أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية ودور اليسار في المرحلة الراهنة - ملف 1 ايار 2004 - غازي الصوراني - الطبقة العاملـة والعمل النقابي في فلسطين ودور اليسار في المرحلة الراهنة















المزيد.....



الطبقة العاملـة والعمل النقابي في فلسطين ودور اليسار في المرحلة الراهنة


غازي الصوراني
الحوار المتمدن-العدد: 821 - 2004 / 5 / 1 - 07:45
المحور: الحركة العمالية والنقابية ودور اليسار في المرحلة الراهنة - ملف 1 ايار 2004
    


إنَّ النظرة المتأنية ، المدركة لواقع كوكبنا في بداية القرن الحادي والعشرين تؤكد أن معظم شعوب هذا الكوكب باتت تتجرع اليوم مرارة الحرمان والمعاناة في ظل السيطرة الاحادية المتوحشة لنظام العولمة الذي حول أقاليم عديدة في هذا العالم إلى مسارح مضطربة مفتوحة على كل الاحتمالات ، أدخلت العلاقات الدولية في حالة من الفوضى المنظمة ، بحيث أصبحت هذه العلاقات محكومة لظاهرة الهيمنة الأمريكية المعولمة أو لهذا الفراغ أو الانهيار في التوازن الدولي الذي أدى الى بروز معطيات جديدة في هذا الكوكب من أهمها :-
1-تم إسقاط العديد من القواعد المستقرة في إدارة العلاقات الدولية ، حيث دخلت هذه العلاقات تحت الإشراف المباشر وغير المباشر للولايات المتحدة الأمريكية وإدارتها الأحادية التي ستحاول في ضوء هيمنتها الراهنة إعادة صياغة العلاقات الدولية برمّتها وتكييفها وفق مصالحها المعولمة  .
2-تحولت أقاليم عديدة في هذا الكوكب الى مسارح استراتيجية مضطربة ، بدأت ، أو أنها في انتظار دورها على البرنامج ، وهي مسارح أو أزمات ، مفتوحة على جميع الاحتمالات وفي جميع القارات ، وما أصاب دول العالم الثالث من تفكك وخراب أعادها سنوات طويلة إلى الوراء الى جانب تخلفها واحتواء أنظمتها الحاكمة بصورة شبه كاملة لحساب السياسة الأمريكية المسيطرة .
3-استكمال سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على منظمة حلف شمال الأطلنطي ، التي أصبحت أكثر فاعلية من المنظمة الدولية الشرعية أو الأمم المتحدة التي أصبحت بدورها محكومة للسياسات الأحادية الأمريكية .
4-إضعاف وتهميش ما كان يسمى بدول عدم الانحياز ، و منظمة الدول الأفريقية ، و الجامعة العربية ، ومنظمة الدول الإسلامية ، و كافة المنظمات الإقليمية ، التي فقدت اليوم بوصلتها ودورها .
5-بعد احتلال العراق، يبدو أنه تم إسقاط المنطقة العربية و دورها ككتلة سواء على الصعيد الإقليمي أو الدولـي ، و تجريدها من أي دور سوى الخضوع والاحتواء السياسي والاقتصادي، واستمرار تأمين المواد الخام ، و إقامة القواعد و الأحلاف العسكرية وفق ما حددته التوجهات و المخططات الأمريكية لمنطقتنا العربية ، الهادفة الـى :
أ-استمرار عملية التطبيع مع "إسرائيل" والدول العربية ، وفق الشروط الإسرائيلية –الأمريكية الهادفة إلى إنهاء المشروع الوطني الفلسطيني بعد تحطيم ثوابته و أركانه الأساسية و مقوماته التاريخية و الشرعية الدولية ، انسجاما مع معطيات خطابي شارون وبوش في نيسان 2004 ، ورؤيتهما المشتركة للقضيـة الفلسطينيـة .
ب-استمرار الهيمنة أو السيطرة المباشرة على العراق والخليج وشبه الجزيرة العربية (السعودية) كمنطقة نفوذ أمريكية بصورة شاملة و كلية ، والعمل على استمرار احتواء بقية البلدان العربية واخضاعها ، بل وتفكيك او اعادة تجزئة بعض هذه البلدان الى دويلات جديدة خاصة في الجزيرة العربية ، والسودان والجزائر الى جانب العراق[1] .
ج-الاستمرار في فرض السياسات الاقتصادية وفق مقتضيات الخصخصة و أيديولوجية الليبرالية الجديدة عبر مركزية دور الكمبرادور والقطاع الخاص غير المنتج ، والخاضع لشروط منظمة التجارة الدولية والشركات المتعددة الجنسية .
د-تدعيم وتعميق العلاقة التوحيدية في السياسات والمصالح الامريكية-الاسرائيلية ، وتطوير مهام الدور الوظيفي "لاسرائيل" وتحويلها الى ركيزة امبريالية صغرى متقدمة في المنطقة تضمن استمرار حماية المصالح الاستراتيجية الأمريكية المعولمة عبر سيطرة هذا التحالف على الإقليم الشرق أوسطي كله أو "الشرق الاوسط الكبير" .
 
لقد بات واضحاً أن تطبيق مبدأ "القوة الأمريكية" ساهم بصورة مباشرة في تقويض النظام الدولي في عالمنا المعاصر ، بعد أن فقدت دول العالم الثالث عموماً –عبر أنظمة الخضوع والتبعية- إرادتها الذاتية و سيادتها ووعيها الوطني ، و كان استسلام معظم هذه الدول ، أو رضوخها لقواعد و منطق القوة الأمريكية ، مسوغاً و مبرراً "لشرعية" هذه القواعد من جهة ، و الصمت المطبق على ممارساتها العدوانية ، في كثير من بقاع العالم سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة من جهة أخرى ، كما يجري اليوم في بلادنا عبر العدوان الصهيوني الإمبريالي على أبناء شعبنا في فلسطين والعراق وعلى مقدرات شعوبنا العربية كلها ، بعد أن أصبح النظام العربي في معظمه مهمشاً وفق شروط الهيمنة الأمريكية المتجددة التي جعلت دور الدولة في بلادنا –كما في بلدان العالم الثالث أيضاً- يقتصر على الجانب الأمني و القمعي لحماية المصالح الرأسمالية الخارجية و الداخلية المتشابكة ، بعد أن نجحت هذه الشروط في تصفية دور الدولة الإنتاجي و الخدماتي الذي كان مخصصاً في المرحلة السابقة لتغطية بعض احتياجات الجماهير الشعبية فيها . و بتراجع دور الدولة الوطني و الاجتماعي ترعرعت المصالح الشخصية البيروقراطية ، و الكومبرادورية ، و الطفيلية ، باسم الخصخصة و الانفتاح ، مما أدى إلى تفكك الروابط الوطنية و القومية و الإقليمية ، إلى جانب عوامل التفكك و شبه الانهيار المجتمعي الداخلي المعبر عنه بإعادة إنتاج و تجديد مظاهر التخلف بكل مظاهره الطائفية و الاثنية و العائلية و الدينية …الخ ، التي ترافقت مع تعمق الفجوات الاجتماعية ومظاهر الفقر المدقع بصورة غير مسبوقة فيها .
 
و في ظل هذه الأوضاع المتدهورة ، الناتجة عن أزمة التطور الاجتماعي ، وأزمة القيادة ، في بلدان العالم الثالث عموماً ، التي أدت بها إلى مزيد من الإلحاق و التبعية في علاقتها بالشروط الرأسمالية الجديدة ، كان لا بد لاستراتيجية رأس المال المعولم ، انسجاماً مع نزوعه الدائم نحو التوسع والامتداد ، أن تسعى الى إخضاع الجميع لمقتضيات مشروع الهيمنة الأمريكي المعولم ، وهي استراتيجية تستهدف هدفين اثنين متكاملين هما "تعميق العولمة الاقتصادية ، أي سيادة السوق عالميا ، وتدمير قدرة الدول والقوميات والشعوب على المقاومة السياسية"[2] ، هذا هو جوهر الإمبريالية في طورها المعولم في القرن الحادي والعشرين ، وبالتالي فإننا نرى أن الوضع الراهن ليس نظاما دوليا جديدا ، وإنما هو امتداد لجوهر العملية الرأسمالية القائم على التوسع والامتداد ، وهو أيضا استمرار للصراع في ظروف دولية لم يعد لتوازن القوى فيها أي دور أو مكانة ، ولذلك كان من الطبيعي أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية ، باعتبارها القوة الوحيدة المهيمنة في هذه الحقبة ، بملء الفراغ الناجم عن انهيار التوازنات الدولية السابقة .
 
وبنشوء هذا الفراغ ، السياسي ، الاقتصادي ، الأيديولوجي ، أصبحت الطريق ممهدة أمام التوسع الرأسمالي صوب المزيد من السيطرة عبر طوره الإمبريالي المعولم كشكل أخير من تطور النظام الرأسمالي ، مما دفع به الى الكشف عن مخططاته المبيتة أو الكامنة للوصول بالتوترات والتناقضات الدولية الى أقصاها ، عبر المواجهة المباشرة ، مستخدما كافة أساليب الضغط والإكراه ، بالقوة العسكرية أو بالإخضاع والمزيد من التبعية والإلحاق لضمان استمرار سيطرته على كافة الموارد البشرية الأساسية ، من احتياطات النفط ، والماء ، الى الأسواق والمنتجات الصناعية والزراعية ووضع الحدود والضوابط الإكراهية لحركتها ، بما يضمن مصالح الشرائح العليا البيروقراطية والطفيلية والكومبرادورية في أنظمة البلدان الفقيرة التابعة من جهة ، وبما يؤدي الى إعاقة نمو هذه البلدان وتدمير اقتصادها وانتشار المزيد من أشكال التخلف والفقر والجهل وتعمق الأزمات السياسية والطائفية والدينية فيها من جهة أخرى ، ففي ضوء وضوح هذه المخططات خلال العقود الثلاثة الماضية تتكشف الطبيعة المتوحشة للرأسمالية المعولمة اليوم على حقيقتها عبر ممارساتها البشعة ضد شعوب العالم الفقيرة ، وضد القيم الإنسانية الكبرى في العدالة الاجتماعية والمساواة ، الامر الذي يؤكد على عمق الانقسام الاجتماعي العالمي ويؤشر بقوة على ضرورة تفعيل عوامل وآليات الصراع الطبقي في اطاره القومي والاممي بعد ان نضجت اكثر مما ينبغي عوامله الموضوعية التي تشير الى تفاقم معاناة شعوب العالم الثالث من مرارة الفاقة والحرمان والتخلف في ظل أوهام "الديمقراطية" وليبرالية العولمة المتوحشة ، الأمر الذي يجعل من شعار " الاشتراكية أو البربرية " الذي رفعته "روزا لكسمبرج" في بداية القرن الماضي ، شعاراً مركزياً يتوجب على قوى اليسار العالمي عموماً ، وفي مناطق الأطراف والبلدان العربية خصوصاً ، ان ترفع هذا الشعار عالياً وتجعل منه شعاراً توحيدياً ناظماً عبر الممارسة ، في أوساط أعضائها وجماهيرها من العمال والفلاحين الفقراء ، مدركين أن تفعيل هذا الشعار عبر الممارسة يتطلب بناء الحزب وكوادره الأولى من أوساط الطبقة العاملة والكادحين بصورة أساسية ، ذلك أن الحزب اليساري الذي لا تتشكل عضويته الغالبة من أبناء الطبقة العاملة ، لن يتمكن بسهولة ، من تحقيق التماسك والتوحد الفكري والتنظيمي لأعضائه ، مما يجعله عاجزاً عن أداء دوره الفعال على صعيد النضال السياسي الطبقي في مواجهة السلطة أو الطبقة الحاكمة ، وبالتالي يفقد صفته كممثل أو طليعة للطبقة العاملة والفلاحين الفقراء وجموع الكادحين ، مما سيخلق منه إطاراً عاجزاً عن توفير الأدوات والركائز الأساسية التي تجعل من الحزب معارضاً حقيقياً ومعقداً للآمال في تحقيق أهداف الجماهير الشعبية وانعتاقها من الظلم الوطني و الاستغلال الطبقي ، مما يعطي للسلطة الحاكمة وطبقتها السائدة ، مزيداً من التفرد والاستغلال والاستبداد .
 
  والتزاماً بهذه الرؤية سأتناول موضوع هذه الدراسة عبر محورين :
 
 
أولا : الأوضاع و التحولات الاجتماعية :
 
إن أهم ما تتميز به الأوضاع الاجتماعية-الطبقية في فلسطين –والبلدان العربية عموما- أنها أوضاع انتقالية ، غير مستقرة وغير ثابتة، والأشكال الجديدة فيها تحمل في ثناياها العديد من ملامح القديم ، لذا فإن التحليل الداخلي أو الطبقي لمجتمعاتنا، القائم على المقارنة الميكانيكية أو التشابه بينها وبين مسار التطور الأوروبي كمعيار ، سيؤدي بنا إلى مأزق تحليلي ومعرفي عند مناقشة الوقائع العينية والأحداث التاريخية ( الخارجية والداخلية )  التي ميزت واقعنا ، لأن هذه الأحداث والوقائع كانت عاملا أساسيا من عوامل تشوه وتمييع الوضع الطبقي الفلسطيني ، فالنكبة الأولى عام 1948، التي شردت شعبنا ودمرت قاعدته الإنتاجية (شبه الإقطاعية –شبه القبلية- شبه الرأسمالية آنذاك) ومجمل بنيته الطبقية والمجتمعية ، ثم ضم وإلحاق الضفة الفلسطينية إلى الأردن لتصبح جزءا من اقتصاده ومجتمعه ، ووضع قطاع غزة تحت الوصاية المصرية ، وتكريس التباعد الجغرافي والسياسي بينهما الذي عمق التباعد الاجتماعي-الاقتصادي بين أبناء الشعب الواحد حتى الاحتلال عام 1967 ، الذي قام بإلحاق اقتصاد كل من الضفة والقطاع بالاقتصاد الإسرائيلي بما ينسجم مع " منطق " الاحتلال والإلحاق العسكري، حتى توقيع اتفاق أوسلو 1993 ، ثم توقيع اتفاق باريس الاقتصادي (نيسان 1994) حيث يعيش الاقتصاد الفلسطيني حالة من الضعف والهشاشة والتبعية الكاملة –من حيث السوق والوحدة الجمركية والأسعار- للاقتصاد الإسرائيلي .
 
إن هذه الأحداث والمتغيرات والتطورات التي واكبت تطور مجتمعنا الفلسطيني –وكذلك الأمر بالنسبة للمجتمعات العربية- تفرض علينا أن نأخذ بعين الاعتبار هذه الخصوصية في تطور مجتمعنا ، وعدم إمكانية تطابق مساره التطوري مع المعيار أو المسار الأوروبي كما شرحته بعض مقولات المادية التاريخية في تناولها للمجتمعات الأوروبية .
 
وفي هذا السياق … فإننا إذ نسترشد في تحليل متغيرات الواقع وقراءة كافة الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بالنظرية الماركسية-اللينينية ومنهجها ، إلا أن هذا لا يعني أن مجتمعنا الفلسطيني –والمجتمعات العربية- محكوما في تحولاته بالضرورة بمسار المجتمعات الغربية أو أي مسار آخر ، ذلك لأن الواقع الاجتماعي الاقتصادي الفلسطيني –كإطار خاص لا ينفصل عن اطاره العربي العام-هو نقطة البداية في التحليل والتشخيص والوعي بتفاصيل مكوناته استنادا للنظرية الماركسية ومنهجها ، ومن هنا تكتسب مفاهيم ومصطلحات مثل "الإقطاع" و"الرأسمالية" و"البرجوازية" والطبقة العاملة أو "البروليتاريا" مضامين مرتبطة بالتطور التاريخي في أوروبا ، وهي مضامين لا تتوافق أو تتناسب إلى -حد كبير- مع تحليلنا لواقعنا ، بحكم اختلاف شكل ومضمون التطور التاريخي في بلادنا ، اختلافا جذريا ، دفع العديد من المفكرين والكتاب والمثقفين الماركسيين العرب إلى الاجتهاد في استخدام مفاهيم حمل كل منها مضمونا توافق مع واقعنا بصورة جزئية دون استقرار وثبات لهذه المضامين بصورة متطابقة مع الواقع العربي ، كما حصل في المفاهيم ومضامينها المطبقة على التجربة الأوروبية ، مثل "الإقطاع الآسيوي" "المجتمع شبه الإقطاعي شبه القبلي" "الإقطاع القبلي" أو "الإقطاع العشائري" ، "الإقطاع الأبوي" "مجتمع ما قبل رأسمالي" "مجتمع شبه رأسمالي قبلي شبه إقطاعي" ، وكذلك الأمر بالنسبة للبرجوازية ، كطبقة غير متبلورة ، اتخذت في بلادنا سياقا أو إطارا –بحكم تخلفها وتبعيتها- مغايرا للبرجوازية الأوروبية ، فهي عندنا "برجوازية" أو رأسمالية كومبرادورية ، سمسارة ، طفيلية ، ريفية ، متخلفة ومشوهة ، ولدت –كما غيرها من الطبقات "الحديثة"-، في أحضان الأنماط والعلاقات ما قبل الرأسمالية ، وبالتالي فليس مستغربا أن لا تتطلع هذه الشرائح الرأسمالية "البرجوازية" إلى دور "طليعي" أو نسبي في عملية التحرر الوطني أو البناء الاجتماعي الداخلي يعبر ويتوافق مع مصالحها ، بسبب استنادها ، من حيث الولادة والتكون ، إلى عوامل داخلية مشوهه ومتخلفة ، وعوامل خارجية حددت دورها ووظيفتها ومسارها وتبعيتها للآخر ، فالمعروف أن نواة البرجوازية في بلادنا –وفي العالم الثالث عموما- لم تتشكل في داخل البنية الاجتماعية التحتية ، وبالتالي لم تحمل مشروعا نهضويا أو تنويريا ، كما لم تكن نقيضا للطبقة السائدة (شبه الإقطاعية) بل كانت امتدادا "عصريا" لها ، وتابعا مخلصا للسوق الرأسمالي العالمي عبر تطورها إلى برجوازية كمبرادورية تجارية في معظمها .
 
وكذلك الأمر بالنسبة للطبقة العاملة ، التي لم تتبلور بعد في بلادنا ، كطبقة تعبر عن نفسها بصورة مستقلة ، حيث نلاحظ اليوم ، التفاوت الواسع لشرائح هذه الطبقة ، من حيث وعي أفرادها ، وتكوينها ، ودورها ، وعلاقاتها الاجتماعية ، مثالنا على ذلك ، التفاصيل اليومية للواقع المعاش لعمالنا و معاناتهم في الضفة والقطاع، فالعاملين في السوق الإسرائيلي ، يتعرضون لكل أشكال الاضطهاد –الوطني والطبقي- منذ فجر يوم العمل لكل منهم ، على الحواجز والتفتيش والإذلال النفسي والمادي ، إلى معاناتهم لدى صاحب العمل وتحملهم للأعمال الشاقة والقذرة ، ثم عودتهم بعد هبوط الليل ، إلى عائلاتهم ومجتمعاتهم الصغيرة التي يعيش معظمهم في داخلها بموجب تقاليد وقوانين العائلة والقرية والمجتمع ، إنها المفارقة التي تميز هذا القطاع الواسع من عمالنا المشدودين بصورة معنوية وعضوية إلى تقاليدهم الاجتماعية التقليدية في الأسرة أو الحامولة ، أو تجمع القرية ، يمارسون فيها وعبرها دورهم الاجتماعي حسب الوضع الاجتماعي المتوارث لكل منهم ، وكذلك الأمر بالنسبة للعمال في الاقتصاد المحلي في قطاع الخدمات أو الصناعة أو الزراعة ، حيث نلاحظ أيضا ، حالة التفاوت بين هذه الشرائح العمالية من جهة ، وبين العلاقات الإنتاجية التي يمارسون أعمالهم من خلالها ، وهي وإن كانت تبدو ظاهريا علاقات رأسمالية (عبر علاقة الأجرة) إلا أنها ليست كذلك بحكم تخلف القطاع الإنتاجي نفسه (الزراعي أو الصناعي أو الخدمات) ، أو بحكم استمرار هيمنة الأنماط القديمة المادية والغيبية القدرية على عقل ومكونات هذه الشرائح العمالية ، وبالتالي فلا غرابة من ضعف وعيهم بالظلم الطبقي بصورة مباشرة ، ذلك لأن إطار العلاقات الرأسمالية الظاهرية ، هو في حقيقته إطارا شبه رأسمالي يحمل في ثناياه العديد من ملامح القديم بما يعيق عملية الفرز الطبقي المحدد ومن ثم اعاقة وعي هذه الطبقة بوجودها ومصالحها المتميزة داخل التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الفلسطينية القائمة (والعربية أيضا) ، التي ما زالت عملية غير مكتملة بل ومشوهه ، على جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية ، نظرا لهذا التداخل أو التشابك في العلاقات الاجتماعية الاقتصادية وفي العديد من الطبقات والفئات الاجتماعية ، ونظرا لأن فئات واسعة من السكان في مجتمعنا ، لا تزال تعيش أوضاع انتقالية بحيث لم يتحدد انتماؤها الطبقي تحديدا مستقرا أو متبلوراً بصورة محددة ، خاصة وأن طبيعة المرحلة الراهنة ، بعد عشر سنوات من قيام السلطة الفلسطينية ، مليئة بالمفارقات والمفاجئات ، حيث نلاحظ أن معظم الأثرياء الجدد (أفرادا وجماعات) مرتبكين بين انتماءاتهم الطبقية-الاجتماعية في سياق تجربتهم الوطنية السابقة ، وبين أوضاعهم الطارئة ، الثرية المحدثة ، لا يشعرون باستقرارهم ، كما لا يشعرون بعمق انتماءهم الجديد ، فالمتغيرات الراهنة-والقادمة هي التي ستحدد دورهم بالمعنى الاجتماعي و الاقتصادي والسياسي ، كما ستحدد مستقبلهم في المدى المنظور أو المتوسط ارتباطا بتراكمات المشهد المأزوم والمهزوم الراهن الى أن تنضج –في سياق الصراع من اجل التحرر القومي والديمقراطي- عوامل وادوات النهوض، النقيضة لهذا المشهد وأدواته، ورموزه السياسية والطبقية . 
 
الأمر الهام الآخر الواجب الإشارة إليه ، عبر محاولتنا لتحليل واقع مجتمعنا الفلسطيني خلال العشر سنوات الماضية ، يتمثل في تلك الآثار والنتائج الاجتماعية الناجمة عن هذه الفترة القصيرة نسبيا ، والناجمة عن بروز التعصب أو عمق الرابطة الاجتماعية الضيقة التي تكرس الولاء لرموز التخلف المرتبطة مصلحيا بالسلطة وأجهزتها البيرقراطية المتنفذة من ناحية ، بمظاهر وأوضاع الخلل والفساد والفوضى من ناحية ثانية ، وذلك تحت غطاء العادات والأعراف والتقاليد العشائرية ودورها في حل المشاكل والنزاعات الاجتماعية  في ظل ضعف السلطة وعجزها عن مواجهة أو حل تلك المشاكل
ومع ادراكنا لعمق الرابطة الاجتماعية والعائلية والعشائرية التي كان لها على الدوام تأثيرا متميزا فوق العلاقات الطبقية غير المتبلورة وخاصة جانبها الايجابي قبل عام 1948 ، رغم تخلفه من الناحية التاريخية والموضوعية ، في إطار حركة التحرر الفلسطينية والعربية طوال المراحل السابقة ، إلا أن بروز وتكريس دور هذه الرموز والعلاقات الاجتماعية القديمة في إطار الرابطة الاجتماعية الضيقة ، باسم العادات والتقاليد والأعراف ، وفي سياق حالة الهبوط السياسي – الاجتماعي – القانوني الراهنة ، سيعزز تراكم دور وتأثير الجوانب السلبية الضارة لتطال معظم مكونات المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع وتخلق مزيدا من الانقسامات فيه لن تتوقف عند الانقسام السياسي – الاقتصادي العام فحسب، بل قد تتسع لتصيب بالضرر مكونات الوعي الوطني والمجتمعي الداخلي على مستوى المدينة ، والقرية ، والمخيم ، بفعل وتأثير العامل السالب المسيطر على الرابطة في هذه المرحلة عبر الحاموله والعشيرة والعائلة، بما يفاقم مظاهر الخلل والانحراف والفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، ويشق مزيدا من العمق في مجرى الهبوط ببرنامج التحرر الوطني وبعملية البناء المجتمعي الديمقراطي الداخلي معا ، الذي قد يؤدي إلى خلق فجوة واسعة تفصل بين حلم التحرر والتغيير الذي يطمح إليه شعبنا وما زال ، وبين واقعه الذي تتراجع فيه عوامل التطور والنهوض وهي عوامل الصمود والمقاومة في آن واحد ، لحساب مصالح البيروقراطية المتنفذة ( العسكرية والمدنية ) التي تغذي  عوامل التخلف والتبعية والسلفية الجامدة والاستبداد في مناخ اقتصادي تنمو فيه بصورة متسارعة الشرائح الطفيلية في كافة القطاعات الإنتاجية والخدمية والبيروقراطية التي لا همّ لها سوى المزيد من تراكم الثروات الطارئة غير المشروعة ، يشهد على ذلك حالة التطور المجتمعي الفلسطيني خلال العشر سنوات الماضية  .
 
إذن ، فالتطور الاجتماعي ، في الضفة والقطاع ، منذ عام 1994 إلى اليوم ، لم يكن تطورا إيجابيا في محصلته أو نتائجه العامة ، حيث تعرض لمتغيرات وتحولات ساهمت في انحراف العديد من جوانبه ، بصورة كلية أو جزئية ، عن سياق التطور الوطني والاجتماعي العام الذي شقته الحركة الوطنية الفلسطينية في التاريخ المعاصر ، بحيث قادت هذه المتغيرات – بشكل مباشر و غير مباشر – إلى تحولات ومظاهر سلبية في البنية المجتمعية والبنية القيمية والأخلاقية لمجتمعنا الفلسطيني ، وهو أمر ناتج عن طبيعة السلطة المهيمنة ومنهجها ، إذ أن النمط الاجتماعي الاقتصادي الذي تمثله السلطة الفلسطينية لا يمكن إلا أن يفرزمثل هذه المظاهر و التحولات السياسية المتطابقة مع المصالح الاقتصادية الطارئة والمشوهة للفئات والأجهزة المتنفذة فيها .
و في هذا السياق فإن ما يميز مجتمعنا اليوم ، ليس فقط السمات السلبية على الصعيد الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي ، بل أيضا هذا العجز الفاضح في تحقيق الحد الأدنى من سيادة القانون أو النظام الداخلي و التماسك المجتمعي الذي أنتج ما يسمى بظاهرة " المجتمع العصبوي " الذي يقوم على إعادة تأكيد الانتماء إلى العائلة أو العشيرة ، نتيجة انعدام الدور القوي للدولة أو السلطة المركزية المعبرة عن إرادة جميع الأفراد و التي تتيح التعبير المتساوي لجميع الإرادات داخل المجتمع .
 
إن استعراضنا للأوضاع الاجتماعية يظهر مجموعة من الحقائق و المفاهيم و المؤشرات الدالة على طبيعة الخارطة أو التركيبة الطبقية الفلسطينية ، التي لم تتبلور بعد ، بسبب استمرار هذا التداخل و التقاطع للأشكال الحديثة للتقسيم الاجتماعي للعمل ، مع الأشكال القديمة المتوارثة – التي أشرنا إليها - ، و التي ما زالت تملك دوراً و تأثيراً ملموسا في عملية توزيع الدخل و الثروة و السلطة ، و لنا في تجربة العشر سنوات الماضية أن نستنبط العديد من الأمثلة على هذه العلاقة التي ينجم عنها ما نسميه بإعادة إنتاج العلاقات المتخلفة بما فيها ظاهرة الاستزلام المنتشرة الآن في مجتمعنا الفلسطيني لدرجة أن الكثير من الموظفين البسطاء في مؤسسات السلطة " المدنية أو العسكرية " عند سؤالهم عن مكان عملهم الرسمي يجيبون بالقول : " أنني أعمل لدى الأخ أبو فلان" ، باعتبار هذا الأخير هو السيد الجديد و صاحب العمل و المتنفذ الوحيد ، بالطبع دون أن يذكر ذلك الموظف البسيط اسم المؤسسة أو الوزارة أو الجهاز الذي يعمل فيه بصورة عفوية و غير مقصودة في كثير من الأحوال .
 
في هذا السياق يمكن توصيف علاقات " الاستزلام " السائدة عندنا اليوم على أنها علاقات شبه إقطاعية من طراز فريد – كما يقول د. محمود عبد الفضيل – حيث تمتزج و تنصهر فيها علاقات الإنتاج الاقتصادية من ناحية و علاقات التبعية و الولاءات ذات الطابع الفردي أو الجهوي من ناحية أخرى ، و كما هي الحال عندنا في الضفة و القطاع فإن هذه العلاقات الاستزلامية تأخذ شكل العلاقات الشخصية ، سواء من بقايا ما يسمى بالأرستقراطية القديمة أو بقايا الأفندية ، و كبار التجار من ناحية أو من الابوات القدامى و المحدثين من ناحية أخرى ، و بالطبع فإن هذه العلاقة تفعل فعلها الذي يتساقط رذاذاً أو مطراً - بالمعنى المادي و المصلحي بالطبع – على الأعيان و الوجهاء و المخاتير، و على بعض  قيادات " المؤسسات" النقابية و المنظمات الأهلية و الجمعيات ، التي تأسس كثير منها لمثل هذه الغاية ، كذلك تأخذ علاقات الاستزلام " شكل الدعم الانتخابي الشعبي " خصوصا في أوساط الفقراء في المدن والقرى والمخيمات والمناطق الفقيرة في الضفة والقطاع ، لا فرق هنا بين لاجئ ومواطن طالما كانت مظلة التخلف و الفقر والمعاناة تظللهما .
 
في ضوء ما تقدم، تتجلى ضرورات استنهاض قوى اليسار الماركسي الفلسطيني، التي بات من واجبها ، أن تدرك بكل موضوعية ووعي والتزام ، أن استمرار تطور العلاقات الاجتماعية في بلادنا على صورتها الراهنة ، هو أمر بقدر ما يتناقض مع قوانين الحياة المعاصرة ومتغيراتها وتراكماتها الحتمية ، يتناقض أيضا مع أهداف هذه القوى ومبادئها ورسالتها ودورها كحركة مستقبلية في إطار الحركة اليسارية العربية، حتى لا يصبح المستقبل كأنه " قدر محتوم " نساق إليه من أعداء شعبنا ، لذلك فإن عملية استيعاب الحاضر واستشراف المستقبل لا بد وأن تظل رهاننا الدائم والمستمر ، للإسهام في تعبئة طاقات مجتمعنا بارتباطه مع محيطه العربي في ظل عالم يموج بالمتغيرات لا مكان للضعفاء فيه ، وفي هذا الجانب لا بد من التأكيد – بكل قوة ووضوح – على أن تعريب القضية الفلسطينية ، وإعادتها الى مسارها ومنطلقها القومي العربي ، هو وحدة الكفيل بالوصول الى الحل الديمقراطي المستند الى شعار ومبدأ فلسطين العربية الديمقراطية لكل سكانها .
 
 وهنا تتجلى بالضبط أهمية تشخيصنا و توصيفنا لواقعنا كمدخل نحو عملية التغيير الوطني والديمقراطي والوحدوي العربي الذي نعمل من أجل تحقيقه في بلادنا ، وهو تشخيص لبعض جوانب التطور الاجتماعي والاقتصادي ومتغيراته ، أمكننا أن نتوصل عبره الى عدد من الاستنتاجات أو المؤشرات الدالة على طبيعة التشكل الطبقي وتراكماته ونتائجه في بلادنا دون أن نتجاوز السبب الرئيسي المتمثل في الحصار والعدوان الصهيوني شبه اليومي على مقدراتنا :
أ-تطورت العلاقات الاجتماعية في اتجاه تبلور مجتمع طبقي مشوه ، وتابع ، في سياق نسيج اجتماعي متداخل متعدد الأنماط ،  متنوع في سماته الطبقية بين القديم والحديث والمعاصر ،وهي سمات لم تمنع الأغلبية الساحقة من المجتمع الفلسطيني وتوحده في موقفه الوطني العام ضد مخططات العدو الصهيوني-الأمريكي، كما تجلى بوضوح ضد خطاب بوش الداعم لخطة " شارون "  بالانسحاب الاسرائيلي المزعوم من قطاع غزة، الذي سيدفع الى تقزيم "سلطة الحكم الاداري الذاتي الفلسطيني" من إطارها الموسع المرتبط بالوحدة الجغرافية للأراضي الفلسطينية المحتلة ، الى "حكم اداري ذاتي في قطاع غزة وجزء ضئيل من الضفة الفلسطينية" ناهيك عن "إلغاء" حق العودة وانسداد آفاق الاستقلال الناجز والدولة.
ب- تميز هذا التطور في شكله وجوهره ، بطابع تراكمي كمي مشوه ، بحيث لم يستطع أن يفرز أية أطر برجوازية تنويرية أو ليبرالية ، فكرية ، أو ثقافية معاصرة ، وبقيت القيم والأفكار القديمة والتقليدية الموروثة سائدة في أوساط الوعي الاعتيادي (العفوي) للجماهير الشعبية ، كإنعكاس للنمط الاقتصادي المشوه والتابع ، بالرغم من بعض أوجه الحداثة الشكلية المستوردة ، الطارئة والمبتذلة التي ترعرعت على هامش ذلك النمط .
ج- برغم تزايد مظاهر التخلف والانحطاط الاجتماعي والفساد بكل أنواعه ،  وما رافق ذلك من توزع الولاءات الشخصية والعشائرية والاستزلام ، في المناطق الشعبية الفقيرة بصورة خاصة ، إلا أن الانقسام الاجتماعي الداخلي ، في جوهره وحقيقته الموضوعية يعبر عن نفسه في صفوف أبناء شعبنا ، في الضفة والقطاع ، على قاعدة توزع السكان في السُلَّم الطبقي أو الاجتماعي ، بين القلة من الأغنياء ، والأغلبية الساحقة من الفقراء ، دون أن يلغي ذلك الانقسام ، خصوصية اللاجئين وقضيتهم الأولى المتمثلة في حق العودة .
د- تعاظم دور الكمبرادور ، والشرائح الرأسمالية الطفيلية بالتحالف مع بيروقراطية السلطة (المدنية والعسكرية) وكبار الملاك والرأسمالية التقليدية القديمة ، في الصناعة والزراعة والخدمات ، بحيث أن رموز هذا التحالف يشكلون اليوم القاعدة الأساسية –على الصعيد الاقتصادي/الاجتماعي- للسلطة السياسية .
هـ- تزايد انتشار الفقر بنسبة تزيد على 70% من السكان، وهو فقر لا يتوقف عند الفقر المادي أو الفقر في الدخل بل تخطى هذه الحدود إلى الفقر في القانون والنظام والقيم ، وتزايد التفاوت اتساعا بين مستويات المعيشة في الضفة والقطاع ، وخاصة في المناطق في شمال وجنوب الضفة ، وفي جنوب القطاع وبصورة خاصة في رفح وشرق خانيونس وشرق مدينة غزة ، كما لا يزال التفاوت مستمرا بين الجنسين لصالح الذكور ، حيث يقل متوسط اجر الإناث بنحو الثلث عن متوسط اجر الذكور .
و- ونتيجة تراكمات العشر سنوات الماضية ، تسود مجتمعنا اليوم سلوكية أنانية تتسم بالراهنية أو اللحظة ، تهتم بحل قضايا الأجل القصير دون أن تعطي الاهتمام المطلوب لقضايا المستقبل ، فمع تزايد مظاهر التخلف الاجتماعي ، تراجعت العلاقات القائمة على أساس المشروع الوطني والعمل الحزبي المنظم – وتراجع دور الأحزاب الوطنية عموما – لحساب العشيرة والعائلة ، وقيم النفاق والإحباط وقوة التخلف الظالمة والمصالح الذاتية الأنانية  بدلا من قيم التكافل والتضامن والصمود والمقاومة . ترافق إلى جانب ذلك ، غياب المجتمع السياسي الفلسطيني بصورة ملموسة ليحل محله – في الفترة الأخيرة التي سبقت انتفاضة أيلول 2000 – مجتمع الفوضى والانفلاش والثروة الشخصية – على قاعدة أن السلطة مصدر للثروة وليست مصدرا للنظام والقانون والعدالة – إلى جانب الجرائم والانحرافات بكل أنواعها الأخلاقية والمجتمعية التي لم يعرفها مجتمعنا من قبل ، وهي مظاهر عادت الى الظهور بقوة منذ العام الثالث للإنتفاضة بسبب غياب الاستراتيجية الوطنية والمجتمعية من جهة ، وغياب البرنامج الوطني الواضح والمحدد الآليات من ناحية ثانية .
ز- وصلت نسبة العاملين في القطاع الحكومي إلى حوالي 17.5 % من إجمالي القوى العاملة الفلسطينية في نهاية عام 2003 (حوالي 130 ألف موظف مدني وعسكري ) و هي نسبة بالغة الارتفاع بالنظر إلى عدم قدرة الاقتصاد الفلسطيني المحلي على تمويل عمالة حكومية مرتفعة ، خصوصاً و أن الرواتب تستحوذ على أكثر من 65 % من مخصصات الإنفاق الجاري من جهة ، إلى جانب أن معظم التعيينات و الوظائف لا يحكمها قانون يقوم على أساس تكافؤ الفرص بل هي مخصصة أساسا وبالدرجة الرئيسية لحزب السلطة بمعناه الواسع الذي يضم حركة فتح و مجموعات متنوعة من المحاسيب و أبناء و أقارب كبار المسؤولين ممن يعيشون أوضاعاً مريحة في حين يحرم من هذه الوظائف مستحقيها من الفقراء الذين لا واسطة أو محسوبية لديهم رغم كفاءتهم و شهاداتهم العليا وخبراتهم.  
ح- تبين المعطيات الصحية – في الضفة و القطاع – على استمرار محدودية عدد الأطباء بالنسبة لإجمالي عدد السكان الذي لا يتجاوز ( 115 ) طبيب لكل مائة ألف من السكان ، في حين أنه يصل في مصر إلى أكثر من 215 طبيب لكل مائة ألف ، و في إسرائيل يرتفع إلى أكثر من 500 طبيب لكل مائة ألف ، ناهيك عن النقص في تأمين الدواء و العلاج و الأسرَّة في المستشفيات حيث تشير المعطيات إلى أن هناك فقط سرير واحد لكل ألف مواطن ، و هو أمر له انعكاساته و مدلولاته الاجتماعية الخطيرة ، خاصةً في ظل حرمان الفقراء من التأمين الصحي ( بسبب ارتفاع كلفته عليهم ) إذ لا تزيد نسبة الأسر المغطاة بالتأمين الصحي الحكومي عن 40 % في الضفة ، و 60 % في غزة ، و هذا يعني أن ما يزيد عن تسعمائة ألف فلسطينياً في الضفة ، وحوالي ثمانمائة وخمسون ألف فلسطيني في قطاع غزة محرومين من التأمين الصحي ( أي حوالي 48% من مجموع سكان الضفة و القطاع) .
ط- و في ما يتعلق بمؤشرات الجريمة ، التي لم تتراجع أو تقل نسبتها ، في رأينا ، بسبب تزايد سطوة المتنفذين المحسوبين على بعض أجهزة السلطة الأمنية ، إلى جانب رموز الاستزلام في أوساط بعض العشائر و الحمائل و العائلات – على مستوى الضفة و القطاع في الأوساط الشعبية الفقيرة المستضعفة بصورة خاصة – و انتشار السلاح بصورة فوضوية وضارة في أوساطهم إلى جانب دور بعضهم في عمليات التهريب غير المشروعة بكل أنواعها ، و صمت الأجهزة الأمنية – بل و تواطئها أحيانا وتخاذلها أحياناً أخرى في مواجهتهم – كل ذلك أدى إلى تزايد نسبة الجريمة و انتشار الزعران " و القبضايات " ذات الطابع العشائري و السلطوي معاً في إطار واحد ، و يؤكد التقرير الاجتماعي –العدد الثالث- الصادر عن معهد ماس –شباط 2000 الى أن ثلثي الجرائم مسجلة تحت بند الاعتداء و المشاجرات ( بما فيها القتل ) ، و مما يلفت النظر و الاهتمام أن خُمس المتهمين من الأحداث ، أكثر من نصفهم في الفئة العمرية 16-18 سنة ثلثيهم أمّي ،أو تسربوا من المدارس بعد المرحلة الأساسية ، و غالبيتهم ينتمون إلى اسر كبيرة العدد الفقيرة و المعدمة .
 
كل ما تقدم ، و غيره الكثير من التفاصيل الحياتية المجتمعية ، يؤكد على ثقل العبء الذي تحمله –أو ما يجب ان تحمله- قوى اليسار الفلسطيني، وان دورها في الجانب الاجتماعي لا يقل أهمية و خطورة عن دورها في جانب التحرر الوطني وحق العودة والتمسك بـ م.ت.ف ككيان سياسي ووطن معنوي لابناء شعبنا في مواجهة مخططات شارون / بوش أو " غزة أولاً وأخيراً " ، و هو أيضاً يعزز رؤية اليسار لطبيعة هذه المرحلة، كمرحلة تحرر وطني و ديمقراطي ، عبر العلاقة الجدلية بين التحرر الوطني و البناء المجتمعي القائم على الديمقراطية و العدالة و سيادة القانون و النظام العام و تكافؤ الفرص ، في إطار الرؤية اليسارية العربية الاشمل والأعم.
 
بهذا التشخيص و التحليل للأوضاع و التحولات الاجتماعية نكون قد عرضنا أهم المفاصل و العناوين الاجتماعية ، كمدخل يمكننا من استكمال الركيزتين الفرعيتين الأساسيتين المرتبطتين بالأوضاع و التحولات الاجتماعية ، و نقصد بهما التوزيع السكاني ، و الطبقي لمجتمعنا الفلسطيني ، في هذه المرحلة ، آخذين بعين الاعتبار أن الحديث عن تنوع و تداخل مكونات الخارطة الطبقية الفلسطينية هو أمر قابل للمراجعة دوما ،في ضوء هذه المتغيرات الداخلية و الخارجية التي نعيشها اليوم و في المستقبل .
 
* التوزيع السكاني :
 
بالاسترشاد بتقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني[3] قمنا باحتساب   عدد سكان الضفة و القطاع في نهاية العام 2003 (على أساس نسبة الزيادة السكانية 4.5%) وعليه فإن تعداد السكان  يبلغ 3.721.543 نسمة كما يلي : 
 

 

- مجموع سكان الضفة   2356810 ( يبلغ عدد اللاجئين 669665 نسمة أي بنسبة 28.من سكان الضفة) .

-مجموع سكان القطاع   1.364733 ( يبلغ عدد اللاجئين 941671 نسمة     أي بنسبة 69%من سكان قطاع غزة) .

       -الإجمـــالـــي 3.721.543 ( حوالي 572500 أسرة ) يشكل السكان   المقيمون في المناطق والتجمعات الحضرية حوالي 45% و 15.9% في المخيمات بينما يشكل سكان التجمعات الريفية حوالي 30.1% من عدد السكان الكلي[4] .

توزيع السكان في الضفة والقطاع حسب فئات العمر :

 

إجمالي الأراضي الفلسطينية

            

قطاع غزة

الضفة الغربية

           

سنوات العمر

العدد

%

العدد

%

العدد

%

1,726,796

46.4

678,272

49.7

1,053,494

44.7

0-14

1,871,936

50.3

648,248

47.5

1,220,828

51.8

15-64

122,811

3.3

38,213

2.8

82,488

3.5

65 +

3,721,543

 

1,364,733

 

2,356,810

 

 

               

 

 


 
    من الجدول أعلاه ، يتضح أن نسبة الفتوّة ( أقل من 15 سنة ) في أوساط شعبنا الفلسطيني ، تبلغ 46.4% [5] ( 1726796 نسمة ) ، في حين أن نسبة القوة البشرية ( 15 سنة – 64 ) تبلغ 50.3% ( 1871936 نسمة) ، و في هذا السياق فإن القوة البشرية تنقسم إلى مجموعتين : المجموعة الأولى تضم من هم خارج القوى العاملة ، أو الأفراد خارج إطار النشاط الاقتصادي مثل الطلاب و ربات البيوت و المرضى و المعوقين ممن بلغت أعمارهم 15 سنة فأكثر .
 
   أما المجموعة الثانية فتشمل جميع الأفراد النشيطين اقتصادياً الذين ينتمون لسن العمل و ينطبق عليهم مفهوم العمالة و البطالة ، و يطلق على هذه المجموعة اسم القوى العاملة التي تقدر في نهاية عام 2003 بحوالي 744300 شخص أو ما يعادل 20%[6] من مجموع السكان ، تتوزع بواقع ( 471362 ) شخص عامل في الضفة ، أي بنسبة 63.3% من إجمالي القوى العاملة ، وبواقع 272946 شخص عامل في قطاع غزة ، أي بنسبة 36.7 % ، الأمر الذي يعني أن معدل الإعالة الفعلي – في الضفة والقطاع - يبلغ 1 : 5 تقريبا ، أي أن كل فرد يعمل يعيل خمسة أفراد ، ويرتفع هذا المعدل إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع نسبة البطالة كما في عام 2002 إلى 31.3%[7]،  أي ما يقدر بحوالي 250 ألف عاطل عن العمل ، بسبب استمرار الحصار الإسرائيلي ، حيث ترتفع نسبة الإعالة في هذه الحال إلى 7.5 فرد لكل عامل ، و نشير هنا إلى أن هذه النسبة تكاد تمثل استنتاجاً ميكانيكياً أو كمياً حسابياً  لا يعبر عن الواقع الموضوعي بصورة حقيقية ، حيث أن الواقع الفعلي يقول لنا أن هناك آلافاً من الأسر بلا معيل – بسبب الاستشهاد أو الاعتقال والسجن أو الإعاقة - و بلا أي دخل نتيجة استمرار أوضاع الحصار والمعاناة والبطالة والفقر في الظروف الراهنة .
و المعروف أن نسبة العمالة التامة والجزئية – قبل الانتفاضة في أيلول 2000 – وصلت إلى 85,8 % ، و البطالة لم تتجاوز 14,2% ، و قد أدى الحصار العسكري و الاقتصادي الذي مارسه العدو الصهيوني منذ بداية الانتفاضة في نهاية أيلول 2000 ، إلى ارتفاع نسبة البطالة الى 45% عام 2001 [8] ، هبطت هذه النسبة عام 2002 الى 31.3[9] أو ( 221291 ) الف عامل من أصل ( 707000 ) شخص مجموع القوى العاملة آنذاك ، موزعة على الأنشطة الاقتصادية كما يبين الجدول أدناه .

جدول رقم ( 2 )، التوزيع النسبي للعاملين من الأراضي الفلسطينية حسب النشاط الاقتصادي[10] قبل الانتفاضة وبعدها .

نسبة التغيير ( 2000 – 2001 )

بعد الانتفاضة

قبل الانتفاضة

2000(%)

النشاط الاقتصادي

2002(%)

 

2001(%)

 

-1.7

14.8

12

13.7

الزراعة والصيد والحرجة

-.3

12.9

14

14.3

التعدين والصناعة التحويلية

-5.1

10.9

14.6

19.7

البناء والتشييد

+2.1

20

19.4

17.5

التجارة والمطاعم والفنادق

+.6

5.5

5.5

4.9

النقل والتخزين والإتصالات

+5.4

34.5

34.5

29.9

الخدمات والفروع الأخرى

 

وبالاسترشاد  بتقرير القوى العاملة الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني[11] ، بخصوص توزيع القوى العاملة حسب عدد سنوات الدراسة ، فإن الأفراد النشيطين اقتصاديا أو القوى العاملة البالغة 744300 [12] في الأراضي الفلسطينية كما في نهاية العام 2003، تتوزع كما يلي :-

 

العدد

بيـان

النسبة المئوية

33,494

لم يدرس أبدا

4.5%

164,490

درس من سنة الى ست سنوات

22.1%

139,376

7-9 سنوات دراسية

24.1%

200,961

10-12 سنة دراسية

27%

165,979

أتم 13 سنة دراسية فأكثر

22.3%

744,300

إجمالي القوى العاملة

100%

 

 


* الطبقة العاملة
الكدح ، و البؤس و الشقاء و المعاناة والاذلال لدى صاحب العمل الاسرائيلي، والتشتت أو التبعثر في تجمعات أو ورش صغيرة وشبه عائلية ، وغياب حالة الاستقرار أو الثبات في العمل ، وعدم التحاق معظمهم في الأطر النقابية ، بهذه الصفات اتسمت أوضاع العمال الفلسطينيين، إذ طالما عانوا من الفقر و البطالة و من تدني الأجور و غياب التشريعات المنصفة لحقوقهم .
 
بلغ مجموع القوى العاملة الفلسطينية ، في الضفة والقطاع ، كما أسلفنا، (في نهاية عام 2003 (744300) ألف عامل) في حين تقدر نسبة البطالة في بداية العام 2004 بحوالي 30% أو ما يعادل (223290)عامل ، الأمر الذي يشير بوضوح الى التأثير السلبي للبطالة وقسوته على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في ظل حرمان عشرات الألاف من السكان الذين لا تتوفر لديهم الامكانات المادية لتأمين احتياجات عائلاتهم من المواد الغذائية الأساسية حيث يعيشون دون مستوى خط الفقر المحدد بما يعادل (400دولار) شهريا للأسرة المكونة من ستة أفراد، ومع ملاحظة استمرار التراجع في مستوى المعيشة ، إلى جانب استمرار تصاعد الرسم البياني للغلاء وارتفاع الأسعار ، مع ثبات الأجور طوال السنوات العشر الأخيرة ، سنتبين عمق البؤس الاجتماعي العام الذي يعيشه عمالنا عموما وعمال قطاع غزة بصورة خاصة الذي يشهد أعلى معدلات الفقر في المجتمع الفلسطيني ، بما يفرض إيلاء قضايا الطبقة العاملة اهتماما إضافيا في برامج ومهام ونشاطات اليسار الفلسطيني ، بما يهدف إلى رفع أجورهم ومستوى معيشتهم عبر توعيتهم ، وإشراكهم في العمل العام والنقابات والعمل المنظم دفاعا عن مطالبهم وحقوقهم الى جانب دورهم النضالي الوطني ضد الاحتلال ، آخذين بعين الاعتبار أن الفقر لا يتوقف عند نقص الدخل ، وانخفاض مستوى المعيشة فحسب ، بل يشمل غياب الإمكانات لدى العامل وأسرته ، للوصول إلى الفرص الحياتية الضرورية لحياة مقبولة مثل تعليم الأبناء والرعاية الصحية وتأمين المشاركة النشطة في الحياة المجتمعية بكل جوانبها وقضاياها المطلبية الملحة ، خاصة  وأننا نعرف جيدا  أن الحديث عن الطبقة العاملة ومعاناتها وفقرها ، هو حديث عن مكان إقامة هؤلاء الفقراء في المخيمات والمناطق الفقيرة من مدن وقرى الضفة والقطاع ، وهو أيضا وقبل كل شئ حديث عن السند الحقيقي لليسار ، الطبقة العاملة ، والفقراء والكادحين عموما الذين كانوا –وما زالوا- في طليعة نضال شعبنا في تاريخه القديم والحديث والمعاصر .
 
أخيرا ، وفي سياق الحديث عن الطبقة العاملة ، فإننا لا نستطيع إغفال أن الكثير من المصاعب والمصائب الاقتصادية والاجتماعية ، تكبل شرائح واسعة من عمالنا ، الذين يعيشون تحت خط الفقر بالذات ، وتحكم عليهم بتجرع المعاناة اليومية في المغراقة وجحر الديك ، والشجاعية ومخيمات اللاجئين ، كما في الدهيشة ، وطولكرم وجنين ، بحيث يتحولون –بصورة تدريجية واكراهية- إلى مجموعات اجتماعية مسحوقة ، مما يجعلهم عرضة للتحول الى فئات أو شرائح مهمشة من المعدمين الذين يتميزون في بلادنا –كما في بلدان العالم الثالث- بشعورهم أو وعيهم العفوي بالانفصال الطبقي ، لذلك لا غرابة –إذا استمرت حالات الفقر والإفقار عندنا- بوتائرها الراهنة ، من تشكل كتلة ثابتة من السكان –خاصة في القطاع والمناطق الأكثر فقرا في الضفة- لا يتميزون بمعاناتهم وبؤسهم فحسب ،وإنما قد يتراكم في وعيهم العفوي البسيط ، بحكم شدة البؤس ، حالة من الشعور بالانفصام عن المجتمع المحيط ، خاصة وأن "الوضع المعيشي الصعب وانعدام اليقين حول المستقبل الوطني ، يدفع بقطاعات واسعة من الجمهور الفلسطيني ، وتحديدا الفئات العمالية والمهمشة الى منح الأولوية للقضايا المعيشية على حساب القضايا الديمقراطية"[13] ، وعلى حساب القضايا الوطنية أيضا ، بما يشير إلى إمكانية تحولهم إلى "بروليتاريا" رثة ، حالة من المعدمين الذين يسهل استغلالهم في كل أشكال الجرائم المنظمة وغير المنظمة ، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية بما في ذلك تحولهم إلى مادة للتخريب من قبل العدو ، إذا لم يجدوا من يأخذ بيدهم ويدافع عن قضاياهم من أجل تحسين أوضاعهم ، عبر الوعي والمعايشة والتنظيم في الأطر النقابية ، والجماهيرية ،كمدخل أولي للعمل الحزبي المنظم.
 
ثانيا : النقابات العمالية والمهنية في الأراضي الفلسطينية المحتلة :
شكلت النقابات المهنية و العمالية إحدى الركائز الهامة للنضال الوطني و الديمقراطي في التاريخ الفلسطيني والعربي الحديث و المعاصر ، فهي الإطار المنظِّم لمصالح الطبقة العاملة و الفلاحين الفقراء والمهنيين بمختلف شرائحهم وانتماءاتهم الطبقية ، الذي لعب دوراً هاماً – إلى حد معين – في المجالات الوطنية و الاقتصادية ، كما في مجال القانون و الفكر و الثقافة وفق غايات و برامج و سياسات تنسجم و تتوافق مع مصالح القوى و الشرائح التي تمثلها كل نقابة من هذه النقابات التي تقاطعت في مرحلة معينة ، و تعارضت في مراحل لاحقة ، حسب مقتضيات تلك المصالح الطبقية و علاقاتها أو تحالفاتها وشروط تلك التحالفات
                        
و بالرغم من التراجع النوعي الملموس لدور العمل النقابي عموماً ، و النقابات العمالية خصوصاً و غياب فعالية دورها المنظم إن على الصعيد الوطني التحرري أو السياسي الداخلي العام ، أو على صعيد النضال الطبقي و الاقتصادي المطلبي و الدفاع عن مصالح العمال و الكادحين ، فإن موضوعة العمل النقابي و الجماهيري تظل بالنسبة لقوى اليسار بالذات ، مسألة أساسية لا يجب أن تتوقف عند الجانب النظري فحسب ، بل لا بد من امتدادها و تواصلها بعمق على صعيد الممارسة العملية أيضاً ، إذ أن التعاطي مع هذه الجدلية –بالإعتماد على البرمجة و التخطيط- يخلق المقدمات الضرورية لتجسيد أوثق و أوسع العلاقات بين هذه القوى من جهة ، و الجماهير الشعبية من جهة أخرى ، بهدف الإنجاز الناجع و الفعال لمهماتها واهدافها الوطنية و الديمقراطية في فلسطين ارتباطاً بالبعد العربي من حولنا ، انطلاقاً من مفهومنا الماركسي لموقع و دور الجماهير الشعبية الفقيرة كمنطلق أساسي  في مسار هذه القوى و حركتها و تقدمها .
 
ففي ظل الظروف و المتغيرات التي عاشها شعبنا خلال العشر سنوات الماضية ، و تطوراتها اللاحقة ، حاضراً و مستقبلاً ، يتحتم علينا ، إدراك وتفعيل عملية التحول الى المواقع النقابية ، و كافة المواقع و البنى المجتمعية الأخرى في جميع القطاعات ، عبر علاقة جدلية بين عنصري المرحلة الراهنة ، المتداخلان معاً في وحدةٍ تعبر عن طبيعة المرحلة ، كمرحلة تحرر وطني و ديمقراطي ، نعتقد أنها ستمتد في الزمان و المكان ، لفترة طويلة قادمة خاصة في ظل هذا التوحد الأمريكي/الصهيوني في الأهداف والغايات من ناحية وفي ظل رضوخ واحتواء مجمل النظام العربي للسياسات الأمريكية من ناحية ثانية ، و لذلك فإن هذه العملية الجدلية عبر صعودها و حركتها ستشكل مدخلاً محورياً واسعاً لقوى اليسار الفلسطيني في إطار العمل الجماهيري باعتباره أحد أهم العوامل الأساسية في النضال الوطني الديمقراطي الراهن و المستقبلي ، يجسد فهمها للعمل في النقابات و المنظمات الجماهيرية ، بمثل ما يجسد ذلك التواصل بين دورها و نضالها الوطني التحرري الثوري الجماهيري خلال العقود الأربعة الماضية ، و بين دورها الوطني الديمقراطي في سياق التحول المطلوب راهناً دون أي قطيعة مع منطلقاتها السياسية و النضالية التي حددت مسارها طوال المرحلة السابقة ، فالصراع القومي التناحري مع العدو الصهيوني ما زال قائماً و حاداً باعتباره التناقض الأساسي الأول الذي يتصدر عناوين المرحلة و يمتد بتأثيره على كل أبعادها الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية ، و لكن رغم مرارة هذا الصراع و هذه العدوانية الصهيونية الامريكية التي تستهدف مشروعنا الوطني و فرض الاستسلام على جماهير شعبنا ، فإننا لا نستطيع إلا مواجهة كافة جوانب الخلل و التراجع الداخلي الذي أصاب بالضرر البالغ الثوابت الوطنية و السياسية و الاقتصادية ، و كافة القطاعات الأخرى على صعيد المجتمع الفلسطيني كله ، و بالتالي يصبح النضال في مواجهة التناقض الرئيسي الداخلي من أجل التغيير السياسي و الديمقراطي لمجتمعنا مدخلاً و شرطاً هاماً من شروط المقاومة و الصمود في وجه العدو الصهيوني ، و هنا بالضبط تتجلى الوحدة الجدلية للمهام الوطنية و الديمقراطية بارتباطها الوثيق بالرؤية الماركسية للمشروع القومي الوحدوي.
 
و بالتالي فإن تفعيل دور اليسار الفلسطيني في إطار العمل النقابي ، سيكون مقياساً أساسياً في الحكم على ممارساته الحزبية و الجماهيرية في هذا الإطار ، ففي ضوء أوضاعه الداخلية الحالية غير الموحدة بسبب ضعف نضوج وتبلور الهوية الفكرية ، تبرز الحاجة الماسة ، بالمعنى الموضوعي أولاً ، و الذاتي ثانياً ، لإنضاج و توسيع تجربة النضال في النقابات التي يمكن أن تلعب دوراً مؤثراً و نوعياً في مجمل المسارات الوطنية و الاجتماعية و الطبقية .
"و مع الإقرار بوجود تفاوتات و اختلافات موضوعية بين أشكال و هيئات أو اتحادات العمل النقابي في المجال النقابي و المهني و الجماهيري ، فإنه لا بد من وعي الفرق بين طبيعة و دور و أهداف هذه الهيئات أو الاتحادات التي تتوزع كما هو معروف إلى ثلاثة أنواع أو أشكال نقابية هي :- النقابات العمالية ، و الاتحادات أو النقابات المهنية ، والاتحادات الجماهيريـة .
 
إن أهمية هذه الأطر ، أو الإتحادات ، بأنواعها تكمن في اتساعها و طابعها الجماهيري العام ، حيث يمكن تعبئة و تنظيم أعداد كبيرة جداً من الفئات و الشرائح الاجتماعية بمختلف مستوياتها و انتماءاتها للانخراط في النضال الوطني العام من جهة ، و من أجل الدفاع عن حقوق و مصالح كل طبقة أو فئة اجتماعية بذاتها من جهة أخرى .
 
فالنضال في الاتحادات الشعبية ، و بالذات في النقابات هو أحد أهم أوجه النضال الأساسية و الضرورية في جميع مراحل النضال الوطني أو الاجتماعي الاقتصادي و الطبقي ، و لكن هذا النضال في العمل الجماهيري و النقابي ، تزداد أهميته السياسية الى درجة كبيرة في هذه المرحلة التي تتداخل فيها المهام الوطنية بالديمقراطية و المطلبية بما يعني تفعيل العلاقة السياسية بين أحزاب اليسار و الأطر النقابية بدرجات عالية من التنظيم و القوة بما يتناسب مع طبيعة هذه المرحلة .
 
إذ أن هذه المرحلة النضالية ، على المستويين الوطني و الديمقراطي دون أي فصل بينهما ، تشترط من أجل تحقيق أهدافنا ، و انتصارنا ، تعبئة و تأطير أوسع قطاعات الشعب بمختلف فئاته و شرائحه الاجتماعية و المهنية صاحبة المصلحة في التحرر الوطني الديمقراطي ، و على الخصوص الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء و كافة الكادحين في بلادنا .
 
    و إذا كان هذا الشرط لا يمكن تحقيقه راهنا –بدرجات متقدمة- في إطار القوى و الأحزاب الوطنية و الديمقراطية عموماً ، أو في إطار الفصائل اليسارية خصوصاً ، لأسباب و اعتبارات موضوعية و ذاتية من جهة ، و لأسباب تتعلق بالجانب الأيديولوجي و التنظيمي و شروطه الأكثر تشدداً أو انضباطاً من جهة ثانية، فإن من الممكن تحقيق هذا الشرط عبر أطر هذه الاتحادات و النقابات التي تبرز هنا بوصفها الهيئات المناسبة ، و بلا شروط مسبقة ، التي يمكن أن يتحقق عبرها ذلك الشرط الخاص بتعبئة و تأطير أوسع القطاعات في أوساط الجماهير الشعبية ، لكن يبدو –حتى اللحظة- أن المشكلة تكمن في العامل الذاتي لفصائل اليسار التي لم تتحرك كما يجب ، استجابة للعوامل و الظروف الموضوعية المهيأة للتفاعل مع ما تطرحه و تمثله هذه الفصائل من قضايا سياسية و اجتماعية و مطلبية ، و هي ظاهرة يجب أن تخضع للمراجعة و النقد للخروج من هذا الوضع الذاتي المأزوم ، نحو تفعيل دورها و إثبات وجودها في هذه الاتحادات و النقابات وفق منطلقاتها الأيديولوجية و النضالية السياسية و المطلبية معاً ، و هذا يتطلب أولاً ضرورة التمييز –بصورة عملية ملموسة- بين المنظمة الجماهيرية و المنظمة الحزبية و عدم اعتبار الأولى بديلاً للثانية ، مستلهمين الوعي النظري الواضح من هذه العلاقة بينهما ، الذي يؤكد ضرورة الوعي بخصوصية كل منهما ، بحيث ينبغي للمنظمة الجماهيرية أو النقابية كما كتب لينين "أن تكون أولاً مهنية ، ثانياً واسعة ما أمكن ، ثالثاً علنية ، و بالعكس من ذلك ، ينبغي لمنظمة الثوريين –المنظمة الحزبية- أن تضم بالدرجة الأولى وبصورة رئيسة أناس مهمتهم النشاط الثوري ، كما ينبغي لهذه المنظمة أن تكون ضيقة ، محدودة العدد ، وأن تكون على أكثر ما يمكن من السرية ".
 
ووفق هذه الرؤية ، وبالاستناد إليها ، تتجلى في هذه المرحلة بالذات واحدة من المهام الأساسية بالنسبة لليسار الفلسطيني ، لتفعيل دوره وتواصله داخل هذه الأطر النقابية والاتحادات الشعبية ، وقد تكون الخطوة الأولى على هذا الصعيد ، مبادرة كل عضو منظم فيه بالانتماء الى هذه النقابة أو الاتحاد أو المنظمة الجماهيرية ، حسب موقعه ، مهنيا أو اجتماعيا أو غير ذلك ، إذ أن هذه الخطوة هي المقياس الأول –في الممارسة- المعبر عن وعيه بالدور التعبوي والجماهيري والديمقراطي لهذه الاتحادات ، وانعكاساته وتأثيره الإيجابي على تطور حركة اليسار من جهة وفي خدمة القضايا الوطنية والديمقراطية على الصعيد الوطني الفلسطيني والعربي العام من جهة ثانية ، على قاعدة الالتزام والقناعات المدركة لوحدة كل أشكال النضال بصورة جدلية ، النضال الأيديولوجي ، والنضال السياسي بكل أشكاله ، والنضال النقابي الاقتصادي أو المطلبي ، دون أي محاولة لإحلال شكلا من هذه الأشكال بدلا عن الآخر أو خلق تناقض بين هذا الشكل أو ذاك ، فذلك يعني تجريد الحزب من أهم مصادر قوته المتمثلة في وحدة أو ترابط أشكال النضال وجدليتها ، ولذلك نشدد على أهمية نضال ومشاركة اليسار الفلسطيني في الاتحادات الشعبية ، على قاعدة النضال السياسي والأيديولوجي المعبر عن هويته وموقفه بصورة أساسية وواضحة دون أي مساس بالأسس و المفاهيم و الأدوات الديمقراطية المتعدده التي تحكم العلاقات الداخلية و الخارجية لهذه الاتحادات و النقابات ، و في هذا السياق ، فإن تقدم أحزاب وفصائل اليسار في هذه الأطر –العلنيـة والديمقراطيـة- مرهون بتلازم الجانب المطلبي  و الجانب السياسي في نشاطها داخل الاتحادات والنقابات ، إذ أنه من الصعب إلى درجة تقترب من الاستحالة الفصل التعسفي بين النضال الاجتماعي الاقتصادي والنضال الوطني السياسي ، و بشكل خاص في أوساط النقابات العمالية التي تقوم على الشرائح الكادحة و الفقيرة ، و في مثل هذه الحالة يكون القهر الاجتماعي والاقتصادي مُولِّداً للوعي السياسي ، و النضال المطلبي لرفع هذا القهر الطبقي هو مدخل الانخراط في النضال الوطني العام عبر العمل المنظم أو الحزب ، فالنقابات –كما يقول لينين – مدرسة للاشتراكية لا بد منها ، مدرسة إعدادية للعمال لتحقيق أهدافهم ، و هي أيضاً المجال الواسع الذي يوفر للحزب فرصة الإطلال على آراء و مطالب الجماهير و همومها ، كما أنها حلقة الوصل التي تنقل مواقف و سياسات الحزب الى الجماهير ، و على هذا الأساس ، فإن النقابات عموماً ، و العمالية بشكل خاص توفر مجالات ، سياسية و مطلبية ، و فكرية ، و نضالية ، لتربية الكادرات الحزبية و صقل تجاربها ، و تعميق خبراتها في التعامل مع الجماهير و تلمس مزاجها و التعايش مع قضاياها و الدفاع عنها ، في مقابل ذلك يضمن الحزب و بصورة موضوعية تأييد الجماهير العمالية ، و الجماهير النقابية عموماً لسياساته و مواقفه الوطنية و الداخلية ، و بالتالي فإن العزلة و التقاعس عن المشاركة و المتابعة الفعالة لقضايا و هموم جماهير الاتحادات و النقابات –العمالية بالذات- لن يعطي للحزب ثقلاً سياسياً أو زخماً جماهيرياً مهما كانت طبيعة شعاراته أو مواقفه النظرية الصادقة المعبرة عن مصالح هذه الجماهير ، و ما تأييد غالبية الاتحادات و النقابات الفلسطينية لسياسات و مواقف قيادة م.ت.ف اليمينية قبل أوسلو ، عبر المجالس الوطنية و غيرها ، ثم تأييدها للسلطة الفلسطينية و سياساتها التوفيقية الهابطة، سوى تعبير عن عزلة قوى المعارضة الوطنية الديمقراطية و اليسارية ، ، تلك العزلة التي جعلت موقفها المعارض لهذه التنازلات و السياسات الهابطة ، موقفاً معزولاً و محاصراً ، صحيح ان هناك تراكمات و عوامل تاريخية ، و أخرى تتعلق بالبنية الطبقية و الهيمنة السياسية الأحادية على معظم النقابات و الاتحادات الفلسطينية ، في إطار التفرد و الهيمنة و غياب الديمقراطية ، ساهمت في تحويل هذه الأطر النقابية إلى أداة تابعة للقيادة الفردية سواء في م.ت.ف أو في السلطة الفلسطينية على قاعدة العلاقات الفردية و المصالح الخاصة التي عمقت مظاهر الخلل النقابي و السياسي و الداخلي فيها ، و لكن كل تلك المظاهر لا يمكن أن تبرر لليسار الفلسطيني  التراجع أو التقاعس عن ممارسة دوره و مشاركته الفعالة في هذه الاتحادات و النقابات مهما بلغت حالة فسادها أو إفسادها و مهما بلغت في سوء مواقفها من القضايا الوطنية أو المطلبية ، فالموقف المطلوب –خاصة في الظروف الراهنة- هو أن يتحمل هذا التيار مسؤوليته في خوض الصراع الديمقراطي ضد القوى الانتهازية و الانحراف السياسي و الاجتماعي ، من أجل قيادة نضالات عمالنا و كادحينا ، و نضالات أوسع قطاعات شعبنا ، في سبيل مصالحهم الوطنية و الطبقية و المطلبية ، فالانكفاء عن العمل لا يمكن أن يوصف إلا أنه نوع من التخلي عن المسؤولية تجاه هذه القطاعات و الشرائح الاجتماعية ، و تركها تحت رحمة و نفوذ القوى الانتهازية، البيروقراطية والطفيلية الكمبرادورية و أصحاب المصالح الذين لا هم لهم سوى تبرير السياسات الخاطئة للسلطة الفلسطينية و الدفاع عنها ، و الحفاظ على استمرار سياسة الاحتكار النقابي ، لحساب السلطة و لونها السياسي ، دون أي اعتبار لأي محاولة تسعى لإيجاد تعددية نقابية متجددة عبر الانتخابات ، قادرة على مواكبة أوضاع العمال أو النقابات الأخرى ، و التعبير عن مصالحهم و تفعيل دورهم الوطني و الديمقراطي المطلبي .
الواقع الراهن للحركة النقابية : بتراجع المجتمع السياسي الفلسطيني خلال العشر سنوات الأخيرة ، و انسداد الآفاق في وجه إمكانيات نمو مقومات المجتمع المدني في الضفة و القطاع ، تراجعت بصورة غير مسبوقة ، الأطر النقابية و المهنية ، من حيث الدور و الوظيفة على المستويين الوطني و المطلبي ، و تعمقت أزماتها الداخلية و تفككت العلاقات فيما بينها ، و ازداد وضع المنتسبين لهذه النقابات سوءاً و خاصة في النقابات العمالية التي تعيش أزمة خانقة أفقدتها دورها الطبقي –النقابي ، الى جانب فقدانها لدورها السياسي ، و قد لعبت السلطة الفلسطينية دوراً رئيساً فيما وصلت إليه النقابات المهنية و العمالية من تدهور و تشرذم ، فقامت أحياناً بممارسة "نفس أساليب التخويف التي استعملها سابقاً أصحاب العمل ضد العمال و المستخدمين الفلسطينيين"[14] .
إن استمرار تبعية الأطر و الاتحادات النقابية ، بل و توظيف العديد من القيادات النقابية في وزارات و أجهزة السلطة من جهة ، و استمرار سيطرة اللون السياسي الأحادي عليها ، ساهم في تحجيم دور هذه النقابات وتواصلها على الصعيد المجتمعي وأداء دورها وفق أنظمتها ولوائحها وأهدافها ، والأخطر من ذلك ان هذه العلاقة عززت اغترابها وعزلتها عن جماهيرها ، خاصة مع تحول الأغلبية الساحقة من قيادات هذه النقابات الى شكل قيادي سياسي باهت في ظل الولاء المطلق للقيادة السياسية المركزية العليا وأجهزتها ، وفقدت بالتالي دورها ووظيفتها الطبقية الاجتماعية و النقابية معاً .
ان هذه الأحوال من التفكك و الضعف الذي أصاب جسم الحركة النقابية الفلسطينية بما في ذلك المؤثرات الخارجية ودور الهستدروت والاتحاد الدولي والنقابات الصفراء (الحرة)[15] لا تثير الاستغراب أو الدهشة ، ذلك لان غياب أي شكل من أشكال الممارسة الديمقراطية ، أو الانتخابات ، عمق كل هذه المظاهر السالبة ، وألغى إمكانية توحد النقابات والاتحادات في إطار فلسطيني موحد لكل منهما ، وكان من نتيجة ذلك ، تفرد هذه المجموعة النقابية في قطاع غزة وخضوعها لقوانينه القديمة ، وتفرد النصف الآخر من الجسم النقابي في الضفة الغربية وخضوعه لقوانينها الأردنية القديمة ، يشهد على ذلك واقع النقابات العمالية والمهنية الراهن بعد اكثر من عشر سنوات على قيام السلطة الفلسطينية ، وتشتت وانقسام الحركة العمالية ، بين "الاتحاد العام لعمال فلسطين" ، من جهة وبين "الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين" ، حيث يدعي كل منهما امتلاكه للشرعية ، وكلاهما يعمل بعيدا عن الآخر ،ولا يجمعهما معا سوى الولاء المطلق للسلطة دون أي اهتمام جدي بقضايا العمال أو متابعة أوضاعهم وتخفيف معاناتهم ، الأمر الذي أدى الى توليد حالة من القطيعة بين جموع العمال من جهة ، والأطر النقابية العمالية من جهة ثانية ، "ففي الوقت الذي وصل فيه عدد النقابات العمالية الى 185 نقابة –معظمها تتشابه من حيث التسمية والنشاط- ، لم يتجاوز عدد أعضائها في أواسط التسعينات 7000 فقط"[16]،ارتفع هذا العدد بعد قيام السلطة الفلسطينية ، الى حوالي عشر أضعاف هذا الرقم أو اكثر ، ولكن الإشكالية الكبرى ان أحدا من القيادات المسؤولة في كل من "الاتحادين" لا يعرف بالضبط عدد العمال المنتسبين لهذا الاتحاد أو ذاك أو لكليهما ، حيث نلاحظ تباين الأرقام بين (97) ألفا[17] أو "(88) ألفا كما ورد في خطة الاتحاد ، أو (46) ألف عامل كما يقدر غالبية أعضاء اللجنة التنفيذية الذين لم يتمكنوا من تقدير توزع العمال على القطاعات المختلفة لعدم توفر الإحصاءات في الاتحاد العام "[18] .
 
إن هذا الإرباك ، الذي يعبر عن فقر فاضح في البيانات و المعلومات الإحصائية الدقيقة ، هو أحد تجليات حالة الفوضى و التشرذم و غياب الحس العالي بالمسؤولية تجاه العمال و قضاياهم ، و هو أيضاً تعبير عن تمسك قيادات الاتحادات و النقابات عموماً ، و القيادات العمالية خصوصاً ،بمصالحهم الشخصية ، التي تحتم عليهم استمرار تلك التبعية ، و ذلك الولاء المطلق دون أي إمكانية للتغيير أو التطوير المنشود ، ذلك لأن عملية التغيير و التطوير يستحيل تطبيقها بدون المشاركة الفعلية للعمال و المهنيين ، و ممارسة دورهم في العملية الانتخابية الكفيلة وحدها بتحقيق شرعية القيادة من جهة و إمكانات التغيير و التطور المطلوب من جهة أخرى بعيداً عن أي شكل من أشكال التبعية و الولاء خارج القاعدة العمالية أو المهنية كمرجعية وحيدة .
 
فإذا كنا نتفق على أن الانتخابات هي الأسلوب الوحيد ، و المرجعية الأساسية لأي شرعية كانت ، في النقابة ، أو في النظام السياسي ، فإننا نتفق أيضاً على غياب الشرعية لمعظم القيادات في كافة الاتحادات و النقابات العمالية و المهنية التي مضى على مصادرتها لحقوق الآلاف من الأعضاء ، عمالاً و مهنيين ، أكثر من عشر سنوات ، خاصة اتحاد عمال فلسطين بشقيه أو ما يسمى بقيادة الخارج ، أو قيادة الداخل ؟
 
إن التأكيد على صحة المبدأ القائل بأن لا شرعية لأي قيادة غير منتخبة ، في النقابات و غيرها من المؤسسات ، يدفعنا بالضرورة الى توجيه النقد لعملية الانتخابات الشكلية التي تتم أحيانا في ظل حالة العضوية الضيقة في كافة النقابات العمالية خصوصا، إلى جانب عدم الوضوح في البيانات أو الأرقام أو الإحصاءات الدقيقة التي تتيح التوزيع المهني للعمال المنتسبين في الاتحاد على القطاعات الإنتاجية و الخدماتية المتنوعة ، الأمر الذي يفرض على قوى اليسار الفلسطيني المطالبة والمبادرة الى تشكيل لجنة من الخبراء و الكفاءات النقابية الفلسطينية لوضع هيكلية تنظيمية موحدة لجميع الاتحادات و النقابات انطلاقاً من قاعدة وحدة العمل النقابي و المهني في فلسطين بعيداً عن هذا التشرذم و الانقسام الذي لا مثيل له في اشد البلدان تخلفاً و أكثرها استبداداً ، على أن تأخذ هذه الهيكلية بعين الاعتبار حصر عدد النقابات على قاعدة المهنة الواحدة ، للعمال ، للفلاحين ، للمهنيين ، المعلمين ، الممرضين و الممرضات ، الأطباء ، المرأة، المهندسين ، المهندسين الزراعيين ، الأطباء البيطريين ، أطباء الأسنان ، المحاسبين و المدققين ، و الصيادلة ، الكتاب ، الصحفيين ، الأدباء ، المصارف و البنوك ، المحامين ، الموظفين الحكوميين …الخ ، مع الأخذ بعين الاعتبار الضرورات الموضوعية التي تفرض أن يتفرع عن بعض الاتحادات الأم ، مثل اتحاد العمال ، فروع موحدة أيضا ، للعمال حسب المهنة والانتماء لهذا النشاط الاقتصادي و الخدماتي أو ذاك ، العاملين في الصناعة والتعدين والمحاجر ، العاملين في القطاع الزراعي ، العاملين في البناء ، التجارة والخدمات، الغزل والنسيج والخياطة ، السائقين والنقل والمواصلات ، البريد والهاتف والاتصالات ، الصناعات الغذائية ، السياحة والفنادق والمطاعم ، الجلود والأحذية ، المطابع … الخ ، بحيث يتم انتخاب جميع الهيئات القيادية بشكل دوري من القاعدة الى القمة في مناخ من الحرية والتعددية والنقاش الديمقراطي للبرامج والمسؤوليات ، الى جانب ضمان حق الفروع والقواعد في المحاسبة والرقابة على قيادة الاتحاد العام ، على أن يتم ذلك كله بأن تأخذ المحطات المعنية حسب النظام والهيكلية واللوائح الداخلية ، حقها في المناقشة وفق الأصول والأسس الديمقراطية الحرة ، ونقصد بهذه المحطات ، مؤتمرات الفروع حيثما وجدت في الداخل والشتات ، قيادة الفروع المنتخبة ، المؤتمر العام ، قيادة الاتحاد العام أو النقابة ، بما يعزز بناء شخصيتها المميزة واستقلاليتها كهدف رئيسي من جهة ، وشرط أولي لتفعيل وأداء دورها بصورة موضوعية بعيدا عن السيطرة الحزبية البيروقراطية العمياء أو سيطرة السلطة الحاكمة التي حولت الاتحادات والنقابات في بلادنا الى ما يشبه مكتبا ملحقا بالسلطة ، يتلقى التعليمات وينفذها بما يخدم مصالح السلطة ووحدانية حزبها ، وفي هذه العلاقة تكمن أهم أسباب التفكك والعزلة بين الاتحادات والنقابات من جهة وجماهيرها من جهة ثانية، وهي ظاهرة ستظل قابلة للتراكم السلبي طالما بقي التيار اليساري الطليعي غائبا عن قواعده العمالية.
 
على أنه ، بقدر وعينا بأهمية استقلالية النقابة وبلورة شخصيتها المميزة ، ندرك أيضا أهمية ممارسة الأحزاب عموما، واليسار خصوصا لدورها النقابي وتنفيذ سياساتها من خلال كادراتها وأعضاءها وأنصارها في النقابة المعنية ، انطلاقا من الموقف الذي يقوم على أساس استيعاب الأهداف والدور والخصائص المميزة للنقابات والاتحادات ، وبالذات جماهيريتها وديمقراطيتها، بما يلغي تبعيتها الميكانيكية أو المصلحية لأي حزب أو حركة مهما بلغت أغلبية ذلك الحزب أو الحركة في هذه الأطر ، فهناك فارق كبير وأساسي بين أن يستفيد الحزب من كادراته وأعضائه النقابيين من أجل استمالة موقف هذه النقابة أو تلك الى جانب مواقف الحزب وتوجهاته عبر نضال ديمقراطي منضبط ومحكوم للنظام واللوائح النقابية الداخلية ، وبين أن يستفيد الحزب أو الحركة السياسية من توفر أغلبية له/لها ، بهدف السيطرة وإصدار التعليمات التي تتجاهل –بصورة كلية أحيانا- طبيعة العمل النقابي وأهدافه ونظمه وخصائصه ومهماته الخاصة ، بما يؤدي الى إلغاء الشخصية المميزة والاستقلالية التي يجب أن يتمتع بها العمل النقابي في كل الأحوال والظروف .
 
ولكن المؤسف ، أن هذه العلاقة القائمة على السيطرة السياسية الأحادية ، ذات الطابع الشخصي ، قادت خلال الثلاثين سنة الماضية –خاصة بعد تراجع العمل المسلح بعد أيلول 1970 ، وبعد خروج حركة المقاومة الفلسطينية من لبنان 1982- الى إضعاف الممارسة الديمقراطية والتعددية في صفوف الأطر النقابية ، وتقليص عضويتها ، وبالتالي إفقادها لمواقفها أو تأثيرها السياسي وزخمها الجماهيري في نفس الوقت ، وقد تفاقمت هذه المظاهر منذ قيام السلطة عام 1994 حتى الآن ، بحيث أصبحت معظم مواقف الاتحادات والنقابات المهنية ، والعمالية ، وخاصة اتحاد العمال ، لا تصدر إلا بموافقة السلطة الفلسطينية والتنظيم الحاكم (حركة فتح) صاحب الأغلبية التي تراكمت دون الاستناد الى آليات الديمقراطية والتعددية والقانون بالمعنى الموضوعي .
 
الجانب الأخطر في هذا السياق ، أن هذه السيطرة الأحادية ذات الطابع الاكراهي بحكم النفوذ والسلطة ، أدت الى تعطيل دور الجماهير العمالية ، وجماهير المهنيين في أداء ومتابعة مهامهم وأدوارهم في إطار الأهداف النقابية والمطلبية ، وكذلك الأمر تعطيل دورهم في إطار العمل السياسي أو الوطني العام ، ولا شك أن ضعف النشاط الحزبي لجميع القوى الوطنية عموما ، والفصائل والأحزاب الديمقراطية اليسارية بصورة خاصة ، ساهم في هذا الوضع الذي وصلت إليه الأطر النقابية والمهنية في الوقت الراهن ، إذ أن حالة الاغتراب عن واقع القواعد العمالية لم يتوقف عند "القيادات العمالية" التقليدية التي لم تتغير رموزها الأساسية منذ سبعينيات القرن العشرين حتى بداية القرن الحادي والعشرين ، بل إن هذه الحالة من الاغتراب أصابت كافة القوى السياسية عموما ، وقياداتها وبرامجها العمالية أو النقابية بشكل خاص ، ومما عمق هذا الاغتراب عن واقع القواعد العمالية ، لدى الفصائل والقوى الوطنية عموما، وقوى اليسار خصوصا، عدم ايلاء مسألة العضوية والتنسيب للأعضاء والأصدقاء في الأطر ، الى جانب القضية الأهم ، التي تتمثل في غياب تفعيل البرامج والمهام المطلبية المباشرة المعبرة عن قضايا العمال خصوصا ، والمهنيين بصورة عامة ، والاكتفاء بالاهتمام اللحظى أو المؤقت ، في ظروف أو مناسبات معينة .
 
إن هذا التقصير أو التقاعس الذي يمكن تبريره في الظروف النضالية التاريخية السابقة ، لا يمكن تبريره في ظروفنا الراهنة التي تتداخل وتتشابك فيها قضايا التحرر الوطني بالقضايا المطلبية والديمقراطية بحيث باتت هذه الأخيرة ، شرطا –عبر تطويرها- أو عاملا أساسيا من عوامل صمودنا وتحقيق أهداف شعبنا في الاستقلال و التحرر الوطني .
 
من هنا يصبح الاقتراب والمعايشة والتفاعل مع واقع القواعد الشعبية من العمال والفلاحين والمهنيين ، قضية مركزية بالنسبة لليسار الفلسطيني، الى جانب القضايا المركزية الأساسية الأخرى ، إذ لا يعقل استمرار هذه الحالة من الابتعاد عن هذا الواقع العمالي والاكتفاء بالتعاطف ، أو الموقف التضامني النظري معه ، خاصة وان هذا الواقع ، يضم في صفوفه عشرات الآلاف من العمال والفلاحين والكادحين والمهنيين لا تربطهم بالعمل النقابي أي صلة أو علاقة ، الى جانب إشكالية أولئك المنتسبين أو الأعضاء في الاتحادات أو النقابات من العمال وغيرهم ، المحرومين فعلا من حقهم في التغيير أو المشاركة في الانتخابات أو في اختيار ممثليهم أو حتى معرفة كيف تسير أمور اتحادهم الادارية والقانونية والمالية وغيرها ، نظرا لهذه الحالة الراهنة من التكلس القيادي من جهة ومصادرة حقوق الأعضاء المسددين لاشتراكاتهم في ممارسة أي شكل من أشكال الانتخابات الديمقراطية سواء في النقابات الفرعية أو في الاتحاد العام من جهة أخرى، فبالرغم من الالتباس والتباين الصارخ – كما أشرنا من قبل - بالنسبة للعدد الحقيقي للعمال الأعضاء في اتحاد العمال ، بين اللجنة التنفيذية (46 ألف) وقيادة الاتحاد (88 ألف) ، ومصادر أخرى (97) ألف ، وهي أرقام لا تستند –كما يبدو- الى البيانات أو المعلومات الموثقة ، بقدر ما تعبر عن حالة من الاجتهاد أو الفوضى ، وهي في كل الأحوال أرقام لا تمثل سوى نسبة ضئيلة من العمال لا تتجاوز حسب الأرقام نسبة 10-20% فقط من العاملين بأجر في القطاع الخاص الذين يقدر عددهم في هذا العام 2004 بحوالي (450) ألف عامل، أي بنسبة 60.5%، من أصل مجموع القوى العاملة البالغ (744500) شخص . مع العلم بأن نسبة أرباب العمل لا تتجاوز 4.4% من مجموع العاملين في الأراضي الفلسطينية حسب معظم المصادر الاحصائية .
 
إن إشكاليات الحركة النقابية الفلسطينية لا تتوقف عند انخفاض النسبة المئوية أو ضعف مشاركة العاملين فيها ، بل تعود في أسبابها الرئيسة الأخرى ، الى مظاهر الضعف العام ، وغياب الشرعية ، والتشرذم ، والاستزلام ، والتفكك الذي يسود بنيانها العام وأطرها التنظيمية ، وهي ظاهرة مرتبطة الى حد بعيد بمظاهر الخلل والفساد وغياب النظام العام في السلطة الفلسطينية التي تعكس نفسها على كافة المؤسسات الرسمية وغير والرسمية ، الى جانب الانحدار المتزايد في مستويات معيشة العمال والشرائح الفقيرة ، وتزايد معدلات البطالة ، وانتشار مظاهر الفقر المدقع في صفوفهم ، دون أية مبادرات جدية في معالجة هذا الواقع المتردي ، -خاصة في ظروف الانتفاضة- حيث يصل عدد العاطلين عن العمل في هذا العام 2004 الى حوالي 223 ألف عامل ، لم تقدم لهم السلطة والاتحادات والنقابات سوى القليل من اشكال الدعم والمساندة العينية والمالية التي استندت الى مبدأ الاغاثة بعيدا عن أي توجه جاد يسعى الى تأسيس المشاريع الانتاجية (الصغيرة والمتوسطة) التعاونية والمختلطة مع القطاع الخاص وغيره من القطاعات الحكومية وغير الحكومية.
 
إن هذا الإحجام عن تقديم المساعدة والدعم للعمال العاطلين عن العمل في ظروف الأزمة الحادة الراهنة من الصراع مع العدو الصهيوني ، المترافقة مع ظروف الحرمان والفقر والمعاناة لهذه الجموع الفقيرة ، ساهم في تعميق الفجوة واتساعها بين الجماهير الشعبية الفقيرة والنضال السياسي والوطني العام ، وهو ما يفسر ضعف البعد الجماهيري للانتفاضة من ناحية، وضعف مشاركة العمال ، ودورهم والتفافهم حول الفصائل الوطنية والديمقراطية اليسارية  من ناحية ثانية، قياسا بهذه المشاركة والدور الكمي الكبير نسبيا في إطار التيارات الدينية المناضلة التي يجدون في شعاراتها وممارساتها شكلا من أشكال الخلاص أو العزاء ، وفي هذا السياق لا بد من ملاحظة الدور الإيجابي الذي تقوم بممارسته الحركات الدينية تجاه الجماهير الشعبية الكادحة ، فيما تقدمه من إعانات مادية وعلاج ومسكن وتشغيل وتعليم ، وهو نفس الدور أو المنهج الذي يعلن اليسار التزامه به نظرياً فحسب . .
 
على أي حال ، فإن موضوع التعاطي مع الاتحادات والنقابات ، العمالية والمهنية ، في ظروف هذا الصراع الحاد الذي يعيشه شعبنا في اللحظة الراهنة ، يتطلب ويفرض على التيار اليساري بذل المزيد من الجهد الوطني والاجتماعي ، والمزيد من التواصل والتعايش مع هذه الجماهير ، والكثير من الدقة والرؤية العلمية التي تجنبه الوقوع في الخطأ في هذا الاتجاه أو ذاك ، فالنضال من أجل القضايا الديمقراطية والمطلبية كمهمة من المهمات الرئيسية ، يجب أن يخدم في نتائجه ، وتراكماته الداخلية ، عوامل ومتطلبات النجاح في معركتنا المعقدة والقاسية ضد العدو الإمبريالي –الصهيوني . ذلك كله مرهون بمدى التصاقنا بالجماهير ووعي قضاياها وهمومها وتفاصيلها الحياتية بصورة موضوعية ودقيقة، بالارتباط العضوي ، الراهن والمستقبلي، بالرؤية والمهمات القومية على الصعيد العربي عموما ، وعلى صعيد النضال والتواصل في اطار الطبقة العاملة والفلاحين والفقراء على مساحة الوطن العربي كله، فهنا بالضبط تتجلى الصحوة المنتظرة لهذه الامة ونهوضها في مواجهة اعدائها في الداخل والخارج، وهي صحوة ستظل مؤجلة ، ومرهونة بالبدء بعملية الحوار الجاد بين أطراف اليسار العربي حول كيفية بناء الحركة الماركسية العربية انطلاقاً من وعي الجميع بتحولات العولمة الرأسمالية المتوحشة ومخططاتها الهادفة الى إحكام السيطرة على مقدرات وثروات شعوبنا واخضاعها لمزيد من التبعية والاحتواء والتخلف ، بحيث بات النضال من أجل التحرر الوطني والقومي في هذه المرحلة ضد الإمبريالية والحركة الصهيونية معاً ، هو بالضرورة نضال ضد النظام الرأسمالي كله ، من هنا ينبثق دور الطبقة العاملة العربية ومعها  جموع الفلاحين الفقراء والكادحين لتجسيد منطلقات الأمة العربية كلها في التحرر والاستقلال السياسي والاقتصادي والوحدة القومية الاشتراكية كما يقول بحق المفكر العربي سلامة كيلة .
وفي هذا السياق ، فإن المثقفين اليساريين عموماً ، وبخاصة في إطار القوى والأحزاب التقدمية – في بلدان الأطراف بالذات – يتحملون دوراً مركزياً في هذا التوجه بكل ما يترتب عليه من قمع ومعاناة وتضحيات ، للخروج من هذا المأزق ، عبر صياغة وامتلاك البرنامج السياسي الاقتصادي الاجتماعي المستند الى أيديولوجية الماركسية كمنهج لتحليل الواقع وتفسيره من جهة ودليل عمل في النضال من أجل التغيير من جهة ثانية ، بشرط إعادة النظر – بصورة موضوعية وبعقل جمعي – في كثير من الاستنتاجات والتحليلات الماركسية التي تلقاها معظم المثقفين العرب بصورة ميكانيكية في المرحلة السابقة ، دون أي نقاش جدي أو وعي جدلي حقيقي بها ، بحيث أصبح الواقع الاجتماعي الاقتصادي وتفاصيله الحياتية في واد ،  والنظرية عبر تلك العلاقة في واد آخر ، وهو ما يفسر بقاء المثقف في بلدان العالم الثالث والوطن العربي ، متلقياً للمعرفة – بشكل عام – وعاجزاً  عن إنتاجها ، ولا شك أن لهذه الظاهرة أسباباً متعددة ، ولكن يبدو أن أهمها – كما يقول – المفكر العربي التقدمي محمود أمين العالم " إننا لا نمتلك معرفة حقيقية بالماركسية ، وعلينا ـ أن نعترف بأن هذه المعرفة ، معرفة محدودة ، مسطحة ، واليوم ونحن نتسائل عن مصير الماركسية وأزمتها ، فإن تساؤلاتنا وإجاباتنا ستكون بالضرورة محدودة بحدود معرفتنا بالفكر الماركسي ، على أنه برغم ما حدث خلال السنوات الماضية وبرغم البلبلة الفكرية التي تغذيها ترسانة النظام الراسمالي ضد الفكر الاشتراكي عامة ، والماركسي خاصة ، فلم تبرز الحاجة الى الاشتراكية والى الفكر الماركسي كما تبرز اليه هذه الأيام ، فالحكم على الاشتراكية لا يكون بما أصاب التجربة السوفيتية من إنهيار ، وإنما الحكم الصحيح على الاشتراكية والماركسية يكون بما تعانيه الرأسمالية العالمية اليوم من عجز عن تقديم حلول للمشكلات الأساسية للواقع الإنساني ، بل وبشراستها العدوانية والاستغلالية إزاء شعوب العالم الثالث بوجه عام  .
إن العلاقات الدولية في هذه المرحلة ، التي دخلت فيها الرأسمالية طورها الإمبريالي المعولم ، لا يعني أنها قد تغلبت على تناقضاتها ، ولا يعني أن الكامن ، ونقصد بذلك حركة فقراء العالم وكادحيه ، قد مات ، فبالرغم من ان الرأسمالية قد أفلحت في تأجيل الانفجار عبر توسيع مجال التناقضات باسم العولمة ، إلاّ أنه تأجيل سيؤدي بالضرورة الى تزايد معاناة وافقار شعوب العالم , وأممه المسحوقة ، ولذلك فمن الطبيعي ، والضروري بصورة حتمية  ، أن تسعى هذه الأغلبية المتضررة من هذا النظام الشرير ، الى تقويض أركانه من أجل بناء نظام لا تحكمه هذه التناقضات ، بشرط امتلاك مقومات العلم والحداثة والمعرفة المعاصرة ، والتكنولوجيا والصناعة الحديثة التي أصبحت – قوة أساسية من قوى الإنتاج في هذه المرحلة ، تمهيداً لصياغة المشروع الإنساني التقدمي البديل ، وتفعيل حركته، خاصة في بلدان العالم الثالث ، من أجل إخضاع مقتضيات العولمة لاحتياجات شعوب هذه البلدان وتقدمها الاجتماعي ، ومن أجل المساهمة في بناء النظام السياسي العالمي الجديد الرافض لسلطة رأس المال الاحتكاري .
 لقد حانت اللحظـة الضرورية للعمل الجاد والمنظم في سبيل تأسيس عولمـة نقيضـه من نوع آخـر ، عبر أممية جديدة ، ثورية وعصرية وإنسانية .
 
 


[1] تتصاعد اليوم في أبناء شعبنا العربي في العراق ، روح وإرادة المقاومة ، جنباً الى جنب مع إخوانهم في فلسطين ، ضد المحتل الأمريكي – الصهيوني ، مؤذنة بميلاد جديد يستنهض روح هذه الأمة ، لتؤكد بحق أن الآمال الكبيرة تولد من اليأس الكبير . 
[2] د.سمير أمين-صراع الحضارات أم حوار الثقافات (مجموعة باحثين)-دار التضامن-1997 –ص76.
[3] الجهاز المركزي للإحصاء-فلسطين في أرقام 2002 – رام الله – فلسطين – 2003
[4] المصدر : د. عبد القادر عابد , صايل الوشاحي ، جيولوجية فلسطين ، مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين – القدس – الطبعة الأولى 1999 ، ص356 .
[5] لا تتجاوز نسبة من هم أقل من 15 سنة في الدول الصناعية المتقدمة 30% من عدد السكان.
[6] وهي نسبة منخفضة قياساً ببعض الدول العربية مثل مصر التي تزيد فيها القوى العاملة عن 30% من مجموع السكان وفي الأردن 27% وفي سوريا 28% ، وهي منخفضة قياساً الى مجموع القوى العاملة العربية التي تبلغ في العام 2001 حوالي ( 90 ) مليون عامل بنسبة 33% من مجموع سكان الوطن العربي ، وترتفع هذه النسبة في الدول المتقدمة ( أوروبا وأمريكا واليابان ) لتصل الى 50% ، وفي إسرائيل تصل الى 39% ، بالطبع النسبة منخفضة عندنا بسبب ارتفاع نسبة من هم دون سن 15 سنة التي تزيد عن 47% من مجموع السكان في الضفة والقطاع .
[7] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ،  مسح القوى العاملة – تقرير السنوي 2002 – أبريل 2003  - رام الله ، ص49
[8] المصدر : الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني – مسح القوى العاملة – التقرير السنوي 2002 – أبريل 2003 – رام الله – ص49 .
[9] المصدر السابق – ص49 .
[10] المصدر الجهاز  المركزي للإحصاء الفلسطيني ، 2003 ، فلسطين في أرقام 2002 . رام الله – فلسطين
[11] الجهاز المركزي للإحصاء –سلسلة التقارير الإحصائية- تموز 2000 ص32/33 . علماً بأن المراقب الاقتصادي – الصادر عن معهد ماس أورد نسبة البطالة 33.6% لعام 2002 .
[12] بلغ مجموع العاملين في الأنشطة الاقتصادية الفلسطينية, 439 ألف ، 435 ألف 435 ألف للأعوام 2000 , 2001 ، 2002على التوالي حسب المراقب الاقتصادي – ماس – العدد العاشر-رام الله-2003  .
[13] جميل هلال –النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو-مواطن للدراسات-رام الله –الطبعة الأولى-تموز 1998-ص169.
[14] جورج كرزم – إشكاليات العمل النقابي (مجموعة باحثين) – مركز الديمقراطية و حقوق العاملين – رام الله –1999 – ص47 .
[15] والجدير بالذكر ان للهستدروت دور أساسي في قرارات الاتحاد الدولي للنقابات الحرة فيما يتعلق بالدعم المالي الموجه لاتحاد النقابات العمالية الفلسطينية ، وهي علاقة مرفوضة ويجب العمل على وقفها ومحاربتها .
[16] جورج كرزم –المصدر السابق ص43.
[17] جريدة المسار –العدد 50- أيار 1999 .
[18] محمود زيادة – البنية الداخلية لاتحاد العمال – إشكاليات العمل النقابي – مصدر سبق ذكره – ص79 .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- المرأة الفلسطينية ودورها في التاريخ الحديث والمعاصر
- مجتمع المعرفة في الوطن العربي في ظل العولمة - على هامش اصدار ...
- الاصدقاء الاعزاء في منتدى الحوار المتمدن
- ورقة أولية حـول : الإشكاليات التاريخية والمعاصرة لهيئات الحك ...
- التشكيلة الرأسمالية وظهور الفلسفة الماركسية
- حول فلسفة هيجل وفيورباخ
- الفلسفة الأوروبية الحديثة(1) عصر النهضة وتطور الفلسفة الأورو ...
- الفلسفة القديمة وفلسفة العصور الوسطى ( الاقطاعية ) والفلسفة ...
- -محاضرات أولية في الفلسفة وتطورها التاريخي - مدخل أولي في ال ...
- ورقـة :حول الواقع الاقتصادي الفلسطيني الراهن
- عرض كتاب : الليبراليــة المستبـدة دراسة في الآثار الاجتماعية ...
- دور القوى والجماهير الفلسطينية في مجابهة تحديات الحاضر والمس ...
- الواقع الراهن للاقتصاد الفلسطيني وآفاقه المستقبلية
- التنمية والمقاومة بين التناقض والتكامل
- الأوضاع الفلسطينية في ظل الانتفاضة الثانية والعلاقات الدولية ...
- المجتمع الفلسطيني في انتفاضة الأقصى
- العولمـة وطبيعة الأزمات السياسيـة/الاقتصاديـة/الاجتماعيـة في ...
- أزمة حركة التحرر القومي العربي الراهنة وآفاق المستقبل
- ورقة مقدمة للحوار حول : مشروع منتدى الفكر الديمقراطي الإشترا ...
- العولمة وطبيعة الأزمات السياسية الاقتصادية الاجتماعية في الو ...


المزيد.....




- التلفزيون السوري: مقتل 14 مدنيا وإصابة 32 آخرين بغارة للتحال ...
- بالصور والفيديو.. الجيش السوري يتقدم باتجاه -المحطة الثانية- ...
- ليبرمان: القصف على الجولان جاء دون علم الأسد
- "فيفا": جائزة "الأفضل" لرونالدو لاعبا ول ...
- إسرائيل باعت أسلحة لميانمار تمّ استخدامها ضدّ الروهينغا
- دنفورد: سنواصل عملياتنا في النيجر رغم الهجوم الدامي ضد جنودن ...
- الملك عبد الله للصدر: يجب تغليب الحوار للحفاظ على سلامة العر ...
- خمس طرق لتحسين قدرتك على التركيز
- رونالدو.. حاصد جوائز يلتهم ميسي
- قتلى من فصيل موال لتنظيم الدولة في غارات بدرعا


المزيد.....

- الطبقة العاملـة والعمل النقابي في فلسطين ودور اليسار في المر ... / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية ودور اليسار في المرحلة الراهنة - ملف 1 ايار 2004 - غازي الصوراني - الطبقة العاملـة والعمل النقابي في فلسطين ودور اليسار في المرحلة الراهنة