أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - برهان شاوي - الفضائيات العربية.. والتضليل الإعلامي.. والإرهاب 2&3















المزيد.....



الفضائيات العربية.. والتضليل الإعلامي.. والإرهاب 2&3


برهان شاوي
الحوار المتمدن-العدد: 694 - 2003 / 12 / 26 - 05:26
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


 الفضائيـات العربية... والخطـاب الطائفي.. والشـيعة
   الفضائيات العربية طائفية، ومذهبية، يتجلى موقفها الطائفي والمذهبي في
موقفها السياسي من الشيعة في العراق، والذين هم بالنسبة لها ليسوا بعراقيين،
وانما ايرانيين، من حيث ان (التشيع) ارتبط عندها، وعند معظم العرب، بايران،
وانها الدولة الاسلامية الوحيدة تقريبا،التي اتخذت من التشيع، وبالتحديد المذهب
الجعفري الأثنى عشري، مذهبا رسميا للدولة.

   لكن من المؤكد تاريخيا ان أصل التشيع عربي قح، أوليس الامام علي بن
ابي طالب هو بن عم الرسول، وان الحسن والحسين هما من صلب الأمام علي
وابنة رسول الله السيدة فاطمة الزهراء!..أليس عمار بن ياسر ومالك الأشتر
النخعي،  ومحمد بن ابي بكرالصديق، وعبد الله بن عمر بن الخطاب،
وابوذرالغفاري، وابو الأسود الدؤلي والطرماح، والفرزدق، والمتنبي،
وابوفراس الحمداني، وبنو حمدان، وبنو همدان، وبنو تميم، وغيرهم، هم
من أقحاح العرب، وهؤلاء كانوا أشياع علي بن ابي طالب، وحاملوا لواء
التشيع في التاريخ الاسلامي.

  لا نريد هنا ان ندخل في تفاصيل تاريخية يمكن مراجعتها باطمئنان في المصادر
التاريخية، بما في ذلك المصادر التي كتبها علماء السنة ومؤرخوهم، قديما وحديثا،
لنؤكد بان شيعة العراق هم عرب اقحاح، ومن قبائل الجزيرة المهاجرة، ولولا ذلك
لما نقل الامام علي بن ابي طالب، دار الخلافة الى الكوفة في العراق  ليكون بين
ظهرانيهم..!!... إلا ان مقتل الأمام علي، ووصول الخلافة الى معاوية بن ابي
سفيان وبني أمية، دفع هؤلاء الى تعيين ولاة موالين له، مناهضين للشعب العراقي،
ولشيعة العراق اتباع آل البيت، وكان هؤلاء الولاة ياتون معهم بجند وحاشية موالية
لهم ولبني امية، ولنا في عبيد الله بن الزياد، قاتل الحسين، والحجاج بن يوسف الثقفي
امثلة تضرب للإثبات، اي ان الوجود العربي الشيعي في العراق كان سابقا وقديما،
وليس عابرا وخارجيا ومعينا من قبل خلفاء بني أمية،الى جانب ان الكثير من القبائل
العربية في غرب العراق إضطرت الى مولاة بني أمية في الشام مركز الخلافة
الأموية فمنحتهم الولاء خوفا من بطشها، ومن هنا نجد التقسيم التاريخي المذهبي
لعرب العراق حيث نجد الجنوب والوسط العراقي شيعيا بينما غربه سنيا.

   إن الحقيقة التي لا تريد الفضائيات العربية، للأسف، الإقرار بها، هي ان
عرب العراق هم شيعة أصلا، وان سنة العراق من العرب تشكلوا عبر أستقرار
سلطة بني أمية في البلاد الاسلامية، بما فيها العراق، وهم يشكلون أقلية قياسا
الى العرب الشيعة، وان السنة حاليا بكل مجموعهم، بما فيهم اكراد كوردستان
العراق، يشكلون ثلث نفوس العراق!! ولا اريد هنا أفاضل بين العراقيين فالعراق
للجميع، والجميع يجب ان يتساوون أمام القانون وان تكون لهم نفس الحقوق. وما
توقفت عند هذه المعلومة التاريخية إلا لأنبه الى طبيعة خطاب الفضائيات العربية
التي تشكك في عروبة شيعة العراق، وتؤكدعلى ولائهم لايران، وكأنما الجنود
مئات الالاف من الضحايا في هذه الحرب لم يكونوا من الشيعة، أو كانما هذه
الحرب لم تجر أصلا في المناطق التي يعيش فيها الشيعة..!!

  لا اريد ان اثير المواجع العراقية في هذه القضية لأنها لا تمت لموضوعنا بصلة،
لكن ما يحز في النفس حقا ان تصل الفضائيات العربية الى هذا الدرك من
الاسفاف الفكري والابتذال الاعلامي، فما ان سقط نظام البعث الدموي الذي حول
العراق الى سجن كبير، والى مقبرة جماعية مهولة، حتى تعالى عويل الفضائيات
العربية حول ضياع العراق وسقوطه بيد الشيعة (العجم)، وان هذه الجموع الشيعية
ما هي زحف ايراني على العراق.

   مع سقوط نظام البعث العفلقي بدأ الدس والأفتراء على العراق والعراقيين، في
البرامج الحوارية، وتعليقات الأخبار، لاسيما بعد رجوع الشهيد محمد باقر الحكيم
وبقية قيادي الاحزاب الدينية الشيعية الى العراق، ودخول العراقيين في الوسط
والجنوب الى مشهد الحكم، وبروز دور مرجعية النجف في ترجيح كفة الصراع
والموازنة في تهدأة الوضع الداخلي وضبط الحالة الاجتماعية من الانفلات
والنزوع الى الحرب الأهلية..

   لقد راهنت الفضائيات العربية على الحرب الأهلية في العراق كثيرا، ولدي
تسجيلات لمعظم البرامج والحوارات التي كانت تبث من القنوات الخليجية حول
ما تقدم من كلامي أستطيع ان اقدمها كاثبات على ذلك..وبالأسماء.

    ولأن هذه الفضائيات أدركت الدور الحاسم للشيعة في العراق العربي باعتبارهم
الأكثرية المطلقة وان مسالة الوجود الأميركي في العراق لا يستطيع احد ان
يحسمها دون تدخلهم، فقد اخذت هذه الفضائيات تزرع النعرات والفتن بين
الشيعة انفسهم، وتوتر الأجواء بينهم، وتبرز بعض الوجوه الشابة لتغيب مرجعيات
اخرى، عبر مراسلين اقل ما يمكن ان يقال عنهم ان سنهم وثقافتهم لا تؤهلهم
للتقرير والتعليق عن وضع الشيعة ودورهم في العراق الجديد..

   ان بعض الفضائيات كان تتشفى بوجود هذا الكم من المقابر الجماعية التي دفن
نظام البعث الفاشي الدموي شباب العراق فيها، بل وهناك فضائيات شككت في ان
تكون هذه المقابر للعراقين، وانما للقتلى الايرانيين الذين سقطوا داخل العراق اثناء
الحرب..!

  ان هذا الدور التضليلي للفضائيات العربية في تشويه صورة الشيعة امام المشاهد
العربي، واثارة النعرات الطائفية داخل العراق، يقود الى نتائج خطيرة.
فالفضائيات العربية طرحت مصطلح (المثلث السني)، وكأنما كل اهل الفلوجة،
او الرمادي، او سامراء والموصل مع صدام وانهم هم الذين (يقاومون) بينما
على الضد من ذلك يتحالف الشيعة مع الأميركان..، وهنا نجد مغالطة كبيرة
مقصودة لتشويه المجتمع العراقي.
 
  صحيح ان النظام البعثي، بل والسلطة في العراق عموما، منذ تاسيس الدولة
العراقية، كانت إمتدادا للدولة العثمانية التي أصرت على التدخل في تشكيل
الدولة العراقية الحديثة، وفي تسليم السلطة للسنة الذين كانوا امتدادا لها،
الا ان النظام البعثي تطرف في مذهبيته، فاعطى زمام السلطة لأبناء السنة،
سواء في الوظائف المدنية أو العسكرية، بل وحتى السنة وضعهم في دوائر
وحلقات ودرجات، كلما اقتربت منه ضاقت على أهل تكريت والعوجة والدور،
لكن هذا لايعني ان كل اهل السنة كانوا من مدللي صدام، فالنظام كان يقضي
بشكل شرس على كل من يشك في عدم ولائه سواء كان سنيا او غير سني،
من الرمادي او من تكريت، وقد أجرم صدام بحق الاكراد وهم من أهل السنة
ايضا، وكذلك اهل سامراء الذين اذلهم صدام، وكذا الأمر مع بعض عشائر
الدليم في الرمادي..

  وبالتالي فان هذه التوصيفات المذهبية للمجتمع العراقي خطيرة جدا، ولها آثار
أخطر من مجرد تردديها،لأنها قد تؤدي فيما بعد، ونتيجة للتكرار لتكريس الحالة
الطائفية في العراق وتهيئة المقدمات النفسية لتقسيم العراق العربي على أساس
طائفي، بحيث تنفصل المحافظات الوسطى والجنوبية عن بقية العراق، وينفصل
(المثلث السني) كذلك، وتنفصل كوردستان، ليؤكدوا ما في نفوسهم من ان النظام
السابق كان ابقى لوحدة العراق. علما ان الشيعة والاكراد والسنة قد فوتوا هذه
الفرصة على الفضائيات، ولولا غياب السلطة المركزية، ووجود الأميركان،
لكانت هذه الفضائيات قد طردت من العراق منذ فترة طويلة.

    إن طائفية خطاب الفضائيات العربية لا يكمن فقط في  مضمون تقاريرها
عن الوضع في العراق، وتشويهه لموقف الشيعة في العراق فحسب، وانما في
نشره للفكر الأصولي المعادي للتشيع، والذي يزيد الفرقة بين المسلمين، علما
ان الكثير من المفكرين المسلمين المعتدلين يسعون الى إسلام بلا مذاهب، او
على الأقل الى التقريب بين المذاهب..!

   إن وقفة عند بعض البرامج الدينية، لا سيما تلك التي لها علاقة بالأحكام
والشريعة والتي تبثها هذه الفضائيات يكشف لنا عمق الخراب الذي وصلنا اليه،
ففي احد البرامج الدينية الذي نقلته احدى الفضائيات التي استقرت في دبي الآن
سؤل الشيخ الجليل الذي يفتي بالاحكام عن شرعية زواج الرجل السني  من
إمرأة شيعية، فكان الجواب مرعبا..حيث ادلى سماحة شيخ الاسلام المفتي الجليل
بان الزواج من يهودية او مسيحية ارحم من الزواج من امراة شيعية..فعلى الأقل
ان المسيحية واليهودية يمكن ان تقر بافضلية الدين الاسلامي وتقر بالشهادتين
او ان تبقى على دينها، اما الشيعية فهي لا تريد الا ان يكون عقد الزواج على
 مذهبها.. ومذهبها كفر وبطلان..!!!!!!  ومثل هذا الأمر تكررفي احدى
الفضائيات المصرية، رغم ان الاعلام المصري، والشعب المصري معتدل
وليس لديه اية مشكلة مع التشيع وآل البيت.. فتاريخ مصر الاسلامي عرف
التسامح الديني بين المذاهب، كما ان الآف المساجد في مصر تعود الى الفترة
الفاطمية.. وان حياة المصريين اليومية مجبولة على حب النبي وأل البيت.


   إن رصدا دقيقيا، وتحليلا صارما، وتفكيكا متبصرا، لمفردات الخطاب
الاعلامي في الفضائيات العربية، الخليجية خصوصا، توضح بما لا يقبل
اللبس، مذهبية وطائفية خطابها الديني..وقد انعكس هذا كله على موقفها من
العراق والقضية العراقية..فلا مشكلة لهذه الفضائيات مع الأميركان..أليس معظم
برامجها لها علاقة بأميركا.. أليس معظم برامجها وحواراتها تجري في واشنطن،
وتروج لوجهة النظر الأميركية..!!

   إن مشكلة هذه الفضائيات يكمن في اصولية خطابها، وموقفها الطائفي، وحقدها
الدفين على الشيعة ورعبها من إنتقال السلطة الى الأكثرية الشيعية في العراق.
أما موقف هذه الفضائيات العنصري والشوفيني من الاكراد والقوميات الأخرى
في العراق فسيكون موضوع وقفتنا القادمة.
 
   
**************************

 

الفضائيات العربية.. والخطاب القومي الشوفيني.. والأكــــراد  
  منذ عقود والاعلام العربي، والانظمة العربية بكل إتجاهاتها وألوانها وعصورها
وحقبها، ملوكا وعساكر وامراء وشيوخ، تتخذ من مأساة الشعب الفلسطيني وقضيته
العادلة ملفا رئيسا وأساسا ونقطة محورية تدور حولها كل نشاطات وتوجهات
خطابها الاعلامي. إلا ان الفضائيات العربية منذ بداية ظهورها في النصف الأول
من التسعينيات، أعادت صياغة هذا الخطاب من جديد وعززته بكل الامكانيات
التقنية التي تتوفر في وسيلة الاتصال التلفزيوني، ومن خلال كل اجناس العمل
الاعلامي التلفزيوني ( لقاءات تلفزيونية، حوارات خارجية، ريبورتاجات، تقارير
مصورة، افلام وثائقية، وروائية،...الخ).

  ورغم ان الاعلام العربي قد خدم القضية الفلسطينية في طرحها على المستوى
الشعبي والدولي إلا ان الشعب الفلسطيني نفسه كان ضحية هذا الاستخدام المنافق
لقضيته من قبل الاعلام العربي والانظمة العربية. فالشعب الفلسطيني يحتاج الى
دعم الشعوب العربية، لكن بشرط ان تكون هذه الشعوب قادرة حقا على تقديم
الدعم الحقيقي، وليس الاكتفاء بالحماس الذي نراه على المتصلين هاتفيا بالقنوات
الفضائية عند اشتعال حوار ساخن، ولا بالشقشقات الخطابية لأبطال الاستوديوهات
ولا بالنوايا الطيبة، أو بالمظاهرات التي تخرج في المناسبات، والتي تكون محاطة
ومخترقة من اجهزة الأمن والمخابرات اكثر من المتظاهرين انفسهم.


   لسنا هنا في غرض مناقشة موقف الاعلام العربي، والفضائيات العربية بالتحديد،
من القضية الفلسطينية، وانما وجدنا في القضية الفلسطينية مدخلا لتحليل طبيعة
الخطاب القومي في الفضائيات العربية، فهذه الفضائيات أساءت للقضية الفلسطينية
حينما استغلتها في خطاب مزدوج، عنصري وشوفيني،من حيث ان منظمة التحرير
الفلسطينية حظيت بدعم كل فصائل التحر الوطني في العالم ولا تزال،كما وقفت هي
ايضا الى جانب حركات التحرر والشعوب المضطهدة في العالم، وليس من مصلحة
الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة ان يسيء الخطاب القومي العربي الى الشعوب
المضطهدة والتي تناضل مثل الشعب الفلسطيني من اجل حريتها وتقرير المصير.
ومن بين هذه الشعوب يقف الشعب الكوردي في مقدمة الشعوب القريبة جغرافيا
وتاريخيا وثقافيا من الشعب الفلسطيني.


   فالخطاب الاعلامي العربي يتهجم على أميركا ويتهمها بانها تتبع سياسة الكيل
بمكيالين، بينما هو نفسه يتعامل بنفس الطريقة مع حقوق الشعوب والقوميات
والأقليات الدينية التي تعيش في البلاد العربية او تجاورها. ولكي نتفحص طبيعة
الخطاب القومي، العنصري، الشوفيني، في الفضائيات العربية، نتوقف عند خطاب
هذه الفضائيات من الأكراد وقضيتهم، وفي العراق خصوصا.

   ملايين العرب، من المتنورين والمثقفين والعامة، لا يعلمون بانه لولا خيانة الدول
الكبرى للشعب الكوردي، وبالتحديد فرنسا وبريطانيا، اللتان قطعتا الامبراطوية
العثمانية في معاهدة سايكس - بيكو، وتنكرهما للوعود التي قطعاها لممثليه في
ذلك الزمان، لكانت هناك اليوم دولة اسمها كوردستان، ولكان عمرها عمر الدول
العربية بالضبط، ولكانت لها حدودها المعترف بها وعضويتها في الأمم المتحدة..!

  وبتبسيط شديد واختصار قسري لعدم قيام دولة كوردستان، رغم انها حُددت
حدودها وخريطتها من قبل الدول الكبرى، هي ان الدول العظمى أقرتا قيام الدولة
الكوردية في العام1921،على ان تكون الموصل ضمن الحدود التركية، لكن عندما
عرف الانكليز بمسالة وجود النفط في الموصل، ارادوا ضمها الى الدولة العراقية،
ولم تتنازل تركيا المنهكة عن الموصل الا بشرط تخلي الانكليز عن مسالة قيام دولة
كوردستان.. وهذا ما كان.

وربما لا يعرف الكثيرون، بان المصادر التاريخية والجغرافية العربية من العصر
العباسي، والوثائق الرسمية بما فيها وثائق عصبة الأمم في العام 1924، كلها تشير
الى ان ما يسمى اليوم بدولة العراق كان مقسما الى ثلاثة أقسام هي : إقليم السواد
الذي كان يطلق على السهل الرسوبي من العراق، وإقليم الجزيرة الذي يضم شمال
وغرب الهضبة الغربية، وإقليم الجبال الذي يضم كوردستان الحالية. اما وثائق
عصبة الأمم فقد أوردت في تقريرها الصادر في العام 1924 عندما ارادت ان
تحل مشكلة ولاية الموصل، بأن العراق يتألف من ثلاثة أقاليم هي : كوردستان،
الجزيرة، والعراق العربي.


  وربما الكثيرون لا يعرفون ايضا بان الشعب الكوردي هو من الشعوب الهندو-
اوروبية، وليس من الشعوب السامية،التي ينتمي اليها العرب واليهود ايضا..، أي
ان الاكراد شعب مختلف عن العرب تماما ، اصلا وفصلا، ولغة، وعادات،
وجذور، وذاكرة تاريخية، وعائلة لغوية او قومية، كالاتراك والفرس والافارقة
الذين يحدون البلاد العربية، وهم شعب لم ينزح الى وطنه الحالي، والذي يسمى
كوردستان، من أي مكان، فهو لم يأت من جزيرة العرب ليمتد الى آسيا
وافريقيا كالشعب العربي، وانما هو التشكيل المتداخل الآخير للشعوب والقبائل
التي سكنت جبال زاغروس منذ اكثر من سبع الى ثمان الاف سنة، فهم اي الكورد
اليوم، الامتداد الحقيقي لشعب الكاساي واللولو والكوتي، الذين زحفوا على سومر
في عهودها الاولى، قبل خمسة الاف عام، ثم تلاشت دولهم فبرز العيلاميون،
او الايلاميون، ثم الميديون الذين اقاموا دولة ميديا الشهيرة، ثم الكردوخ، الذين
يعدون الاجداد الاقرب للشعب الكوردي الحالي، والذي تذكر وثائق بلاد الرافدين
بانهم كانوا يسكنون هذه المنطقة قبل حوالي ثلاثة الاف عام..كما ذكرهم الاغريقي
(زينفون) في كتابه الشهير( رحلة الألف ميل.. أو أنابازيس)، علما ان لفظ(كور)
في اللغة السومرية يعني ( الجبل) وحالة النسب فيها تتشكل باضافة الياء او
الدال والياء..ولفظ( كوردي) بالسومرية يعني ( الجبلي).

  المهم، من خلال هذه المقدمة المكثفة، اردنا القول بان الشعب الكوردي واحد
من اعرق شعوب المنطقة، الى جانب ( الآشوريين) و ( السريان) و( الكلدان)
و( الأرمن) و( الصابئة المندائيين) و( الأزيديين)، التي منهم تم إشتقاق اسم
(آسيا.. او آزيا) كما تلفظ في اللغات الاوربية، وغيرهم من الشعوب بما فيهم
 العرب. واذا ما كانت بعض هذه الشعوب التي ذكرناها تعرضت للإبادة
والتشريد والانصهار القومي والعرقي، فهي لا تشكل اليوم سوى بضع ملايين
بينما كانت في السابق تقود إمبراطوريات كالآشوريين مثلا، فان الكورد يؤلفون
ما يقارب 30 - 40 مليون انسان يتوزعون بين تركيا وايران والعراق وسوريا
وارمينيا.. واذا ما توقفنا عند القضية الكوردية في العراق، فاننا نجد ان هذا الشعب
كان مقدرا له ان تكون له دولته المستقلة كباقي شعوب المنطقة، الا ان السياسات
الاستعمارية نكثت بوعودها، فصار مصيرالملايين منهم ضمن الدولة العراقية التي
تشكلت بقرار الدول العظمى في بداية العشرينيات من القرن المنصرم..، لكن منذ
ذلك الحين والشعب الكوردي، سواء في العراق او في بقية اجزاء كوردستان،
يناضل من اجل حقوقه القومية. ومن  الغريب ان الشعب الكوردي في بدايات تشكل
الدول القومية في المنطقة كان يناضل من اجل الاستقلال التام والانفصال من اجل
تشكيل دولته القومية المستقلة، ثم بعد التنكيل وحرب الابادة ضدهم صار يطالب
 بالحكم الذاتي، وفي العراق يطالب اليوم بالفيدرالية صمن العراق الموحد.. ورغم
هذه المطالب المتواضعة قياسا لحق الشعب الكوردي، فانه تعرض للابادة المنظمة
سواء من خلال التصفيات الجسدية كما جرت في ظل نظام البعث في حلبجة وحملة
الانفال او من خلال عمليات التعريب، والتهجير القسري، وتشويه الطبيعة
الديموغرافية لكوردستان بترحيل القبائل العربية اليها، وتغيير اسماء المدن والقرى
فيها.

  ورغم ان الحركة الوطنية الكوردية، والحركة اليسارية الشيوعية العراقية، وكافة
المنظمات الديموقراطية العراقية، والمعارضة العراقية على مدى اكثر من عقدين
من الزمان تناضل وتصرخ وتنشر البيانات وتصول وتجول كاشفة مأساة الشعب
الكوردي للعالم أجمع، إلا ان الاعلام العربي، والفضائي خصوصا، تعامل مع هذه
المأساة على طريقة ( لا من شاف ولا من درى)..فكان في حالة صمم، لكنه مؤخرا
وبعد سقوط النظام الدموي في العراق نطق، وياليته استمر في صمته ولم ينطق.!!
 ومن السخرية ان يصرخ  الاعلام العربي ليل نهار مناديا صلاح الدين الايوبي
محرر القدس، لكنه يتجاهل مصير شعب صلاح الدين واحفاده!!

الفضائيات العربية تعلن يوميا عن جرائم اسرائيل بحق الفلسطينيين، سواء في
حملات التبرعات او حملات التضامن، وتذكر بان اسرائيل قطعت كذا الف
من الاشجار ودمرت اكثر من اربعة الاف قرية، بينما النظام البعثي العراقي قام
باضعاف هذا العدد  من التدمير في كوردستان، بل ان الذين ابادهم صدام وزمرته
وشردهم في المنافي اضعاف ما شردت اسرائيل من الفلسطينيين، وما قامت به
اسرائيل في صبرا وشاتيلا لا يختلف عما قام به نظام البعث في حلبجة، بل واقل
مما قام به البعثيون في الانفال، فاسرائيل لم تدفن الفلسطينيين احياء كما فعل البعث!

أرجو ان لا يفهم من كلامي انني ابررلاسرائيل ما تفعل،لكن طبيعة النقاش لتحليل
الخطاب القومي ومناقشة إزدواجيته في الفضائيات وفي الاعلام العربي عموما هي
التي تدفعنا للاستشهاد بالقضية الفلسطينية لأنها قميص عثمان الاعلام العربي...،
فلقد تفجر الشارع العربي، والاعلام العربي، واقيمت حملات التبرع التلفزيوني، بل
وكتبت الاف القصائد التي صدرت منتخبات منها في ثلاثة مجلدات عن مؤسسة
البابطين في الكويت، حينما استشهد الطفل (محمد الدرة)..وكانت جريمة بشعة
تقشعر لها الابدان وتكشف عن همجية القتلة الذين صبوا جام حقدهم على الطفولة
الفلسطينية المتجسدة في الطفل الشهيد..، بينما يصمت الشارع العربي، ويجف حبر
الاقلام، وتهرب القوافي، ويتشاغل المثقفون، ويصمت الاعلام العربي، عن ابادة
الاطفال والنساء والشيوخ في كوردستان، بل هناك وثائق عن دفن الاطفال احياء
امام انظار امهاتهم..!!

وقد راقب العالم كله مأساة حلبجة، وتناقلت شاشات التلفزيونات في العالم اجمع تلك
الصور المرعبة لجثث الاطفال والنساء والشيوخ المنتفخة والمرمية في شوارع
المدينة الشهيدة بينما لم تتجرأ اكثر الفضائيات إدعاء بالحرية والدفاع عن رأي
الناس بل ومن لا رأي لهم، من عرض ولو لقطات من هذه الماساة المرعبة..
الفضائية العربية الوحيدة التي قدمت هذه اللقطات وبشكل مستمر هي الفضائية
الكويتية، ولكن بعد ان عضهم جرذ العوجة..

  وها نحن نرى إهتمام الفضائيات المفاجيء بالقضية الكوردية..، ياسبحان الله..،
ما الذي جرى فجأة.. لكن الاقنعة لم تستطع ان تغطي هستيريا الحقد من وجه هذه
الفضائيات..فما ان برز دور الكورد في عراق ما بعد صدام، حتى أُعدت البرامج
لمناقشة القضية الكوردية، لكن بحس شوفيني عنصري كريه..  فرأينا معدي برامج
يقدمون لنا خطبا طنانة مستمدة اما من ايديولوجيتهم القومية المتطرفة وانتمائهم
السابق والخفي لحزب البعث، او لكونهم ينتمون لقوميات غيرعربية لكنها تعيش
صراعا مع الاكراد.. حتى ذهب أحدهم الى اتهام الاكراد بانهم يريدون إقامة
اسرائيل ثانية في المنطقة.

  إن الفضائيات العربية تجهل أو تتجاهل بان العراق يتألف من شعوب وقوميات
متعددة، وجميع هذه القوميات والشعوب، وبلا استثناء، تواجدها في العراق يسبق
دخول العرب اليه بالاف ومئات السنين..بغض النظر عن حجم وتعداد نفوس هذه
الشعوب.. إن الفضائيات تجهل او تتجاهل بان اسم سورية هو من (آسورا)، وهم
الشعب الآشوري الحالي الذي كانت له امبراطورية حمكت العراق والشرق كله
لمئات السنين !! وهم اليوم يشكلون الجزء الاكبر من مسيحيي العراق !!

 إن الفضائيات العربية، والاعلام العربي عموما، بل والحركات السياسية العربية،
بما فيها الحركات( الديموقراطية)، والشيوعية، تنظر الى كل مطالبة بالحقوق
القومية، وكأنها مؤامرة استعمارية على العرب والأمة العربية..، فمطالبة البربر
والطوارق ( الامازيغ) بحقوقهم القومية والثقافية يفسر كمؤامرة لإرباك الجزائر
والمغرب، ومطالبة شعوب جنوب السودان وقبائله بحقوقهم يدعى مؤامرة امبريالية
وحملة صليبية ضد الاسلام في السودان، وكذا الأمر حينما يفتح المرء فمه بالحديث
عن الاقباط في مصر، او الدروز والاسماعيلية في سوريا..، او الشيعة في
السعودية.. أو البدون في دول الخليج.. أو الاكراد في العراق وسوريا.

  إن الخطاب القومي في الاعلام العربي لا ينفصل في الجوهر عن خطابه
الاصولي الديني..، فهو ينظر الى الشعوب الاخرى، غير العربية، نظرة دونية،
معتمدا على نص الآية الكريمة( وكنتم خير أمة أخرجت للناس)، مفسرا إياها
على هواه، وعلى ظاهر اللغة، وهذا يعني ان الفضائيات العربية من خلال
برامجها السياسية والدينية تروج لهذه النظرة، لاسيما في صراعها مع اسرائيل،
الدولة العبرية التي هي ايضا، ترى ان اليهود هم شعب الله المختار..
وهكذا نرى ان الاعلام العربي لا ينفك ينعت الاعلام الاسرائيلي بانه عنصري
وشوفيني، بينما هو في الجوهر لا يختلف عنه، وكأنني باثنين من العوران كل
منهم يعير الآخر بانه اعور..!

  بل ان إزدواجية هذا الخطاب أوقع الاعلام العربي في مطب ومأزق فكري كبير،
فمن جهة انه يرفض اسرائيل، ويرفض فلسفة الدولة العبرية في تبريرها لقيام دولة
اسرائيل على  اساس الديانة كمعطى قومي وهوية، لان رد الاعلام العربي هو ان
العبرية او اليهودية هي ديانة وليست سمة قومية، بينما لغة الخطاب الاعلامي
العربي، تجلجل ليل نهار،معبرة عن المواجهة بين العرب و( اليهود).. العرب
كقومية..واليهودية كديانة.. أي انه اعترف بها ضمنا كطرف صراع قومي..!!

  إن المتتبع لنشاط الفضائيات العربية منذ سقوط نظام البعث في العراق، بل وقبله
بفترة، أي منذ مؤتمر صلاح الدين للمعارضة العراقية، يجد الهستيريا المبطنة،
واللغة المفخخة عند الحديث عن الاكراد في العراق، لا سيما وان المنطقة الكوردية
تتمتع بهدوء واستقرار يكاد يكون حلما قياسا الى مناطق العراق الاخرى.

  إن إزدواجية الخطاب القومي، وشوفينيته، وعنصريته، ينسف كل المعطى
الاخلاقي لهذا الخطاب، حتى وان دافع عن قضية عادلة كقضية الشعب الفلسطيني،
فقضية العدالة الانسانية والحق البشري بالعيش في حرية وأمان وضمان حق
الحياة والتعبير  وتقرير المصير لا يمكن تجزأتها واستخدامها حسبما نشاء..
إن خطورة مثل هذا الخطاب ستتكشف قريبا، كلما اقتربت  عملية تحويل السلطة
الى العراقيين، وكلما اقتربت الاطراف العراقية من قضية إقرار الفيدرالية للشعب
الكوردي في العراق..علما ان الشعب الكوردي يستحق ان تكون له دولته المستقلة،
بغض النظر عن كون الأقليم كان يخضع لسيادة الدولة العراقية منذ تأسيسها، فلقد
كان الاتحاد السوفيتي منذ لحظة تأسيسة يضم الشعوب التي انفصلت وأسست
دولها حينما تفكك النظام الشمولي في العام 1991.

 إن الخطاب القومي العربي في الفضائيات العربية يكشف عن أصولية بغيضة،
وعنصرية لا انسانية، ناهيك عن كونه يختزل كل هموم وأزمات المجتمعات
العربية/ من أزمات بطالة، وجنس، وخوف من المستقبل، وغياب الحريات،
والتدهور الاخلاقي، وظلم المرأة، ليجسدها في خطاب قومي، غامض، غوغائي،
تعميمي، متعصب، حمال أوجه، بحيث يقول كل شيء ولا يقول شيئا..، خطاب
استهلاكي، لا ينفع سوى في اسواق الثرثرة السياسية في الاستوديوهات، خطاب
زئبقي يمارس الارهاب النفسي على المشاهد.. وعند هذه النقطة سوف نتوقف..
لنبحث لاحقا طبيعة العنف في هذا الخطاب.   
 





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,818,239,901
- الفضائيات العربية.. والتضليل الاعلامي.. والإرهاب -1
- تحيـــة للحـــوار المتـمــــدن... تحيــة لـرزكــار القلب في ...
- الـــدوخــة الفـلســـفية
- ملاحـظـات حـول مفهـــوم الـصــورة في الثـقــافـة العــربيـة ...
- صـــرخـة الحــــلاج حول كتاب (نصوص التصوف الاسلامي) للمستشرق ...
- عرض كتـاب: أندريــه بيـــلي.. في - مشـاكل الإبـــداع
- الســـينمـا.. الموسيـــقى.. وشـكل القصيـدة
- قــُــــداس جنــــائـــزي
- عن الإبـداع.. وسـلوك المـــبدع
- هـل هنـاك ( رأي عــام ) عــربي حقــا؟؟
- حـقـــوق الإنسان فـي البـلـدان العربـيـة...!!!!
- عن قنــــاع المثقـف... العراقي..!
- فـي الثقــافـة الـعراقـيـة الجــديـدة
- مـن قصــــــائد الحـجــــــر
- مـن ( أعـصــــاب ) فلاديميـر فيسـوتسـكي
- الفضائيــات العــربية.. والعـــراق 3 - 3
- الفضــائيـــات العربيـــة.. والعــــراق 1 / 2
- آنا آخماتوفا


المزيد.....




- الحشد الشعبي يتهم التحالف الدولي بشن غارة أدت لمقتل العشرات ...
- مصدر عسكري يمني: القوات المدعومة من التحالف العربي تقتحم الم ...
- زعيم كوريا الشمالية يزور الصين للمرة الثالثة هذا العام
- قرقاش: التقارب القطري الإيراني انتهازي ملتبس ومفضوح!
- شعبية ترامب في أعلى مستوياتها منذ توليه السلطة
- أمريكي يصور 11 ألف أسترالي عارياً
- تحالف تقوده السعودية يدخل مجمع ميناء الحديدة اليمني
- أمريكي يصور 11 ألف أسترالي عارياً
- تحالف تقوده السعودية يدخل مجمع ميناء الحديدة اليمني
- بالفيديو: مروحية -مي-35- تدمر معسكر الإرهابيين


المزيد.....

- ليون تروتسكي حول المشاكل التنظيمية / فريد زيلر
- اليسار والتغيير الاجتماعي / مصطفى مجدي الجمال
- شروط الثورة الديمقراطية بين ماركس وبن خلدون / رابح لونيسي
- القضية الكردية في الخطاب العربي / بير رستم
- النزاعات في الوطن العربي..بين الجذور الهيكلية والعجز المؤسسي / مجدى عبد الهادى
- مجلة الحرية المغربية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- مفهوم مقاطعة الإنتخابات وأبعادها / رياض السندي
- نظرية ماركس للأزمات الاقتصادية / ستيوارت إيسترلينغ
- الإسلام جاء من بلاد الفرس / ياسين المصري
- التغيير عنوان الانتخابات المرتقبة في العراق / رياض السندي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - برهان شاوي - الفضائيات العربية.. والتضليل الإعلامي.. والإرهاب 2&3