام موجه يقال عنه حر ويسّوق. هكذا كاتب يجعل نفسه أضحوكة أمام مختصين، وعموم الناس تعرف أخيرا، الزي الفكري يعلن عن صاحبه، يفضحه لو تنكر. البعض يلجأ إلى الكتابة في المنفى أو المهجر لتطبيب نفسه ويعرضها كأنها الدواء لمن ليس به داء. أمس تناولنا الموضوع مع المستشرقة السويدية أستريد البيطار، بدعوة غداء عمل في جامعة ستوكهولم منها، شؤون الثقافة العربية عريضة، لها يوم 25 أكتوبر هنا إحتفالية أدبية ملفتة، من غير خطوط حمراء، المبدع يراها يعدّلها حتى لو لم توضع له.
بالثنائية تبدأ شعلة بتوهج. الإبداع يبدأ من مواجهة المحظور والرقابة والأفق اللامحدود والسائد والرائد، من التفاعل بها جميعا. أبدع عراقيون في ظرف الحرب والرقابة الصارمة داخل الوطن كما أبدعوا خارجه، في ظروف مهجر مؤاتية. أحيانا يُعلل قصور في إداء عاليا بجبروت الظرف، كراقص يلوم الأرضية أو العازف. المبدع لا تهمه الأرضية ويؤثر في اللحن العام، يساهم في خلقه بإيماءات فكره على التضاريس الصعبة في اللحظة المناسبة، والصغير يتقافز على قرع طبل يطغي عليه.
لا أبتعد عن سؤالك، المبدع لا يكتب في جنة، حلمه متحقق، ولا في جحيم تعرف ظروفه. الإبداع كالحياة يظهر في مناطق إلتقاء المتناقضات، الثنائيات تحاول الفصل بينها، يحاول المبدع حل تناقضها بجمعها، والثنائيات بالتقسيم. الإبداع ينقل بحياد التناقض خارجه إلى داخله، يصنع وحدة أضداد، أعمالا أدبية حافلة بصراع قصد فضه. الرقابة والخطوط الحمراء تقول لا وجود لصراع غافلة عن تزايده. الإبداع يلتف حول الصراع والخطوط الحمراء، جامعا تضادا داخل تضاد. توقف، إستسلم، إنتهى.
نبدع بين الظل والنور، بين السطور، نعالج المحظور بحذر عن مبعدة، كذا هو الفن، ليبدو مقبولا حتى لحارس الأفق. الإبداع حوار مهذب لرفع الحظر وفتح الأفق. قد تكون النتيجة حظر العمل الإبداعي من إنتشار، هذا حال آخر، مؤقت، لا يخص الإبداع تأليفا بل نشرا، خارجه لا داخله، هذا متغير، بعض كتبي إنتظر طويلا قبل إستقراره في أشهر مكتبات العالم العامة: مكتبة الكونغرس الأمريكي، مكتبة الملك فهد، مكتبة الإسكندرية، مكتبة فاس، وغيرها، إضافة إلى مكتبات عامة من أستراليا إلى إسكندنافيا.
سألتني عن موقفي من الثنائيات. القتال جماليا، هذا هو مبدأي في الكتابة والحياة عامة.
علم الجمال يقي المبدع خوفا من هذه الثنائية وتصادما معها، يجد فيها حافزا للكتابة. تبقى مغادرة الوطن مظهريا للحصول على أكبر قدر من الحرية للكتابة. لو ما قدر لي توديع العراق نهاية الستينات كتبت رواياتي فيه بنفس الأداء. العراقيون عاشوا وما زالوا أزمة أخلاقية أكبر منها سياسية. سياسيا تجاوزت حدودا أحيانا طلبا لعزة الوطن. أخلاقيا لم أتجاوز حدودي مطلقا. لذلك كنت مقبولا من الجميع وفي خصام في آن. تحملت الكثير وما تنازلت عن معتقدي الأخلاقي فإحترمني حتى خصمي. نقيب صحافيين سابق سألني في القاهرة قبل أشهر: الكل يمدحك في وقت مليئ بالذم، ما السر؟ قلت: تستوعب المختلف يتقبلك وتخلصتم من شجار.
هكذا السلطة والرقابة والخطوط الحمراء، ينبغي أن تكون بينها وبين المبدع معايير وقيم مشتركة ليتم تفاعل. الشرف والصدق والنزاهة ليست حكرا ولا ترفا ولا زينة بل أسس حوار وأدب حقيقي. والسلطة والرقابة قد تمثلان نصف الشعب إذا كنت معارضا، وكما في الحياة الزوجية، يجب إحترام وتفهم نصفك الآخر.
حريتك تكتسبها وتوسع حدودها بمقدار فهمك للشريك ومقدرتك للتعبير عن نفسك بلطف، بفن.



* تجربتك مع النشر، كيف تقيمها؟

ـ شاعر أقدم معروف ذكر لي منتصف الثمانينات: لا يسمحون لظهور كاتب مستقل، أنت إستثناء. ما تبينت عمق كلامه وصدقه سوى بعد خيبات أخرى ما زالت مستمرة مع دور نشر، علمتني أن هوان نشر ثقافتنا عموما رغم علوها هنا وهناك من إمتهان سياسي، لضعف وطني سببه تصفية الطبقة الوسطى وإنتهازية مقابل مكر وهيمنة أجنبي. لا نشر عندنا إعتمادا على الجودة، بل على مضاربة بالعمل الإبداعي في بورصة السياسة. فرز النشر والثقاقة عموما عن السياسة غير ممكن في غياب الحرية رغم تشدق بنشرها. حصة كبيرة من أمرنا ليست في يدنا. عقول محدودة بمصالح خاصة غير شرعية تفسد حتى ملح أرضنا. أحترم المصالح الخاصة، الشرعية، لكن قبلها يجب إحترام العامة، المغذية للخاصة، الإطار، هذا مكسور حاليا.
قد أستعرض مهاراتي الشخصية بموضوع النشر، صعوباته، ككاتب غير مسيَّس، بمعنى غير موظف لجهة، في وضع مسيّس حتى القرف، ساهم بتسيسه في ميدان مدنيتنا المركزي حتى جائزة محترمة كجائزة نوبل، قل وضعا ثقاسيا، نسجا على الجيوسياسي، متهالكا منتهكا في العراق فوق وتحت. لا مغالاة لو رحت بعيدا. نعيش دون أن ننتبه غالبا العالم عرضا وطولا وعمقا متصورين نحن حيث نقف فقط. حادث صغير أو كبير له صلة بمسائل عامة بعيدة. الصراحة محاصرة، تكشف عورة ينبغي حجبها. وضع النشر الثقافي وضع غاب. أتعامل مع الجمال أتغاضى عن القبح، كي لا أصاب برشق منفر منه، وحين تصبح مبللا تماما لا تخافه، ولا المطر، حتى لو تضفدع وإستكلب.
عدة دور نشر تعتبر نفسها محترمة، منها تعد لصحيفتها بعض حواراتك، طلبت رواية لي لنشرها، كل منها قال مديرها تظهر بعد أسبوع، ولا تظهر. أرسلوا إليّ بروفة النشر الأخيرة، طلب أحدهم رقمي في بنك لتحويل مكافأة. بعد ذلك ما ردوا حتى لماذا أوقفوا نشرها فجأة. واضح ألسنتهم معقودة. قلت هذا للسيدة أستريد البيطار فقالت ربما أرادوا مالا؟ طيب، أحسنت لأحدهم حسب لغته المهذبة بما تيسر من وحي أرنب، أعاده مرعوبا وأوقف النشر في اللحظة الأخيرة. الشبح الذي يحول دون نشر روايتي مازال يدير عمليته الاأخلاقية وراء ظهري، طز به، تظهر قريبا. وإذا لم تظهر ما همني. أكتب وأنشر بدور محترمة غيرها. نقلوا عن أولمرت حلم الكبرى لم يعد له وجود. أولى بركات تعدد الأقطاب. يتبع مزيد من زوال الوهم، وإنتصار الحقائق العليا العامة. في السويد العادلة رغم خطأ تجاهي تُشكر على صراحة. عندنا لا مجال. كاتم صوت قد يدغدغك، يذكرك ليس كل شئ يقال.
الشمس الكبيرة شعاع صغير، والبحر الكبير قطرات، حجب جائزة محترمة أخرى عن حق وفطنة عن دور النشر في الوطن العربي العام الماضي تفصيل صغير يعوض كلاما طويلا. أثمر ذلك خيرا. سلوك بعض دور النشر تغير، لصالح إلتزام قيم نشر عالية. لم تكن طبعا كل تجربتي مع النشر مريرة، ولا كل من صادفني على هذا الطريق أشرار، قابلت في مصر وسوريا ولبنان وروسيا والسويد ناشرون محترمون، دار الهلال، عويدات، الرشيد سابقا في بغداد، بوديوم، وأخرى جديدة وناشئة تطرح كتبها بمعرض القاهرة القادم، على مستوى عال من تهذيب وأمانة ودقة.

* في فترة الستينات والسبعينات من القرن العشرين كان المثقف يوجه جماهيراً ، يؤثر في الشارع العراقي لكن اليوم حصل العكس ؟ هل انتهى دور المثقف ؟ أين يكمن الإشكال هل فيكم أنتم كمثقفين حين تخلّيتم عن دوركم ؟

ـ السؤال الإستفزازي نافع، دافع لرد حيوي، لإصطياد في عمق نهر السؤال، قد يصيب المتحاورين برشق. تدعي دون دليل إننا كمثقفين تخلينا عن دورنا، وقت جُندِل ذوو إختصاص وصحافيون وكتاب برصاص فوضى البلد الحالية. أولئك تخلوا عن دورهم هذا واضح، بالموت، بإختيار غير محظوظ، كانوا في مكان خطأ، في وقت خطأ، أي مثقف معرّض لإرتكابه لو ما فهم ما عاد بين الأبيض والأسود وجود للرمادي. لون الشيب هذا، لون الحكمة، ليس مطلوبا في شارع مجون، كثرة تصبغ لتعيش، لتكون في صورة. أي دور هنا لمثقف وغيره، في شارع أنس دموي مسيج بسبطانات طائفيين ومحتلين وعصابات عنصرية، غير دور قاتل أو مقتول، طالما ليس هناك دور متفرج، ومصلح حال يعامل كعدو من هذا وذاك.
شارع عراقواي في فورة عرض مسرحياته، هنا واحدة يخرجها أجنبي، أخرى على الرصيف المقابل يخرجها محلي، موضوعهما القتل طبعا، المودة السائدة مذ انحنت رقاب لمخرج إسترخص أهل البلد وذوقهم وأولئك إسترخصوا أنفسهم وأخلاقهم. ثم أليس ذلك ما شاهدناه أغلب الأحيان، في أفلام غربية، حتى والحرب الباردة إنتهت وكان عليها أن تنتهي في الفن أيضا، لكن إستمرت في إنتاج إبداعاتها الدموية مع إستمرار معامل السلاح في إنتاج حشراتها الكريهة للسع والربح. الحرب برأيها كالريح تكنس فائض الأرض.
مرة أخرى: أي دور لمثقف في هذا السوق غير دور بائع أو جلاد أو ضحية أو شهيد، بفيلم تركيبته واحدة كأغلب أفلام ومسرحيات الحرب والرعب في برودواي مع تغير الوجوه. كممثل، نعم. الفرجة هناك بعيدا. خارج معامل إنتاج الوعي. هي ممنوعة عليه هنا، وأيضا التعليق، إلاّ ضمن جوقة، تحت قيادة مايسترو غير محترف مع ندرة محترفين.. وهو ليس ممثل أصلا.. ولا ينبغي له أن يكون.
ضع في حسابك: الممثل مثقف غالبا، لكن المثقف ليس ممثلا، ربما على مسرح، لكن ليس في الحياة.
أخَذَ مثقف دورا في مسرحية، على خشبة أو غيرها، خسر دوره الحقيقي في الحياة. لا كلام عنه بعد ذلك سوى بإعلان عن تلك المسرحية. بل لا كلام عموما عن دور مثقف في إصطدام مسلح سوى بعد فضه سياسيا أو بحسم لصالح الوطن المشترك، ليشتغل جماليا على البناء الروحي للإنسان.
نعم، دوره الحقيقي كما تفضل حضرتك: المشاركة في البناء الروحي لمجتمع، كمثقف نعم، حرفته تقديم الأمل والحقيقة للناس، إلتقاءً وعملا معهم. مشاركة في هندسة الحياة الإجتماعية، لوضع طبيعي لا مفتعل، يصبح بلا جدوى لو نقضت المشاركة، كالذي نعيشه منذ ضربت القوى الوطنية بعضها بعضا بعد ثورة تموز 1958 مع إنزال شعار مشبوه على الثورة من فوقها لسحقها، فيدرالية مفتعلة، بتوقيت لا تفسير له سوى نسف الثورة والبلد.
نصف قرن من المآسي وملايين الضحايا لإدراك فتنة. إنطلى الإستفزاز على التوأم الوطني الثاني أيضا وقابله بشعار الوحدة، الأكثر واقعية من الأول، لصدوره طبيعيا من مزاج تلك الفترة، تأميم القنال وحرب 1956 ودفاعا عن جمهورية وليدة ولود نضجت في ثلاثة أعوام رافقتها أخطار حتى اليوم. فأجهضت أم العراق الكبرى (ثورة 1958) برفس نجليها في خاصرتها، الأخوين البعث والشيوعي، في تراجيديا سياسية لا مثيل لها، غذاها عداء مصدّر إليهما من الخارج بمكر، وآخر مصنّع في الداخل بجهل، برهنت الأيام على سهولة تحوله محبة بحديث صادق حول طاولة مستديرة للوطن، في مسلسل عنف مستمر حتى اللحظة، لكن في صورة لاعبين جدد أخرى، أشقاء أيضا، أشد فتكا من الأولين.
معلوم، التوأم الأخضر ركب القطار في 63 ، الأحمر الدبابة في 03 ، كلاهما غربي، حقيقة أساسها وقائع بدأت من تصريح السفير الهارب من بغداد إثر الثورة: الجواد العراقي خرج من حظيرتنا وسوف نظل وراءه حتى نعيده إليها. وما زال ورثته يحاولون، يمسكون به، والجواد الأصيل مازال جامحا، البرية إتسعت الآن، بوابة شمالا يفتحها الأغا التركي، تصالح حميد بين ماض مديد وحاضر تليد، وشمالا أبعد الدب الجار الكبير القريب ونزعة وسطية جعلته يترك أفريقيا وآسيا والآن تؤهله ليكون نقطة توازن العالم، بديلا عن ثور عجز عن حمله على قرنيه.
حلقات متواصلة تأريخ العراق هذا أمامنا، معركة وصفتُها نعم غير متكافئة، آخرها مقتل كامل شياع وطاقم الشرقية، التراجيديا هنا لا تنبع من مقتل مثقف فقط، شبه الحرب الأهلية في العراق كلها هي التراجيديا، تحديد ذنب نشوبها وما يحدث فيها تصدره محكمة للتأريخ سياسية غائبة، وأنت تعلم، التأريخ من آشور إلى بابل إلى سومر يداس بالجزمة مع الأسف. قبله رأيتَ بيدنا صنعنا التراجيديا لأنفسنا، نصف قرن من عدم تفاهم، اليوم مازلنا فيها، أزمة معقدة يتحمل مسؤوليتها سياسيون مستقوين بأجنبي مسلح جوارهم. سهولة الحكم من وضوح الصورة.
سألتَ عن التأثير في الشارع.. المثقف السياسي يؤثر فيه حين يكون أعلم من الجماهير. بظرف إستقطاب وإحتراب وتعمية تُستفّز، تنبذه إذا لم ينخرط معها في صراعها، فيه يعيش المثقف تراجيدياه الخاصة، داخل العامة. ينعدم دوره في (توجيه الجماهير) فهي موجهة من غيره، بما هو أمضى من الكلمة. فكرة الخلاص عنده تسخر منها دموية الشارع. لا مكان لمثقف جوار قنبلة. يُرغم على إنحياز وهو بطبعه لا ينحاز، على ممالأة أجنبي وهو وطني، على عدم إعاقة مقاومة في الأقل وقت يحسب ذلك مشاركة في إرهاب. يصبح عبئا وعبثا وقوفه ضد سفك الدم، به يُحل إشكال، سواء من السلطة أو من معارضتها، الكل مدجج بسلاح وهو لا يحمله، هكذا يكون ضحية سهلة لسوء فهم وإزاحة عن طريق. يرفع خطابه إلى فوق، أيضا كلٌ يريد الحل بسلاح.
على صعيد آخر، فردي، مثقف العراق في تراجيديا حتمية اليوم، وقف مع العملية السياسية أو ضدها. تراجيديا نابعة في حالة تعاونه من عدم قناعته بما يفعل ويفعله إلتزاما بموقف مؤثر عليه. معيشي أو حزبي. شياع كتب حرفيا إلي: لا زلت انتظر في بلد الانتظار والتلكؤ الذي يملأ القلب مرارة.. فهل يدعو شياع كما أدعوا بهذه الكلمات أحدا للعودة إلى بلد وصفه هكذا، وهو باق فيه مرغما؟ أشك. في مناسبة أخرى عبر هذا الرجل النزيه الحميمي الشفاف عن أكثر من ذلك اليأس، كان مدركا لاجدوى عمله في ظل إحتلال، لذلك شعر الأمان في الشارع من جانب مناهضيه، رفض حمل السلاح، متأكدا من عدم إمستهدافه، واصل عمله، غير المجدي حتى برأيه، في وزارة الثقافة، التزاما منه بموقف حزبه غير المقنع له، هنا بدأت كارثته.
بتضحيته بموقفه الشخصي لصالح موقف حزبه، بغض النظر أي الموقفين صح، خسر معركته مع قدره، نازله هنا نيابة عن غيره، فأنزل القدر القصاص المفروض إنزاله بأهل الخطأ، لكن به. كان في إمكانه إنذار حزبه بل والطلب منه بضرورة الإنسحاب من عملية أصبحت عبئا على الشعب العراقي ومرتعَ طفيليين، بفساد إستشرى حتى التعرض لإنسان مسالم. بل وإنسحابه هو من حزبه وموقعه إذا لم يهتموا بتوصيته كخبير. طبعا لهذا تبعات قد تصل ما لا يمكن تصوره. إنما خاطر هو في كلا الحالين بحياته، وأكثر حين إلتزم غير موقفه الشخصي في ظرف إستثنائي.
تراجيديا إخراج المثقف عن دوره التنويري مرغما أو طوعا. كذلك تمسكه بدوره هذا في ظرفنا، كما أحاول أن أفعل. قد نُتهم بمساندة إرهاب. قد نتعرض لإغتيال أيضا ممن لا يعجبهم هذا الموقف. المنطقة الوسطى ملغاة، الخيار الإرتماء إلى هذا الجانب أو ذاك. بل الوطن وليكن الطوفان. البعض قال ذلك أيضا وزار عدوا، خالطا بين الشخصي والعام، بفوضى من إنطفاء مصباح سلطة الوطن الحقيقية، والعتمة تدل فيها البصيرة لا الباصرة على الطريق.
تراجيديا أيضا تخلي مثقف عن دوره بتشوش من تغيير بل كسر قسري لبلاد الرافدين، هذا تعقيم.
ثورة تموز 1958 أيضا تغيير قسري، فلماذا تأييدها؟ لأنها نتيجة تطور طبيعي مر به البلد والمنطقة برمتها. بعد ربطه بحلف نزع عنه إستقلاليته وكرامته وضرب الوطنيين المحتجين وقتل مَن في حماية سجن الدولة لم يبق لهم غير الرد بقوة أيضا وكانت الثورة. ذلك يحدث بمقاومة عراقية الآن على أرضية إتفاق وريث للحلف القديم مع تصفية ركيزة وطنية واسعة هذه المرة، البعث. تصبح المقاومة طبيعية. أين المثقف من هذا؟ يمشي ضد، يسكت جبنا، يؤيد ممالأة؟ لعل إقتراب المالكي والنواب إلى الشارع بعض حل، أوله رفع الحيف عن البعثيين، وتوزيرهم، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين.
المثقف في محنة مضاعفة، وجهه وظهره مكشوفان، بلا حماية، يأسه ليس خيارا ولو في جحيم، حدود الثقافة تنتهي عند اليأس. صعب الآن في العراق وخارجه وضع مثقفه. يظل دوره ومأثرته في عثوره على الفكرة السديدة ونقلها إلى غيره. لغته الكلمة والسائدة الطلقة. وتريده يا مازن يقود شعبا؟ حسنا وصلني الطلب، أنقله إلى قراء الممحي، لكن ليس بكل سرور، بل بخشية يكنسها حب الوطن.
قادة مزيفون دمروا الكثير حتى في مثقفيهم، ناجون قلة، قادة تحركوا بشروطهم، لومي أكبر على المثقف لعدم حركته غالبا ضمن شروطه. حدة الخطاب السياسي حوله قد تفرض عليه الصمت، هذا أدينه. أو الإنخراط فيه، أرفضه. أو نقده، هذا أتبناه.
هذا هو حال المثقف في غابة السبطانات، وما زلنا نغني فيها جرحى بمعاناتنا.
وأعود إلى سؤالك هنا وأقول غير دقيق. مثقف الستينات والسبعينات ما وجّه جماهير تلك الفترة الساخنة بل وجهته نحو تمرد وثورية آنذاك. ما أثر في الشارع العراقي بدليل تطورت الأحداث لا بالثقافة، بل بحسابات السياسة. السياسة من الثقافة طبعا. السياسة جزء، الثقافة كل داخل ثقافة أشمل، متعددة، قوامها كيف نفكر، كيف نحقق أفكارنا.
ثمة خصوصية لتفكير فرد، وثمة إلزام عام من ضرورة تعايش مجموع مختلف بخصوصياته. يعني ينبغي إحترام المختلف، بهذا شراكة الوطن، إذن قانون مدني من إبن البلد، لا مستعار، ولا شريعة يختلف عليها حتى أتباع دين واحد.
نحن شعب وعيه عميق وحضارته طويلة غيّب الحوار بين مكوناته لغلبة التقوقع حتى داخل أحزاب حاربته، ما حددنا أوليات وجودنا المشتركة ليكون حديث إثنين منا مختلفين متسقا. حتى الآن لكلٍ أولياته. لذلك ننتهي غالبا حيث بدأنا، منذ تأسيس الدولة العراقية أوائل القرن الماضي وتجديدها منتصفه بثورة إلى إنكسارها بعد نهايته.
على بداية الدائرة مجددا. الوطن واحد ولكلٍ إيمانه وحسابه مع ربه. فهل من مستمع لمثقف؟









كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,566,338,046
- سلامة كيلة : في الوطن العربي لازال -العقل الماركسي- يلوك مخز ...
- العراق بين الحربين .. رسائل ضابط انكليزي
- الجنابي وكتابه (هادي العلوي – المثقف المتمرد!)
- أحمد عبد الحسين .. شكراً لك ياصديقي لأنك جمعتنا في موقف واحد
- الحقيقة والسراب .. قراءة في البعد الصوفي عند أدونيس
- يهود كُردستان
- قاسم محمد الرجب.. شيخ الكتبيين العراقيين
- اليهود في العراق 1856 1920 ودورهم في الحياة السياسية والاقت ...
- الصدمة النفسية .. أشكالها العيادية وأبعادها الوجودية
- علم الأديان...مساهمة في التأسيس
- سوسيولوجيا الجنسانية العربية .. الجنس وموضوع ...
- خواطر وذكريات مع مخطوطة ((الشخصية المحمدية)) للرصافي
- الكلمات الفردوسية..مجموعة من ألواح بهاء الله
- أدَبُ اليَهوُد العِراقيين وَثقافتهُم في العَصر الحدِيث
- 78 عاما على صدور كتاب الدولة الاموية في الشام
- ميثم الجنابي وإشكالية (أوزان الهوية الوطنية)
- نجاة الصغيرة.. الصوت الدافىء
- صعوبة نشر وطبع وتوزيع الكتاب تجبر المثقف العراقي على طبع كتب ...
- بلقيس حميد حسن : التيارات والاحزاب الليبرالية صارت لاتهتم لا ...
- المؤسسات الدستورية وآلية عملها عند نشوء الدولة العراقية المع ...


المزيد.....




- الأمير هاري: سأحمى أسرتي -دوما-
- نوم متقطع وكوابيس.. تعرف على أحد أسباب أحلامك المزعجة
- لها قيمة أثرية وتاريخية.. فلسطيني يجمع -ثروة- من الحجارة
- شرق الفرات.. المسلحون الأكراد ينسحبون من رأس العين وأردوغان ...
- حسام البدري يعلق على صور محمد صلاح مع عارضة الأزياء ويكشف مو ...
- الأمير هاري: لن يتم تخويفي للقيام بلعبة أدت إلى مقتل أمي
- What You Should Do to Find Out About Mm in Chemistry Before ...
- What’s Really Going on with Sleep Science
- Never Before Told Stories on Best Thesis Paper Writing Servi ...
- Kurz Artikel lernen Sie die Ins und Outs der Studie in Deuts ...


المزيد.....

- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- «صفقة القرن» حل أميركي وإقليمي لتصفية القضية والحقوق الوطنية ... / نايف حواتمة
- الجماهير العربية تبحث عن بطل ديمقراطي / جلبير الأشقر
- من اختلس مليارات دول الخليج التي دفعت إلى فرنسا بعد تحرير ال ... / موريس صليبا
- أفكار صاخبة / ريبر هبون
- معرفيون ومعرفيات / ريبر هبون
- اليسار الفلسطيني تيار ديمقراطي موجود في صفوف شعبنا وفي الميد ... / نايف حواتمة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - مازن لطيف علي - الروائي المبدع برهان الخطيب:المثقف يغني في غابة سبطانات