أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - تاج السر عثمان - نشأة وتطور الرأسمالية السودانية(1)















المزيد.....


نشأة وتطور الرأسمالية السودانية(1)


تاج السر عثمان

الحوار المتمدن-العدد: 2362 - 2008 / 8 / 3 - 11:09
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


نشأة رأس المال التجاري في سلطنة الفونج:
عند دراسة نشأة وتطور الرأسمالية السودانية تواجهنا عدة إشكاليات أو أسئلة منها: ما أصل رأس المال التجاري ؟ وما هي مصادر تراكم الغنى والثروة منذ الحضارات القديمة وحتى العصر الحديث ؟ وما هي خصائص وسمات تطور الرأسمالية السودانية ؟
- أصل رأس المال التجاري:-
معلوم انه منذ بزوغ فجر حضارة سودان وادي النيل ،كانت القبائل المجاورة لمصر ( النوبة والبجة )، كانت تجلب المواشي ، الخشب، السنط ، الفحم ، الصمغ ، الرقيق ،جلود الحيوانات
والحجارة الكريمة .. كانت تجلبها آلي مصر ويقايضون المصريين بالقوت والأنسجة ،
ونعلم أنة منذ دولة مروى _ بل قبلها بكثير _ أن دولة مروى تمتعت بمركز تجارى ممتاز،لأنها
كانت تتحكم الطرق التجارية المؤدية إلى مصر في الشمال عن طريق النيل وتجارة وسط إفريقيا
المتجهة إلى البحر الأحمر؛ وكان لها علاقات تجارية مع دولة مروى ومع وسط إفريقيا، وكانت
وارداتهم من وسط إفريقيا: الرقيق، العاج، ريش النعام، والأبنوس عن طريق النيل .
ومعلوم أيضاً أن السلالة الحاكمة في مروى هي التي كانت تتحكم في التجارة والتي كانت اغلبها في تجارة السلع الكمالية التي كانت تهم السلالة الحاكمة والكهنة والموظفين..
وعندما قامت ممالك النوبة المسيحية كانت لها تجارة متطورة مع البلدان الإسلامية ،وكانت تجارة العرب مع مملكتي المقرة وعلوة تتمثل في أن العرب يجلبون الحبوب والخرز والأمشاط مقابل الرقيق وريش النعام والعاج والذهب والمواشي ،وكانت تجارة الرقيق تمثل مركز الثقل في هذا النشاط التجاري .

كما عرف النوبة التجارة الصامتة (( التبادل الصامت )) مع قبائل الاستوائية، حيث كانوا يحملون إليهم الملح وقطعا من المنسوجات وبعض الحديد مقابل الذهب والبخور وسن الفيل والزراف والطيور النادرة والقرود وبعض السموم القوية.
وكان الدافع التجاري من الأسباب التي عجلت بانتشار الإسلام والقبائل العربية في السودان، إضافة لدخول العرب السودان طلبا للكلأ والماء وفرارا من الاضطهاد السياسي في حكم السلالات
غير العربية . وبالتالي جاء التجار الأجانب ( العرب ) إلي بلاد النوبة وانتشروا فيها بخبرتهم السابقة، وهكذا بدأت بذور وجذور رأس المال التجاري والطبقة التجارية في السودان الشرقي،
وبدأ اقتصاد السلعة _النقد يظهر جزئيا في بلاد النوبة ، إضافة للمقايضة .

وعندما قامت دولة الفونج (4 . 5 1 م _ 21 8 1 م ) ، كانت الديانة الإسلامية قد انتشرت وانتشر العرب في السودان ، واند مجوا عن طريق المصاهرة بالسكان الوطنيين وظهرت ظروف
جديدة مهدت لانطلاق رأس المال التجاري.
_ مصادر تراكم رأس المال التجاري.
يمكن تحديد بعض مصادر تراكم راس المال التجاري في النقاط الآتية :

أ_ الأرباح الكبيرة التي كان يحققها التجار العرب من مقايضة الذهب والمعادن الثمينة مع القبائل
الأكثر تخلفا بسلع مثل الملح والحديد والخرز وغير ذلك مما تحتاج إلية تلك القبائل ، أي عن طريق التبادل غير المتكافئ.
ب_ الحملات والغزوات على القبائل المجاورة لقبائل النوبة والبجة بهد ف البحث عن الرقيق ،إضافة لسلب ممتلكات تلك القبائل من مواشي ومحا صيل زراعية .
ج_ الاستيلاء على أراضى النوبة الخصبة بأشكال مختلفة مثل : النهب والسلب أو بالمصاهرة حيث كانت الوراثة من جهة الام .
د_الحملات على القوافل التجارية وعمليات الفوضى والسلب والنهب التي كانت تتم في الأيام الأخيرة لمملكتي المقرة وعلوة التي شهدت تفككاً شديداً والتي اتسمت بالصراعات القبلية وسلب الممتلكات والغنائم كما هو معروف ،كالحال الذي كان سائداً قبل دولة الفونج .
ومعلوم أن اصل رأس المال التجاري بدأ اساسأ بالقرصنة وعمليات السلب والنهب ،كما تشيرالمصادرالتاريخية في بلاد فارس واليونان وحملات القراصنة والتجارالاوربيين على السكان الوطنيين في الأراضي الجديدة مثل: أمريكا الشمالية والجنوبية وإبادتهم والاستيلاء على اراضيهم وعلى مناجم الذهب والفضة وعمليات صيد الرقيق الواسعة في أفريقيا.
هكذا بدا تراكم رأس المال التجاري في الحضارات القديمة ،وهكذا بشكل من الأشكال،كانت بذور تراكم رأس المال التجاري في سودان وادي النيل عشية قيام دولة الفونج .
تطور التجارة بعد قيام سلطنة الفونج

عندما قامت سلطنة الفونج ، كانت الطبقة التجارية أو الرأسمالية التجارية قد غرست جذورها ، ولكنها لم تصبح قوية بعد ، ويتجلى ذلك في أن الحكام كانوا يقومون اكثر من الطبقة التجارية بتنظيم العمليات التجارية والسيطرة عليها ، وهذا امتداد لهيمنة السلالات الحاكمة قبل
سلالة الفونج على التجارة . ولكن الجديد هنا أن سلاطين الفونج لم تكن هيمنتهم كاملة على مجمل النشاط التجاري الخارجي ، وانما كان في سلع أساسية مثل الرقيق والذهب ( اوفاهى واسبولدنق : ممالك السودان ، لندن 4 7 9 1 ، ص 55 _ 6 5 ) وهذا ربما يرجع إلى أن سلاطين الفونج تمركزت عندهم ثروات كبيرة بعد استيلاءهم على أراضي النوبة الزراعية والرعوية الخصبة ، وبداوا يقطعونها لشيوخ القبائل ومشايخ الطرق الصوفية وللا قطاعيين مقابل خراج معين ، هذا إضافة للمصادر الأخرى مثل : الزكاة التي كانت تصلهم ، والضرائب التي من الممالك والمشيحات التابعة ، إضافة لعائد اراضيهم الخاصة ، وعندما قامت الشبكات التجارية في بداية حكم الفونج ، وارتبط السودان بالعالم الخارجي ، ونشأت الطبقة التجارية ،كان لحكام الفونج نصيب الأسد من هذه العمليات التجارية ، والتي كانت تتطلب تجهيزات كبيرة ( قوافل ، سفن شراعية ، جيوش لحملات صيد الرقيق..) ولم تكن للطبقة التجارية إمكانات مثل هذه ، ولذلك كان للسلاطين الهيمنة في النشاط التجاري .
كما هو الحال ، شان كل النظم الإقطاعية السابقة ، كان أهداف الحكام في هذا النظام يتمثل في الحصول على السلع والموارد الأجنبية من البلدان الأخرى ، وذلك للاستهلاك الشخصي أو لتقديمها كهدايا بغرض كسب التأييد وتوسيع النفوذ أو لاعادة بيعها في الأسواق بهدف
تحقيق الربح. وشأن كل النظم الإقطاعية السابقة، كانت القوافل التجارية تستورد السلع الكمالية أو السلع التي كانت تهم السلاطين والطبقة التجارية والطبقات الغنية في المجتمع
من البلدان الأخرى .
هكذا كان الحال في القرن السادس والسابع عشر ، وكان السلطان يتحكم في الجزء الرئيسي
من المعروض من سلعتي الذهب والرقيق ، وهما أهم سلعتين من صادرات دولة الفونج . وتشير دراسات اوفاهى وسبولدنق أن الكميات الكبيرة كانت تؤول تلقائيا إلى ملكية السلطان ،
بينما الكميات الصغيرة إلى ملكية الدولة، وبالنسبة للرقيق فالسلطان له وحدة الحق في إدارة
ورعاية حملات الرقيق السنوية في مناطق جبال النوبا والنيل الأبيض وجنوب الفونج ، وبعد
نهاية الحملة يستحوذ السلطان على نصف مجموعات الرقيق التي تم الحصول عليها، أما النصف الباقي فيقسم على المشاركين في الحملة وبذلك يتضح أن السلطان كان يتحكم في سلع التصدير الرئيسية وعلى رأسها الذهب ولرقيق. وكان لسلاطين سنار الحق المطلق في رعاية وتنظيم القوافل التجارية وإرسالها للبلدان الأخرى وخاصة مصر ، وكان وكلاء السلطان في مصر وغيرها ، وهم غالبا من الأقرباء يرسلون إلى سنار العديد من الأفراد المحملين بالتحف النادرة والسلع الغالية ، وهؤلاء يلتحقون بالقوافل التجارية السلطانية في رحلة عودتها للسودان ، وعندما تصل هذه القوافل إلى العاصمة سنار تعرض أولا سلع السلطان قبل غيرها وتباع بأعلى الأسعار ( اوفاهى وسبولدنق : ممالك السودان ، ص 56 )
هكذا كانت هيمنة الدولة أو البلاط السنارى على التجارة الخارجية ، وهذه الهيمنة كانت سمة من سمات النظم الشرقية الاستبدادية القديمة في الصين ، مصر ، الهند .. الخ ، وبأشكال متفاوتة ، ولكنها كانت من معوقات انطلاق الطبقة التجارية أو الرأسمالية التجارية المستقلة عن سيطرة الطبقة الإقطاعية الحاكمة .
يقول نعوم شقير : (( اشتهرت سنار بالغنى والثروة وكان التجار يأتونها بالبضائع من مصر والحجاز والهند عن طريق النيل والبحر الأحمر ، وكان يرد إليها من دنقلا التمر ، ومن كردفان التبر والحديد والعبيد ، ومن فاز وغلى والصعيد الذهب والعسل والجلود والبغال والسياط والريش والسمسم ، ومن سوق رأس الفيل من بلاد الحبشة على أربعة أيام من سنار الذهب والخيل والعبيد والبن والعسل وأساور العاج وغيرها من حلى النساء ، وكان أهم صادراتها التجارية الذهب والعبيد وسن الفيل والخرتيت والزباد والسياط والجلود والإبل )) ( شقير : تاريخ السودان ، تحقيق د. محمد إبراهيم أبو سليم ص 127 )
وكانت الواردات أيضا تشمل : البهارات ، الصابون ، الروائح ، السكر والمنسوجات القطنية الفاخرة ، وكانت التجارة تتم عن طريق ميناء سواكن على البحر الأحمر إلى الجزيرة العربية والهند وشرق الهند ، وعن طريق القوافل التجارية عبر الصحراء إلى مصر ، وكانت هناك مراكز تجارية هامة مثل : بربر ، شندى ، سواكن ، فازو غلى ...الخ .
_ أسباب تطور وانتعاش النشاط التجاري :
بقيام دولة الفونج حدث انتعاش كبير في النشاط التجاري الداخلي والخارجي ، وسنحاول هنا تحليل أسباب ذلك التطور والانتعاش والذي يمكن إرجاعه إلى الآتي : _
أ _ النظام السياسي اللامركزى الذي نشأ بعد قيام دولة الفونج والتي شملت مساحة ورقعة واسعة ضمن حدود مملكتي المقرة وعلوة سابقا ، وهذا أدى إلى اتساع السوق الداخلية ، والى اتساع التباين بين المناطق المختلفة التي كان يضمها ذلك الاتحاد السياسي ، وتخصص كل منطقة في إنتاج سلعة معينة ، وهذا من الشروط لانتعاش وازدهار التجارة ، أي وجود مناطق متفاوتة ومتباينة في التطور وأنماط الإنتاج .
ب_ الشكل الجديد لملكية الأرض والذي كان متطورا على الشكل السابق الذي كان سائدا أيام مملكة النوبة ، والذي كان فيه ملك النوبة المالك الوحيد لكل الأراضي الزراعية والعاملين فيها يعملون كعبيد أو عمل السخرة ، وكل الفائض يذهب للملوك والبلاط الحاكم ، وهذا النظام كان من أسباب تدنى الإنتاج الزراعي . وبقيام الشكل الجديد للتملك ( ظهور الملكية الخاصة لللاراضى ) التي كان يقطعها سلاطين الفونج ، اصبح لكل من مالك الأرض والفلاح مصلحة في زيادة الإنتاج الزراعي ، وبالتالي تطور الإنتاج الزراعي ، وظهرت فوائض كثيرة من إنتاج الحبوب والماشية ..
ومعلوم إن اتساع ذلك الفائض يؤدى إلى انتعاش الصناعة الحرفية لا للاستعمال الشخصي بل للسوق ، وبالتالي ازدهرت الصناعة الحرفية والمدن التجارية . هذا إضافة إلى ظهور طبقة تجارية والتي تلعب دورا كبيرا في تسويق الإنتاج الزراعة والحيواني والحرفي . صحيح أن التجار يشترون بأثمان اقل ليبيعون بأثمان أعلى، والفرق هو مصدر الربح التجاري، وبالتالي يتنازل المزارعون والحرفيون عن جزء من أرباحهم وجهدهم مقابل توفير وقت أكبر للمزيد من انتعاش التجارة والمزيد من تراكم أس المال التجاري.
ج_ اتساع دائرة التعامل بالنقد، معلوم أنة في مملكة النوبة المسيحية ، كان التعامل النقدي محدودا ، ولكن مع قيام دولة الفونج ، اتسع التعامل بالنقد أو تم التوسع في اقتصاد السلعة _ النقد ، وهذا بدورة أدى إلى نمو وازدهار التجارة ، بعد ظهور النقد أو المعادل العام ( ذهب ، فضة ، دمور ، ...الخ )
د _ استقرار الأمن والحماية بالنسبة للقوافل التجارية الشيء الذي أدى إلي ازدهار وانتعاش التجارة .
ه _ظهور فئات وطبقات جديدة ، تمركزت في أيديها ثروات وفوائض إنتاج زراعي ورعوي مثل :
السلاطين والملوك ومشايخ القبائل وكبار ملاك الأراضي الزراعية والماشية، وبعض الأغنياء من مشايخ الطرق الصوفية والتجار. وبالتالي زاد استهلاكها للسلع الكمالية والسلع الفاخرة والمعيشة الرغدة ، مما أدى إلى المزيد من انتعاش التجارة بتطور الاستهلاك من الضروري إلى الكمالي ، وهذا يفسر طبيعة الواردات التي كان لها النصيب الأكبر في واردات دولة الفونج .

نماذج من تراكم رأس المال التجاري
في سلطنة الفونج تميزت الطبقة التجارية والطبقة الحاكمة وبعض مشايخ الطرق الصوفية بالثروة والغنى والذي تمثل في اكتناز وتركيز الأموال في شكل نقد أو معادن ثمينة أو حلى أو مباني فاخرة أو في شكل عيني ( رقيق ، ماشية ، حبوب ، أراضى ، سواقي ... الخ ) ، وكدليل على زعمنا هذا نقدم النماذج التالية كما وردت في طبقات ود ضيف الله : _
أ _ جاء في الطبقات أن حامد اللين بن الفقيه سليمان بن الشيخ حامد ، كان له مع والدي _ والد صاحب الطبقات _ صحبة قال : قلت له الناس قالوا عند الفقيه أربعة ويبات محلقات ، قال حقيقة المال عندي ، أولادي أخذوا النساء وشالوة منى .
والويبة هي كيل ، والمراد أن ماله يكال ولا يعد من كثرته ، والمحلقات عملة من الفضة كانت سائدة أيام الفونج .
ب _ ويرد في الطبقات ، أن أحمد بن زيادة بن النور ، زاد على أبية في الحظ والهيبة والغنى فهو أكثر من الملوك والدنيا وعنده سفينه قدر سفا ين الحجاز ( إشارة إلى سفن البحر الأحمر ) من السنة إلى السنة يوديها للسافل ( الطبقات : تحقيق د. يوسف فضل ، ط3 ، 1985 ص 217 ) .
ج _ كما يرد في الطبقات عن عمارة عبد الحفيظ ( الخطيب ) الذي من ورعة أنة تزوج فاطمة بنت سالم ، وكانت صاحبة دنيا عريضة ، عيلتها تجار الهند والريف مكث معها سبعة ( سبع ) وعشرين سنة ما أكل طعاما ولاإستصبح بمصباح ، وقال أصل مالها فيه حق الوراثة ، وأنا أخذت ذاتها فقط ) .
ويوضح د. يوسف فضل المقصود بالعيله : أن عبيدها يتاجرون نيابة عنها مع الهند ومصر ، وقد اعتاد كثير من التجار ، أن يعهدوا إلى مواليهم القيام برحلات نيابة عنهم ، وكان هؤلاء الرقيق موضع ثقة كبيرة منهم .
د _ كما يرد في الطبقات أن الشيخ حسن ود حسونة كان صاحب غنى وثروات ، وكان يمتلك الذهب والفضة والماشية والعبيد والأراضي الزراعية الواسعة ...الخ .
ه _ويرد في الطبقات مثال لبناء من حجر ضخم وفخم يقول عنة صاحب الطبقات ، أن جاد الله حوار الفقيه حمد ولد أم مريوم كان مؤمنا قويا ممتثلا لأمر شيخة ، بنى لشيخة بيتا من الحجارة الموخابره ( الما عازفه ) يقول هو من بناء الكفار ، بعض حجارته عشرة أنفس ما يقدروا يحملوها إلى سقف البيت وقالوا يقع هو والحجر من السقف ما يحصل له ضرر ( الطبقات ص 132 ) .
والمقصود بالكفار سكان السودان السابقين من النوبة المسيحية، ومن سبقوهم من سكان مملكتي نبتة ومروى ممن خلفوا آثارا عظيمة.
و _ جاء في الطبقات أن الشيخ المضوى ( محمد بن محمد الكداوى ) دخل سنار ونزل عند الفقيه عمار وأدخلهم مع الفقيه أرباب والشيخ دفع الله على الملك أونسه بن ناصر وهو في الديوان لأجله فقام له وعاينه وقال تقعد إلى أن حتى تجينى قالوا ما بيكرم العلماء أداه مائة محبوب ( عملة ذهبيه ) ، ثم دخل عليه ثانية وثالثة كل يوم يعطيه مائة محبوب ، ودخل عليه مرة رابعة أعطاه جملين صهب وفرختين وأوعده بالرجوع بسيره إلى الحج ويعطيه الوقف والجواهر آلفي بيت الملك ( نفسه ص 102 )
هكذا نرى من الأمثلة السابقة تركز الغنى والثروة، وهو يعبر بشكل من لأشكال عن تركز
رأس المال التجاري لأن الملوك وبعض مشايخ الطرق الصوفية أنفسهم كانوا يعملون في التجارة، ويمكن أن نقدم صورة عن نمط حياة الطبقات والفئات الغنية التجارية: _
أ _ من ناحية السكن وفى المراكز التجارية مثل ( شندى _ وأربجى ) كانت طبقة التجار
تسكن في منازل مستطيلة المباني مخروطية الشكل ، وكانت منازل الأغنياء تتميز بأسقفها الجميلة ووجود حمام خاص وفى بعض الحالات يوجد أكثر من طابق ( اوفاهى وسبولدنق : ممالك السودان ص 80 ) ، كما يذكر نعوم شقير : أن قصر السلطان في سنار كان يتكون من خمسة طوابق .
ب _ من حيث الملبس : الثياب الفاخرة من نسيج مصر مثل المنير والبصراوى الأخضر والصرموجة ( نوع خاص من الأحذية ) وعمم الشيشان الفاخرة والكوفية ( المنديل المربع المصنوع من الفضة أو الحرير أو من الحرير المذهب ) التي توضع على الرأس بطريقة تجعل جزءا منها يسقط على الظهر والثوب المنيرى للرجال والثوب الأبيض وثياب الدنقس والقرن للنساء .
ج _ من السلع الاستهلاكية الكمالية في ذلك الوقت التي كانت تستخدمها الفئات الغنية كما وردت في الطبقات : البندق ( الأسلحة النارية ) ، البن ، التنباك ، التبغ ، البهارات ( الفلفل ، الشمار ، والكزبرة ) ، العطور ، ( عطر الزباد ، المسك ، والعنبر ، الصابون ...الخ )
، والطعام الفاخر: لحوم الدجاج والطيور، الفطائر، اللحوم ( الضان... ).
وإذا قارنا ذلك بأفراد عامة الشعب ، نجد أنهم كانوا يسكنون في منازل مبنية بالجالوص والقش ، وملابس العامة من الرجال كانت تتكون من قميص الدمور وفردة الدمور والفركة والرحط لغير المتزوجات وطعام بائس ، وفقراء الصوفية يلبسون الجبة المرقعة ..الخ.
_ ازدياد نفوذ الطبقة التجارية:
مع تطور الإنتاج الزراعي والإنتاج الحرفي ازدهرت التجارة ، وازداد تركز رأس المال التجاري بالأشكال التقليدية منها :
أ _ الشراء بأثمان بخسة والتخزين ثم بيعها بأثمان باهظة وتحقيق أرباح طائلة من تلك العملية .
ب _ انتشار الربا العيني والنقدي أيام الفونج وبالتالي شكل الربا أحد مصادر أرباح رأس المال التجاري . والربا العيني ( الشيل ) كان منتشرا في تلك الفترة ، وكانت نتائجه مدمرة للمزارعين وملاك الأراضي . ويشير صاحب الطبقات إلى انتشار الربا بقوله (( إن حمد ود أم مريوم كان يأمر كل من تاب على يدية ألا يزوج ابنته أو وليته للفاسق كالحلاف بالطلاق واكل الربا أيضا ))
وبالتالي ، ومع الإنتاج البضاعى الصغير ، ومع بروز رأس المال التجاري وتركزه في يد بعض التجار والأفراد يظهر الربا كنتيجة من نتائج دلك التطور البدائي لرأس المال التجاري ، ظهور اقتصاد النقد في مجتمع غالبيته يعيش على اقتصاد معيشي ،وتظهر حاجة الناس للنقد في مجتمع غالبيته يعيش على اقتصاد معيشي . وتظهر حاجة الناس للنقد أو المخزون من السلع أيام الجفاف والأيام الأخيرة قبل الحصاد ، وبالتالي يستغل التجار هذه الحاجة ويفرضون شروطا مجحفة على الناس ، وعلى الدائنين ، ويحققون أرباحا فاحشة من هذه العملية .
ومع ازدياد نفوذ الطبقة التجارية وازدياد تراكم رأس المال التجاري دخلت الطبقة التجارية في صراع لكسر احتكار السلطان للتجارة مما أدى إلى إضعاف قبضته في

السنوات الأخيرة من القرن الخامس عشر والسنوات الأولى من القرن التاسع عشر وزادت قوة التجار ووزن الباحثين عن زيادة أرباحهم وزاد نفوذ التجار الأجانب ( هنود ، إثيوبين ، بريطانيين ، يونانيين ، أرمن ، عرب من الجزيرة العربية ... الخ ) . وكان هذا نتاجا لتوسع النشاط التجاري ، وما عاد النظام الإقطاعي يستوعب هذا الأتساع ، ودخل في تناقض معه مما أدى إلى خلخلته وإضعاف نظام الفونج الإقطاعي . ( د . محمد سعيد القدال : السياسة الاقتصادية للدولة المهدية (1985 ) ص 25 _26 ) .
هذا إضافة إلى ظهور عملات جديدة فى نهاية القرن الثامن عشر داخل سلطنة سنار مثل الدولار الأسباني ، مما قوض طريقة التحكم في كمية الذهب التي تصل الأسواق .
وفى نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر واجهت الحركة التجارية متاعب ومصاعب لخصها د. القدال في الآتي : _
أ _ انعدام الأمن والحماية بالنسبة للقوافل التجارية مما يهزم الفكرة الأساسية لاتحاد ممالك الفونج .
ب _ فرض ضرائب عينية ونقدية على كل قافلة مقابل إعطاء حق المرور فى أرض كل قبيلة إن استعمال النقود كان يواجه حواجز طبقية وجغرافية ، فالعملات المتداولة بين العامة كانت لها قيمة معينة وسط طبقة التجار والنبلاء مما حد من صيرورتها، كما اختلفت أنواع العملات ووسائل مقايضة الأخرى بين منطقة والثانية ، فمثلا في بربر وشندى استعمل الدولار الأسباني والذرة والدمور ، بينما في كردفان الدخن ، ونجد الأبقار في المعاملات الكبيرة ، وانتشرت الخواتم وقطع الصفيح في دار فور ، وفى كثير من الأحيان ، كان سعر تلك العملات غير مستقر وقيمتها حدسية . ( د. القدال : المرجع السابق ص 24 )
ومن مظاهر هذا الصراع وازدياد نفوذ التجار، أنهم استطاعوا أن ينظموا أنفسهم في
المراكز التجارية تحت قيادة (( سر التجار )) للدفاع عن مصالح طبقة التجار.
وعموما ، فان هذا الصراع بين التجار والسلاطين ، كان من عوامل تحلل وتفكك دولة الفونج .
لم يواكب تطور الرأسمالية التجارية في عهد الفونج تطور الحياة العقلية والثقافية ، ولم تتطور علوم الرياضيات والفلك والطبيعة والفلسفة ، وبالتالي كان لذلك انعكاسه على تخلف القوى المنتجة في ميادين الزراعة والصناعة ، وكان لذلك أيضا انعكاسه على الحالة العقلية لإنسان الفونج الذي كان عاجزا عن السيطرة على الطبيعة حيث باستمرار مهددا بكوارث مثل المجاعات والأوبئة والجفاف والفيضانات ، وعليه شكلت الكرامات المصدر الأساسي لاتقاء تلك الكوارث .وبالتالي ظلت القوى المنتجة في الزراعة والإنتاج المادي ، كما كانت عليه ، وكما وصلت إلى الفونج من الحضارات القديمة . وعندما كان العالم الإسلامي ومن ضمنه دولة الفونج في القرن السادس عشر ، في حالة جمود وانحطاط ، كانت أوربا قد تجاوزت جمودها وانحطاطها الطويل الذي سادها فترة القرون الوسطى ، وعرفت عصر النهضة الذي اتسم بالانفتاح على الحضارات القديمة وترجمة ونشر منجزاتها العلمية والفلسفية والأدبية والفنية ، والانفتاح على الحضارة العربية الإسلامية . إن الانفتاح على العالم الخارجي كان من الشروط الهامة لانطلاق وتطور الحضارة الغربية فيما بعد.








الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,319,001,367
- الرحلة من موسكو الي منسك
- خصوصية نشأة وتطور الطبقة العاملة السودانية: 1900- 1956م( الح ...
- خصوصية نشأة وتطور الطبقة العاملة السودانية: 1900- 1956(3)
- الماركسية وطبيعة الحزب في تصريحات الشفيع خضر
- خصوصية نشأة وتطور الطبقة العاملة السودانية: 1900- 1956م (2)
- حول ظاهرة الاسلام السياسي: اشارة للتجربة السودانية
- ماهو ديالكتيك العلاقة بين الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي؟
- ماعلاقة دراسة المفهوم المادي للتاريخ بالواقع السوداني؟
- الماركسية والديمقراطية وحكم القانون وحرية الضمير والمعتقد
- تجربة الحزب الشيوعي السوداني في الصراع ضد الاتجاهات اليمينية ...
- نشأة الدولة في السودان القديم(2)
- الأزمة في دارفور: مفتاح الحل بيد السودانيين
- نشأة الدولة في السودان القديم
- وداعا زين العابدين صديق البشير
- سوق عطبرة(اتبرا)
- المفهوم المادي للتاريخ: هل هو بديل لدراسة الواقع والتاريخ ال ...
- حول قرار المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية الخاص بالرئيس ...
- موقع السلطنة الزرقاء في خريطة التطور الاجتماعي للسودان
- ماهي طبيعة قضية دارفور؟
- الأزمة في دارفور:من مؤتمر صلح 1989 الي ملتقي الفاشر - فبراير ...


المزيد.....




- القضاء الفرنسي يصدر الخميس حكمه على شقيق محمد مراح منفذ هجما ...
- -القمر الوردي- يطل على الأرض في -الجمعة العظيمة-
- شاهد: اللحظات الأولى لزلزال تايوان من داخل إحدى غرف الأخبار ...
- الرئيس الإندونيسي يعلن فوزه في انتخابات الرئاسة
- شاهد.. دب قطبي يفاجئ سكان قرية روسية بعيدة عن موطنه المعتاد ...
- 5 معالم تاريخية فقدها العالم
- تمرير صفقة القرن -لن يكون سهلا- رغم تصريحات كوشنر
- عمر البشير في مقره الجديد بسجن كوبر البريطاني
- 9 مسلمين ضمن شخصيات "تايم" الأكثر تأثيراً عام 2019 ...
- شاهد: اللحظات الأولى لزلزال تايوان من داخل إحدى غرف الأخبار ...


المزيد.....

- برنامج الحزب الاشتراكى المصرى يناير 2019 / الحزب الاشتراكى المصري
- القطاع العام في مصر الى اين؟ / إلهامي الميرغني
- أسعار البترول وانعكاساتها علي ميزان المدفوعات والموازنة العا ... / إلهامي الميرغني
- ثروات مصر بين الفقراء والأغنياء / إلهامي الميرغني
- مدخل الي تاريخ الحزب الشيوعي السوداني / الحزب الشيوعي السوداني
- السودان : 61 عاما من التخلف والتدهور / تاج السر عثمان
- عودة صندوق الدين والمندوب السامي إلي مصر / إلهامي الميرغني
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمرى
- رأسمالية الزومبي – الفصل الأول: مفاهيم ماركس / رمضان متولي
- النازيون في مصر المعاصرة / طارق المهدوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - تاج السر عثمان - نشأة وتطور الرأسمالية السودانية(1)