أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالحكيم الفيتوري - صورة رسول الله بين قلم السلف وريشة الرسام الدنماركي !!






















المزيد.....

صورة رسول الله بين قلم السلف وريشة الرسام الدنماركي !!



عبدالحكيم الفيتوري
الحوار المتمدن-العدد: 2655 - 2009 / 5 / 23 - 10:34
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


نحن أمة عاطفية بأمتياز، نكره النقد ونحب التمجيد، نبغض العقلانية ونمجد التقديسية، نجمع بين الذات والقيمة ويصعب علينا التفريق بينهما، نملك عقلا حافظا استذكاريا ولا نملك عقلا نقديا استكشافيا، نخلط بين الدين المنزل والدين المؤول، بين الدين وأشكال التدين، بين الشارع والشارح. ولكي نبرهن على عاطفية الأمة وتمجيديتها وكرهها للنقد والعقلانية، ما كان من ردود أفعال ضد الرسوم الكارتونية التي تناولت رسول الله بطريقة ساخرة حيث رسم الرسام الدنماركي رسول الله يجر مجموعة نسوة خلفه وفي عمامته عددا من القنابل اليدوية،ونحن بالمناسبة ندين هذه الرسوم جملة وتفصيلا لأن حق الاعتقاد محفوظ للجميع ولا يجوز السخرية من أي معتقد كان سماويا أو أرضيا؛ ولكن ليس هذا بيت القصيد،وإنما هذه الجموع الغاضبة التي خرجت من أجل رفض الرسوم الساخرة والدفاع عن الرسول الكريم، هي ذاتها قبلت –من حيث لا تدري- صورا لرسول الله أشد بشاعة ونكارة مما رسمه النكرة الدنماركي، وذلك من خلال قبولها بل وتدريسها لتلك الروايات التي تصور رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال عنه القرآن الكريم(وإنك لعلى خلق عظيم) بأنه يمارس عمليات إغتيالات لخصومه، وقتل مناؤيه غيلة، والتمثيل بجثث النساء وغير ذلك مما تزخر به كتب الأحاديث والمغازي والسير والتاريخ. وهكذا تبدو الأمة عاطفية بأمتياز فهي تخرج دفاعا عن رسول الله واستنكارا لتلك الرسوم الساخرة، وفي الآن ذاته تحفظ عن السلف تلك الصورة المنافية لأخلاق الرسول، وترددها من على المنابر بأنواعها دونما تفكير في مراجعتها ونقدها وإلغائها.ولعل من المناسب ذكر نموذج من تلك الصور البشعة التي رسمها السلف الصالح بطريقة الاسانيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم والتي تزيد بشاعة عما رسمه الرسام الدنماركي، ولعل صورة مقتل أم قرفة في عهد رسول الله كافيا بوضع ما رسمه قلم السلف في قمة البشاعة والنكرة مما رسمه الرسام والرسامون الساخرون !!

-حكاية مقتل أم قرفة:
قصة مقتل أم قرفة تناولها فريقان، فريق أراد التشكيك في دين الاسلام والانتصار لدينه كفعل بعض النصارى. وفريق استيقظ بعد سبات طويل فأراد أن يثبت عدم صحة اسناد هذه القصة وليس متنها بغية المحافظة على سلطة الرواية والحديث والسلف كما فعل أخيرا الشيخ الالباني. وهذه المقالة تحاول تناول قصة قتل أم قرفة بنوع من الموضوعية العلمية في إطار البحث العلمي الحر الذي ينزع إلى بحث القضية في سياقها التاريخي، ومساقها الثقافي والاجتماعي والسياسي، حيث يمكن قراءتها قراءتين، قراءة في إطار سياقها ومساقها فتصبح نصا معاصرا لزمانها. وقراءة في إطار سياقنا ومساقنا المعاصر فتصبح القصة نصا قد فارقه زمانه ومكانه وإنسانه. وفي تلك القراءتين يجد المؤمن نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما، خيار الدفاع عن الاسلام المنزل والمؤول دون تمييز بين نسبية المعرفة ونسبية الفهم؛ وهذا الخيار يؤل بصاحبه إلى تأويلية والتقديسية المفرطة لإسلام النص والتاريخ معا. وأما الخيار الثاني فهو اعتبار نسبية المعرفة ونسبية فهم النص الديني، والذي يتفرع عنه التمييز بين مستويات الوحي المعيارية من غيره،ومستويات ما صدر عن الرسول والنبي ومحمد (= تشريعي،قيادي،جبلي)،كذلك نسبية الجهد البشري وعدم تقديس المعرفة. فلو أردنا تطبيق الخيارين من خلال قصة مقتل أم قرفة وغيرها كما جاءت بها المصادر الإسلامية المتنوعة من كتب الحديث، والمغازي، والتاريخ، والتراجم، فالخيار الأول يكرس التقديسية ويضع إسلام النص والتاريخ في قفص الإتهام مباشرة. والخيار الثاني يكرس العقلانية ومنطقية الرسالة والرسول حيث يدفع هذا الخيار بقيم الإسلام إلى أن تكون قيما حاضرة ومشاركة في عملية النهوض الحضاري الانساني.

-أقدم مصدر جاء فيه قصة قتل أم قرفة:
والغريب في الأمر أثناء البحث أتضح لي أن أصحاب الاسانيد لم يبخلوا في تشويه صورة الإسلام-بقصد أو بغير قصد- بنسبة قصة أم قرفة إلى رسول الله، بل وجدوا سبيلا إلى صناعة اسناد لقصة أخرى مشابهة لقصة إم قرفة، ولكن الفاعل هذه المرة خليفة رسول الله أبو بكر الصديق حيث نسب له قصة شق أم قرفة المرتدة في عهده، وهكذا بدأ خيال الراوي يزيد في تصوير تلك الحادثة من حيث الكم والكيف. ففي أول مصدر -حسب علمي- أن قصة قتل أم قرفة في عهد رسول الله على يد زيد ابن حارثة جاءت في كتاب المحدث الحافظ الثقة أبو عوانة الذي كان مولده نيف وتسعين، ووفاته كانت سنة ست وسبعين ومئة.(94-167)، وذلك في كتابه (مستخرج أبي عوانة) فقد ذكر القصة في مبتدأ كتاب الجهاد، بيان عدد غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:.... وغزوة زيْد بن حارثَةَ وادي القُرى لقِي به بني فزارة وأصيب بها أُناس من أصحابه وارتُثَّ زيد من بين القتلى، وفيها أصيب وردُ بن عمرو بن مداس، فلما قدم زيد بن حارثة نذر أَن لا يمسَّ رأسه غسل من جنابة حتى يغزو فزارة، فلما استل من جراحه، بعثه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في جيش إِلى بني فزارة فلقيهم بوادي القرى فأَصاب منهم، وقتل قيس بن المشجر اليعمري، ومسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر، وأسر أُمَّ قِرْفَةَ فاطمة بنت ربِيعة بن زيد كانت عند مالك بن حذيْفة بن بدر، وغزوة عبد الله بن رواحة رضي اللَّه عنه مرَّتين إِحداهما التي أصاب فيها البشير بن رزام اليهودي، وغزوة عبد اللَّه بن عتيك رضي اللَّه عنه إِلى خيبر فأَصاب فيها أبا رافع سلَّام بن أَبِي الْحُقَيْق، وقد كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعث محمد بن مسلمة رضي اللَّه عنه وأَصحابه فيما بين بدر وأحد إِلى كعب بن الأشرف فقتلوه، وبعث رسول اللَّه صلى اللَّه عليْه وسلم عبد اللَّه بن أُنيس رضي اللَّه عنه إلى خالد بن سفيان بن نبيح الهذلِي وهو بنخلة أو بعرنة يجمع لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الناس ليغزوه فقتله....). علما بأن أبا عوانة حديثه أصح من حديث شعبة عند أهل الحديث كما قال عفان بن مسلم( أبو عوانه أصح حديثا عندنا من شعبة )، وقال عنه أحمد بن حنبل هو صحيح الكتاب وإذا حدث من حفظه ربما يهم. وقال عنه يحيى بن سعيد القطان ما أشبه حديثه بحديث سفيان وشعبة. وقال عنه يحيى بن معين كان أبو عوانة يقرا ولا يكتب وروى عباس الدوري عن يحيى قال كان أبو عوانه أميا يستعين بمن يكتب له قال حجاج الأعور قال لي شعبة الزم أبا عوانة.( انظر سير أعلام النبلاء للذهبي )

يبدو أن أبا عوانة اعتنى بحصر غزوات النبي عددا دون تصوير لأجواء تلك الغزوات وتفاصيلها الدقيقة، كما فعل من جاء بعده كأبن سعد في طبقاته الكبرى (168-230) والذي يبدو أنه كان يتميز بخيال خصب وفكر مترع بالاسطورة والخيالية، حيث ذكر سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة بوادي القرى فقال: سرِية زيد بن حارثَة إِلى أُمِّ قِرْفَةَ بوادي القرى ثم سريّة زيد بن حارثة إِلى أُمِّ قِرْفَةَ بناحية بوادي القرى على سبع ليال من المدينة في شهر رمضان سنة ستّ من مهاجر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، قالوا: خرج زيد بن حارثَة في تجارة إِلى الشَّام ومعه بضائع لأصحاب النبي صلى اللَّه عليه وسلم، فلما كان دون وادي القرى لقِيه ناس من فزارة من بني بدر فضربوه وضربوا أصحابه وأخذوا ما كان معهم، ثم استبل زيد وقدم على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فأخبره فبعثه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إِليهم فكمنوا النهار وساروا الليل ونذرت بهم بنو بدر ثم صبَّحهم زيد وأصحابه ، فكبروا وأحاطوا بالحاضر وأخذوا أُمَّ قِرْفَةَ، وهي فاطمة بنت ربِيعة بن بدر، وابْنتها جارية بنت مالك بن حذيْفة بن بدر، فَكان الذي أخذ الجارية سلمة بن الأَكوَع، فوهبها لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فوهبها رسول اللَّه بعد ذلك لحزن بن أبي وهب، وعمد قيس بن المحسَّرِ إِلى أُمِّ قِرْفَةَ، وهي عَجوز كبيرة، فقتلها قتلا عنيفًا: ربط بين رجليها حبلا ثم ربطها بين بعيرين ثم زجرهما فذهبا فقطَّعاها، وقتل النعمان وعبيد اللَّه ابني مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر. وقدم زيد بن حارثَة من وجهه ذلك فقرع باب النبيِ صلى اللَّه عليه وسلم فقام إِليه عريانًا يجر ثوبه حتى اعتنقه وقبله وسايله فأخبره بما ظفره اللَّه به.(الطبقات الكبرى،لابن سعد)

وهكذا تم تكميل صورة قتل إم قرفة في ثوب درامي من خيال ابن سعد الخصب وكأنه كان حاضرا لكل تلك التفاصيل الدقيقة التي يذهل عنها حتى من شهدها، فقال ابن سعد:... فكمنوا النهار وساروا الليل... فكبروا وأحاطوا بالحاضر وأخذوا أم قرفة.... وابنتها جارية بنت مالك ، فَكان الَذي أخذ الجارِية سلمة بن الأكوَعِ، فوهبها لرسول اللَّه..... وعمد قيس بن المحسرِ إِلى أم قرْفة، وهي عَجوز كبِيرة، فقتلها قتلا عنيفًا: ربط بين رجليها حبلا ثم ربطها بين بعيرين ثم زجرهما فذهبا فقطعاها....!!

ثم تواردت قصة إم قرفة في كتب أهل الحديث والسير والمغازي بصور مختلفة، فقد ذكرها تلميذ من تلاميذ البخاري وهو العقيلي محمد بن عمرو الحجازي(322) في كتابه الضعفاء عن الزهري عن عروة عن عائشة، فقال بعد ذكر قصتها: . أَمَّا الأول فقد روي من غير هذا الطريق، وأَمَّا الثَّاني فلا يعرف إِلا به.(الضعفاء الكبير للعقيلي) والعقيلي هذا يعد من علماء الجرح والتعديل المتشددين كأبي حاتم وغيره،وليس كل الرواة الذي جاء ذكرهم في كتاب الضعفاء متفق على تضعيفهم، بل منهم المختلف فيه، ومنهم الثقة الذي جرح بغير بينة، كالحافظ علي ابن المديني وغيره.(انظر ميزان الاعتدال للذهبي)

كذلك ذكر قصة قتل أم قرفة أبو عبدالله الحسين بن أبان المحاملي (330) في كتابه أمالي المحاملي عن بن اسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.فقال حدثنا الحسين قال ثنا عبد اللَّه بن شبيب ، حدثني إِبراهيم بن يحيى قال : حدثني أَبي ، عن محمد بن إِسحاق ، عن الزهريِ ، عن عرْوة ، عن عائشة قالت :......(أمالي المحاملي،مجلس آخر الإملاء)

أيضا ذكرها أبو نعيم الاصبهاني (430) في كتابه دلائل النبوة من ذات طريق الاسناد عن ابن اسحاق عن الزهري عن عروة ولكن بدون خيالية ابن سعد ، فقال:حدثنا القاضي أبو أحمد محمد بن أحمد بن إِبراهِيم ثنا محمد بن أيّوب قال : ثنا إبراهِيم بن يحيى بن محمد بن عباد بن هانِئ الشجريّ حدثني أَبِي ، عن محمد بن إِسحاق مولى ابن مخرمة عن الزهري ، عن عروة قال : قالت عائشة رضي اللَّه عنها .....(دلائل النبوة،ذكر سرية زيد بن حارثة) وذكرها أصحاب المغازي والسير بخيالية ابن سعد ، فقد جاء ذكرها عند ابن اسحاق في مغازيها ، وابن هشام في سيرته، والروض الآنف، فقال السهيلي:قال ابن إسحاق : فلما قدم زيد بن حارثة إلى أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو بني فزارة فلما استبل من جراحته بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني فزارة في جيش فقتلهم بوادي القرى ، وأصاب فيهم وقتل قيس بن المسحر اليعمري مسعدة بن حكمة بن مالك بن حذيفة بن بدر ، وأسرت أم قرفة فاطمة بنت ربيعة بن بدر كانت عجوزا كبيرة عند مالك بن حذيفة بن بدر ، وبنت لها ، وعبد الله بن مسعدة ، فأمر زيد بن حارثة قيس بن المسحر أن يقتل أم قرفة فقتلها قتلا عنيفا ؟ ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنة أم قرفة وبابن مسعدة ...(روض الأنف للسهيلي) كذلك ذكرها ابن الجوزي الحنبلي (511-597هـ) في كتابه (المنتظم في التاريخ ) سرية زيد بن حارثة الى ام قرفة بوادي القرى،فقال:... فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهم فكمنوا النهار وساروا الليل او نذرت بهم بنو بدر ثم صبحهم زيد واصحابه فكبروا واحاطوا بالحاضر واخذوا ام قرفة وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر وابنتها جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر وكان الذي اخذ الجارية مسلمة بن الاكوع فوهبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لحزن بن ابي وهب‏.‏ وعمد قيس بن المحسر الى ام قرفة - وهي عجوز كبيرة - فقتلها قتلًا عنيفًا ربط بين رجليها حبلًا ثم ربطها بين بعيرين ثم زجرهما فذهبا فقطعاها‏.‏

ونختم بالحافظ ابن حجر الشافعي (773-852) شارح صحيح البخاري حيث ذكر أطراف من قصة تمزيق أم قرفة عند شرحه لمناقب زيد بن حارثة، وأشار إلى أن غاية البخاري من هذا الباب الإشارة إلى قصة أم قرفة،فقال ابن حجر بعد سرديه لعدد غزوات زيد:..... والسابعة : إلى ناس من بني فزارة، وكان خرج قبلها في تجارة فخرج عليه ناس من بني فزارة فأخذوا ما معه وضربوه؛ فجهزه النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فأوقع بهم؛ وقتل أم قرفة بكسر القاف وسكون الراء بعدها فاء؛ وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر زوج مالك بن حذيفة بن بدر عم عيينة بن حصن بن حذيفة وكانت معظمة فيهم، فيقال ربطها في ذنب فرسين وأجراهما فتقطعت، وأسر بنتها وكانت جميلة، ولعل هذه الأخيرة مراد المصنف، وقد ذكر مسلم طرفا منها من حديث سلمة بن الأكوع.(صحيح البخاري كتاب المغازي،باب عزوة زيد ابن حارثة)

واللافت للنظر أن قصة تمزيق أم قرفة تناولها كتاب الحديث والمغازي والسير منذ زمن أبي عوانة(94-167) إلى زمن ابن حجر(852) وما بعده دون إنكار لها أو ردها مما يعني أنها محل قبول عند القوم وإن أنكرها الألباني (1420هـ) وهو من المتأخرين بطريقة خجولة، لأن أنكار الألباني لهذه القصة كان من باب القدح في سندها وليس من باب القدح في متنها وإن صح إسنادها، والدليل على ذلك ثمة قصص متشابهة لقصة أم قرفة في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنن لم يمارس عليها أحد من علماء الجرح والتعديل والقدح والنقد والإبطال، ولعل قصة العرنيين الذين قتلوا يسار راعي رسول الله واستاقوا اللقاح، فأمر بهم رسول الله فقطعت أيديهم وأرجلهم،وسملت أعينهم أي غورت بمسامير محماة بالنار، وألقوا بالحرة يستسقون فلا يسقون،قال أنس ولقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه من العطش ليجد بردها لم يجده من شده العطش حتى ماتوا على حالهم. وهذه قصة من عشرات القصص صحيحة الاسناد على منهج أهل الحديث مبثوثة في كتب الجهاد والسير،والمغازي،واستتابة المرتدين وغيرها.

وأحسب أن جل هذه الروايات والقصص تصور فعل رسول الله مع بعض الشعراء المناؤين لدعوته وبعض المعارضين له؛ أنه فعل معهم تلك الأفعال بدافع إنتقامي شخصي، وهذا وفق مقاصد الوحي لا يليق بنبي مرسل رحمة للعالمين (الرحمة المهداة)،(رحمة للعالمين)، والله يقول لرسوله الكريم لما فكر في الانتقام من المشركين الذين قتلوا عمه حمزة يوم أحد : ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنه ظالمون. وهو صاحب تلك الوصية الخالدة لأصحابه في المعارك القائل: أوصيكم بتقوى الله ...لا تقتلوا امرأة، ولا صغيرا، ولا شيخا فانيا، ولا تقطعوا شجرة، ولا تهدموا بناء.

وعلى الرغم من ذلك فإن ابن سعد في طبقاته ومن سار على دربه يرسم بقلمه صورة لرسول الله غير التي جاء ذكرها في القرآن، حيث يبدو رسول الله بريشة ابن سعد قتالا منتقما وذلك من خلال تصوير قتله غيلة لأمرأة وسط أطفالها بطريقة بشعة يرفضها القرآن وقصديته، وتأباها أخلاق رسول الله الكريمة، فيذكر ابن سعد تحت عنوان سرية عمير بن عدي. ثم سرية عمير بن عدي بن خرشة الخطمي إِلى عصماء بنت مروان من بني أمية بن زيد ، لخمس ليال بقين من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وكانت عصماء عند يزيد بن زيد بن حصن الخطمِي ، وكانت تعيب الإِسلام ، وتؤذي النبي وتحرض عليه وتقول الشعر، فجاءها عمير بن عدي في جوف الليل حتى دخل عليها بيتها ، وحوْلها نفر من ولدها نيام منهم من ترضعه في صدرها ، فجسها بيده ، وكان ضرِير البصر، ونحى الصَّبيَّ عنها ووضع سيفهُ على صدرها حتى أَنْفَذَهُ مِنْ ظهرها ثم صلَّى الصبح مع النبي صلى اللَّه عليه وسلم بالمدينة، فقال له رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: أَقتلت ابنة مروان ؟ قال : نعم ، فهل عليّ في ذلك من شيء ؟ فقال: لا ينتَطح فيها عنزان . فَكانت هذه الكلمة أوَّل ما سمعت من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وسمَّاه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عميرا البصير. وذكر هذه القصة بن سلامة القضاعي في مسنده تحت باب: لا ينتطح فيها عنزان(454هـ) كذلك ابن عساكر في تاريخه، وابن هشام والحلبي في سيرته. ويقال: لا ينتطح فيها عنزان: أي من الوضوح بأن لا يختلف عليها اثنان.

والظريف في الأمر، أن أصحاب الأسانيد والروايات لم يجدوا حرجا من تثبيت هذا السلوك الانتقامي لرسول الله وأنها كانت ضمن برنامجه التربوي الذي ربى عليه أصحابه، حيث كان الاقتداء به في عهد خليفته الأول أبوبكر الصديق وأضحا بحسب أهل الرواية (..لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة..) ، حيث أنهم لم يعوزهم إلصاق ذات الصورة لأبي بكر الصديق بطريقة الاسناد فقد جاء في سنن الدار قطني، كتاب الحدود والديات وغيره: أحمد بن إِسحاق بن بهلول ، نا أبِي ، نا محمد بن عيسى ، عن الوليد بن مسلم ، عن سعيد بن عبد العزيز ، أن أبا بكر قتل أم قِرْفة الفزارية في ردّتها قتلة مُثلةً ، شدَّ رِجليها بفرسين ثم صاح بهما فشقاها وأُمُّ ورقة الأنصارية كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يسميها الشهيدة ، فلما كان في خلافة عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه، قتلها غلامها وجاريَتها ، فأتي بهما عمر بن الخطاب فقتلهما وصلبهما . نا بذلك ابن البهلول ، نا أبِي ، نا محمد بن يعلى ، عن الوليد بن جميع ، عن جدّته ليلى بنت مالك ، وعن عبد الرحمن بن خلَّاد ، كلاهما عن أم ورقة ، عن عمر بذلك.

وذكر هذه القصة البيهقي في سننه الكبرى، كتاب القسامة، وكتاب المرتد، باب قتل من أرتد عن الإسلام لعله يريد ما أخبرنا أبو حازم الحافظ ، أنبأ أبو الفضل بن خميرويْه ، أنبأ أحمد بن نجدة ، ثنا سعيد بن منصور ، ثنا خالِد بن يزيد بن أبي مالك الدمشقِي ، حدثني أبي ، أن أبا بكر الصديق ، رضي اللَّه عنه قتل امرأة ، يقال لها : أمّ قِرْفة ، فِي الردَّة " وروي ذلك عن يزيد بن أبي مالك ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي بكر رضي اللَّه عنه.(انظر سنن البيهقي،ونسخ الحديث ومنسوخة لابن شاهين كتاب جامع،والأموال للقاسم بن سلام كتاب افتتاح الأرضين صلحا وأحكامها )

وهكذا يبدو التقاطع والتناغم واضحا بين قلم الرواة وأصحاب السير والمغازي مع ريشة أي رسام ساخر من الإسلام ورسوله، وذلك إذا أراد أي رسام أن ينقل إلى لغته الفنية السنمائية ما هو مكتوب من نصوص وروايات مبثوثة في كتب السلف التي تصور رسول الله يغتال خصومه ويجتاح مخالفيه وهم نائمون ...الخ

لذلك لا يجدي في زمن المعلومات وثورة الاتصالات والتقنية التترس بالمنهج النعامي حيث لا مكان للعقل التمجيدي في زمن البحث العلمي الحر، ومن هنا ينبغي على الذين يحترمون عقولهم أن يمارسوا المنهج النقدي بطريقة علمية وليست إيمانية(تسليمية)، وذلك من خلال فرز آي القرآن الكريم إلى آيات معيارية وأخرى غير معيارية؛آيات لا تتأثر بظرفي الزمان والمكان،وأخرى تتأثر ببعدي الجغرافية والتاريخ،مع اعتبار السياق والمساق في فهمها، ثم تمييز ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم بالبعد الرسالي و البعدي الانساني(=القيادي والجبلي)، ومحاكمة مدونة الأحاديث من خلال المحاور الثلاثة(العقل،الوحي،الواقع) في إطار نسبية المعرفة ونسبية الفهم. وأحسب أننا لو فعلنا ذلك نكون قد وضعنا أقدامنا في بداية الطريق الصحيح الذي يقودنا إلى فتح المجال لقراءة النص المقدس بمستويات متعددة ومتنوعة في إطار الزمان والمكان والانسان، كذلك التخفف من التابوت الثقيل الذي نحمله على أعناقنا فيه بقية من آل البخاري وآل مسلم وآل مالك وآل الشافعي ... الخ عفى الله عنهم. (*)
_______________
(*) للمزيد يمكنك زيارة موقعي http://www.a-znaqd.com






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,386,880,849
- المرأة .... والاعوجاج الدائم (3)
- المرأة ... والإعوجاج الدائم 2
- المرأة ... والإعوجاج الدائم
- الأنثى والخيانة 4
- الأنثى والخيانة (3)
- الأنثى والخيانة (2)
- الأنثى والخيانة
- مفهوم المواطنة في تجربة النبي
- الشورى بين الحقيقة والخيال
- مفهوم السلطة في تجربة النبي السياسية
- فكرة الدولة في تجربة النبي
- الدولة في الإسلام فكرة أرضية
- إشكالية القيمة والذات في الفكر الإسلامي
- الخلط بين الدين وأشكال التدين في الفكر الإسلامي
- مخاطر توظيف السياسي للخطاب الديني
- صور من القتل السياسي باسم الدين
- الوهابية وسبي نساء مخالفيهم !!
- الوهابية وقتل المخالف في الولاية السياسية والدينية
- اعتماد محمد ابن عبدالوهاب على فكر ابن تيمية في مسائل التكفير ...
- الوهابية .. وتأصيلها لمسائل التكفير والقتل


المزيد.....


- الطالبانية والعالم المتحضر في الميزان / جورج كتن
- في -فوضى الفتاوى-.. كاد يُحرَّم الحلال ويُحلَّل الحرام! / جواد البشيتي
- إسرائيل تتقدم بالفيزياء ... ونحنُ بالفقهاء ... / شامل عبد العزيز
- ضياع فضيلة الشيخ الطهطاوي في دروب التأسلم / جمال الهنداوي
- النقد محبة إيجابية / نشأت المصري
- لافرقة ناجية ..ولا عشرة مبشره / طلعت خيري
- قراءة نقدية لبيان الكنيسة الكلدانية الرعوي / سميراسطيفوشبلا
- ملاحظات حول الكتاب الأخير لمرشد جماعة العدل و الإحسان / أحمد عصيد
- الوطن والمواطنةعند الإسلاميين3 من 4 / سيد القمنى
- تساؤلات منطقية حول تفسير الآيات القرآنية / أسعد أسعد


المزيد.....

- البابا فرانسيس ينتقد النظام الاقتصادي العالمي:لا لتسلط المال ...
- بالفيديو..الاقباط يحيون عيد القيامة المجيد
- مسيحيو العراق يحتفلون بعيد "قيامة المسيح من بين الاموات"
- رسالة إلى أرباب الفتن: مصر في الكاتدرائية
- اشتباكات بمحيط المسجد الأقصى وإسرائيل تعتقل 16 فلسطينيا
- بالصور.اثار إنتهاكات واعتداءات "الاحتلال" على المسجد الاقصى ...
- «نيسان الأحمر»: دولة الطوائف لا الرعاية / حسام عيتاني
- فضائح وصراعات وكتب وعشيق في الخامسة والسبعين / إسكندر حبش
- إسلامجي يحكم من الكنيسة
- وزير الأوقاف الفلسطيني يهاجم زعيم القاعدة: هو وأمثاله -خوارج ...


المزيد.....

- مالك بارودي - خرافات إسلامية / مالك بارودي
- دية ما يتلفه الحيوان- الإسلام نسخة منتحلة من اليهودية 3 -10 / كامل النجار
- مشروع الورقة السياسيَّة المقدَّم للمؤتمر التأسيسيّ ل«اتِّحاد ... / اتحاد الشيوعيين الأردنيين
- الإسلام نسخة منتحلة من اليهودية / كامل النجار
- مالك بارودي - الإسلام دين شرك ووثنيّة / مالك بارودي
- حول مقولة كارل ماركس -الدين أفيون الشعوب- / مجيد البلوشي
- مدينة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام والعلم / برويز أمير علي بهائي بيود
- مشروع تثقيف القرية المصرية / سامح عسكر
- تأريض الإسلام ج2 الشيطان والإنسان / زاغروس آمدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالحكيم الفيتوري - صورة رسول الله بين قلم السلف وريشة الرسام الدنماركي !!