أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ثائر العذاري - الواقعية الشعرية في النص المفتوح – إشارات أولية / أشرعة الهراء لخالدة خليل نموذجا















المزيد.....

الواقعية الشعرية في النص المفتوح – إشارات أولية / أشرعة الهراء لخالدة خليل نموذجا


ثائر العذاري

الحوار المتمدن-العدد: 2302 - 2008 / 6 / 4 - 10:08
المحور: الادب والفن
    


النص المفتوح (على الأجناس) ظاهرة جديدة في الأدب العربي، تحتاج إلى دراسات تطبيقية تضيء تقنياتها، وتقربها للذائقة العربية، وقبل مدة وجيزة فازت الكاتبة العراقية (خالدة خليل) بجائزة ناجي نعمان للإبداع عن نصها (أشرعة الهراء) الذي قرئ على أنه رواية وهو في الحقيقة بعيد عن هذا التجنيس الذي فرض عليه، لأنه نص مفتوح يفيد من تقنيات عدد من الأجناس الأدبية من بينها الرواية. ولأني منشغل حاليا بكتابة دراسة فنية لهذا النص تنبهت إلى جملة موضوعات أخرى خارج منظور دراستي منها هذا الموضوع الذي أعالجه في هذه المقالة.
النص المفتوح – ببساطة - عمل أدبي يستخدم تقنيات السرد للغة شعرية تمتاز بأعلى درجات الكثافة، وهو يختلف عن قصيدة النثر في عدم التزامه بنمط السطر الشعري، وبدلا من ذلك يتخذ شكل لغة السرد المتدفقة, من غير وقفات فيزياوية إجبارية.
على أن هذا الشكل لا يعطي كاتبه الحرية المطلقة في البناء كما قد يُظَن، بل على الضد من ذلك يدخل كاتب النص المفتوح عالما يفرض عليه السير على خطوط الحدود الفاصلة بين الأجناس، لأنه ما إن يحيد عن خط الحدود حتى يكتسب جنسية المنطقة التي حاد إليها ويفقد صفة الانفتاح.
((أشرعة الهراء)) في معظمه حوار داخلي (مونولوج) تقوم به بطلته الوحيدة التي هي عراقية تقيم في ألمانيا بعد هجرها بلادها هربا من موت وجوع محققين، تحدثنا عن تجربة حب فاشلة مع رجل أوربي, غير أننا نكتشف فيما بعد أن الرجل والمرأة كليهما رمزان لحضارتين متعارضتين فرض عليهما التزاوج من غير أن يكون بينهما أدنى حد من التفاهم.
يبدأ النص بالفقرة الآتية:
((دعاني إلى مائدة حلم كنا تقاسمنا عليه رغيف سنوات المرارة والضياع، كل منا يبحث عن سرّ إلهي لترقيع زلة وجودينا الآري والسامي؛ هو يبحث عن انفلات أزرار من جسد الحضارة بينما أبحث أنا عن غيمة لترقيع عورة الحزن المنسكب من إبريق اختلاف.
كانت المفاتيح لما تزل في قبضة المنادي، حين دعا: الحرب على الأبواب، وخوذة الجندي تختبئ خلف أدغال نشيد وطني ضاع (وطن مدّ على الأفق جناحا.....))

من المؤكد أن الانزياحات اللغوية أبرز ما يميز لغة هذا النمط من الكتابة، غير أن التدفق السردي سيفرض نوعا محددا من الانزياح يطبع النص بطابع خاص، ففي الأغلب تبنى جمل النص المفتوح اعتمادا على إضافات مدهشة أو غير متوقعة، ويمكننا في الفقرة السابقة أن نلاحظ كيف تبني خالدة خليل فضاء خاصا.
إن التعبير (مائدة حلم) هو من نمط ما كان يعرف في المفاهيم البلاغية القديمة بالاستعارة المكنية مثل (واخفض لهما جناح الذل..)، حيث تبنى هذه الاستعارات من محاولة تجسيم غير المجسم، فأن تجعل للحلم مائدة وللذل جناحا فأنت تجعل له جسما ماديا، غير أن هذا هو الفهم المبسط لهذا التكنيك الذي تطور كثيرا في النصوص الحديثة. إذ لم يعد الأمر محض استعارة عابرة تستلزم رد فعل فوري، بل صارت الاستعارات تأخذ بأعناق بعضها لتبني عالما مبتكرا بالكامل لا يهدف إلى تقريب المعنى البعيد وإنما يرمي إلى شحن الرسالة المرادة ذاتها داخل هذا الفضاء المبتكر.
في المقطع الاستهلالي السابق ترد العبارة:
((....بينما أبحث أنا عن غيمة لترقيع عورة الحزن المنسكب من إبريق اختلاف))
هذا المزج بين المجازي والحقيقي، أعطى نص خالدة خليل شعرية جديدة، يمكن أن نطلق عليها تسمية الواقعية الشعرية، فهاهنا يتم خلق فضاء مبتكر بالكامل، لكنه معقول وله قوانينه الخاصة التي تحركه وتكسبه واقعية كبيرة. فالغيمة في العبارة السابقة غيمة حقيقية، لكن وظيفتها استعارية لترقيع عورة الحزن، ولنا أن ننظر إلى الكيان الذي صنعته الاستعارات المتوالية المبنية من الإضافات والنعوت (عورة حزن منسكب من إبريق اختلاف).
كل الأشياء في فضاء خالدة خليل مادية محسوسة تستجيب لقوانين الفيزياء:
((في ذلك المساء، الذي لم تطأ فيه واحة العزلة أقدام ضحكة، بقيت خيول صمتي تبحث عن أنيس، وأيدي الوهم بقيت تتشبث بآخر خيط متدل من عنكبوت عجوز....))

الضحكة لها أقدام وللوهم أيد وللصمت خيول، سلسلة من الاستعارات، أما العنكبوت فهو عنكبوت حقيقي أستخدم هنا لإكساب مجموعة الاستعارات السابقة صفة الواقعية.
هذا تكنيك مضطرد في (أشرعة الهراء) ولا يكاد يخلو منه مقطع، غير أنه يتخذ أشكالا متعددة:
((كانت خيوط المساء تواصل بإبرة مثلومة حياكة آخر خيط من الشمس، وكانت مع كل درزة تترك خدشا في سماء الذاكرة، فتحترب جيوش من أفكار يانعة يسقط حشد منها صرعى وحشود تفر نزولا إلى أعمق حجرة في وعي النبية، حيث يختبئ هو بين ظلوع متكدسة في صحراء يفترسها على الدوام عطش حرية.........
هل بعثرت روايات الإعلام نبوءات الآلوسي؟))
هنا سلسلة طويلة من الاستعارات، يأتي السطر الأخير الذي جاء على شكل سؤال متضمن إشارة واقعية لشخص كان العراقيون يعقدون الآمال على نبوءاته الخرافية قبل الاحتلال. وهنا تكتسب الاستعارات السابقة معنى آخر يجعلها تلتحم بواقع النص الشعري لتخرج من المفهوم التقليدي للاستعارة الذي يهدف إلى الإيضاح والشرح إلى نظام استعاري آخر يخلق فضاء النص المكتسي بواقعيته الخاصة والفريدة.
أحيانا تأخذ الاستعارات شكل مسارا غاية في الطول، بحيث تمتد عدة مقاطع، وفي هذه الحالة لن يكفي مزجها بعنصر واقعي عابر لإضفاء صفة الواقعية عليها:
((تتذكر أنها قالت له: الشمس تفرش أمواجها الليزرية وتخفي بها جنون أرض تراودها عن نفسها: لولاك يا شمس من سيعيد تأهيل القمر الخاوي؟))
ولعدة مقاطع أخرى هناك حديث عن نزاعات ووساطات تحدث بين الكواكب والنجوم، وبعد ذلك:

((كل شيء ممكن مادامت فضاءات المجرة تحتضن العولمة، ونحن عباد شمس ندير أوجهنا صوبها دائما كي لا يصيبنا شيء من حمى حرب باردة أو يخترق سحبنا يورانيوم منضب،....))
هذا المقطع الذي تضمن الكثير من الوقائع والحقائق؛ العولمة، الحرب الباردة، اليورانيوم المنضب، بتداخله مع سلسلة الاستعارات في المقاطع السابقة حوّل المشهد بكامله إلى مشهد واقعي، إنه واقعي بمنطق شعرية النص، لا منطق الحياة.
لقد لاحظنا من خلال قراءتنا عددا من النصوص المفتوحة أن هذا التكنيك يكاد يكون تكنيكا قارا وعلامة فارقة لأسلوب النص المفتوح لكننا ركزنا على نص خالدة خليل للاحتفاء به أولا ولأنه تحت أعيننا الآن ثانيا، غير أن ما قلناه لا يعدو أن يكون إشارات أولية تنتظر المزيد من الرصد والترصين.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,475,873,538
- مناحة نبيل ياسين على بلاد الرافدين
- الفضاء الفاعل في نصوص خالدة خليل
- علم الأدب
- في البلاغة الرقمية
- البطولة في الوعي العربي /حول مسلسل (باب الحارة)
- من أجل توضيح التباس القصد في عصر المعرفة الرقمية
- عصر المعرفة الرقمية
- سوق النساء أو ص.ب 26
- في التشكيل الشعري
- (السرد الخفي وتنميط العالم) تأملات في أدب الأمثال
- القافية بين التراث والمعاصرة
- (حمالة الدلع) وفخاخ القصة القصيرة
- ابن قتيبة وإغفال التجربة الشعورية
- شعرية القصة القصيرة جدا
- تناقضات الغذامي في القصيدة والنص المضاد
- نمر سعدي .. الرومانسي الجديد
- جيكور أمي – قراءة ثانية في تجربة السياب العروضية
- الأخطل الصغير..شاعر الهوى والشباب
- نضال نجار .. الإيقاع والتصرف الصوتي
- الصورة اللغوية في نصوص آمنة عبد العزيز


المزيد.....




- سكارليت جوهانسون أعلى الممثلات أجرا بمبلغ خيالي!
- ريهام سعيد تعلن اعتزالها العمل الإعلامي والتمثيل
- غسان زقطان رئيسا فخريا لمهرجان «أيام الأدب العربي/ الألماني» ...
- صدور ترجمة كتاب «الموضوعية» لمؤلفه ستيفن غاوكروغر
- إجراء صارم ضد ريهام سعيد وبرنامجها -صبايا الخير- بعد إهانتها ...
- مهرجان -سباسكايا باشنيا- للموسيقى العسكرية في الساحة الحمراء ...
- بالصور.. سكارليت جوهانسون مازالت الممثلة الأعلى أجرا في العا ...
- هل يكتب عنوان أحدث أفلام -جيمس بوند- كلمة النهاية لأشهر عميل ...
- جمعية جهنم بيروت.. التجوال الثاني للروائي راوي الحاج بالحرب ...
- الأرميتاج الروسي يعرض خدماته لترميم متحف تدمر السوري


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ثائر العذاري - الواقعية الشعرية في النص المفتوح – إشارات أولية / أشرعة الهراء لخالدة خليل نموذجا