أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد سعيد الريحاني - في انتظار الصبـاح - مجموعة قصصية






















المزيد.....

في انتظار الصبـاح - مجموعة قصصية



محمد سعيد الريحاني
الحوار المتمدن-العدد: 762 - 2004 / 3 / 3 - 09:02
المحور: الادب والفن
    


تصدير أول :

"إنه عملية انتظار لا تنتهي ولكنها تبدو من جديد بشكل خفي كل يوم. وإذا كان الانتظار ينطوي على حركة فهي حركة دائرية، إن كل يوم عود إلى اليوم السابق. لا شيء يكمل لأن ما من شيء يمكن إكماله".

د.نعيم عطية
مسرح العبث : مفهومه، جذوره، أعلامه
ص 68

تصدير ثان :

"الكل يذهب والكل يرجع وعجلة الكون تدور إلى الأبد. كل شيء يموت وكل شيء يعود فتنور أزهاره ودوائر الوجود لا انتهاء لها.
تتحطم الأشياء فتتبدد ثم تعود فتلتئم لتجديد بناء الوجود يتفرق الشمل على وداع فإذا بعده تسليم، فحلقة الكون أمينة لذاتها إلى الأبد.
إن الوجود يبدأ في لحظة فعلى محور "هنا" تنفتح دوائر الأجواء "هنالك" فالمحور مرتكز فئ كل مكان وطريق الأبدية كله تعاريج".

فريدريك نيتشه
هكذا تكلم زارادشت
الترجمة العربية
ص. 249
 
 
تقديــم

بقلم الكاتب المغربي الدكتور  محمد أسليم


العــــيـــد :
نص يوقف عقارب الزمن و يلغي الأعياد الزائفة و الأفراح المختزلة في اليافطات على الشوارع...

المـــقـــص :
نص مقتص من مجتمع لغة تواصله هي المقص و الرقابة.

في انتـظار الصباح :
نص لا يبدأ و لا ينتهي في زمن واقف و ساعات معطلة و معاناة إنسانية خارج الزمن.

الفرجة، الضباب و المشروع:
نص حول الصراع الخفي بين الثقافة الشعبية و الثقافة الرسمية.

التشظي :
نص مفتت حول شخصية متشظية تخلت عن تقرير مصيرها بيدها.

افتح يا سمسم !
نص يعتمد تقنية الحلم، التداعي الحر، في رحلة من الحلم الفردي إلى الحلم الجماعي.

أرض الغــيـلان :
نص يرصد تطور الخطاب من خطاب الحقيقة (زارادشت) إلى خطاب التعبئة (خطاب طارق بن زياد) إلى خطاب السلطة ...

وطن العصافير المحبطة :
نص حول الحرية، حول الطيران، يتعرض لتوق الإنسان للحرية في ثلاث نماذج : نموذج التهور، نموذج الإستسلام، نموذج الإصرار....

هـــويــــة :
نص دائري بأمكنته و أحداثه (كوميسارية، درج، ساحة و نافورة، سوق، ساحة و نافورة، مقهى ثم عودة إلى الكوميسارية....)

الشرخ :
نص متشقق كموضوعه. كل شيء يتشقق و ينتظر الإنهيار : العمارة، البنية السردية، القناعات.....

حديث غراب :
نص حول حرية التعبير، يرويها غراب مسخ لإخلاله بحقه في التعبير الحرو القول الشريف.

الأبدية :
نص تائه بين دوائر مفرغة و زمن واقف و فراغ قاتل.

الحياة بلا ملامح :
نص حول مجتمع محتمل يجرم كل مواليده و يحكم عليهم بالسجن المؤبد اتقاء لشرورهم و ميولهم المستقبلية، السجن المؤبد مع وقف التنفيذ.

نص التقديم الشذري المنشور على موقع د. محمد اسليم على الشبكة الدولية للمعلومات )الأنترنت(:
http://aslimnet.free.fr/editions/raihani/conte/preface.htm
العــــــــــــــــــيد

"إنني لا أحب أعيادكم، إذ رأيتها مليئة بالممثلين، ورأيت المتفرجين أبرع منهم تمثيلا".

فريدريك نيتشه ،
هكذا تكلم زرادشت
(الترجمة  العربية ) ص. 87

تاريخ اليوم على الأجندة   الحائطية   مؤطـر بالأحمر.
هـل اليـوم عيـد ؟ !
أصبحت أنسى أيام الأعياد فلا أتذكرها إلا صدفة عند تسكعي في شارع المدينة الرئيسي حيث تعبث الأضواء الموسمية بسحنات رواد المقاهي المظللة برايات بالية ولافتـات مكمشة توارت أغلب الحروف الـمكتـوبـة عليـها…
نفس علامات العيـد الـتي تتكرر منذ الأزل. لكنـني أذكر أنـني، طفـلا، لـم أكـن أجـهـل تـواريـخ الأعيـاد لـهـذا الـحـد.لـم أكـن أتـرك للافتـات فرصـة مفاجأتـي. بـل لـم أكن أنـام ليلـة العـيـد : أسهـر أمـام السـاعـة الحائـطيـة مـنـتـظـرا شـروق الـعيـد لأرتـدي مـلابسـي الـجديـدة وأكتـري دراجـة هـوائـيـة أسـابـق بـها أصحـابـي و... لا أذكـر كيـف كـان  النـوم والـحلم يـحتـالان عـلـي فـيلبسانـي أزهـى القمصـان ويـوقـعـان عـلـيـهـا أعـذب الـعـبـارات. رفــقـائـي يتـهجـؤون الـعبـارة عـلى صـدر قـميـصي مـبـتـهجـيـن :
" مـثــل طـائـر "

بـهجتهم تغمرني ... أجري ... أرفرف ... مثل طائر ... أطلق ذراعي الصغيرتين لأطير ... أحاكي الطائر فوقي وهو يسبح في زرقة الـــــسماء دون خفــــق جــنـاح  ... يعــلـو ... أعلـو ... يعـلو ... أعــلو ...لكــــن رفــقـــائي            كـانـوا
              يفسدون
                          علــي
                                       الطـيـران. يفترسـون إبطـي ويـتسـلـون بـهـستـيـريا الضـحـك والـركـل الـتي ينـالونـها مـــــــــني  فـلا أتـخلص  منـهم إلا بظهـور الطـائر القادم من الأفـق حيث يـنـصرفـون لاستـقبالـه بالغنـاء والتصـفـيـق :
اشـطـح، اشطـح بوعـــميـرة
انـعطيـك الزيـت والـخميـرة
فينـزل الطـائـر حـتى مـستـوى سطـوح الـمنازل الـمتكـئـة على بعضـها البـعض : يـرقص كـلما غنيـنـا، ويبـتـعد كـلما تـوقـفـنـا لكـنـه يعـود ثانـية وثـالثـة مـتى عـاد الغـنـاء، رقـاصـا خـفـاقـا بـجناحيـه لـقـاء الأغـانـي والـوعـود…
اشـطـح، اشطـح  بو عـمـيرة
انـعطـيك الزيـت والـخـميـرة
  كان الطائر يطـل علينـا كـل صبيحـة عيـد فيظـل يـحـوم عـالـيا بانـتـظـار خروجنـا إلى الـحـي ليشـاركنـا الـعيـد والـرقـص والغنـاء، لكنـه اخـتـفى مـع مـر الأيـام :
ربـما لأن النـاس هـنـا شاخـت
ربـما لأن طيـور العيـد انقرضـت
أو ربـما كان الأمر من أوله مجرد وهم من أوهام الطفولة…
أقلب الآن أوراق الأجندة  الـمهترئـة بـرطوبـة الـمكان بـحثـا عـن أرقـام حـمراء وتـواريـخ أعيـاد مقبلة.
 أقـلـب الورقـة تلـو الأخـرى.
أقلب. أقـلـب. أقـلـب ...
 لا شـيء.
اليـوم، إذن، كـان آخـر الأعـيـاد.
سنة 1994
 
المــــقـــــــــــــص

ألبسوني بردة شفافة
يوم الختان.
ثم كان
بدء تاريخ الهوان
شفت البردة عن سري،
وفي بضع ثوان
ذبحوا سري.
وسال الدم في حجري
فقام الصوت في كل مكان
ألف مبروك:
وعقبى للسان!
 
أحمد مطر
--الختان

النصيحـة :
… إذن، اسـمعني جيـدا. فتـجربتي الطويلـة مـع المرض والعمليات الجراحيـة وشـروحـات الأطبـاء علمتـني الشـيء الكثـير عـن أسـرار الـجسـد. فالنـاس جـميعا لهـم دودة زائـدة، لـكنـها لا تؤذيهـم جميعـا...
واعـلم  أنـها  إذا   آذتـهم  حذفـوها  بمقص  الطبيب  دون  كبـير عـناء  لأنهـا عضـو جسـدي قديـم لـم تـعد لـه وظـيفة حـاليا…
واصـغ جيـدا. فأنـا أعـرف سـر قلقـك وغربتـك بينـنا، نـحن أبنـاء بلـدك : إنــك تحتـفـظ بسلوكـات قديـمة لـم تعــد لها وظيفـة حاليـا...
دعنـي أخلصـك مـن مـأزقـك، وافتـح لـي أبواب عقلك لأقـدم لـك دروسـا تقويـميـة تجعـل منـك رجل العصر، سيد المرحـلة…
درس الغضـب :
1 -  ... !
2 - اشـشـش !
1 - ...
2 - ألا تعـي مـا تقـول ؟ !
1 -  ...
2 - أنظـر حـوالـيك
1 -  ...
2 - انظر كيـف يخفي الناس وجوههـم بين أيديهـم حرجـا ؟ ! 
1 - ومـا لـي وحرجهـم ؟ أنـا غاضـب.
2 - اختـر معجـم غضبـك  …
1 - إنـه الغـضـب ! كيـف أختـار ؟
2 - تعلـم ذلـك.

درس الفرح :
1 – … !
2 - اشـشـش !
1 - …
2 - ما هـذا الـهياج ؟ !
1 - أنـا  أضـحـك...
2 - أهكذا تضحك دائما ؟ !
1 – مـا الـمثير   فـي ضحـكـتي ؟ !
2 - الضحك   لا   يـنـاسـبـك ...
1 - ...
2 - ابتسم.
1 - إن الأمـر أقـوى ؟ !
2 -  تعلم ذلك .

 
درس اليقين :
1 - …   !
2 -اششش !  
1 - …
2 - ماذا تقول ؟ !
1 -  رأيي ...
2 - رأيك أم حتفك ؟ ألا ترى ما في قبضات الناس من أصنـاف الصخـور ؟ !
1 - ...
2 - إنـهم يستعـدون لرجـمك ...
1 - رجـمي ! …
2 - قليـلا مـن الشجـاعة، إذن !
1 - مـاذا سأفـعل ؟ …
2 – اسـحـب رأيـك ،قبل فوات الاوان…
1 – لكنني لم أعتـد على ذلك!
2 - تعلـم ذلك، وبـسرعة !...

بعد انتهاء الدروس :
1 -  أرجوك .  لا تفـارقـني ...
2 - لماذا ؟ لقد أفادتك الدروس وقومتك وأصبحـت شخصـيـة اجـتماعـية ووجـها ألـيفـا و ...
1 -  أرجـوك، فأنـا لـم أعـد أعرف لا ما أريد ولا ما أقول ولا ما أفعل ولا مـا أقــدم ولا ما أؤخــر...
2 - هذا يحـدث للـناس جـميعـا...
1 -  لا.  إحسـاسي بأخـطـائي هـو أشـد مـن أي وقـت. يستحيـل وجـودي مـن الآن فصـاعـدا دون شخـص يوجهـني ويقـودني...
2 -  لا داع للـقلق، سأظـل دائمـا إلى جانبـك.
1 -  وإذا غـبـت ؟ !
1 - آنـذاك، الـزم الصـمت... ريـثما أعـود.
سنة 2000
 
 
التشظي

 
دور يا كلام على كيفك دور
خلي بلدنا تعوم في النور
ارمي الكلمة في بطن الظلمة
تحبل سلمى وتولد نور
يكشف عيبنا
ويلهلبنا
لسعة في لسعة
نهب نثور
دور يا كلام على كيفك دور"

كلمات : أحمد فؤاد نجم
ألحـان وغناء : الشيخ إمام
 

الـــحـــــدث  :    زيــارة محتمـلة للـمفـتش
الشـخـوص  : المعلم س ومن (لا) يهتم بــه
الــزمـــــــان : السنـة الدراسيـة الحالـيـة
المـكـــــــان : مدرسة قروية وما (لا) يجاورها

 الأسبوع الأول
المعلم س :
سألعب كل أوراقي لكسب هذا الرهان. سأهيئ الجو داخل الفصل. ضبط التلاميذ مهم. عددهم الكبير مشكلة. حالة المراهقة التي يعيشها أغلبهم مشكلة أخرى بالنسبة لي. خارج العمل، علاقاتي سلمية مع آباء التلاميذ والزملاء المعلمين والإدارة الجديدة للمدرسة…

المدير :
يدك ترتعش، يا أستاذ. يبدو أنك غير مرتاح لزيارة المفتش المقبلة. لكنك بحاجة لنقطة امتياز تصالحك مع الإدارة وتبرهن عن مردوديتك وكفاءتك بعد كل هذه السنين من العقوبات التأديبية والإنذارات والتنقيلات التعسفية …سأقف بجانبك، أنا المدير الجديد، لمساعدتك على الخروج من المأزق. الفشل ليس قانونا. الفشل فرصة لمراجعة آليات العمل ومعاينة النتائج. فاستعد جيدا . الوثائق .  الهندام. تصحيح الدفاتر. تصحيح الكراسات. ضبط القسم … اضبط قسمك أكثر.  تلاميذك  كثر   ومراهقون.  اللين   معهم  ليس  في  صالحك،  أنت مقبل على تفتيش :
 فرصتك التاريخية …

 الأسبوع الثاني
تلاميذ القسم :
- يا للقسوة ! ….
- لقد تغير معلمنا…
- لماذا ؟
- لا أدري.
- لم أعد أطيق الدخول للقسم.
- كل الدروس أصبحت نهرا وشتما …
- كل حركة أثناء الدرس أضحت تثيره.
- أقضي كل وقتي جامدا على مقعدي. احترس في كل نظراتي وحركاتي حتى لا أكون عرضة للقدح.

آباء التلاميذ :
- هذه المدرسة أصبحت معتقلا لأطفالنا …
- أولادنا صاروا ينفرون منها بسبب قسوة هذا المعلم …
- هذا لا يجب أن يستمر …
- يجب أن نتحرك كآباء …
- يجب أن نتنظم أولا.
المدير :
ماذا يدور بدماغ هؤلاء ؟ لماذا احتشدوا بهذا الكم حول الإدارة ؟ لم يحدث أبدا أن كانوا بهذا الحماس!… عندما نستدعيهم لاجتماعات آباء وأولياء التلاميذ، يختفون داخل منازلهم. بعضهم يهربون حتى من بيوتهم خوفا من تحمل المسؤوليات. واليوم، جميعهم يلحون على ضرورة تجديد مكتب الجمعية وفي أقرب الآجال …

زوجة المعلم س :
لا أعرف كيف يعيش زوجي لوحده في تلك القرية، خلال أيام عمله. هو صامت، بعد سنين النشاط والشباب الدائم. يسكت أكثر مما يتكلم. لا آخذ عنه إلا ما أتخيله. أحيانا يخامرني الشك حول صدق ما كونته عنه من صور وأحاسيس. وأشعر بأنني بعيدة، بعيدة عنه … يعز علي أن أراه يكتوي في صمت…

المعلم س :
أحس وكأنني لم أعد أعرف ما أريده. لهذا لا أجد ما أقوله. الصمت يناسبني. أحيانا حين أنتبه لحياتي، يروعني منظري : دائما مجرور، مثل محراث قديم. أحيانا أخرى، أتخيل نفسي بيضة تتدحرج في كل الاتجاهات. أتخيل نفسي بيضة كبيرة. وأشعر بالاختناق تحت قشرتي.
 الأسبوع    الثالث
المعلم س :
لم أختنق أبدا في منام مثلما حدث لي الليلة الماضية خلال هذا الحلم. حلم غريب : لا أحد يراني. غير مرئي. الكبار والصغار ينظرون من خلالي. كأنني قطعة زجاج. كأنني لا شيء. زملائي يمرون أمامي ولا ينتبهون إلي. أناديهم. يستديرون. ينظرون من خلالي إلى أشياء بعيدة ورائي. يدققون النظر إليها ثم يجرون بعضهم بعضا وينصرفون. لا أحد يراني. وأحسست بالوحدة. بالعزلة. بالوحشة …

زوجة المعلم س :
لا يقول شيئا. لا يفصح حتى عن هيجانه. أحيانا حين يشتد غليان صمته، ينتصب غولا. عفريتا. وحشا كاسرا … فأخافه . أذوب خوفا حين تنتابه هذه النوبات. يكسر الأواني ويركل المنقولات والأثاث المنزلي ويقذف بالأحذية على صوره المعلقة على الجدران … وحين يتعب، يتهالك أرضا. لا يطاق ! الحياة معه مجرد تكسير. قد يصلني دوري قريبا. لا بدـيل  لي عن الطلاق.

أحد الزملاء المعلمين :
يعز علي أن أراه مشتتا هكذا. يخطو في كل الاتجاهات ثم يتراجع عنها جميعا. سلوكه مع التلاميذ انقلب عليه. غالبيتهم انقطعوا عن الدراسة. أخبرني تلميذ منقطع أن س يزور بنفسه المنقطعين في بيوتهم ويقنعهم بالعودة للمدرسة، حفاظا على نسبة الحضور إلى حين مرور التفتيش …

المعلم س :
اليومية تسلخ عنها أوراقها بسرعة غريبة. لم يعد يفصلني عن زيارة المفتش سوى أيام معدودة. القسم محكم. نسبة المواظبة : مائة في المائة. في حالة حضور المفتش في حصة "القراءة"، سأقدم درسا من خارج المقرر الدراسي. تعامل التلاميذ مع نص غير أكاديمي قد يساعد المفتش على بلورة فكرة صحيحة عن مستوى التلاميذ …
التلاميذ :
- المفتش سيزورنا قريبا.
- من قال ذلك ؟
- المعلم.
- وما لنا والمفتش، نحن ؟!
- يجب أن نكون في المستوى …
- وإذا لم نكن ؟
- المعلم سيغضب.
- هو دائما غاضب…

 الأسبوع الأخير
استدعاء :
نحن
بناء على المسطرة المتبعة في القضية المشار إليها طرفه.
بناء على الفصلين 36 و 329 من قانون المسطرة المدنية
نأمر باستدعاء المدعي أو المستأنف السيد س.
وذلك للحضور في الجلسة العلنية التي ستعقدها المحكمة يوم كذا كذا كذا للنظر في القضية المشار إليها طرته.

شكاية :
         نحن آباء وأولياء التلاميذ، نتقدم إلى سيادتكم الموقرة ،ونحن في كامل الأسف والسخط، بهذه الشكاية   ضد شخص المعلم س.  الذي  تجاوز  حدود   التربية  ليسمح لنفسه بإهانة التلاميذ وضربهم ضربا مبرحا. وهذا ما جعل أبناءنا يعرضون عن العودة للمدرسة.
وإننا، إذ نراسلكم في هذا الصدد، ننتظر منكم اتخاذ الإجراءات اللازمة.
وتقبلوا، سيدي، ثقتنا في قراراتكم.
تقرير :
     اختار السيد المعلم نصا قرائيا من خارج المقرر الدراسي. طبعه بالآلة الكاتبة على أوراق ووزعها على التلاميذ رغم أن بداية السنة الدراسية تتطلب التزاما بنصوص المقرر.ولقد اختار السيد المعلم كعنوان لهذا النص :
" من أجل تواصل أفضل".
وهو عنوان غير مبرمج سلفا في التوزيع الشهري، كما أنه عنوان نشاز بين مواد الوحدة التربوية المقررة لهذا الأسبوع.
نرفزة السيد المعلم خلال الدرس كانت واضحة، مما أثر سلبا على معنويات التلاميذ الذين كانت قراءة النص تفرض عليهم فرضا حين لا يبادر أحد بذلك.
السيد المعلم لم يحقق الهدف من الدرس. أدعوه لعقلنة عمله بتنصيص الأهداف الإجرائية والخضوع لسلطة المقرر الدراسي ومنهجيته.
علائقيا، يتمتع السيد المعلم بعلاقات غير طيبة مع أولياء التلاميذ. أدعوه لفتح باب الحوار معهم. واتباعه للنصائح المسداة إليه قد تساعده على تطوير أسلوبه في العمل.

سنة 1995.

منشور بجريدة *العرب* اللندنية
25 سبتمبر 2003
 
الفرجة، الضباب والمشروع


"شيد قصورك ع المزارع
من كدنا وعرق إيدينا
والخمارات جنب المصانع
والسجن مطرح الجنينة".
كلمات : أحمد فؤاد نجم
ألحان وغناء : الشيخ إمام

الضباب الصباحي يمسح معالم ساحة الفرجة وحلقياتها المسائية، يخرس صدى تصفيقات المتفرجين وما علق بالذاكرة من تعاليقهم المرحة، يطمس آثار ثقافة الأمس فلا يفلت من تضليله سوى صياح هذا الديك :
كوكو ريكو !
كوكو ريكو !

صياحه الرنان بين قصدير البراريك المتحلقة حول الساحة يستثير ردودا متفرقة من ديكة نائية.
الديكة تتنادى، تتواصل عبر لا نهائية هذا الضباب :
كوكو ريكو !
كوكو ريكو !
قطرات الندى ترتج لقوة الصياح وتنزلق بطيئة على القصدير، غاسلة الكلمات المشخبطة عليهـا :

رسوم لقلوب مغمدة بالسكاكين
عبارات منع التبول ورمي الأزبال  
أرقام مرتبة تناقصيا …
الضباب.
صياح الديك يستحيل زعيقا وراء عبارة منع  :
"ممنوع رمي الأز …"

تتوارى الحروف الأخيرة من المنع داخل براكة مع انفتاح باب وإطلالة عجوز تمسك، من الجناحين، بديك ضخم يحركها كاملة كلما انتفض بين يديها. تقف على العتبة. ترقب الخيالات الصباحية الصغيرة وهي نكنس ساحة الحي بربطات أعشاب يابسة وتنقل الأحجار وتجمع صفحات الجرائد التي يحملها المتفرجون معهم إلى الحلقيات المسائية ليجلسوا عليها …
أغنية قديمة بصوت طفولي تصدح، عبر الضباب، في مكان ما جهة السقاية. صوت طفولي أنثوي يغني :

يا الجيلالي، ها هم ليك ها هم ليك
يا الجيلالي، احرش العيون، آه.
راكب على بغيلته
يتسارى في قبيلته
ما راضي بحكم النصارى
ها هم ليك، هاهم ليك
يا الجيلالي، احرش العيون، آه.

الصدى ينساب هادئا، سلسا، بعيدا …
سرب من الرجال يتقدمون داخل الضباب نحو وسط الساحة، يتحلقون حول أقصرهم : رجل بدين يخشخش المفاتيح الكثيرة بيد ويداعب باليد الأخرى بطنه المكورة. يرسم بسبابته مستطيلات في الهواء، يشرح بذراعيه القصيرتين، يخطط بمقدمة حذائه على الأرض …
العجوز، لنفسها، بصوت مسموع :
- اشكون هادو ؟
انتفض الديك بقوة حتى كاد يلقيها أرضا.
تمالكت نفسها من السقوط. أسندت ظهرها على طقطقة القصدير وراءها. السند خلفها لا يعتد به.
عدلت وقفتها :
- ربما الحلايقية طالبوا بعمود الضوء على حساب الفراجةو السهير …
صغيرات، بدورهن، توقفن عن الكنس، يراقبن، بحذر، العمال وهم يساعدون صاحب العربة في إفراغ حمولتها من الآجور والإسمنت والرمل …
إحدى الصغيرات سألت العجوز :
-آش غادي يديروا هاذوا، امي عايشة ؟
- أشغال هادو، يا ابنتي، كتعرف بأخرها …
-هاذ الفروج لـــهم ؟ …
زعيق باب مجاورة يقطع أسئلة الطفلة، لكنها تصيح منادية الشيخ الخارج بإبهامه في عين البندير:
- عمي الجيلالي، شوف!
يسحق الجيلالي عود ثقاب ويشم دخانه كعادته حين يريد التركيز أو تدقيق النظر في أمر ما.ينتعش، ثم يبارك للعجوز ديكها.يقترب أكثر. يتحسس الديك بيده. يزنه من رجليه :
- الذبيحة على عتبة الدار، مهمة ! …
الصغار والصغيرات يتحلقون حول الجيلالي، يجرونه من جلبابه، يلحون عليه بالغناء :
- فرجنا، عمي الجيلالي ! فرجنا ! …
- الصباح وقت العمل. الفراجة مع المسافرين في المحطة. غادى في مهمة : الدراهم، اوليداتي.الحبشي.  النيكل. اللعاقة…مازال البرنامج خاف عليكم ؟ الحلقة في العشية… أولادي. باي.
يتخلص منهم. يتسلم السكين من يد العجوز. يمرر الشفرة على ظفره. يراقب أثرها ويطلب الديك.
تتحاشى العجوز رؤية الدم، تنشغل بصرف الصغار وزجر الكلاب والقطط …
القطط، الآن، فوق الزنك، تراقب تعابير الدم التي يرشها الديك الـــمذبوح على الأرض، منتفضا أو راقصا على إيقاع الأغنية القادمة من السقاية:

يا الجيلالي، ها هم لي ها هم ليك
يا الجيلالي، احرش العيون، آه،
راكب على بغيلته
يتسارى في قبيلته
ما راضي بحكم النصارى
ها هم ليك، هاهم ليك
يا الجيلالي، احرش العيون، آه.

يبتعد الجيلالي من شررات الدم كلما اقترب منه الديك. ينظر باستغراب إلى ديك لا يشبه الديكة. ديك مذبوح يجري في كل اتجاه.
على رجليــــه. على جناحيه. على ظهره. ديك يقاوم الموت حتى آخر قطرة دم …
في انتظار هدوء الديك، امسك الجيلالي بنديره وبدأ ينقره. العجوز تتابع بعينيها حركات الديك وهي تحرك رأسها لأزيز البندير :

ها البندير تكلم، اوليدي
هايلي، هايلي البندير تكلم، آهاه.
الليلة، الليلة
والليلة شايبة
ما نركدوا غير إذا ما
ضوى الحال، آه.

على الأرض، الديك لازال يقفز ويتمرغ في دمائه. يقف مقاوما التعب والموت. يتراخى قليلا قليلا. يثور من جديد. يطير. يسقط. ينقلب على ظهره. يثب واقفا على رجليه. يجري. يجري. يجري…
تنتفض العجوز كأنما أدركت خطأ :
- آش هاد الذبيحة،  الجيلالي ؟  الفروج  مازال حي ! عاوده بالذبيحة !  غادي   يموت  حرام ! اجر ! حط البندير على الأرض …
الأطفال يجرون وراء الديك. يفرون منه حين ينتفض. يقبلون عليه حين يستكين. يلتقطونه أخيرا. يتسابقون لملامسته. يحملونه. هادئا. ميتا. يقدمونه لصاحبته وقد عادت البسمة إلى محياها. يستثمر   الجيلالي ابتسامتها:
- مرحبا بنا عندك للعشاء ….
- اليوم، قصعة كسكس لكل حلقة …
- وإذا أخلفت الوعد ؟ قصيدة، غادي ننظم عليك هاذ العشية…
-  أنا في عارك ! القصيدة، لا …
الضباب بدأ في التراجع. الساحة، الآن، تستعيد بعض معالمها.
العمال، بصمت ،،يشتغلون.
العجوز للجيلالي :
-  غريب أمرهم !
-  ما كيديوها ف  احد …
-  إيوا آش كيديروا ؟!
-  اللي ظاهر، أنهم كيبنيوا شي حاجة ما كتهمناش …
-  لو كان الأمر كيعنينا كون طالبونا بالفطور والمعونة …
-  وكيبنيوا وسط الساحة !
-  غير خسارة الحلاقي، وصافي ! …
العمال، الآن، يضعون آخر اللمسات على هذا المستطيل الإسمنتي. يتعاونون ليغرسوا فوقه لوحة حديدية. عاليا. فوق متناول الأيادي العابثة. يتأكدون أن اللوحة ثابتة. يسعفونها ببضع ضربات من خليط الإسمنت والرمل. ينزلون. يراقبون وضع اللوحة الحديدية فوق المستطيل. يبتعدون عنها. يقتربون منها. يقرؤونها. يمسحون بالإسفنجة شظايا الإسمنت عليهــــــا…
اللوحة، الآن، عالية وواضحة.
جمع العمال أدواتهم وينصرفون.
تلكز العجوز الجيلالي :
- كل هذه القيامة على هذه الركيزة ؟!
- خاص نقراوها، بعدا.
يحاول طفل أن يقرأ لهما اللوحة :
- م . مش . رو . مشرو …
تصرفه العجوز بلطف :
- باراكة باراكة …
لكن الطفل يستمر في إثبات قدرته على القراءة :
- مشروع م . مر . مركب …
تنهره :
- قلت لك : سر تلعب ! …
يشعل الجيلالي عود ثقاب. يرمش انتعاشا بدخانه : عادة أدمن عليها منذ خروجه متقاعدا من الجيش حيث قضى شبابه بين رائحة البارود وهياج التحرير.
يقترب من اللوحة ليقرأها :
- "مشروع مركب سياحي"
الذهول يكتسح ملامح الرجل.
يعيد القراءة ثانية وثالثة. يحاول فهمها قبل شرحها للعجوز التي تلح عليه لكزا من الخلف. لكن غناء الصغيرات يشوش عليه :

يا الجيلالي، ها هم ليك  ها هم ليك
يا الجيلالي، احرش العيون، آه،
راكب على بغيلته
يتسارى في قبيلته
ما راضي بحكم النصارى
ها هم ليك، هاهم ليك
يا الجيلالي، احرش العيون، آه.

الضباب، الآن، قد انجلى. الرؤية واضحة والشمس في عز السماء.
وضع الرجل بنديره على الأرض. ظلل عينيه بكفه من الشمس، مادا بصره إلى حيث تلتقي الأرض بالسماء من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بحثا عن بداية ونهاية المشروع.

سنة 1993
جريدة *الزمان* اللندنية
       عدد : 13يناير 2003
 
في انتظار الصباح

إلى روح المعلم محـمــد حـجوم، في ذكرى رحيله غرقا في فخاخ  ثلوج  جبال الريف بالمغرب.

كاليغولا  :    ...هي حقيقة بسيطة وواضحة تماما، ساذجة نسبيا، ولكنها صعبة وثقيلة.   هيليكون  :   وما  عساها  تكون  هذه الحقيقة،  يا قيصر؟
كاليغولا : الرجال  يموتون  وهم  غير  سعداء .            
                                                                          
ألبير كامو
مسرحية* كاليغولا*                                           النص الفرنسي، ص :26/27
الساعة الثانية عشر ليلا :
خشخشة المذياع تختلط وارتعاشات ضوء الشمعة الوحيدة لهذه الليلة. لسان الشمعة يحترق داخل دائرة ضوء باهت مقاوما طوق الظلام حوله. لم أعد أطيق النوم في هذه العتمة، فوق طاولات هذا القسم المبني على أنقاض مقبرة عتيقة في هذا الجبل المنسي… كم أخاف هذه القبور حوالي !
      أخاف أن ينتفض أهاليها في يوم من الأيام. لابد أنني أزعجهم بحياتي بين موتهم… المدير، صباح    هذا اليوم، عزاني في موت زميلي بدر الدين البدراوي وتمنى لي نقاهة طيبة ثم شرح    لي صعوبة   الحصول   على معلم ثان يعوض  زميلي المرحوم،   ويقتسم  معي أفواج   تلاميذ هذا  القسم/ المدرسة. المدير أوصاني بقليل من الصبر ثم صارحني بعدم إمكانية الإخلال بالسير العادي للمؤسسة وحذرني من مغبة تكرار المأساة :
"الحيوانات في هذه الأرض مجواعة".
        أتساءل : لو خطر هذا على بال ذلك السجين الهارب على متن دراجة حارسه، ترى هل كان يحسب للغابة والظلام حسابهما ؟… ربما مثل هذه الحسابات هامشية وغير مجدية حين يتعلق الأمر بطلب الحرية. ولذلك انطلق الهارب من أسوار السجن المجاور تاركا وراءه رفاق السجن في ذهول ورعب يتهامسون في اليوم الموالي أطراف الخبر الجديد : عثور الحراس خلال المطاردة على نتف بذلة السجين الهارب متناثرة على أشواك الغابة حيث لازالت عجلتا الدراجة النارية تدوران ببطء في الهواء قرب آثار جسم آدمي تمرغ طويلا في دمائه قبل أن يندثر …
الساعة الثانية عشر ليلا :
        نفخات الريح المتسلل من شقوق الحائط تعبث بلسان الشمعة. أحيط الشمعة بكفاي. دموعها تنزلق حارة، كبيرة على   جوانبها  لتجمد على  بـــــرودة المنفضة. الشمعة تتضاءل بإصرار. أرش حول فتيل الشمعة حبيبات ملح للحد من ذوبانها. هذه شمعتي الوحيدة والليل مازال طويلا. الحقيقة أن الليل كان دائما طويلا. إنما الأمر كان أهون في السابق. لأننا كنا اثنين، معلمين.
        كنا نعمل بالتناوب على هذا القسم المعزول بين هذه القمم الجبلية نربي أطفالا    لا يتغيبون  إلا أيام الأعراس والحرث والأمطار والفيضانات والثلوج والجنائز… أحيانا كان  يأتي أحد الآباء ملتحفا كيس سماد فارغ ليتوسل الإفراج عن أطفاله حين تصادفهم نوبة مطرية قوية وهم  داخل حجرة  الدرس لأن  الخنادق  والوديان تفيض فتنقطع الطرق … قساوة الطقس كانت تجود علينا، من حين لآخر، بعطلة استثنائية فنطلق سراح الصغار ونغلق علينا باب القسم ونوافذه لجمع الدفء للمساء. نصفف الطاولات في شكل سريرين عاليين ثم نبسط عليها الأغطية. كأس شاي منعنع قرب الوسادة ضروري لكل دردشة أو نقاش. لكن ليالي الشتاء الطويلة كانت تستنفذ كل مواضيعنا. ولذلك أدمنا على القراءة، قراءة أدب السجون : بشر ينزلون بالمروحيات في معتقلات رهيبة ويتركون للثلوج. حتى إذا حاولوا الفرار، اعتقلوا ثانية واقتيدوا إلى حيث أريد لهم أن يقضوا بقية حياتهم… حكايات تتشابه كثيرا ومع ذلك كنا نقرؤها طول الليل. أحيانا كنا نقرأ نفس الرواية، في نفس الوقت، بصوت واحد. نرفع صوتنا عاليا لنقاوم الصمت والجنون. ذاكرة هذا القسم تشهد أن واحدا من كل معلمين يدخل عالم الحمق من باب هذه المدرسة.
      الحياة والعمل بين القبور  شيء رهيب: أن تدرس وترغد وتزبد بين بشر يرتاحون إلى الأبد. أموات في مكان ميت وزمان ميت. الصمت شامل. كل الأشياء بلا لسان، بلا صوت، بلا حفيف… ولذلك كنا نترك المذياع مشعولا طول الليل. لا ننام إلا على خشخشته ولا نحلم إلى على إيقاعها. تعلمنا، مع مر الليالي، كيف نحلم نفس الأحلام في نفس الليلة. نستعد للحلم قبل النوم : نحدد موضوعا بتفاصيله وألوانه… وفي المنام، تتوحد مخاوفنا وآمالنا بحلم الهروب من المقبرة إلى حيث يقيم الأحياء… حلم يتكرر ويتكرر إلى أن استيقظنا ذات صبيحة على عزلة جديدة :  الباب لا تنفتح.
      دفعناها بكل قوانا. ولا نتيجة. اقتلعناها من إطارها كاملة : يا للبياض!… الثلج حتى الركبة، الثلج عتبة بيضاء لا نهائية. صفحة بيضاء تطمس نتوءات القبور حول القسم وآثار العيون والخنادق والطرقات… طالت مدة الثلج وارتفع تهديده بضع سنتمترات فوق الركبة. أصبحنا نخاف أن تغلق علينا الباب بالثلج وتنفذ ذخيرتنا من الغذاء… كان أملنا هو أن يذوب الثلج بعد أربع وعشرين ساعة لكن الأيام ظلت تمر متشابهة:ليل بلا بدر  و نهار بلا أفق يفصل بياض الأرض عن بياض السماء.
      وفي لحظة ما من يوم ما، لاحت في البعيد خيالات صغيرة حية تخترق البياض وتركز العصي على طول المسلك : أهل القرية، تلك طريقتهم في التأكد من عمق الثلج قبل أن يتقدموا. يغرسون العصي أو القصب في الثلج ويتركونها مغروسة ليتذكروا ممر العودة إلى بيوتهم. بدون تلك الطريقة قد يسقطون بدورهم في فخاخ الثلج. في الخنادق والحفر التي يخفيها تحته. لكن أكثر ضحايا الثلوج هم غرباء لا يعرفون جغرافية المنطقة. وحين ينجلي الثلج، تحفر لهم قبور قرب القسم ثم يدفنون  دون مراسيم.
الساعة الثانية عشر ليلا :
       الشمعة     تتناقص. الدموع  الكبيرة   تسيل  ساخنة  على جنباتها  لتبرد على سطح المنفضة  وتتجمد. الملح  غير  مجد. لا شيء يمنع  الشمعة   من الذوبان. هي تقترب من نهايتها، احتراقا. لكنها لا تثير رائحة الحريق. أكره الروائح القوية. حتى رائحة هذا الجير الطري المشخبط على حيطان القسم، تزكمني. تخنقني. تلهب رائحة الحريق في ذاكرتي. وعوض أن تخفي آثار الحريق تحت ضربات الفرشاة، تعود بها من جديد إلى الذاكرة …
      كنا اثنين. معلمين. كنا نستيقظ باكرا ونعد وجبة الفطور هنا، في هذه الحجرة، ونتناولها على عجل فوق الطاولات. نعد طاجين الغذاء ونتركه على موقد الغاز في آخر القسم. ننظف المكان قبل دخول التلاميذ ونعيد ترتيب الطاولات في مكانها ثم نجمع أفرشتنا لنخفيها تحت الطاولات عملا بتحذير الإدارة من عواقب السكن داخل حجرة الدرس. في الحقيقة، لو قدر للمدير أن يتحمل مشقة المشي ست ساعات على الأقدام ليزورنا في عالمنا هذا، لوجدنا نطبخ في حجرة الدرس أيضا …
      كنا نطبخ خبزنا بأيدينا.بدر يعجن داخل القسم وأنا أطبخ خارجه. أما في فصل الشتاء، فأطبخ الخبز داخل القسم محتميا من البرد والمطر : أضع ثلاث حجرات متكافئة حول حفرة من حفر القسم، وهاهو تنور قادر على رفع المقلاة وطبخ الخبز! وبعد الانتهاء من الطبخ، ألقي ببضعة مسامير على بقايا الجمر اتقاء لشرور الفحم على حياة النائمين… كانت حرارة اللهب المنبعثة من التنور تدفئ القسم وتجعله أهلا للنوم أيام الثلوج والبرد. وألفنا الدفء قبل أن نستيقظ ذات ليلة من ليالي الشتاء على روائح خانقة وألوان حارة تتماوج في كل مكان داخل القسم. شرارات تتطاير في كل اتجاه. لهب يتراقص فوق الطاولات. يقضمها. يلتهمها. ألسنة النار تلعق الجدران. تفحمها. النار تفترس المكان. الخشب يطقطق. يتشقق. يتفجر. يتهاوى على الأرض، فتاتا ملتهبا. تنهار النوافذ ويتدفق الريح إلى داخل القسم. تتأجج النيران. لا وقت للتفكير. بللنا أفرشتنا بالماء لنخبط بها على الألسن النارية. نخبط في كل اتجاه. النار تتسلى بحيرتنا. تخرج لنا ألسنتها، تندرا. نخبط بكل قوانا. الطاولات والنوافذ والباب جمرات كبيرة. نخبط بدون اتجاه. الحمرة حولنا تضعف. نخبط بكل قوانا. نخبط. نخبط … الظلام. أخيرا، ا لظ– لا– ا – ا – ا –م . وفي  انتظار الصباح، جلسنا خارج باب القسم نسعل ذخيرتنا من دخان الحريق.
       وفي الصباح، عادت الغربان لتنعق فوقنا، فوق القبور. وعاد التلاميذ للمدرسة :سياح. يطلون من آثار نوافذ القسم إلى الداخل. يحاولون التعرف على مقاعدهم من خلال ترتيب هياكل الطاولات المتفحمة :
-"هنا كنت أجلس ، أتذكر؟"
- وأنت ورائي، هناك".
      القسم سواد فاحم وكتل فحمية مكمشة في كل مكان. خضر مشوية. قضبان حديدية عارية لطاولات احترق خشبها. فحم. فحم. فحم …
       لم نكن مستعدين لقضاء ليلة أخرى هنا رغم تخويف آباء التلاميذ الذين جاؤوا لتهنئتنا على النجاة. ابتسمنا لهم لنقاوم الخوف داخلنا. لكنهم واصلوا الحديث عن شراسة وحوش الغابة    ليلا : ذئاب سوداء، جائعة، شرسة، نظرتها حادة، مخالبها حادة، أنيابها حادة …
الساعة الثانية عشر ليلا :
الشمعة ذابت. لم يتبق منها سوى دموع حول فتيل يلفظ آخر طاقاته. الشمعة تحتضر والصباح لازال بعيدا … لا أعتقد أن أحدا يستطيع قضاء ليلة هنا. كنا اثنين وكان الليل يغلبنا. لكن حادث الحريق هو الذي جعلنا نقرر مغادرة مقر العمل. رغم تحذير العارفين من أهل القرية، غادرنا المكان. أن نسافر مشيا علىا لأقدام، شيء عادي. خاصة أيام السوق الأسبوعي حيث تنبض الطريق بحركة المتسوقين. عدا أيام السوق، فالغابة موحشة. صامتة إلا من أصوات طيور مذعورة تفر بين الفينة والأخرى من بين أشجار الأرز الباسقة. الآن، الطريق الطويل ينعرج يمينا. شمالا. يعلو. ينحني. خشخشات الزواحف على جوانب الطريق تضاعف من خوفنا وسرعتنا. نسابق غروب الشمس. التحام الأشجار يحجب الأفق. تفاصيل الأشياء في أرجاء الغابة تبهث شيئا فشيئا. الألوان تتوارى بالتدريج. الخيالات والظلال تنتصب في كل مكان. تكبر. تكبر. يذوب الظل في الظل. يصبح ظلا كبيرا، لونا واحدا : ظــلامـا. أخيرا، ها هو الليل. لا نرى، الآن، أبعد من موطئ أقدامنا. الظلام دامس. سنتيه حتما إذا ما واصلنا الرحلة. مصباح الجيب غير مجد في هذا الظلام الدامس. الظلام المطلق. عجلة السجين الهارب تدور في خيالي. أكاد أسمع أزيز دورانها في الهواء في مكان ما حوالينا. الظلام شديد والطريق لازال طويلا. لابد من التوقف. لابد من الراحة. تهالكت على الأرض. اتكأت على جذع شجرة ألهث عيائي. قدماي تنتفخان حرارة داخل حذائي. النوم يذاعب جفني. النوم على أرض الغابة في ذلك الظلام مخاطرة عظيمة. فكرت : النوم على أغصان الشجر أوفر أمانا من مفاجآت البر. طبعا هي غير مريحة لكنها مجرد  ليلة عابرة. تسلقت الشجرة الأقرب إلى ملمسي. تأكدت من متانة أغصانها. ناديت على بدر أسفل الشجرة  كي يلتحق بي. رفض. نومه عنيف. لا يستطيع النوم ثابتا. تركته. أضأت له، بالمصباح، دائرة ينام داخلها. نشر سترته البيضاء داخل دائرة الضوء على الأرض. استلقى عليها. كفه اليمنى تحت رأسه واليسرى تسخن بين فخذيه. النوم لا يطاوعه إن ظلت يداه باردتين.شيء ما في سترته كان يعوق راحته. استوى ثانية ليبحث عنه.استله من أحدالجيوب ومده لي: كتيب جامع لحنظليات العلي.عاد ليتوسد بياض سترته ثانية.  لكن يديه هذه المرة لم تكد تدفأ حتى ملأت حنجرته الكون صراخا. صراخ عال. حاد. متقطع: "النجدة!". يستغيث . يستغيث. يستغيث …وأنا مندهش فوق الشجرة أضيء بالمصباح دائرة، مسرحا ،حلبة يتخبط داخلها :
الأسود والأبيض
(الشخير   والنجدة)
الأسود والأحمر
(الشخير والأنين)
الأسود والدماء
(الشخير والصمت)
من أعلى الشجرة، أتابع المشهد الحي :
سواد متوحش يفترس صديقا مرهقا.

سنة 1995

منشور بجريدة *العرب* اللندنية
18 سبتمبر 2003
 
الأبدية

"واش حنا هما احنا
يا قلبي ولا محال
واش الدنيا هكذا
يا قلبي ولا محال"
مجموعة  "ناس  الغيوان"  المغربية
              الشمس في قلب السماء.
 
الساعة الحائطية تدق منتصف النهار.
القطار يصل إلى محطة المسافرين. نوافذ عربات المقدمة تطل مباشرة على هذا المقهى الراسي على هامش الحركة والترحال . الركاب يطلون من النوافذ على لوحة بارزة تحت إكليل من الزهور يبدو في وسطها كروتوس، إله الزمن، وهو يلتهم أبناءه. تحت اللوحة، جوقة من الرواد يتأففون من الملل بالتناوب :
1 – من لديه ساعة ؟
2 – لا أحد .
1 – كم الساعة، تقديرا ؟
2 – لا ندري.
1 – الأفضل أن نعرف الزمن بحركة ما…
2 – كل شيء جامد في مكانه. لا شيء يتحرك…
1 – حركة  الشمس، مثلا.
2 – الشمس لازالت في المكان الذي كانت فيه دائما…
         الشمس في قلب السماء.
                   الساعة الحائطية تدق منتصف النهار.
القطار يصل إلى محطة المسافرين. نوافذ عربات المقدمة تطل مباشرة على لوحة قديمة يلتوي داخلها ثعبان يبتلع ذيله في شكل دائري أرقط. تحت اللوحة يجلس شخصان جنبا إلى جنب. يتحدثان دون تبادل نظرة :
1 – اسمع الأ غنية !
2 - …
1 – أهذا فصل الربيع ؟
2 – ممكن .
1 – متى حل الربيع ؟
2 – ربما لم يحل بعد…
1 – حتى الشمس لا تعطي فكرة …
                الشمس في قلب السماء .
               الساعة الحائطية تدق منتصف النهار .
القطار يصل إلى محطة المسافرين . نوافذ عربات المقدمة تطل مباشرة على رسوم بسيطة تتوسط الجدار الخلفي للسطيحة : دوائر متشابكة ومنفصلة، دوائر لا نهائية … يجلس تحتها شاب يقرأ كتابا. يقــاطعه جليسه :
1 – ماذا تقرأ ؟
2 – كتابا عن الساعة البيولوجية في حياة  المخلوقات …
1 – أية ساعة ؟
2 – هي داخل الكائنات الحية . كل جسم مزود بساعات خفية لها عقارب تضبط أوقات النوم واليقظة والجوع والحي… هذا ما يقوله الكتاب .
1 – والإنسان، هل له ساعة داخلية ؟
2 – لا أدري .
1 – أنا لا أرى هناك ساعة خارجة عن الإنسان حتى تكون هناك ساعة داخله… انظر إلى الشمس!
        الشمس في قلب السماء .
        الساعة الحائطية تدق منتصف النهار .
       
     القطار يصل إلى محطة المسافرين. نوافذ عربات المقدمة تطل مباشرة على …  الأبدية.
سنة 2001

 
الأفواه الفاغرة

هنا قرب منحدرات  التلال،          
أمام الغروب وفوهة الوقت،
قرب  بساتين مقطوعة الظل،                           نفعل ما يفعل العاطلون عن العمل :
نربي الأمل.
محمود درويش          
حالة حصار
لوحة
      يقف الحمار ,تحت الأثقال، بانتظار قدوم صاحبه لينخسه على ردفيه ويسعفه ببضع ضربات على عنقه ليوجهه نحو طريق الخروج.
ينتظر الحمار دون سأم. يلعب بأذنيه. يوقف واحدة ويسقط الأخرى. يسقطهما معا. يرفعهما.يلوح بهما ببطء. يقدم واحدة ويؤخر أخرى …
الانتظار :
يسقط شابان من سور الفندق بكيسين بلاستيكيين تنضغط داخلهما قطع خشبية ثم يختفيان بين قوائم الحمير.يطل الرأس الأول من مكان ما ليرقب العيون الآدمية ثم الرأس الثاني.وبضربة خفيفة لشفرة حلاقة يفصل الأذن الأولى عن جمجمة الحمار ثم يدخل فرشاة أحذية بين فكي الحمار ويقطع لسانه. ثم يبدأ حصاد الآذان والألسن : الأول يحصد من اليمين الثاني من اليسار حتى يلتقيان في الوسط ليفرا من الباب المشرعة، بأكياس منتفخة تقطر دما…
صاحب الحمار يفيق من غفوته : حماره أحمر بلسان عمودي، وفكين متباعدين هربت قطرات دمهما خارج باب" الفندق".يهب للتو جريا في أثرها حتى يجد نفسه يطارد أكياس الآذان والألسن أمامـه، وهو يصرخ.
الهاربان أمامه يلتمسان منه التراجع :
-  وما تخافش …
-  وراه هاذ السلعة ماشي لاولاد البلاد…
-  وراه  غادا تباع  برا….

     يتخلف الرجل عن المطاردة.يتوقف عن الجري ممسكا بفكه الأسفل المتدلي على صدره واللعاب يتقاطر، خاثرا ،  على ساعديه…
     يتحلق الناس حوله.
دردشات هامشية :
- ماذا حل  به ؟
-  أصابته أزمة …
-  أوه !
-  تنرفز ولما صرخ بقي هكذا…
-  ضعوا له المفاتيح في يده…
-  لكنه مريض من فمه !..
-  انظر داخل فمه !..
-  لسانه يتحرك، لكن صوته غير مسموع…
-  حماره أيضا، داخل الفندق بلا صوت…
-  أوه ! سبحان الله. إذن ليس لدينا ما نفعله من أجله…
-  انتظروا. لا تتركوا الرجل هكذا…لنأخذه إلى المستشفى.

في المستشفى :
الممـرض: اجلسوه،هناك.
النــاس:فكه سيسقط على صدره .
الممـرض:حالة عادية. اجلسوه ،هناك.
النــــــــــاس:والطبيب؟
الممــرض:منشغل بعملية جراحية.سيهتم به حين يعود…
النــــــــاس:وهل سيظل الرجل فاغرا فاه هكذا؟
الممرض:كل هؤلاء الزبناء الذين سبقوكم لكراسي الانتظار يعانون من نفس العطب.وجميعهم ينتظرون بافواه فاغرة.  إن الفك الأسفل سريع الانفلات والسقوط. التفوه بفتحة فم كبيرة أو الصراخ أو الضحك  هو سبب العطب.
النــــــاس:اذن، لينتظر…
الممرض:هل لديكم شغلا تقضونه ؟
النـــــــاس:لا.
الممرض:اذن،اجلسوا معه  جميعا وا نتظروا...
                                                   سنة 2001


 
 
هــــــــــــوية


يادارة، دوري فينا
ظلي دوري فينا
تاينسوا  أساميهم                        وننسى أسامينا

كلمات وألحان: الإخوان الرحباني
غناء : فيروز

سـلمني رجـل الأمـن النسخـة الـجديدة مـن بطـاقـتـي الـوطنـيـة وظـل يـتابـعـني بـنـظـرة  تـشـف عن ريب من أمــري ثــم قـال وهــو يـنفــض أذنــه بـسـبابـتـه :
-  بالـك !هــــذه النـسـخـة الـثالثـة مـن  بطـاقتك الوطنيـة ، فـلا  تـكن  شـماتـة  مــرة   أخـرى. أتسمـع ؟
بـالــك !
بـالــك !
بـالــك !
خـارج مـركـز الأمـن، جـاذبية إضـافية تلصقنـي بالأرض وتـجعـل خطـواتـي أثـقل فأثـقل.
استـمتـع   بثـقـلي...
رشاش نافـورة الساحة يذاعـبـني وأنـا أبـتـعد نـحو بـاب السـوق. الزحـام داخــل السـوق لا يـفـتـر فـي أي وقــت. الـزبـنـاء يـتـزاحـمون، يـتواجـهـون، يـتـدافـعون بضيـق بالغ . باعـة الخضـر والـقـطـانـي والسـرديـن، عـلى جـانـبي الـممر الـوحيـد، يـنبهـون الـمتـدافعـين ويـلعنـون أمـهاتهم وهـم يضـربونـهم على وجـوهـهـم بربـطـات البـقـدنـوس حيــن تنـقلـب لـهـم أكـيـاس القطـاني أو تتشتـت لـهـم صـنـاديـق السـرديـن تـحـت رفـس الأقــدام الهـائجـة:
بـالــك !
بـالــك !
بـالــك !
دفعـة جـانبيـة أخرجـتنـي مـن شـرودي ورمتـني فـوق أكـيـاس القـطـاني. انـقلب علي كشكـول البضائـع الرخيصـة. أتـمرغ فـي العـدس والـحمـص واللوبيـاء بحثـا عـن مـوطـئ قـدم بـيـن الـمتـدفـقـيـن ...
أحـس بـالخـفة.
الزلة أفـقـدتـني كل وزني، كل ثقـلي…كأنـني تـخلصت مـن شيء مـا، أو كـأنني فقدتـه. أفتـش  فـي جيـوب سـروالـي. الـجيـوب الأمامية... الخلفية...أعيـد التفتيـش مـرة ثـانـية... ثـالـثة...ركبتاي ترتعشان... الحافظة ؟ ركبـتـاي تـخونـانـي في كـل خطـوة ... البطاقـة ؟...أطـالع الـوجـوه حـوالـي : الـكـل يتـزاحــم و لا أحـد يهتـم بـي .
السيـل الآدمي يـقـذفنـا خـارج السـوق، إلى الساحــة  الأخـرى. رشـاش هـذه النـافـورة يـرشـقنا جـميعا ببصاقـه.
ركبـتاي ترتـعشان. النـسيم يغـير لي وقفتي بـاسـتـمـرار.
أنــا الآن بـلا وزن.
أخـف مـن الريشـة.
كـأن جــاذبـيـة الأرض استـغنـت عنـي، فـجـأة.
ربما أنـا الآن أثـير ضـحـك سـراقـي بـهـذا الذهــول. ربـما هـم الآن يـرشفـون قـهوتهـم فـي إحـدى هـذه المقاهي، ويـتـنذرون بـغبـائـي...
أحـد زمـلائـي دلـني عـلى رئيس الفرقـة المكلفـة بعمليات النـشــل فــي الســوق : رجـل أنـيـق يـرتـدي بـدلـة رمـاديـة وهـو يـرشـف قـهـوتـه وحـيــدا تـحـت
ظـلة عـلـى سـطيـحـة مـقهـى  "الـمنظر الجميل " قبالة باب السـوق.
سـألـني الـرئيـس ،حـين أكملـت قـصتـي :
- وأيـن سـرقـت ؟
أجـبـت:
- فـي الســوق.
لكن الرئيس، على ما يبدو، حريص على معرفة الجزئيات والتفاصيل :
- أيـن ؟ عنـد الدخـول ؟ الـخـروج ؟...
- عـنـد الـخـروج.
مـال الرئيـس عـلـى زمـيلـي وهـمس بصـوت مسموع :
- زميلـك غـير مـحظــوظ. الـخـروج لـيس عـلى حسابنـا.
ثـم التفـت إلـي ثـانيــة :
- مـاذا كــان فـي حـافظتـك ؟
- بـطـاقتـي الـوطنـيـة .
صـمـت الـرئـيــس بـرهـة ثــم قـال بـأسف مفتـعـل :
- أنـت ضـحيـة لــصـوص لـيسـوا أبـنـاء البـلـد وهــم يـسـرقـون أي شـيء مـن أي كــان. ومـنهـم من يـختص في سـرقـة الـوثـائـق وبيـعـها للمهـربين والـمجرمـين والبغايا ...
رشـف الرئـيـس قـهوته ثـم أردف :
-كـن حـذرا !
لـم أجبـه .
ما جدوى الـحذر بعـد الآن ؟ !
واصـل الرئيـس نصـائحه و عينـه لا تـبارح بـاب السـوق :
- هـؤلاء الذيـن  سرقـوا بطاقـتـك، سـيطـاردونـك أكـثـر لـيسرقـوا الـمزيد مـن وثائـقـك  : جواز سفر، دفتر شيكات، تـوقيـع ...إن بـطـاقـتك الآن تبـاع في مـكـان مـا بالـمزاد. وكـل مـن اشتـراهـا سيسـبـب لـك متـاعب كثـيرة . لأنـه سيصبـح بـمقتضـى القـانـون هـو أنـت بـالإسـم والـمهنـة والعـنـوان والتـواريـخ... الـوثـائـق، يا ابـن بلدي، تصـنع الشـخـصيـة. وكلـما كانـت الوثائـق كامـلة ومنسجمة، كانت الشـخصـية حقيـقيـة وشـرعيـة.
ثـم التفـت إلـي قائــلا :
- هل تتذكر وجها من الوجوه التي ضايقتـك عنـد مـخرج السـوق ؟
أسـتـرجع الأحـداث والـوجـوه على شاشـة ذاكــرتي: الـزحـام، الـدفـع، لعـنــات البـاعـة، لـهـاث المتزاحمـين داخــل عنـق قـمـيصـي، لامـبـالاة الـوجـوه حـوالـي...
الـرئيـس ينتـظـر جـوابي.
قـلــت :
- لا.
تــأفــف الـرئـيس مـستـاء واعـتـذر عن مساعـدتي .
أنــا لا أعــرف سـبـب هـذه الـهيـبة الـتي تعتـريني كـلمـا درجـت سـلـم مـركـز الأمـن. حـتـى الـرايـات تـفـزعـنـي حـيـن يـنفـضـهـا الـريـح فـوق رأسـي...
وضـعـت وثـائـقـي عـلى مـكـتـب رجـل الأمــن :
- هـذه لــوازم البطـاقـة الوطـنية، وهـذه شـهادة الضيـاع ...
انـدهـش الـرجـل :
- ضـيـاع من ؟ ألـســت  ذاك  الـذي  تـسلـم  النـسـخـة  الثـالـثــة  مـن ب ـطـاقـتـه الـوطـنيـة هـذا الصـباح ؟...
ظـل مـشـدوهــا يتـفـرسـني. عـيناه في عيـني تبحث عـن الـخـدعـة الـتي أنـسـجـهـا لـه.
يـتـفـرسـني...
خـبـط أخـيرا عـلى مـكتبـه ثـم نـهض مـن مـقعده، مسـتـغـربـا :
- انـتـظـر هـنـاك. سـأصـعـد لأسـتـشـير فـي قضـيتك.

سنة 1994
جريدة* المنظمة*
عدد : 20 نونبر 1997
 
أرض الغيلان

"إن في رفع الأنصاب لخطرا فاحترسوا من أن يسقط عليكم التمثال المنصوب فيقضي عليكم )...   ( هذه  نصيحتي إليكم،ابتعدوا عني وقفوا موقف الدفاع عن أنفسكم تجاهي، بل اذهبوا إلى أبعد من هذا، اخجلوا من انتسابكم إلي فلقد أكون لكم خادعا".

فريدريك نيتشه ،
هكذا تكلم زرادشت
(الترجمة  العربية) ص. 105

 -أيها الإخوة، تعالوا نتحلق حول الزعيم !...
- أيها الإخوة، خطاب الزعيم! ...
- اششش! ...

خطاب الزعيم:
إن في رفع الأنصاب لخطرا فاحترسوا من أن  يسقط عليكم التمثال المنصوب فيقضي عليكم )...( هذه   نصيحتي إليكم،ابتعدوا عني وقفوا موقف الدفاع عن أنفسكم تجاهي، بل اذهبوا إلى أبعد من هذا، اخجلوا من انتسابكم إلي فلقد أكون لكم خادعا.

الهيــاج :

      -عن أي خداع يتحدث الزعيم ونحن في هده الحالة الدنيئة؟
- يـجب أن نـخجل من أنـفسنا...
- لازلـنـا نـخـاف الـغــول...
- شـبابــا وشـيـوخـا ولا نـقـول إلا مـا يـروق للغـول...
- ولا نـفـكر إلا فـيـما يـهـدده...
- الـغـيــلان انـقـرضـت عـنـد غـيـرنا مـنـذ زمـان ...
- ولـمـاذا لا تنـتـهـي عـنـدنا ؟ مـا الـفـرق ؟ !
     - تلك مسؤوليتنا...

خطاب الزعيم :
أيهـا النـاس، أيـن الـمفـر ؟ البـحـر مـن ورائـكـم، والـعدو  أمـامـكـم، ولـيـس لـكـم والـله، إلا الـصـدق والصـبر…فادفـعـوا عـن أنـفسـكم خـذلان هـذه العـاقبـة مـن أمـركم،  بـمناجـزة هـذا الطـاغيـة، فـقـد ألـقـت بـه إليكـم مدينتـه الـحصينـة، وإن انتـهـاز الـفرصة فيـه لـممكـن، إن سـمحتـم  لأنـفسـكم بالمـوت... واعلـموا أنـكم إن صـبرتـم علـى الأشـق  قليـلا، استمـتعـتـم بـالأرفـه الألـذ طـويـلا. فـلا تـرغبــوا  بأنفسـكم عـن نفسي، فمـا حظـكـم فيـه بأوفـر مـن حظـي... واعـلـمـوا أنـي أول مـجـيـب إلى مـا دعـوتـكـم إلـيه، وأني...حامـل نفسـي علـى طاغيـة القـوم...فقـاتلـه...فـإن هلـكت بعـده فقـد كـفيتـم أمـره... وإن هـلكـت قبـل وصـولي إلـيه، فـاخلـفـونـي في عـزيمـتي هذه، واحـملـوا بأنـفسكـم علـيه، واكـتـفـوا الـمهـم مـن فتـح هـذه الـجـزيـرة بـقـتـلـه.

الهياج، مرة أخرى :
- تـحيا الشهامـة !
- تـحيا الشهامـة ! ...
- تـحيا الكرامـة ! …
- تـحيا الكرامـة ! ...
- أيـهـا الإخـوة، سـانـدوا الزعيـم، في مـواجهـة الغـول...
- نعـم، سانـدوا الزعيـم، رافـقـوه نـحـو كـهف الغـول...
- يـحيـا الزعيم !
- يـحيـا الزعيم ! ...
- يسقـط الغـول !
- يسقـط الغـول ! ...

خارج باب كهف الغول :
- أيهـا الإخـوة، لنستـعد لكل الـمفاجآت...
- مستعـديـن!...
- جـميـعا مـن أجـل الكرامـة  !
- جـميعـا!...
- جميعـا فـداء ا للزعيـم !
- جـميعـا!...
- الكـرامـة أو الـموت  !
- الكـرامـة  !...
- أيهـا الإخـوة، أليس مريبـا هذا الصمـت وراء باب هذا الكهف ؟ !
- هل التـهم الغـول الزعيـم ؟ !...
- أيمكن أن يلتهم الزعيم بهذه السهولة ؟ !…
الخروج من الكهف :
- أيها الإخوة، باب الكهف ينفتح...
- أيها الإخوة، حيوا الزعيم !
- يحيا الزززززز...
- من ذاك الـذي يضيـف قبضتـه لقبضـة الزعيـم تـحية لنـا ؟...
- هـل هـو الـغـول ؟ !
- أيهمـا الزعيم ؟ !...
-أيهما الغـول ؟ !...
- لا أدري، لكنهما يقتربـان مـنا...
- مـاذا عـساهـما يقـولان ؟ !...
- اشـشـش !...

الخطاب ، مرة أخرى :
أيـها النـاس، اسـمعوا وعوا. وإذا وعيتـم فانتفـعوا... إن الدهـر قـد أدبني وقـد أحببـت أن اؤدبـكم، وأزودكـم أمـرا يكـون  لـكم بعـدي معقـلا... كفـوا ألسنتـكم فـإن مقتل الرجل بـين  فـكيـه... أيهـا النـاس، إصـلاح  فسـاد الرعية خير من إصلاح فساد الراعي.ولـهــــــذا   فـإنـــــي  لأرى...

الصـمـت :
-... !                                                                                                                                    
- ...!                                                                                                                                    
- ...!                                                                                                                                    
- ...!                                                                                                                                    

سنة 2000
جريدة *الزمان* اللندنية
       عدد : 10/09 نونبر 2002
 
الشــــــــرخ
 
"إذا ما رأيتم متداعيا إلى السقوط فادفعوه بأيديكم واجهزوا عليه. إن كل شيء يتفسخ ويتداعى في هذا الزمان ، فمن ترى يحاول دعم ما هوى؟ أما أنا فإنني أريد سقوطه"

فريدريك نيتشه ،
هكذا تكلم زرادشت 
(الترجمة  العربية ) .ص239
سكان العمارة :
- إنـها تنشـق أكثـر فـأكثر !
- هـي تتـصدع...
- ستنشـطـر ...
- هـديــر أول شاحـنـة سيـهـزهـزها ويـهدمـها أرضـا...
- ورب العـمـارة ؟
- هو يرانـا جـماعـة مجانـين مهـووسـين بانهيـار البنـايـات...

مالك العمارة :
لو كـان الشـق أفـقـيـا لـما قامــت كـل هــــــــــذه القيـامـة. لـكـنـه  عـمـودي ويـنـخـرها مـن الأرض إلـى السـمـاء. الـحقـيقــة أنـه فـي البـدايــة لـم يكـن بـوسعـي تفهـم شـكــاوي سـكـان الـطابـق الأرضــي حـيـن لاحـظـوا أثــر التـشـقـق ولـذلـك صـحــت فـي وجـوهـهـم :
" العالم كله يتشقق . ألا ترى عيونكم سوى هذه العمارة ؟ "
وعنـدمـا تعـالـت الاحتجـاجـات مـن الطـوابــق العليــا، سارعت بطـلب بنـائـين مهـرة حــاولوا التغـلـب على الشـق بـحيل عجيبـة. تعـامـلـوا مـعـه كـجـرح طـويـل وزرعوه  أفـقـيا بـقضـبـان حـديـديـة لـمـنـع امـتـداد الشـق أو اتـسـاعه ثـم أعـادوا إلـصـاق الفـسيفساء والـمنـقـوشات الـجبـصـيـة مـــكـانـها. إلا أن الشـق كــان أقــوى مـن كـل تـجمـيـل وعـاد ثـانية ليشـق بـاقـي طــوابـق الـعـمـارة.

جمعية المهندسين بالمدينة :
لا مفـر مـن إخـلاء العـمارة مـن سـاكنـتـها وهـدمـها قبـل أن تــودي بـأرواح أهـلــهـا وتــخـرب الــوحــدات السـكـنـيـة حـولـها. فـبـنــاء الـعمـارة، أصـلا، لـم يـراع خـصـوصيـة الأرض الــتي أقــيـمـت عـلـيـهـا ثــم إن الـبـنـايـة رغــم واجـهـتـها الـعصـريـة فهـي مبـنـيـة بطريـقة غــير شـرعـيـة فـوق بيـت عـتيـق...
ولـكل هـذه الأسـبـاب فـإن جـمـعيـة الـمهندسـين بالمدينة تـتـبـرأ...
ن–  ت  –  ب  –  ر  – أ .
حـارس العمـارة :
سـيـدي، عـنـدي لـك خـبـران : الأول مـقلـق والثـاني سار .
أمـا الخـبـر الأول، فالـجـرائـد الـمـحـليـة هـذه الأيــام لا تـهـتـم سـوى بـمـوضـوع الـعمـارة وتـنبـش في ظروف بـنـائـها واحـتمـال انـهـيـارهـا وتبـعـات الـكارثـة الـتي يمـكـن أن تتـسـبب فيـها... فالسـكـان اخـلـوا الـعـمـارة ونـصـبـوا الـخيـام حـول إقـامـتـك بـالضـاحـيـة وهـم يـروجـون للـنـزول إلـى الشـارع فـي تـظاهـرة تـناصـرهــــم فيـهـا جـمـعـيـة الـمـهندسـين بالـمدينـة...
أمـا الـخـبر الـثاني،سيـدي، فـهـو قـدوم عـبقـري الـمعمار  الـعــالـمي إلـى مـدينـتـنـا للاطــلاع عـلـى مـشـروع  بنـاء تـتكلـف بـه شـركتـه الأجـنبيـة. لـهـذا، فاتصـالك بـــه، سـيـدي، قــد يـفـيـد فــي إصـلاح الأمــور.
مع مدير شركة البناء :
- الأمـر بـسـيـط، سـيـدي.
- يسـرنـي أن أسـمـع ذلـك، لكـن كيف ؟
- سـتـحـفر خمس سنتمترات يمين الشرخ وخمـس أخـر يـسـاره. ثــم تـمـلأ الـعـشـر سـنتمترات الـمحفورة من أسفل العمارة لأعلاهـا بـورق الإسـمنت. ثم تلبس كل ذلك بخليط الرمل والإسمنت.
- وسـنـتـخلـص مــن الشــق بـهـذه السـهـولــة ؟!
- خـليـط الـرمـل والإسـمـنت سيـلتصـق بـالـورق المحشو  فـي الـشـرخ. آنــذاك، زلـج كـمـا تـشاء واطـل جدران عــمـارتـك بـأي لـون تــشـاء فـلا تـخــف ظـهـور شـرخ أو قـيـام احـتـجـاج...
- وهــل سـيـلـتـئـم الشـق مــع مــدار الــزمــن ؟
   - كـلا.  فالـشـرخ     سـيـبقى داخـل الـجدار  بنـفس    الشسـاعة   والـعــمـــق لأن الأرض فــي هــذه   الــجـهــــة تــتـنفس، يـا زبـونـي العـزيـز.                                                   

سنة 1994
جريدة* المنظمة*
عدد : 17 يوليوز 1997
 
حديث غراب


"الإنسان الذي تطور من قرد سيعود قردا ، ولن يكون هناك أي  أحد ليهتم بهذه النهاية الغريبة للكوميديا (…) فمن المحتمل جدا كذلك أن تكون عاقبة الإنحطاط  المحتمل
 للحضارة الأرضية في موليتها هي تبشيع فظيع جدا للإنسان،لينحط في النهاية إلى حيوان ثم إلى قرد.
وبما أننا نستطيع  التفكير
 في هذا الإحتمال فقد نستطيع تدارك انتهاء المستقبل إلى مثل هذا الأمر".

فريديريك نيتشه،
إنسان مفرط في إنسانيته
( الترجمة العربية )       
ص. 139

إحساس غريب سيعتريك وأنت تخطو داخل هذه الضيعة فتتساءل :
-"هل نسيت أداة من أدواتي ؟"
تتفحص حقيبتك وتتأكد أنك لم نتس شيئا. لكن الإحساس الغريب سيلازمك وأنت تخطو بين أشجار البرتقال المتراصة على جانبي المدخل محددة لعينيك اتجاها وحيدا.
الإحساس الغامض يحتويك وتمرق بذاكرتك فجأة حكايات الأجداد عن أقوام الزمن الغابر الذين أساؤوا الفعل فمسخوا غربانا وقردة وخنازير...
فضاء الموت :
سيـقـــــف رب الضيعة، عند نهاية الممر، بانتظارك مادا يده للمصافحة ليقـــــول لك :
- علمت أمس أن معهد الفنون الجميلة وزع طلابه في مهمات فنية على عدة ضيعات بالبلاد...
ثم :
- أنت غير محظوظ...
وحين لا تدرك معنى الإشارة، يضيف :
- أنا أيضا أعشق فن التصوير، لكنني أفضل الطبيعة الميتة لخلوها من الحركة. الحركة معاناة. والإنسان بطبعه يكره المعاناة. الفن يجب أن يكون جميلا. متفائلا. ممتعا...
فضاء الخلق :
ستنصب حامل اللوحة وتخرج أدوات الرسم والتلوين من حقيبتك استعدادا للعمل وتجلس لترتيب الأصباغ على حاملة الألوان.
استرق نظـــرة إلى مـــلامــح  رب الـضـيعــة وستــجـــده
مـ - ـغـ - تا – ظا- للـ - ـغا – ية !... لكنه سيفتعل  ابتسامة  متواطئة  ويقول    لك:
- خذ راحتك !
فضاء الصمت :
الطــبـيعة أمام عينيك صامتة، مـيتة... إنما المنظر متوازن وجيد التأطير: الأشجار على حافتي اللوحة تقف إطارا لها تسمر في خلفيتها القريبة بغل  محمل بالأثقال، أما في خلفيتها البعيدة فــترعى ثيران مغلولة القوائم، يجر اقواها من القرنين عبد من عبيد الضيعة، ويتقدم به نـحو واجهة اللوحة…
يتبع الثور العبد دون عصيان ليربطه في جدع شجرة مقطوعة، قبالتك، في منتصف اللوحة،في انتظار الآتي...
فضاء الأمر:
هنا لن تسمع سوى الأمر، ولن ترى سوى الطاعة :
-  ماذا تنتظر ؟ ابدأ ! ..
-"حاضر، سيدي ! "  ،  سيجيب "لمعلم " الخصاء وهو يندفع نحو الثور.
  هذا أمر، ومن السيد، رجل جبار يملك الأرض والثيران والبغال والعبيد الذين ورثهم عن أجداده أقوياء ومخصيين، لكنه رغم الإرث وشساعة ظل الأجداد، فقد بلغ به الإجتهاد في التفسير والتأويل حد مخالفة خط السلف في أمر جوهري : فهو من حين لآخر يقدم على عتق رقبة من رقابه تكفيرا عن يوم راود فيه إحدى زيجاته أو محظياته أو سراريه فأفطر وإياها رمضان. إلا أن أغلب العبيد المعتقين يعودون  ثانية    إلى هذه الضيعة رافضين حريتهم وكلهم حنين إلى حياة الماضي والخصاء.
فضاء الطاعة :
سيمسك " المعلم " الخصاء بالثور من منخريه ثم يلوي عنقه ويطرحه ارضا، يستل خصيتي الثور من بين فخديه ويدهنهما بالشحم ثم يضعهما بعناية على جذع الشجرة.
سيقول السيد ل"لمعلم ":
- أريد ثورا قويا، ثورا يحرث الأرض بمفرده، ويشغل السقاية لوحده... أما الفحل، فستحتاجه أبقارنا للتخصيب ساعة في السنة وآنذاك يمكنني كراؤه.
فضاء الصخب:
يظل الثور حول المقصلة، يشخر من الدوار حتى يهوي المخبط على خصيتيه :
ع ع ع ع ع ع ع ع ع ع ع !...
الثور يتمرغ في قيده... يحاول أن يركل من الألم... يصرخ... يعوي... ينبح... كأنه لم يكن يوما ثورا...
ع ع ع ع ع ع ع ع ع ع  ع !
قرب  الصراخ،  يقف البغل برأسه داخل كيس متدل من عنقه يعلف النخالة بنهم...
فضاء المسخ:
تنظر إلى اللوحة أمامك وتجدها بعد كل العنف والصخب خالية من كل حركة،
مجرد طبيعة ميتة : أشجار برتقال على جانبي اللوحة تؤطر الفراغ الذي كان قبل قليل يعج بالألم والصياح المسعور... وتتساءل :
ماذا حدث للوحة ؟ ! .
ثم تنتبه للفرش بين قدميك على الأرض : مكسرة، مفتتة … وتتساءل :
ماذا حدث للفرش ؟ !.
وتتذكر يديك فتتحسسهما :
با اااااا ردتان ...
مشلولتان ؟…
يدا رجل آخر ؟ …
ليس كل ذلك مهما، المهم هو أن المسخ قد اختارك، وأنك التحقت بمسوخ التاريخ، ومرحبا بك  بيننا : قردًا على الأرض أو غرابًا في السماء.                                                                                                                                                                                                                   
سنة 1997
جريدة* الجهات المغربية*
عدد 32-غشت 2001

 
 
وطن العصافيرالمحبطة

" كل إنسان تعجزون عن تعليمه الطيران
علموه على الأقل أن يسرع بالسقوط."            
فريديريك نيتشه،         
هكذا تكلم زرادشت
(الترجمة العربية)
ص.239
زحف بكرسيه المتحرك على سطح العمارة صوب الطفل الذي يرقب أسراب العصافير المتزحلقة على زرقة السماء ثم ربت بكفه الباردة على دفء الذراع الصغيرة هامسا:
- تذكرني كثيرا بأخيك، عباس...
تنهد الصغير، ثم :
- أكان عباس يعشق العصافير أيضا ؟
- حتى الجنون ...
صمت الرجل المقعد قليلا ثم أضاف :
- كان يقضي معظم أوقاته في مكانك هذا، وحيدا، يرقب صفاء السماء ويتابع رقص العصافير وهي تعلو وتبتعد...
وحين لاحظ إصغاء الطفل، استرسل :
"كان مغرما حد الهوس بالعصافير، سألني مرة عن لغة تواصلها، فقلت أنــــــها تغــــــــني وتزقــــــزق، وكــــم أعـ – جـ - بتـ - ـه الـ - فكرة ! فقد صرخ :
- كم هو رائع، ياأبي، الغناء عوض الكلام  !...
ثم بحماس زائد :
- والغذاء ؟ !
أجبته بأن العصافير لا تعرف مشاكل غذاء : هي تقتات في أي وقت شاءت ومن أي حقل في الدنيا لأن العالم يصبح أصغر وفي المتناول حين نطير، ولذلك فهي تختار أماكن إقامتها، ومنها ما يختار الحياة فقط في الفصول الجميلة مهاجرا من شمال الدنيا إلى جنوبها بحثا عن الشمس والغذاء…
لكن عباس فاجأني ذات مرة :
- هل يمكنني أن أطير، يا أبي ؟
نـفيت.
- الأجداد فوتوا علينا فرصة الطيران.
 لكنه  كان يحتج بانفعال بالغ :
- مالي والأجداد، ياأبي ؟ أنا أسأل عن نفسي …
وأضطر لأعقلن الأمر :
- كان على الأجداد أن يجربوا الطيران من أول الزمان حتى يكتسبوا أجنحة وينقلوا لنا قدرتهم على التحليق ولكنهم لم يفعلوا. ولذلك نحن الآن على الأرض، بلا أجنحة.
- سألصق ريشا  على ذراعي وأطير ...
أجبته بأن الأجنحة لا تلصق. الأجنحة، مثل ملامح الوجه،  تورث.
- أنا لن أبقى مسمرا هنا، أنا أريد أن أطير...
- لن تطير...
- سأطير…
لقد جربت قبله ما كان  هو بصدد التفكير فيه. أنا أيضا  كنت طفلا مثله وحاولت الطيران من حافة هذا السطح غير مبال بحشد الجيران في الشارع تحتي، ممسكين بالملاءات من أطرفها وهم يناشدونني ألا أنتحر :
- ما تنتحرش، راه ما عندك لا دنيا ولا آخرة  !...
- ما غاديش انتحر، أنا غادي انطير ! ...
- وراه ما عندك لا دنيا ولا آخرة ! ...
لكنني ارتميت من حيث تقف أنت الآن.  إنما عوض أن أطير، سقطت عليهم بقوة حتى تمزقت الملاءات التي كانوا ينشرونها لي فارتطمت بصلابة الأرض وتكسرت ساقاي. والنتيجة أمامك : أنا لا أطير، أنا أزحف... لكن عباس، أخاك، ازداد ولعا بحياة العصافير ونسلها وتغريدها إلى أن وجدت نفسي مرة أزحف بكرسي المتحرك لأطل على الشارع، أسفل العمارة، حيث احتشد الجيران لتضميد الجمجمة المشطورة للذي حاول الطيران، تهورا..."
سحب الأب المقعد كفه الباردة عن ذراع  الصغير لاستخلاص العبرة من التجربة. لكن الطفل سبقه، ووجهه دائما إلى الأفق البعيد :
- لا تخف، يا أبي، لن أفعل مثلك ولا مثل عباس...
ثم جازما :
- سأطير، يا أبي، وسأنجح في ذلك.
سنة 1997
مجلة* الشعلة*
عدد 4/5 يناير2001
 
افتـح يـا سمسم
إلى شاب جامعي معطل
 
ما هذا ؟ …
مرتبي   ؟ …
هل أصبح لي عمل ؟…
هل هذا تعويض عن عطالتي ؟…
أنا لم ألف المفاجآت في حياتي … و الآن؟… هل أحلم؟… هل أعيش حياة ثانية؟… مئات الدراهم!…
في جيبي أوراق نقدية من فئة مئة دراهم !…
عجبا! …
أتحسس الأوراق… الواحدة تلو الأخرى …أثنيها أكمشها …
هبة من السماء! …
أرفعها قبالة الشمس… أتفحص الخيط الفضي داخلها …
 الخيط هناك …
الخيط واضح و غليظ مثل هراوة…عبارة التهديد مكتوبة أسفل الورقة المالية بالعربية الفصحى :
 "كل من حرف أوراق البنك أو زورها أو ساعد على ذلك سيعاقب طبقا للقوانين والقرارات الجاري بها العمل"…
 لا مجال للشك …  الأوراق البنكية حقيقية…
-"الآن أصبحت مسؤولا عن أسرتك… يجب أن تشتري ملابس لاخويك …هناك متجر في المنعطف".
انتبهت الى مصدر الصوت عند قدمي …
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! …
 من هذا الذي يرشدني؟ … متسول حاف عار يستر عورته بيديه…! إنه يعرف ما يدور في دماغي! … و هؤلاء الرجال المعتصمون قبالة تلك البوابة وهم  يئنون شعارات حزينة، هل هم يموتون؟… إنهم يكترون … شكاويهم تملأ المكان صخبا : 
-  أنا مطرود"…
-" أنا موقوف" …
-"أنا مرفوض" …
-"أنا .."..
يغمرني الخوف… أضطرب… تسود الدنيا أما عيني … سواد ظلام دامس… أتحسس الحاجز أمامي … أبحث عن مخرج … هذا باب … باب موصد … باب خشبي …حديدي… حجري … أقرع الباب…
 لا أحد يجيب …
أنادي بكل قواي :
-"افتح يا رفيق!"
 سكون …
-"افتح يا أخ !"…
 سكون
-"افتح يا سمسم ! "…
وينفتح الكون! …و ينجلي السواد !… وتنقشع الظلمة عن رجل و طفلين … عن بائع و… اخواي الصغيرين!...
 يا للصدفة ! … اخواي!... ها هما يقيسان القمصان … يشاوران البائع … في اللون … في الطول … في العرض … يااااااااا!… يا العجب ! … سبقاني للمتجر! شيء ما حدث! … لم تبق لي أسرار … حياتي لم تعد لي وحدي … أصبح غيري يعرف أسراري ويسمع أفكاري … أصبحت أخاف أن أفكر …
-لا تخف! … يقاطع البائع تفكيري يربت على كتفي … لا تخف فكر كما تريد … ما يحدث هو مجرد تفاهم …
 ينحني البائع على الطفلين … يقبلهما… أسناهما تزداد بياضا تحت بسمة الفرحة بكسوة العيد … أؤدي ثمن القميصين … و لأول مرة أحس بمـتعة صــرف المال ! … متعة المسؤولية …! يقبلني أخواي … ينصرفان … نشيطين على غير عادتهما … يقفزان … يجريان… يتوقفان … يطالبان المارة أن يقرؤوا لهما الكتابة على صدر قميصهما… يرددانها … يفرحان بها …يجريان … يطلقان ذراعهما الصغيرتين ليطيرا … يحاكيان اللقلاق القادم من الجنوب ،السابح على مهل في زرقة السماء، باسطا جناحيه الطويلتين وهو  يميل يمنة ويسرة يمنة ويسرة  دون أن يحرك جناحيه … يعلو… ينحني… يهزهز جناحيه قليلا … يستريح وهو يحوم … جناحاه دائما مبسوطتان … يعلو… يعلو… فوق الربيع … فوق النخيل … فوق الجبال … فوق السماء… فوق الشمس البيضاء بياض اللبن …
كم اشتقت للبن! …
-اللبن يطهر الجسم … الحامض منه خاصة …
هكذا يقول النادل للزبناء المتهالكين على الكراسي …
-السكر والحلوى مفيدان للحنجرة أيضا … يضيف من وراء منضدته البيضاء كقبر عظيم … المقهى كله قبور … قبور بيضاء … قبور في شكل موائد حولها كراسي يتهالك عليها الأحياء من أهل المدينة .… يفتخر مالك المقهى بمقهاه … "   مقهى أحياء و أموات "… يطالبنا بالصمت :
-اشششش !…
 الأمر الأبدي بالصمت يثير احتجاج الموتى تحت القبور المبنية بالحجر … يثير قلق من حولي من الأحياء … أنا الآن أتفهم توترهم نحن لا ننبس ببنت شفة حتى يطالبنا أحد بالصمت … هذا ظلم !
يجيب مالك المقهى :
- أنا لا أظلم أحد … كلامكم يعرض مقهاي للخطر …يعلق المالك لوحة على الجدار قبالة الجميع :
"الرجاء من الزبناء الكرام عـــــدم التدخين والكلام والصراخ حفاظا على الصالح العام".
ينفجر القبر الأول … ينفجر الثاني … الثالث… تثور ثائرة الأحياء و الأموات … كل الزبناء… الموتى .. المجانين ..ماسحي الأحذية .. المومسات.. بائعي السجائر… المتسولين… شباب يستر عورته بشواهده الجامعية … يستقيم الجميع… يجربون حناجرهم … ينتفون لوحة الأمر و النهي عن الجدار … يكسرونها … يفتتونها يلقون بفتات الأمر بعيدا … ينصتون للوحي للإلهام … لأنشودة الخلود… لصوت عبد الرحمان المجذوب … نجري في صخب وفوضى وراءه … ندوس بالأقدام من يعترض طريقا … نلتحق بالشاعر … نتحلق حوله … نرسم دائرة من الأجساد حوله … نتزاحم …نطيل الأعناق لنسمع المجذوب ينشد ملء حنجرته…
نضطرب إجلالا…
هذه النبوة ! … هذا المنظر !...
 ننظر الى أسفل الجبل …
 أسفل سافلين …
 ننظر الى مدينة القصر … مدينة القصور …مدينة خالية من  الحياة إلا من حركة أولئك الذين يسرعون لغلق نوافذ فيلاتهم و قصورهم … ننظر الى وادي المخازن … مياهه شفافة … مياهه برتقالية … حمراء … قانية … سوداء … النهر يمتلئ سوادا… يمتلئ … يمتلئ… سطح مياهه يعلو بإصرار نحو حاشية السد … إننا ننتظر الفيضان الأخير… ننتظر الطوفان من على قمة جبل  صرصر … نعد لانفجار السد بجنون … نعد لغرق سباستيان البورتقيز … نعد لغرق الطاغوت… نلوح بالأيادي … بالقمصان بالجلابيب … نكبر … نكبر … نكبر…
الله أكبر
(..) (..)
الله أكبر
(… ! ) (طق! )
الله أكبر
(طق ! ) (طق! )
الله أ…
(طق! ) (طق! )
…        …
(طق! ) (طق! )
استيقظ عرقانا … تكبيرات غامضة و بعيدة ترن في ذاكرتي على إيقاع الدق على الباب .
طق ! طق !
طق ! طق !
يشتد الدق على الباب … أصيح :
-" انتظر ! "…
 يهدأ الصداع لفترة .انتهز المهلة .اتفوه. اقرأ الشخبطات الجديدة على الحائط قرب السرير . اقترب منها أكثر. افرك عيني لأقرأ جيدا:
الشغل حق مضمون
الشغل شـ شـ الشغل
حق حـ حـ حـق
مضمون ضـ ضـ مضمون
 
تنظيم السطور وتفكيك الحروف يذكرني بدروس الخط في المدارس الإبتدائية .هذا خط أخي الأصغر انه لا يثق في ذاكرته لهذا فهو دائما يدون كل ما يسمعه أو يدرسه …حلمه هو أن تجعل منه دراسته معلما أو أستاذا . الخط المتموج يعكس رغبته في البقاء على السطر المفترض على الجدار. لا يخفى علي أبدا أنه بدل جهدا كبيرا ليكتب كل تلك الكلمات عالية لهذا الحد كي يقنعني أنه كبر فعلا.
 يعود الطرق على الباب، من جديد.
أقفز من السرير. أتعثر في سروالي .أتدارك نفسي من السقوط.أجد نفسي أمام الباب. أفتحها على رجل في بذلة مهنية. أفرك عيني : ساعي البريد.
يمد لي ساعي البريد رسالة قائلا :
- " رسالة مضمونة. وقع هنا ".
يمد لي السجل أشخبط توقيعي تحت أصبعه يسحب سجله ثم ينصرف.
أزن الرسالة بيدي. هي في مثل ثقل الرسائل المضمونة التي ألفت تلقيها. لقد نميت حاستي السادسة جيدا خاصة فيما يتعلق بالرسائل المضمونة . إنني أستطيع التكهن بمحتوياتها دون الحاجة الى فتحها: إنها لا تحتوي سوى على وثائقي المرفوضة في مباراة شغل.
رميت الرسالة داخل البيت . هاهي تسبح في فضاء البيت، ترتطم بالجدار وتترنح ساقطة أسفل الدرس الطفولي.
الشمس ثابتة في وسط السماء. ساعي البريد، مثل جني، يزحف نحو أبواب الجيران، بلا ظل . يدنو من الباب الأخرى، محملا بالسجلات و كسوة العمل و محفظة الرسائل.  يطرق الباب من جديد ثم ينطق :
-" افتح يا سمسم! ".
ينظر ساعي البريد باتجاهي. ينظر الى عيني بإلحاح. ملامحه تقاوم ابتسامة قوية. تغلبه أخيرا. يبتسم.
 
سنة 1991
ملحق* بيان اليوم الثقافي*
عدد 145 : 9 ماي 1994
 
 
الحياة بملامح مجرم

"ما الإنسان الذي يكرهه الشعب كره الكلاب للذئب إلا صاحب الفكر الحر عدو القيود الذي لا يستعبد ولا يلذ له إلا ارتياد الغاب".

فريديريك نيتشه،
هكذا تكلم زرادشت
( الترجمة العربية )      
ص. 130
    قد يحدث لك هذا غالبا في دار السينما حين تدخل القاعة المظلمة متأخرا وتجد الشريط في منتصفه والممثلون يتحركون ويتحدثون عن أشياء  فاتك أولها...
نقر المطرقة على المنصة يطلب الصمت من الجمهور المحتشد داخل قاعة تشبه قاعات المحاكم، وتندهش حين تدرك أن صاحب المطرقة يخاطبك من دون الحاضرين :
- أنت، ضمن مجموعة اليوم، تنتظر إدانة قبلية لاحتمال ارتكابك جرائم بعدية، وهو، كما تعلم، إجراء وقائي عادي ومحلي مثل التقميط والختان والـ ... وكما تعلم، فمحلية تشريعنا تسهر على الوقاية القبلية من خطر إيقاظ الفتنة النائمة في الرؤوس بالعقاب القبلي حتى يتعرف كل على دوره وحدوده.
وتنتبه فجأة فتجد نفسك أنت السينما وأنت الشريط وأنت الظلام الذي يذيب فرديات الحاضرين ليجعل منهم متلقيا واحدا.
"الشهود، من فضلكم !"
شهادة المنجم :
أقسم ألا أقول غير الحقيقة.
انظروا،يا سادة،  إلى أهم خطوط  كفه .انظروا   إلى  خط الرأس .إنه يبدأ من خارج  خط  الحياة  وينحدر  نحو  الأسفل بشكل مخيف ينذر بتحرر يصل  حد  التهور  واقتراف   أبشع  الجرائم.
يكفي،يا سادة،  أن تتصوروا  كائـنا   لا يوجد على  كفه  أثر  لخط القلب : البرود  التام…ومع   ذلك  فسيعمر  طويلا   لأن  خط الحياة  على  كفه  طويل،  واضح،   بدون   كسور  أو شذوذ…
كما أن اسم  المتهم  يدل  بوضوح  على برجه. و هو برج   كبار المجرمين والقتلة، ومميزات مواليد هذا البرج: الغموض، التكتـم الشديد، التصلب في المواقف، العنـادة، الميل للوحدة القاتلة…
مجمل القول، خاصية هؤلاء المواليد هي الإنفلات من العقد والتدحرج بعيدا عن الخيط…
شهـادة الأب :
أقسم ألا أقول سوى الحقيقة.
أنا الأب وهو الإبن. لكن علاقتنا غير طبيعية منذ البداية. منذ سن رضاعته وهو يكرهني . هو يراني سلطة تحد من حريته في البيت ولذلك سجن ذاته في غرفة جدرانها ملطخة بأصباغ متداخلة وخطوط غير ذات معنى تختفي في بعض الجهات من الجدار  تحت صور حيوانات مقتصة من مجلات ملونة.
شهادة صديق الطفولة :
أقسم إلا أقول إلا الحقيقة.
لقد كان المتهم زميلا من زملاء المدرسة. وأذكر أنه كان التلميذ الوحيد في الفصل الذي يرتدي وزرة بيضاء مخالفا اللون الرسمي لوزرة المدرسة : الأسود. كما كان يرفض بنفس العنادة نقل نماذج الخط والرسم التي يسطرها المعلم على السبورة ولذلك كانت نقطته عند التقويم دائما من أسفل سلم التنقيط.
شهادة النظاراتي :
أقسم ألا أقول غير الحقيقة.
ولكن لنضع النقط على الحروف، أيها السادة.  فاللون الأبيض الذي يعشقه المتهم حتى الجنون ليس  لونا بسيطا كما يبدو. إن دلالاته أكبر. إن الأبيض هو نتيجة مقاومة الكثلة للأشعة الضوئية المتسلطة عليها. الأبيض، ياسادة، هو لون المقاومة، لون الرفض، والإنسان حين يختار لونا من الألوان فهو يختار لغة بصرية للتعبير عن ذاته ورغباته.
شهادة شرطي المرور:
أقسم ألا أقول غير الحقيقة.
هذا الشاب متى مر أمامي، كان وحيدا وهادئا مهما تسارعت المشاهد حواليه ومهما عظمت حركة المرور.دائما هادئ بإيقاع تنفسي ثابت:  إثنان – أربعة – إثنان – أربعة، وهي أولى مبادئ التنفس في رياضة خارقة تقوي الإنسان بهدف تحكمه في جسده وروحه...
شهادة موظف المكتبة البلدية :
أقسم ألا أقول إلا الحقيقة.
انظروا ! لدي لائحة الكتب التي سحبها المتهم من رفوف المكتبة البلدية خلال هذا الشهر. ففي الأسبوع الأول من هذا الشهر، قرأ كتابا في الفلسفة وأخر في الدين. وفي الأسبوع الثاني، كتابا في العلوم وآخر في الأسطورة. وفي الأسبوع الثالث، ديوان شعر ووثائق سياسية...
أحاول أن أتصور، يا سادة، شخصية إنسانية تقرأ في الآن ذاته للأنبياء والملاحدة، للجبابرة والمنبوذين...أحاول أن أتصور، ولكني لا أتصور شيئا.
شهادة رب عمل :
أقسم ألا أقول سوى الحقيقة .
أنا، يا سادة، لا يخدعني تنفسه ولا هدوؤه... ولذلك أرفض  باستمرار طلباته للعمل عندي. فكلماته تامة الحروف والنقط  والحركات دون تشطيب وبخط غليظ مفعم بثقة مبالغ  فيها. لكن الحروف تنقصها المرونة والاستدارة الكافية : هي مجرد مثلثات ومربعات حادة الزوايا تعكس شخصية غير مرنة. إنما دقته المفرطة في رسم الحروف تعبر عن خوفه من انفلات أشياء من يده وانكشاف أمره. إنه يتستر على شيء ما. أما   ما   هو هذا الشيء، فهذا ما لا أعرفه يا سادة.
شهادة الفوتوغرافي :
أقسم ألا أقول إلا الحقيقة.
في كــــــــــل الصور التي أخذتها له، أيها السادة، ستجدون  نفس الديكور : سرير ومنضدة صغيرة تحيط بهما جدران ملطخة بالألوان والخطوط، وجدران مرقطة بصور ملونة لذئاب مختلفة الأحجام تفترس خرفانا مضرعة بالدماء. ذئب هنا، ذئب هناك... إنه يرى نفسه ذئبا متوحشا ووحيدا ولذلك فهو يفترس الجماعية في الحياة القطيعية للخرفان.
نـص الحكـم :
بناء على تصريحات  الشهود،
وبناء على...
وعلى...
فقد تمت إدانة المتهم، ضمن مجموعة اليوم، بالسجن المؤبد مع وقف التنفيذ، ورفعت الجلسة.
سنة 1996
مجلة * العربي* الكويتية
عدد :533
أبريل 2003
 
هل كان سقراط مجرما ؟


كان سقراط ينتمي بالولادة، إلى أكثر الدهماء دونية : كان سقراط رجل الشعب. نعرف، ويمكن كذلك أن نلاحظ كم كان سمجا. لكن القبح، الذي كان في حد ذاته اعتراضا، كان بالنسبة للإغريق مبرر رفض، تقريبا. من جهة أخرى، هل كان سقراط إغريقيا؟ غالبا ما تكون السماجة تعبيرا عن تهجين، عن نمو معاق بفعل التهجين. في حالات أخرى تكون شهادة على تطور منحرف. الإناسيون من بين علــمـاء الإجـــــرام يقــولون لنا إن المجرم المميز سمج. بل المجرم منحط. هل كان سقراط مجرما مميزا؟ على أية حال، لن يكون ذلك مناقضا لهذا الحكم  الشهير الذي نطق به فراس، ووجده أصدقاء سقراط جارحا. خلال مروره بأثينا، قال غريب خبير بالوجوه لسقراط، مباشرة، بأنه قبيح  وبأنه ينطوي على أقبح العيوب وأسـوأ الشـهـوات. وقد اكتــفى سقــراط بــأن أجـاب : "لشد ما تعرفني جيدا !"

فريديريك نيتشه
"أفول الأصنام"
(الترجمة العربية)
 ص 19/20


 
تحرير القارئ وجعله منتجا

أجرى الحوار: الكاتب المغربي عبد الله المتقي
  *  لأن النقاد كسالى، على حد قول أحمد المديني، يبدو من الضروري خروجنا  ككتاب للمساهمة في التعريف باشتعالاتنا .  وبالمناسبة، عنت لي الأسئلة التالية: نشرت مجموعتك القصصية" في انتظار الصباح " على شبكة الانترنت ثم  في  كتاب مستقل، هل يعني هذا العودة بالكتاب إلى القراءة المتانية والمتأملة؟
  -  لا أعثقد أن هناك وسيلة من وسائل الثقافة والتثقيف يمكنها التغلب او القضاء على الكتاب في أي زمن من الازمنة. الكتاب يبقى مرجعا حتى للصورة وللثقافة الرقمية اللتان من المفترض أن تكونا خصمين للكتاب. بل حتى جمالية الغلاف والتصنيف والإخراج وشكل العرض على الرف يجعل من الكتاب منبع متعة لا تقاوم. لا اعتقد أن بالإمكان تحقق كتاب دونما مرور عبر البوابة الورقية والتوزيع التقليدي والقارئ الواقعي. النشر الإلكتروني عبر الأنترنت مهم لتعزيز الحضور الثقافي العربي على الشبكة الدولية للمعلومات ولدعم حركة الإحياء الإلكتروني العربي. فلقد أقدمنا على نشر كتبنا كاملة على ومباشرة على الويب في شكل كتب إلكترونية (e-books) على عدة مواقع: مبدعون عرب، ناشري، بحثكم، المنشاوي، الإستراتيجية، ريحانيات، أسليم... لكن الكتاب، في شكله الورقي،  يبقى مرحلة لا يمكن تجاوزها وحلقة رئيسية من حلقات نشر الفكر والإبداع والمعلومة.
  * اختيار العنوان لا يخلو من مقصدية. لماذا اخترت "  في انتظار الصباح"  عنوانا لقصصك؟ متى ياتي الصباح الذي تنتظره؟
  -قرأت مرة للكاتب المغربي محمد شكري  هذه الفقرة التي يشتكي فيها من صعوبة اختيار عناوين أعماله الإبداعية: " الصعب عندي قد يكون في  اختيار  عنوان  مناسب حين انتهائي من نص. إن العنوان ينبغي ان  يكون  مثل  عرف الطاووس أو ذيله " . اهمية  العنوان  تكمن في  قوة  جاذبيته للقارئ،  تلك الجاذبية  التي تقابلها في مجالات الحياة  الاخرى جاذبية اللون والرائحة والملمس. العنوان،  كما يراه  رولان  بارث ،  يجب ان  يثير في القارئ الرغبة في القراءة. هذا عن أهمية اختيار العنوان، أما عن معايير هذا الاختيار،  فأعتقد أن هناك نموذجين: نموذج العنوان المفروض  من خارج النص  وهو يتماشى مع  تقنيات  الكتابة  السردية  ذات  النزوع  الشمولي . أما النموذج الثاني، النموذج العضوي، فهو نموذج العنوان المنتقى من بين النصوص المتضمنة في المجموعة القصصية، فيتماشى مع تقنيات الكتابة السردية ذات التوجه الانفتاحي الحواري... وهذا ما قمنا به في إصدارنا هذا: فنص "  في انتظار الصباح"  ،  قبل كونه عنوانا للمجموعة القصصية الراهنة، هو نص تتقاطع فيه جميع نصوص المجموعة شكلا ومضمونا: دائرية الزمن، القلق الوجودي، الفراغ، الانتظارية... ولذلك وقع عليه الاختيار كعنوان عضوي للمجموعة القصصية.
*المقبل على المجموعة تثير انتباهه صورة "حنظلة" على الغلاف. لماذا "حنظلة" ؟
  - "حنظلة" ، كما قدمه فنان الكاريكاتير العالمي الراحل ناجي العلي، هو الطفل الفلسطيني الشاهد الغاضب على الراهن العربي  والمنتظر لغد مشرق جديد. إنه الطفل الذي لن يلتفت إلينا ولن يرينا وجهه إلا بعد جلاء الليل الطويل الطويل. "حنظلة" كان صورة أو كاريكاتيرا اوتوقيعا لناجي العلي، ولكنه اضحى اليوم رمزا إنسانيا للدهشة والتوق للتغيير. لذا حق علي، كمصمم لغلاف الكتاب وككاتب للنصوص، ان احتفل بهذا الرمز العربي الجميل ذي البعد الإنساني الواضح.
* تستهل قصصك دوما بمقاطع من نصوص اخرى. لماذا هذا الاستهلال؟  ما وظيفته؟  وهل هو ضروري؟
  - من حيث العرض، الاسلوب قديم قدم القص ذاته. فاول من استعمل هذه التقنية هو الكاتب الفرنسي الكبير ستاندال. ولكنني لم استعرها من باب المحاكاة والتقليد، بل استعرتها لأداء وظيفة أروج لها في كل اعمالي الإبداعية والفكرية: الحوار والحق في الاختلاف الذي ذهبنا لاعتباره  قانونا  في كتابنا الاول "إرادة التفرد". النصوص الاستهلالية الموجودة في بداية كل نص جديد من نصوص المجموعة تحيل مباشرة على حوار مع نصوص وثقافات مغايرة، وهذا الحوار الذي يصل أحيانا حد الاحتكاك بين النصين قد يثير في القارئ الميل لإنتاج نص ثالث، نص حر... وهذا هو رهاننا الذي يختلف عن رهان ستاندال : " مساعدة القارئ ليصبح منتجا".
  *تبدو شغوفا بتشظية نصوصك إلى عناوين فرعية، ما سر هذا التفتيت؟

   -لا أعتقد أن " التشظية" كتقنية سردية كانت قانونا يفرض على نصوص المجموعة فرضا. " التشظية" تقنية وظيفية الهدف منها هو مقاربة المحكي من خلال شكل العرض القصصي. ولعل عناوين النص تفصح على ذلك: "التشظي"، "المقص"، " الشرخ"...  إذ يصعب عرض نص يحمل عنوان "التشظي"أو "المقص"أو " الشرخ" من خلال شكل سردي مسترسل حالم و وديع ومتناغم. الحكي، كل إنسان قادر على تجريبه وممارسته. لكن الوعي بالشكل وبالأدوات المشغلة لغرض الحكي هو ما يجعل من الكاتب كاتبا حقيقيا.

نص منشور بجريدة "الصحيفة الأسبوعية" المغربية
عدد135 بتاريخ 07-13 نوفمبر2003
الكتاب القادم:

وراء كــل رجل عظيم أقزام
مجموعة قصصية


النصوص

 *تصدير  أول
 *تصدير  ثان
 *تقديم للمجموعة
*الخروج من الجنة
*في رحاب التقنية
*لسعة الذاكرة
 *أحلام الظهيرة
*أنت تسأل والحكيم يجيب
*الذي كان حرا
*الاسم : عاطل
المهنة : بدون
*مواكب
*مدن الأقزام
*نظرية الإنفجار الأعظم
*خليفة الله في أرضه
*وراء كل رجل عظيم أقزام
* مدرسة الحرية
* الدخول إلى الجنة


 
الكتاب القادم:
رهانات الأغنية العربية
محتويات الكتاب
تصدير أول
تصدير ثان
مقدمة
المبدع الحر والمشروع الغدوي
الأغنية العربية المؤجلة: النص الغنائي العربي في رحلة البحث عن الذات
التعبير الغنائي: من استظهار النص إلى التوحد به
الوظيفة التعبيرية للأغنية: نحو تحريرشامل للجسد المغني
الموقف من الوجود في الأغنية العربية
نحو أغنية عربية تعددية
أزمة الإيقاع الغنائي من أزمة الإبداع الشعري
*الحب العليل* في الأغنية العربية
الأغنية المصورة :الكائن والممكن
محنة الإسم الفني في الوسط الغنائي بين اللاهوية واللاإبداع
 خاتمة
ملاحق
 

النصوص

تصدير  أول..................................................................................................................... 03
تصدير  ثان ....................................................................................................................  03
تقديم بقلم د. محمد أسليم ........................................................................................ 05
العيد ................................................................................................................................ 07
المقص ............................................................................................................................... 09
التشظي ............................................................................................................................. 13
الفرجة، الضباب والمشروع .......................................................................................... 19
في انتظار الصباح ........................................................................................................... 25
الأبدية .............................................................................................................................. 31
الأفواه الفاغرة ................................................................................................................ 33
هوية .................................................................................................................................. 37
أرض الغيلان ................................................................................................................. 43
الشرخ ..............................................................................................................................  47
حديث غراب.................................................................................................................... 51
وطن العصافير المحبطة ................................................................................................. 57
افتح يا سمسم!................................................................................................................ 61
الحياة بملامح مجرم .......................................................................................................... 67
نص لفريديريك نيتشه :هل كان سقراط مجرما؟ .................................................... 72
حوار صحفي بمناسبة صدور "في انتظار الصباح"،المجموعة القصصية  73
الكتاب القادم 1: وراء كل رجل عظيم أقزام ....................................................... 76
الكتاب القادم 2: رهانات الأغنية العربية .............................................................. 77
الكاتب
محمد سعيد الريحاني
باحث وقاص مغربي
من مواليد 23/12/1968 بمدينة القصر الكبير
صدر له
*الإسم المغربي وإرادة التفرد*
(دراسة سيميائية للإسم الفردي)
-2001-
*في انتظار الصباح*
(مجموعة قصصية)
-2003-
: له قيد الإعداد للطبع، باللغة العربية
*رهانات الأغنية العربية*

*دفاعا عن القراءة*
حول أشكال النهوض بفعل القراءة عربيا
*إرادة الإختلاف* 
دراسات إسمية في الهوية والمغايرة
*وراء كل عظيم أقزام* 
مجموعة قصصية
وباللغة الإنجليزية:

THE PROMETHEAN PASSION
(ESSAIES ON GEORGE BERNARD SHAW’S DRAMA & PHILOSOPHY)
 
 WAITING FOR THE MORNING TO COME
(A COLLECTION OF SHORT-STORIES)

عــنوان الكتـــاب : في انتظار الصباح – مجموعة قصصية
الكــــــــاتـــــــب : محمد سعيد الريحاني
تصميم الغـــلاف : محمد سعيد الريحاني
حقوق الطبع والنشر والترجمة محفوظة للمؤلف
النسخة الإنجليزية من الكتاب منشورة على الشبكة الدولية للمعلومات (Internet)
على الصفحة الإلكترونية التالية:
http://www.khayma.com/culture-space/englishversion-shortstory-index.htm 






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,390,624,497
- هــــــــــــوية - قصة قصيرة
- إصدار جديد في انتظار الصباح
- الشــــــــرخ
- أرض الغيلان
- وطن العصافيرالمحبطة - قصة قصيرة
- بمناسبة إطفاء موقع -الحوار المتمدن- شمعته الثانية: النجاح وم ...
- في انتظار الصباح
- الحياة بملامح مجرم
- دليل الكاتب الناشئ إلى عالم الكتابة والنشر والتوزيع في مجتمع ...
- حوار مع الباحث المغربي محمد سعيد الريحاني حول كتابه -الإسم ا ...
- بمناسبة صدور مجموعته القصصية» في انتظار الصباح « ،الكاتب محم ...
- نحو أغنية عربية تعددية
- الموقف من الوجود في الأغنية العربية
- التعبير الغنائي : من استظهار النص إلى التوحد به
- المبدع الحر والمشروع الغدوي
- الأغنية العربية المؤجلة
- الإحتلال الأنغلو- أمريكي للعراق: النفط أولا
- على هامش تفجيرات الدار البيضاء المغربية: من ثقافة الحياة الى ...


المزيد.....


- جوقة الجنرال / فاروق سلوم
- نور الدين ومحمد / عبير قبطي
- كتابة على صفحات الطفولة / خليل زينل
- قلق / محسن صابط الجيلاوي
- ظرف الشعراء (6) : ليلى الأخيلية / سهر العامري
- البؤبؤ - قصة قصيرة جدا / محمد عبد الرحمن يونس


المزيد.....

- فنان سوري غيرته الحرب
- الممثلة جودي فوستر تتزوج صديقتها اليكساندرا هيدسون
- كتاب: تغير المناخ ينتج صراعات عنيفة وبؤسا في العالم - رويترز ...
- بريطاني يفر من سجنه هرباً من الموسيقى الصاخبة
- باريس على بعد ثلاث نقاط من الاحتفاظ باللقب
- محمد فؤاد وتامر بجاتو يتهمان «بودي جارد» بالتعدي عليهما بالج ...
- كاريكاتير العدد 3066
- النهضة العُماني والنصر الإماراتي لنصف نهائي خليجي 29
- نقيب السينمائيين يطالب محلب بوضع مهرجان الأقصر ضمن خطة الحكو ...
- السينما الايرانية تشارك بمهرجان اسباني


المزيد.....

- في نقد الشعر العربي المعاصر: دراسة جمالية / د. رمضان الصباغ
- فلسفة الفن عند سارتر وتأثير الماركية عليها / د. رمضان الصباغ
- هكذا تعشق النساء/ يوميات مثلية / روان نور يونس
- الانسانوي / احمد داؤود
- نبتة يدي غابة شوكية / كريم ناصر
- كعائد إلى أزقة البلاد / عبد الكريم كاظم
- مضاد ألم / خالد عبد الزهرة
- أحاديث عن الغولة الأعمال الكاملة / محمد حسين يونس
- فى نقد الشعر العربى المعاصر - دراسة جمالية / أ.د. رمضان الصباغ
- أحزان أستير / مصطفى يونس


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد سعيد الريحاني - في انتظار الصبـاح - مجموعة قصصية