أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - إدريس ولد القابلة - أخطر يوم في حياة الحسن الثاني






















المزيد.....

أخطر يوم في حياة الحسن الثاني



إدريس ولد القابلة
الحوار المتمدن-العدد: 2558 - 2009 / 2 / 15 - 08:00
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


كلما اتسعت دوائر التقصي أو نطق أحد الصامتين أو تم العثور على وثيقة أو معلومة جديدة كشف فيها عن تصريح، يتبين من جديد أن خبايا تاريخ المغرب المعاصر مازالت خفية، لم تعرف بعد كاملة.
ففي منتصف صيف 1971، كان المغرب الشعبي في أوج غليانه، وكانت قواه الحية التواقة إلى تغيير جذري توحدها فكرة واحدة: تنحية الملكية من المغرب وتعويضها بنظام آخر!
آنذاك، وبالضبط يوم 10 يوليوز، بعد إحياء سهرة فنية ضخمة في ليلة التاسع منه، قام بتنشيطها عمالقة الأغنية العربية وقتئذ، استقبل الملك الراحل الحسن الثاني ضيوفه بقصر الصخيرات في أجواء صيفية رائقة، قوامها المرح والمتعة وتقديم صنوف الأكل وغيرها من مظاهر البذخ.
احتل المدعوون حدائق القصر، حيث كل شبر من بساطها الأخضر المؤثث بأشجار الميموزا والأوكاليبتوس المستورد من استراليا. أكثر من ألف ضيف، جلهم بزي صيفي خفيف تبعا للتعليمات الواردة في الدعوات التي توصلوا بها، بلسان العرب ولغتي موليير وشكسبير. كل الشخصيات الوازنة، المغربية والأجنبية، المتواجدة آنذاك على التراب الوطني، كانت حاضرة ذلك اليوم بقصر الصخيرات لمشاركة الحسن الثاني احتفالات عيد ميلاده 42. منهم بورقيبة الابن، لوي جوكس، جاك بونوا ميشان، الراقص المشهور وقتئذ جاك جازو، الأستاذان "تورين" و"دوجين"، تاجر المجوهرات ذائع الصيت "شومي"، الدكتور "دوبوا روكبير" وآخرون من رجال السلك الديبلوماسي ورجال الأعمال وغيرهم.
لحظتئذ، وحده الملك الحسن الثاني كان جالسا إلى مائدة الأكل بصدد تذوق "لانكوست" ضخمة اختيرت بعناية كبيرة من طرف أحد اليهود القائمين على تحضير الأطباق الرفيعة ذلك اليوم.
كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية و8 دقائق زوالا، حسب أكثر من شاهد عيان.. من قلب أنغام قطعة موسيقية صامتة كانت تعم الأجواء، دوت طلقات الرصاص وانفجارات قنابل يدوية.. توقفت الفرقة الموسيقية عن العزف.. سقط فرنسي وتهاوى سفير بلجيكا على الأرض جثة هامدة... تناثرت القنابل في مختلف أرجاء الفضاءات الخارجية لقصر الصخيرات.. جثث "لي كادي" (مساعدو لاعبي الغولف المكلفين بلوازم اللعبة) منتشرة على البساط الأخضر هنا وهناك.. مئات الضيوف هرعوا مذعورين فوق الرمال الذهبية موَلِّين ظهورهم إلى شاطئ المحيط الأطلسي الذي كان هادئا ذلك اليوم...
أكثر من ثلاث ساعات من الفوضى والهمجية أبطالها جنود أغرار، على رأسهم الليوتنان كولونيل امحمد عبابو، الذي طلب من مرافقه الأمين، العملاق عقا تخليصه مما كان ينتظره بإطلاق رصاصة الرحمة عليه بعد إصابته البليغة بالمقر العام للقوات المسلحة... ليسدل الستار على انقلاب الصخيرات.
نهاية الانقلاب جاءت بطريقة غريبة، ظل يلفها الكثير من الغموض، حيث أثار ضجيجا كبيرا لكنه لم ينجح في الوصول إلى المستهدف الأول: الملك، وذلك رغم خطة تدبيره في الخفاء من طرف 5 جنرالات، حسب المصادر البريطانية.
توقف إطلاق النار بحلول الساعة الخامسة زوالا.. سلم الملك الراحل الحسن الثاني كافة السلط العسكرية والمدنية لرجل ثقته وقتئذ، الجنرال محمد أوفقير، ليبدأ مسلسل القمع الدموي وتصفية الحسابات، الظاهر منها والمستتر... كل هذه الأمور وغيرها معروفة، تناولتها جهات وطنية وأجنبية، إلا أن بعض مناطق الظل ظلت في حاجة إلى المزيد من التوضيح، ومنها الدور الذي لعبته وقفة قافلة الانقلابيين ببلدة بوقنادل والكشف على أن الأمر يتعلق بالقيام بانقلاب عسكري مع علم جهات أخرى بالتخطيط له، وعلى رأسها المخابرات الإسرائيلية (الموساد)، وغيرها من التساؤلات.
يحاول ملف هذا الأسبوع الإحاطة بكل القضايا المتعلقة بهذه المسألة، معية الكاتب محمد لومة صاحب مؤلفات اعتنت بأحداث ووقائع وجَّهت تاريخ المغرب الحديث نحو الوجهة التي سار فيها.

"لحلاسة راها تقلبات.. اجمع حوايجك"

من بين النوازل، التي تبين بجلاء أن الجنرال محمد أوفقير كان على علم بحدوث انقلاب الصخيرات قبل وقوعه، ما حدث بسجن بولمهارز بمراكش.
يوم حصول المحاولة الانقلابية الفاشلة بالصخيرات كان كل من سعيد بونعيلات وأحمد الفرقاني بسجن بولمهارز، ممنوعين من الاتصالات المباشرة فيما بينهما، إلى جانب اليازغي وآخرين. وفي يوم 10 يوليوز 1971، كان الفورقاني يقوم بفسحته اليومية بساحة السجن، وكان كلما اقترب من زنزانة سعيد بونعيلات إلا وحاول التواصل معه خلسة لمعرفة ما لديه من أخبار ومستجدات، فقال له بونعيلات بالأمازيغية : "اليوم لحلاسة راها تقلبات"..
أكمل الفورقاني جولته قصد الاستفسار عن الأمر، فقال لبونعيلات: "أش من حلاسة تقلبات؟!"، فأجابه: "لحلاسة راها تقلبات اجمع حوايجك"..
حسب محمد لومة، في ليلة 10 يوليوز 1971، اتصل أحد الذين تربطهم علاقات عائلية قوية بالجنرال أوفقير (يسمى على أوفقير، وكان يعمل بإحدى الأجهزة الأمنية وغالب الظن في "السيمي")، بأحد سجناء سجن بولمهارز، وقال له: "اجمعوا حوايجكم، غدا راه غادي توقع شي حاجة كبيرة ومهمة إن شاء الله، وراه غادي تلتحقو بديوركم".
ويضيف محمد لومة، لم يكن على أوفقير هذا سيقوم بما قام به دون تعليمات صادرة عن الجنرال
أوفقير.
لكن في مساء يوم 10 يوليوز، لما اتضح فشل المحاولة الانقلابية، قرر الجنرال تصفية كل سجناء سجن بولمهارز الاتحاديين. آنذاك كان بلغازي، مديرا لهذه المؤسسة السجنية، وهو مقاوم سابق بارز، على علاقة ببعض المقاومين وأعضاء جيش التحرير النزلاء بسجنه، ولاحظ أن هناك فرقة من البوليس، كل عناصرها من عين الشعير (بلدة الجنرال أوفقير) مسلحين بالرشاشات، وكان قد فهم من حديثهم أنهم يخططون ذلك اليوم لكيفية تنفيذ التعليمات الرامية إلى التصفية الجماعية للمعتقلين الاتحاديين (عددهم 172)، فقام المدير المذكور برمي مفاتيح الزنازن داخل زنزانة أحد السجناء واتجه على الفور إلي مكتب وكيل الملك بمراكش فأخبره بقرب وقوع مذبحة بالسجن الذي يديره، وشرح له أن هناك عناصر مسلحة، غرباء عن المؤسسة، أرسلهم الجنرال أوفقير للقيام بقتل السجناء الاتحاديين.
وحسب محمد لومة، كما خطط الجنرال أوفقير لمسح آثار الجنرالات يوم 13 يوليوز (بتصفيتهم بدون محاكمة)، أراد كذلك أن يمحو ذاكرة 172 معتقلا بسجن بولمهارز بمراكش كشهود على علمه بحدوث الانقلاب قبل وقوعه. ولولا لطف الله ومبادرة مدير السجن، لحصلت مذبحة بهذا السجن، أفظع من مذبحة قصر الصخيرات.
وهذه الرواية الأخيرة تناقض الرواية القائلة بأن تلك العناصر حضرت إلى السجن لتكون على تأهب من أجل إطلاق سراح المعتقلين الاتحاديين وليس لتصفيتهم، كما تم الاعتقاد بذلك.

عبد الرحيم شجار

في اتصال بعبد الرحمان شجار أحد المعتقلين ضمن "مجموعة 172" بسجن بولمهارز، صرح للجريدة بأن خبر اندلاع انقلاب 1971 توصلوا به من طرف المرحوم محمد الحبيب الفرقاني، الذي علم به عن طريق، مدير السجن آنذاك، المقاوم بلغازي.
وعليه لم يتم تنقيلهم يوم العاشر من يوليوز إلى المحاكمة التي كانت أطوارها تدور بمحكمة باب دكالة.
وأكد أن التحليل الذي ساد يومها في أوساط المعتقلين إثر تواجد عدد كبير من أفراد الجيش والمخابرات والشرطة داخل السجن، رغم عدم علاقتهم بإدارة السجون، بأنها حركة يراد بها تخليص السجناء تمهيدا للاتصال بقيادتهم في الخارج، وذلك من أجل إضفاء المشروعية السياسية على واقع الانقلاب، علما أن هذه الرواية تناقض الرواية الأخرى القائلة إن فرقة الأمن التي تتكون عناصرها من منطقة عين الشعير جاءت إلى سجن بولمهارز، بأمر من الجنرال أوفقير لتصفية المعتقلين الاتحاديين، كونهم علموا بأن الجنرال المذكور كان على علم بالإعداد لانقلاب الصخيرات.
وفي هذا الصدد أكد لنا محمد لومة أن اعبابو وجماعته كانوا يتخوفون من أن يسبقهم الاتحاديون بخصوص تغيير النظام بالمغرب، لذا قال لرجاله :" إن أولئك الناس يفكرون في الهجوم، علينا أن نسبقهم ونمنح للمحكومين منهم العفو بمراكش".


لماذا لم يسقط الكثير من اليهود ضحايا بالصخيرات؟

لازال البعض يتساءلون باستغراب عن عدم سقوط الكثير من الشخصيات اليهودية يوم 10 يوليوز 1971 ضمن ضحايا قصر الصخيرات، فهل كان جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) على علم مسبق بالحركة الانقلابية قبل وقوعها؟
لم يسقط بقصر الصخيرات سوى يهودي واحد، هو ماكس مانيان، مدير شركة "كوزيمار" (معمل السكر بالدار البيضاء)، كما أصيب يهوديان آخران بجروح طفيفة.
علما أن أكثر من جهة أكدت مرارا أن الموساد كان على علم بكثير من الأسرار بخصوص العملية الانقلابية وغيرها من النوازل والمؤامرات، على الأقل لم يقم بإخبار اليهود المقربين من القصر الملكي والعاملين به، وهم كثر، إضافة إلى الضيوف المدعوين من اليهود، بعدم حضورهم ذلك اليوم أو على الأقل تنبيههم!!؟
فاليهود هم الذين كانوا وقتئذ يؤطرون الحفلات والمأكل والمشرب بقصر الصخيرات، ومن هؤلاء شقيق شمعون ليفي، وزير الشؤون الخارجية الإسرائيلية، وهو صاحب مرقص "أمنيزيا" الكائن بشارع علال بن عبد الله بالرباط، والذي كان ولي العهد يقضي به بعض أوقات فراغه رفقة شلته في طور الشباب المبكر.

الهرمية العسكرية لانقلاب
10 يوليوز 1971

الجنرال المذبوح


المقدم محمد اعبابو المقدم امحمد اعبابو


القبطان الشـلاط




القبطان بلكبير القبطان غلول
قائد القافلة الأولى قائد القافلة الثانية
من اهرهورة إلى بوقنادل من أهرمومو إلى بوقنادل

الوقوف ببوقنادل واجتماع الأخوين اعبابو مع ضباط كانوا في انتظار القافلتين هناك وبعد ذلك تم تغيير القيادة




القافلة الأولى تحت إمرة المقدم القافلة الثانية تحت إمرة المقدم
امحمد اعبابو الذي هاجم البوابة محمد اعبابو الذي هاجم البوابة
الغربية لقصر الصخيرات الشرقية لقصر الصخيرات

ومن المعلوم أن ترقية الأخوين محمد وامحمد اعبابو (الأول أصغر من الثاني بثلاث سنوات)، تمت في يوم واحد (3 مارس 1971) وذلك استعدادا للانقلاب، وهي ترقية مخدومة من طرف الجنرال المذبوح، كما أمر هذا الجنرال بزيادة تسليح مدرسة اهرمومو قبيل الانقلاب.
لقد تم اعتماد طريقة القيادة من فوق، فالجنرال المذبوح (الذي يعتبر قائد الانقلاب)، لم يجلس إطلاقا مع الكولونيل محمد اعبابو، وكان حواره دائما مع امحمد أخ المعني الأول.
وكان القبطان الشلاط، الذي وعد بالترقية آنذاك، وتحت إمرة هذا الأخير، حسب الأقدمية، القبطان بلكبير والقبطان غلول، وهما اللذان قادا القافلتين من اهرمومو إلى فاس ثم زكوطة فسيدي قاسم، إلى سيدي سليمان وسيدي يحيى، مرورا بالقنيطرة، وصولا إلى بوقنادل (على بعد بضع كيلومترات من مدينة سلا)، وهناك (ببوقنادل) تغيرت قيادة القافلتين، آنذاك رفعت أغطية الشاحنات ولُقِّمت الأسلحة وتم إخبار الجنود بالاستعداد للدخول إلى منطقة حرب، مما يعني وضع الأصبع على الزناد والاستنفار لإطلاق النار حال صدور الأوامر.

التصريح الذي ورط كل المتهمين

من أهم التصريحات التي كبلت المتهمين بقاعة المحكمة العسكرية الدائمة بالقنيطرة، ما أدلى به محمد اعبابو، شقيق امحمد اعبابو، مدير مدرسة اهرمومو، إذ جاء في محضر استنطاقه أن الجنرال المذبوح حدد بمعية شقيقه تفاصيل خطة الهجوم على القصر الملكي بالصخيرات، وعملا معا على ضمان تنسيق تحركات المجموعتين المتدخلتين في هذه العملية، كما توافقا على تعيين الأشخاص اللازم تصفيتهم وأولئك الواجب احتجازهم إلى حين النظر في حالتهم كل واحد على حدة، واتفقا أيضا بخصوص الضباط الغرباء عن مدرسة اهرمومو، الذين سيلتحقون بالعملية وهم:
- الليوتنان كولونيل القادري
- الكومندار المالطي
- الكومندار المنور
- الكومندار البريكي
- الكومندار الرياني (صهر المذبوح)
- الكومندار الحرشي
الكومندار مليس
وذلك من أجل أن يبرز للانقلابيين أن مختلف مكونات الجيش مشاركة في العملية.
وكان هؤلاء الضباط الغرباء ينتظرون القافلة ببلدة بوقنادل بلباس مدني صيفي خفيف، وبعد خلوة قصيرة مع امحمد اعبابو (داخل سيارة مدنية)، ارتدى كل واحد منهم اللباس العسكري وحملوا أسلحتهم، بما فيهم ضابط شرطة كان يرافقهم.
هذا ما أنكر علمه المرزوقي (صاحب كتاب تازمامارت/ الزنزانة رقم 10) في التحقيق، لكنه لم ينكره بعد نجاته من جحيم تازمامارت.
وفعلا، قلة جدا، هم الذين أقروا بأن امحمد اعبابو أخبر ضباطه ببوقنادل أن الأمر يتعلق بالقيام بانقلاب، ومن هؤلاء، إضافة إلى محمد اعبابو، عبد العزيز بين بين (نجل مؤنس الحسن الثاني) والذي أدلى في التحقيق بما يلي:
[...] تجمعنا حول الليوتنان كولونيل امحمد اعبابو وقال لنا: "أيها الضباط الشباب تعرفون، حق المعرفة، وضعية الضابط بقواتنا المسلحة [..] القيادة العليا قررت القيام بانقلاب.. علينا مهاجمة قصر الصخيرات على الساعة الواحدة زوالا.. وفي نفس الساعة ستتدخل وحدات في مدن أخرى.. سنقوم بمحاصرة القصر وعليكم إطلاق النار على كل من سيحاول الفرار...".
ويعترف محمد اعبابو منذ البداية أن شقيقه امحمد فاتحه مبكرا في الإعداد لمحاولة انقلاب لتغيير الوضع بالبلاد، إذ تشاور معه بخصوص الكمين الذي كان ينوي نصبه للموكب الملكي بضواحي إفران بمناسبة حضور الملك الحسن الثاني لمناورات الحاجب في غضون شهر أبريل سنة 1971، شهورا معدودة قبل انقلاب الصخيرات، وقد عمل محمد على تني أخيه عن المغامرة لعدم توفر شروط نجاحها. ومما يبين أن امحمد اقتنع بملاحظات شقيقه ما صرح به هذا الأخير، حيث قال:
" [...] حال وصولنا إلى فاس، هاتف أخي مدرسة اهرمومو وقال للقبطان بلكبير بصوت مرتفع: ".. التمرين المقرر قد ألغي نظرا لظروف الطقس السيئة.. لا تغادروا المدرسة لتجنب أخطار الحوادث..".
وجاء في تصريحات محمد اعبابو أيضا أن شقيقه امحمد حاول اقناعه بأنه التقى أكثر من مرة مع الجنرال المذبوح، آخرها بمدينة فاس، إذ نادى على "البلانطو" الذي كان يعمل بمنزله هناك، حيث قال محمد في المحضر:
"وجدت شقيقي وحده في منزله بفاس.. تناولت معه فنجان قهوة.. ثم نادى على "البلانطو" لحسن فسأله أمامي: "من كان جالسا على هذه الأريكة البارحة؟".
تردد لحسن، فأمره محمد بالإجابة، فنطق لحسن: "كان هناك الجنرال المذبوح...".
أما بخصوص النظام الذي كان يرغب الانقلابيون القيام به، يقول محمد اعبابو:
"من خلال الحوارات التي أجريتها مع شقيقي امحمد فيما بين 7 و10 يوليوز تبين لي أن الجنرال المذبوح كان ينوي إحداث نظام يرتكز على القوات المسلحة.. لذلك فكر في توسيع دائرة اختصاص وزارة الدفاع لتشرف على القوات المسلحة والدرك والقوات المساعدة والأمن [وكانت ستؤول إلى أخيه] [...] وكنت أنا مرشحا للاضطلاع بالقيادة العامة للجيش.. أما "مجلس الثورة"، فكان سيضم ضباطا يتم اختيارهم من الذين أثبتوا انخراطهم في قلب النظام..".
ويضيف محمد اعبابو "يبدو أن اجتماعا أقيم بفيلا كان يملكها شقيقي بشاطئ "كابونيكرو" بالشمال، أسبوعا قبل الانقلاب، وربما تقرر كل شيء خلاله...".
وهذا ما أشار إليه كذلك، على بوريكارت في مذكراته، حيث كتب: "لقد علمت على لسان "لاجودان شاف" عقا أن أوفقير، أسبوعا قبل الهجوم على قصر الصخيرات، زار الكولونيل اعبابو رفقة الدليمي بفيلاته بـ "كابو نيكرو" شمال البلاد.
وجاء أيضا في محضر محمد اعبابو: "[..] خلال حوار شقيقي مع الجنرالات بمقر المكتب الثالث بالقيادة العامة وقع نظره على الكولونيل بنعيسى [الحرس الملكي] فالتفت إليه وقال: "موكولونيل".. مع الأسف أخبركم بموت رئيسنا، الجنرال المذبوح.." (ثم توجه إلى جميع الحاضرين) ".. نعم، الجنرال المذبوح هو رئيسنا، لكنه مع الأسف الشديد لقي حتفه..".
وجوابا على سؤال القاضي قال محمد اعبابو: "[..] عندما سلم شقيقي "السلطة" للجنرالات بمقر المكتب الثالث اتصل بي بعض الضباط الشباب، أذكر منهم أخليج والفكيكي وآخرين، حيث قالوا: "لقد قام شقيقك باقتراف حماقة كبيرة.. السلطة يجب أن تعود لنا نحن..".
وأضاف: "[...] آنذاك فكرت في الهروب وقررت استفسار شقيقي عن المكان الذي يخبئ فيه المال لأخذه وأغادر البلاد.. إلا أن الفرصة لم تتح لي..".
وبالرجوع إلى ما قيل بخصوص المحاولة الانقلابية الفاشلة، وما تم الكشف عنه من معطيات وإلى تقاطع جملة من التصريحات، ذهب مجموعة من المحللين إلى الاعتقاد بوجود خلاف بين الجنرال المذبوح والليوتنان كولونيل امحمد اعبابو، إذ كان الأول عاقدا العزم على اقتحام القصر الملكي وتجريد الحرس الملكي من السلاح ووضع اليد على الملك لدفعه إلى التخلي عن العرش وتسليم السلطة إلى "مجلس الثورة" المكون من ضباط شباب، أي القيام بانقلاب "نظيف" دون إراقة دماء. أما امحمد اعبابو فقد عقد العزم على اغتيال الملك وتهجير العائلة الملكية والإعلان عن إقامة نظام عسكري.
ويظل أحمد رامي الوحيد الذي يقر بأن محمد المذبوح تحدث مع الحسن الثاني بعد الهجوم على القصر وأخبره بأن لا مخرج إلا بالتخلي عن السلطة مع إمكانية اللجوء إلى فرنسا عبر الرباط أو الدار البيضاء.. وافق الملك ووقع كتابا بهذا الخصوص، وِجد بحوزة الجنرال المذبوح وهو جثة هامدة. وهذه النازلة لم تتم الإشارة إليها من قبل.

كيف تحرك 1400 جندي مدججين بالسلاح دون إثارة الانتباه؟

سؤال ظل يردده الكثيرون، كيف تمكن 1400 جندي من التحرك على امتداد مئات الكيلومترات دون إثارة انتباه السلطات العسكرية والمدنية ورؤساء المناطق العسكرية وعمال الأقاليم الأربعة التي اخترقوها آنذاك (1971)، كان:
- امحمد باحنيني وزير الدفاع بعد أن عوض الجنرال مزيان في 5 فبراير 1971.
- الجنرال المذبوح مدير الديوان الملكي.
- الجنرال محمد بلعالم الكاتب العام بوزارة الداخلية.
- أحمد الدليمي مدير الأمن الوطني.
- الكولونيل بولحمص قائد الدرك الملكي.
- الجنرال مصطفى أمحراش مدير المدارس العسكرية.
وكان على رأس المناطق العسكرية التي اخترقتها قافلة الانقلابيين كل من:
- الجنرال بوغرين : رئيس منطقة فاس - تازة.
- الجنرال عبد الحي بلبصير : رئيس منطقة مكناس.
- الجنرال حمو أمحزون : رئيس منطقة الرباط - القنيطرة.
وكان على رأس عمالات الأقاليم التي مرّت عليها القافلة كل من:
صلاح زمراك : تازة.
عمر بنشمسي : فاس.
عبد الله الشرقي : القنيطرة.
عبد السلام الوزاني : الرباط.
ضمن كل هؤلاء تأكد، بما فيه الكفاية، تورط كل من الجنرال المذبوح والجنرال أوفقير والجنرال بوغرين والجنرال حمو أمحزون.

ضحايا طالهم الإهمال

بعد انقلاب الصخيرات، مباشرة، أمر الملك الراحل الحسن الثاني بإحداث لجنة للقيام ببحث، بخصوص الأحداث الدامية بقصر الصخيرات، ولجنة لرعاية الضحايا وإحصاء أملاك وأموال المتمردين قصد مصادرتها لتمويل صندوق جديد يضطلع بتعويض الضحايا وذوي الحقوق.
فعلا تم إحداث هذه اللجنة بعضوية كل من وزارة الداخلية ووزارة الشؤون الإدارية ووزارة الشغل والتكوين المهني، غير أن قراراتها ظلت حبرا على ورق. آنذاك كان الجنرال محمد أوفقير عضوا رئيسيا في كل اللجن المحدثة بعد فجيعة الصخيرات.
يوم السبت 10 يوليوز 1971، ما بين الساعة الثانية والرابعة زوالا سقط الكثير من الضحايا من مختلف الشرائح، عسكريون ومدنيون، جنرالات، أطباء وموظفون سامون وفنانون وخدم وأناس بسطاء، كانوا يعيلون أسرا متعددة الأفراد، أغلب هذه الأسر عانت من ضيق اليد رغم أن أربابها سقطوا وهم في ضيافة الملك أو أنهم كانوا يزاولون مهامهم في القصر الملكي.
وزادت حسرة هؤلاء بعد تناسل موجات الكشف عن الحقائق بخصوص المحاولة الانقلابية الأولى الفاشلة واعترافات المشاركين فيها بعد نجاتهم من جحيم تازمامارت، ويجمع ضحايا الصخيرات أن الدولة تناستهم وتخلت عنهم، وتجاهلت الحكومات المتتالية مطالبهم، بل إن حكومة عبد الرحمن اليوسفي لم تحترم مشاعرهم.
كما ظلت أسر ضحايا الصخيرات تعتبر أن منح تعويضات سخية، للناجين من جحيم تازمامارت، من الأخطاء التاريخية الجسيمة، اعتبارا لكون الأموال الممنوحة، تم اغترافها من الأموال العمومية اقتطع جزء منها من مال أسر ضحايا الصخيرات وذويهم كدافعي الضرائب، علما أنها لم تتوصل سوى بتعويضات هزيلة، بالكاد غطت مصاريف العزاء والدفن، ولا وجه لمقارنتها مع ما أغدقت به الدولة والحكومة على من كانوا سببا في ترميل نساء وتيتيم أطفال، وبذلك شعرت عائلات ضحايا الصخيرات بغبن عظيم نظر تعرضها لحيف وظلم كبيرين.
فأرملة كولونيل - أحد ضحايا الصخيرات - على سبيل المثال لا الحصر، لم تتوصل إلا بمعاش لا يتجاوز 1500 درهم، أما أرملة عمر غنام، مدير المركز السينمائي المغربي، فاستفادت من معاش لم يتعد 736 درهما شهريا.
بسبب الإحساس بالغبن سبق لجمعية ضحايا الصخيرات أن طلبت من دار الافتاء بالديار المصرية فتوى في الموضوع، وفعلا أصدرت الدار فتوى، أكد فحواها أن من له حق العفو عن قاتل النفس المؤمنة بغير حق، هم أولياء المقتول الشرعيين.وقد استندت الجمعية إلى هذه الفتوى لدعم دعواها المدنية والمطالبة بالحق المدني، سيما وأن الفتوى المصرية أقرت بأن الدعوى في جرائم القتل العمد لا تسقط بالتقادم.

فرحة غالية الثمن

عندما تلقى صاحب حانة شهيرة بشارع محمد الخامس بالرباط، خبر انقلاب الصخيرات، بادر فورا، على مرأى الحاضرين، إلى تكسير صورة الملك الحسن الثاني التي كانت معلقة فوق "الكونطوار"، ثم أمر بتقديم كل أنواع الخمور حسب طلب الزبناء الحاضرين في البار لحظتئذ، مجانا، تعبيرا عن فرحته واستبشاره بما وقع، إلا أن فرحته لم تكتمل، إذ اضطر للفرار من قبضة الأمن شهورا بعد ذلك.
وعند إحداث الهيئة الأولى لتعويض ضحايا سنوات الجمر والرصاص، قدم هذا الأخير طلبا للتعويض، بخصوص ما لحقه من خسائر وعن المدة التي قال إنه قضاها بإحدى المعتقلات السرية، إلا أن طلبه قد تم رفضه من طرف الهيئة الأولى، وكذلك من طرف هيئة الإنصاف والمصالحة، معتبرة أن هذه النازلة لا تدخل في اختصاصاتها. وقد تحول "البار" المذكور حاليا إلى متجر لبيع الحلويات والمشروبات.

سقوط 60 بالمائة من جنرالات المغرب خلال ثلاثة أيام

فيما بين 10 و 13 يوليوز 1971 لقي 9 جنرالات من أصل 15 حتفهم، إما عن طريق رصاص المتمردين أو برصاص فرقة الإعدام بمعسكر مولاي إسماعيل بالرباط.
ومن بين الذين لقوا حتفهم بقصر الصخيرات، هناك الجنرال إدريس النميشي (سلاح الجو)، الذي قتله المتمردون، والجنرال الغرباوي الذي قتله اعبابو، الذي لقي هو الآخر حتفه على يد الجنرال الهواري، أما الجنرال المذبوح، فمقتله شكل حالة خاصة.
عشية فشل الانقلاب، تم اعتقال، الجنرالات المشكوك بأمر مشاركتهم أو مساندة المتمردين، وخضعوا جميعهم لتحقيق سريع، أشرف عليه الجنرال محمد أوفقير بعد أن منحه الملك الحسن الثاني جميع الصلاحيات العسكرية والمدنية. في اليوم الثالث، بعد مجزرة قصر الصخيرات، رافق الجنرال أوفقير الجنرالات المعتقلين إلى ثكنة مولاي إسماعيل بالرباط للإشراف على تنفيذ إعدامهم دون محاكمة.
وفي ظرف أقل من ثلاثة أيام فقد المغرب 9 جنرالات (منهم من سقط على يد المتمردين ومنهم من أعدم)، أغلبهم من أصول أمازيغية، وقد تابع المغاربة مراسيم إعدامهم على شاشة التلفزة مباشرة، كما حجت جماهير غفيرة بإيعاز من السلطات المحلية لمعاينة مراسيم إعدام 4 جنرالات، هم بوكرين وحبيبي وحمو ومصطفى و4 كولونيلات والكومندار إبراهيم المنوزي، وأغلب هؤلاء لم تكن تربطهم أدنى علاقة بالهاجس السياسي، حيث سبق أن ساهموا في قمع التحركات النضالية الجماهيرية بمختلف أرجاء المملكة.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,625,256,689
- المسكوت عنه في انقلاب الصخيرات
- حين فكر الملك الحسن الثاني التخلي عن العرش
- ياسين المنصوري سحب الدعوة القضائية ضد البوليساريو
- أسوأ أيام الملك الحسن الثاني
- مسار حقوقنا ما زال معوقا
- ماذا جرى بعد استقلال المغرب؟
- آخر صيحات -الإعدام العملي-
- تعرضت لعنف كلامي وتهديد من المخابرات المغربية
- المغرب على العتبة الأوروبية
- لعبة -البوكر-
- الاستعداد لحلقة أخرى من مسلسل -الخوصصة-
- انعكاسات الأزمة العالمية على المغرب
- صرخة العسكريين المدانين بتهمة تسريب أسرار للصحافة
- الاحتقان المتراكم داخل الكوركاس هو الدافع لمراسلة الملك
- صنعه الإسبان، حماه الحسن الثاني، فهل يحاسبه محمد السادس؟
- مشروع قانون المالية 2009
- هكذا انتشرت ظاهرة بيع الجسد بالمغرب
- القاعدة الأمريكية بطانطان بين تأكيد التقارير الأجنبية وصمت ا ...
- قضاؤنا قد -يخطئ- كثيرا ونادرا ما يصيب
- نفط الجزائر هو مغربي أصلا..اعتقاد لا يمكن تجاوزه أو تجاهله


المزيد.....




- جثة بائعة هوى تقود إلى قاتل متسلسل في إنديانا
- تأهب للجيش التونسي خلال الانتخابات
- الحكومة الليبية تأمر الجيش بتحرير طرابلس
- المؤتمر الوطني السوداني يعيد انتخاب البشير رئيسا له ومرشحه ب ...
- فيديو .. تصفية انتحاري هاجم الشرطة في كندا
- بوتين وبوروشينكو يؤكدان أهمية إنجاح التسوية في جنوب شرق أوكر ...
- حرب -داعش- توتر علاقات واشنطن وأنقرة
- ليبيا.. حكومة الثني تأمر الجيش بالزحف نحو طرابلس
- إطلاق صاروخ روسي يحمل قمرا اصطناعيا للمواصلات
- كييف تخصص 3.1 مليار دولار لدفعها لموسكو ثمنا لتوريدات الغاز ...


المزيد.....

- الثقافة وديناميكية التجدد / صبري المقدسي
- نقد تصور ماركس في سعر الفائدة وربح التاجر / محمد عادل زكى
- محطات مهمة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي / جاسم الحلوائي
- الاقتصاد السياسى علم قانون القيمة / محمد عادل زكى
- النشاط الاقتصادى فى العالم الوسيط (2) / محمد عادل زكى
- النشاط الاقتصادى فى العالم الوسيط (1) / محمد عادل زكى
- النشاط الاقتصادى فى العالم القديم / محمد عادل زكى
- أصول الاقتصاد السياسى / محمد عادل زكى
- البروتستنتية من الوجهة النظر الكاثوليكية / صبري المقدسي
- صفحات من التاريخ السياسي/ مظاهرة شباط/ فبراير 1928 / كاظم الموسوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - إدريس ولد القابلة - أخطر يوم في حياة الحسن الثاني