أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - إدريس ولد القابلة - محمد السادس مريض.. وماذا بعد؟






















المزيد.....

محمد السادس مريض.. وماذا بعد؟



إدريس ولد القابلة
الحوار المتمدن-العدد: 2236 - 2008 / 3 / 30 - 10:19
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
    


إن صحة الملك نفسه تبدو اليوم موضوعة في ميدان الخبر والتكذيب، وذلك بين صحافي إسباني مُخضرم، هو "بيدرو كناليس" ومصالح القصر (قد يتعلق الأمر بمديرية عبد الحق لمريني) التي كذبت الخبر عن طريق وكالة الأنباء الرسمية "لاماب"، وفحواه - أي الخبر الذي نشره الموقع الإلكتروني الإسباني الرصين "أمبرسيال" - أن الملك محمد السادس خضع، خلال مقامه الطويل (خمسة وثلاثين يوما) بالعاصمة الفرنسية باريس، لعملية جراحية. وهو ما سارع القصر إلى تكذيبه جملة وتفصيلا عن طريق الوسيلة الإعلامية الرسمية المذكورة.
هل الملك مريض، مما حتَّم خضوعه لعملية جراحية، وفترة نقاهة طويلة استمرت لأكثر من شهر، كما أفاد بذلك زميلنا الإسباني "بيدرو كناليس"؟ أم أن الأمر عار من الصحة، كما جاء في البلاغ التكذيبي ل "لاماب"؟ ثمة العديد من المراقبين المغاربة، الذين يعتبرون أنفسهم أذكياء، لكنهم يتوفرون على ما يكفي من الجبن، لعدم الكشف عن أسمائهم وهوياتهم، يقولون بأن الأمر جد كل الجد، وإن الصحافي الإسباني المتمرس يتوفر على ما يكفي من التجربة والمصداقية لعدم نشر خبر من هذا العيار لم يكن يتوفر على المصادر وعناصر الخبر الكافية.
طيب، لماذا كل هذه "الهيلالة" الرسمية لنفي خبر خضوع الملك محمد السادس لعملية جراحية؟ هل لأن مسألة صحة الملك أو السلطان، يجب أن تظل من فولاذ ولو "طارت معزة"؟ كل المؤشرات تؤكد ذلك، غير أن هذا لا يمنع من تسجيل جزئية إيجابية مُهِمَّة - ذَكَّرني بها الزميل بيدرو كناليس - (انظر نص حوارنا معه)، ومفادها أن المخزن لم يُحرك جيش صحافييه، عبر مختلف الجرائد، ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة، لشتمه - أي الزميل كناليس – كما كان يحدث أيام الحسن الثاني، بل تم الإكتفاء بتكذيب الخبر عبر وكالة الأنباء الرسمية بشكل مُقتضب، ومن ثمة فإن على محترفي الشتم والسب المخزنيين أن يُفتشوا عن عمل جديد، نقطة إلى السطر.
لقد كان مثيرا حقا، أن لا يتم تجييش "براحة" المخزن الذين يُسمون صحافيين بلغة العصر، ليمنحوا "أدلتهم" البلاغية عن "الصحة الجيدة الفولاذية" للملك، فهل كان ذلك لأن عناصر الإثبات تذهب في اتجاه تأكيد مرض محمد السادس، إلى حد حتَّم خضوعه لعملية جراحية؟ أم رجالات المخزن تعبوا من لعب دور "التبراح" ليقينهم أن جدواه لم تعد مضمونة كما كان الأمر في السابق؟
مهما كان السبب، فإن الأهم هو أن ثمة عناصر واضحة، تفيد أن الملك يشكو من مرض ما، قد يكون طارئا أو مقيما، تطلب "تلقيه علاجا منذ فترة"، كما قال لنا الزميل بيدرو كناليس، بل وتطلب خضوعه لعملية جراحية، وفترة نقاهة بالعاصمة الفرنسية باريس استمرت خمسة وثلاثين يوما، وماذا بعد؟

مرض الملك بين بشر المغرب وبشر أوروبا

إن الأمر يتعلق بكائن بشري، اقتضت الشروط السياسية والاجتماعية والتاريخية.. أن يكون ملكا للمغرب، وهو ما يجعل من الطبيعي أن يتعرض هو الآخر، مثله في ذلك مثل باقي بني جلدته من البشر، للوعكات الصحية، مما يقتضي خضوعه للعلاج. وغير الطبيعي هو أن يستمر حراس معبد السلطة المخزنية، بأشكالها ومضامينها القديمة، في تأليه بشر ضدا على طبيعة الحياة والأحياء. ولعله من المناسب هنا تأمل كلمات جواب الزميل الإسباني "بيدرو كناليس"، في ثنايا الحوار الذي أجريناه معه ضمن ملف هذا العدد، حيث قال جوابا على هذه الملاحظة المصاغة في شكل سؤال: "إن الخبر الذي نشرته عن مرض محمد السادس يُعتبر سبقا صحافيا حقيقيا"؟ قائلا: "هذا يتوقف على طبيعة المتلقي، فإذا كان مغربيا فسيعتبر الخبر سبقا صحافيا، أما المتلقي الأوروبي فسيعتبره خبرا مهما فحسب"، وهذا يعني أن الكائن المغربي ما زال في اعتباره أن مرض الملك مثير للاستغراب والدهشة (أو هذا هو المُفترض بالأحرى)، أما المواطن الأوروبي فيعتبر كل الناس سواسية في الصحة والمرض، وفي الأكل والشرب، والذهاب إلى المرحاض... وغيرها من ضرورات الحياة الجسدية الفانية، وأن لا فرق بينهم سوى بدرجة الارتقاء بجوانب الإنتاج والإبداع، وفي ذلك كل الفرق الشاسع بين حضارتين، تجمدت الأولى عند عتبة تاريخ بني البشر، في حين توجد الثانية في أحد أعلى طوابق بناية المدنية والتقدم.

الصحافي الإسباني "بيدرو كناليس" الذي نشر خبر مرض محمد السادس ل "المشعل":
الملك محمد السادس مريض ويتلقى علاجا منذ فترة

"بيدرو كناليس" زميل إسباني خَبَر بعضا من أهم كواليس السياسة المغربية، حيث ظل يُمد جريدة "لافانغوارديا" الاسبانية التي اشتغل لديها حتى مرحلة التقاعد، بالعديد من المعطيات والأخبار طالما اجتهد السياسيون المغاربة لإخفائها، وبالأخص عن الصحافيين، وغني عن القول إن ""كناليس" كان محط إزعاج لإدريس البصري سيما عند نشره سنة 1995 خبر الوعكة الصحية التي ألمت بالحسن الثاني، حينما كان في زيارة عمل للولايات المتحدة الأمريكية. ومنذ ذلك الحين كان الزميل المذكور، مُصنفا ضمن قائمة مُمتهني حرفة المتاعب الأجانب، الذين يجب أن يُحذر جانبهم، ويتم إبعادهم عن مصادر الأخبار الرسمية. غير أن هذا لم يمنع "بيدرو" من القيام بمهامه، كما يقول هو نفسه ساخرا، بل ومَكَّنه مؤخرا من "اصطياد" سبق مهني حقيقي، من منظور المشهد الصحافي المغربي، بنشره في الموقع الإلكتروني الإسباني "أمبرسيال" خبر خضوع الملك محمد السادس، لعملية جراحية خلال مقامه الطويل بالعاصمة الفرنسية باريس. وبطبيعة الحال كان للخبر المذكور وقعه الكبير، حيث انبرت وكالة المغرب العربي للأنباء الرسمية، إلى الرد بالنفي القاطع لخبر مرض الملك، ولحسن الحظ أن الرد توقف عند هذا الحد، على عكس ما كان يحدث في السابق، كما يشرح ذلك الزميل كناليس.. عن حيثيات خبر العملية الجراحية الملكية، وطبيعة مرض محمد السادس، والتداعيات التي أعقبت نشر الخبر، وغيرها من التفاصيل المرتبطة بهذا الملف، اتصلنا بالزميل "بيدرو" وطرحنا عليها أسئلتنا، فكانت هذه الأجوبة.

- لقد نشرت خبر خضوع الملك محمد السادس، لعملية جراحية بالعاصمة الفرنسية باريس، في الموقع الإلكتروني "أمبارسيال"، وهو ما دفع القصر الملكي إلى إصدار بلاغ في الموضوع كذّب فيه خبرك، ما قولك؟
+ إن الجهة التي أصدرت البلاغ التكذيبي هي وكالة الأنباء الرسمية، والذي أفاد أن الخبر الذي نشرتُه عار من الصحة، ولقد وجدتُ أن البلاغ المذكور لم يكن مقنعا.

- ما هي العناصر التي اعتمدتَ عليها، وأكدت لك أن الخبر الذي نشرته صحيح؟
+ لقد اعتمدت على مصادر لديها ما يكفي من المصداقية، ومن القدرة على الوصول إلى معطيات الخبر، وهو ما جعلني أنشره بما يكفي من الثقة، نعم إن الخبر صحيح.

- كيف تفسر أن القصر والحكومة المغربيين تكتما على الخبر الذي نشرته؟
+ على كل حال إنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها التكتم على أخبار من هذه العينة، فحينما خضعت أخت الملك مؤخرا لعملية جراحية، تم التكتم على الخبر، وحينما تم نشره في الصحافة المغربية، لجأ القصر إلى تكذيب الخبر في البداية، ثم عاد في الأخير ليقول بأن الأميرة مريم خضعت لعملية جراحية بسيطة، وهو ما يزكي المنحى الذي يتعامل به القصر مع مثل هذه الأخبار، حيث يرفض أن تخرج مثل هذه الأخبار المتعلقة بالعائلة الملكية إلى العموم، إذ ما زالت هذه المواضيع من الطابوهات بالنسبة له، ولا يجب الخوض فيها، لذلك كان من الطبيعي أن يلجأ القصر إلى إصدار بلاغ تكذيبي للخبر الذي نشرناه.

- إن خبرك عن العملية الجراحية التي خضع لها الملك محمد السادس يعتبر سبقا صحافيا من النوع الكبير..
+ هذا ما يبدو.

- هل هذا تواضع منك؟
+ لا، ليس كذلك، فالأمر رهين بمتلقي الخبر، إن هذا الأخير يُعتبر سبقا صحافيا حقيقيا بالنسبة للمتلقي المغربي، لأن الأمر يتعلق بموضوع حساس ليس من السهل التطرق له، والتقصي فيه، فبالأحرى نشره، أما بالنسبة للمتلقي الأجنبي فيعتبر الخبر المذكور مهما لكنه ليس من ذلك النوع الذي يُمكن اعتباره سبقا في المسار المهني.

- هل لديك معطيات إضافية بصدد خبر خضوع محمد السادس لعملية جراحية بالعاصمة الفرنسية باريس؟
+ لقد نشرتُ المعطيات التي أتوفر عليها في الموضوع على مدى أربعة أيام.

- هل هناك معطيات جديدة في الموضوع؟
+ الجديد، حسب المصادر التي زودتني بالخبر، أن العملية الجراحية لم تتم في المستشفى الباريسي المذكور، بل في مكان آخر.

- و أين تمت؟
+ لا أعرف.

- هل كانت العملية الجراحية، حسب المعلومات التي لديك، لأسباب صحية خطيرة؟
+ لا.

- هل كانت عادية؟
+ هذا محتمل. وعلى كل حال، فنحن لم نقل في الخبر الذي نشرناه إن العملية كانت خطيرة.

- هل تجد من الطبيعي، أن يقضي محمد السادس خمسة وثلاثون يوما بالعاصمة باريس، بسبب عملية جراحية سطحية؟
+ نعم، إن الأمر غير طبيعي بالمرة. فإقامة طويلة مثل تلك التي قضاها محمد السادس في باريس، كانت استجابة لضرورات أخرى.

- هل يُمكن القول إن الملك كانت لديه مشاغل أخرى خاصة، ومن تم إقامته الطويلة بباريس؟
+ نعم من الواضح أنه كانت لديه مشاغل أخرى خاصة، منها أن يتلقى العلاج وقضاء فترة نقاهة.

- هل لديك معطيات عن طبيعة مرض الملك؟
+ لا نعلم أي شيء بهذا الصدد. لكن يبدو أن للعملية علاقة بالعلاج الذي يتبعه محمد السادس منذ فترة معينة، والذي - أي العلاج - تبدو آثاره على جسده.

- ألم يتم الاتصال بكم من طرف جهة تابعة للسلطات المغربية، بعد نشرك للخبر حول العملية الجراحية التي أجراها محمد السادس؟
+ لا لم يتصل بي أحد.

- أنت مراسل الموقع الإلكتروني الإسباني "أمبرسيال"، ألم يتم إزعاجك بشكل من الأشكال بعد نشرك للخبر المذكور؟
+ لا، لم يتم إزعاجي مطلقا. وأجد في هذا الصدد أن البلاغ التكذيبي الذي أصدرته وكالة الأنباء المغربية الرسمية، سلوك جيد، من جانب أنه لم يتضمن عبارات ذم وقدح في شخصي، بل اقتصر على موضوع الخبر، قائلا إن هذا الأخير – أي الخبر – لم يكن صحيحا.

- وهل تجد أن هذا أمر جيد؟
+ نعم، إنه سلوك جيد، في التعامل مع الصحافة.

- هناك مَن ذهب إلى القول، بأن الخبر الذي نشرته ازدادت صِدقيته، بعد إصدار وكالة الأنباء الرسمية لتكذيبها، ما رأيك؟
+ نعم هذا صحيح، ولدي شخصيا نفس الرأي.

- من خلال تجربتك الطويلة كمراسل صحفي، لجريدة "لفانغوارديا" من قبل، والموقع الإلكتروني "أمبارسيال" حاليا، كيف تنظر إلى الحساسية التي يتعامل بها القصر المغربي مع نشر الأخبار المتعلقة بمواضيع يعتبرها من الطابوهات؟
+ إن الأمور قد تطورت حاليا.

- كيف؟
+ ذلك من منظور أنه في الماضي كان القصر أكثر حسما، إن لم أقل أكثر عداء، فيما يتعلق بقيام الصحافة الدولية بنشر الأخبار المحسوبة على مواضيع محرمة، أي شخص الملك والوحدة الترابية، غير أنني أعتقد أن هناك طريقة عصرية أكثر في التعاطي مع هذه الأمور، حيث يتم اللجوء في التعامل مع الصحافة الدولية المعتمدة في المغرب، بالاقتصار على إصدار بلاغ تكذيبي في الموضوع، وليس تجريم الصحافة المذكورة، من خلال اتهامها بالصدور فيما تنشره عن نزعة عدائية ضد المغرب وثواتبه وقضاياه ومصالحه الوطنية والدولية، حيث يتم الاقتصار اليوم، وكما أشرتُ من قبل، على إصدار بلاغ تكذيبي في الموضوع، وهو ما أعتبره طريقة عصرية في التعاطي مع الأخبار التي تنشرها الصحافة.

- لقد مارست مهنة الصحافة من موقع المراسل من المغرب، لسنوات عديدة، هل سبق لك أن عِشت، من قبل، ظروفا صعبة مع السلطات المغربية، تجعلك تقول بأن الأمور تطورت نحو الاتجاه الإيجابي؟
+ بصراحة لم تكن لي متاعب من قبل مع السلطات المغربية، في خضم قيامي بعملي بالمغرب، لكن هذا لا يمنعني من القول، من موقع التجربة الميدانية، بأن تعامل السلطات المغربية مع الصحافة الدولية كان أكثر حسما وخشونة من الحاضر.

- هل هناك فرق كبير أو متوسط أو صغير، أو ليس هناك من فرق بين السنوات الطويلة لحكم الحسن الثاني، والثمان سنوات التي مرت من حكم محمد السادس، فيما يتعلق بتعاطي السلطات المغربية مع موضوع نشر الصحافة ؟
+ أعتقد أن الأمر لم يتغير كثيرا.
- كيف ذلك؟
+ فيما يتعلق بالمواضيع المحسوبة على مجال الطابوهات، فإنه لم يكن هناك تغيير كبير، لقد حدث لي من قبل، خلال منتصف سنوات التسعينيات من القرن الماضي، أن تعرضت لهجوم من طرف السلطات المغربية بعدما نشرتُ خبرا عن الحالة الصحية للحسن الثاني..

- تقصد حينما كان الحسن الثاني في زيارة للولايات المتحدة الأمريكية سنة 1995، وتعرض هناك لأزمة صحية حادة؟
+ نعم تماما، فكان أن تعرض لي بعض المسؤولين الرسميين المغاربة، بالكثير من الذم والقدح، حيث رددوا بين الأوساط السياسية والإعلامية أن ما نشرته بصدد الحالة الصحية للحسن الثاني لم يكن سوى عبارة عن شائعات مُغرضة كانت الغاية منها النيل من شخص الحسن الثاني والمصالح المغربية، وأن تلك المعطيات المُضمنة في الخبر الذي نشرتُه آنذاك، والتي كانت تؤكد الحالة الصحية الحرجة للملك الراحل، تذهب في اتجاه التسبب المقصود في الكثير من الأضرار للمغرب والمغاربة، وأن صحة الحسن الثاني على خير ما يرام إلخ ، وإذا كنتم لا تزالون تتذكرون ما حدث حينها، فقد تعرضتُ للكثير من الانتقاد، على ألسنة كبار المسؤولين المغاربة، لكن ذلك لم يصل إلى حد منعي من الاستمرار في القيام بعملي، بدون مشاكل، بحيث لم تكن هناك تأثيرات فعلية على عملي المهني ومردوديته. أما في الوقت الحالي فإن نفس ردود الفعل التي كانت في السابق ما زالت مستمرة، حيث ما زال رد الفعل نفسه بخصوص تكذيب ما تنشره الصحافة الدولية، وآخر نموذج هو البلاغ الصادر في شأن الخبر الذي نشرته عن الحالة الصحية للملك محمد السادس، فقد قال البلاغ بأن الملك يوجد في حالة صحية جيدة وإن الخبر عار من الصحة إلخ. وهو ما كان يحدث كذلك بالنسبة لعهد الحسن الثاني، غير أن الجديد هذه المرة أنه لم يتم التعرض لي بسوء كما كان يحدث في السابق.

- تريد أن تفهمني، بأن هناك تغييرا في التعاطي مع الأخبار المتعلقة بالمواضيع المرتبطة بالطابوهات على مستوى التفاصيل، وفي نفس الوقت تقول بأنه ليس هناك اختلاف كبير حين المقارنة بين عهدي الحسن الثاني ومحمد السادس، ماذا تقصد بالضبط؟
+ أقصد أن هناك اختلافا في طريقة التعاطي مع الصحافة الدولية، في موضوع نشر الأخبار المحسوبة على مجال الطابوهات، أما رد الفعل فما زال هو نفسه كما كان من قبل، حيث ما زال ممنوعا معالجة المواضيع ونشر الأخبار المرتبطة بصحة الملك وأفراد أسرته.

- كيف تجد، من منطلق تجربتك الميدانية، مهمة المراسل الأجنبي في المغرب؟
+ إنها مهمة ممتعة وصعبة جدا في نفس الوقت.

- كيف ذلك؟
+ إنها مهمة ممتعة لأن التجربة تتم في بلد يتحرك، وله أهمية خاصة، أذكر من جوانبها أن لديه علاقة نوعية مع دول الإتحاد الأوروبي، سيما مع إسبانيا وفرنسا، ومن ثم فإن للمغرب دور جيوسياسي مهم في المنطقة، وكما قُلتُ فإن الأمر لا يتعلق ببلد جامد بل يتحرك، أي لديه حركية داخلية بغاية تحقيق التنمية، وبالتالي فمن هذا المنظور فإن مهمة المراسل الصحافي تعتبر ممتعة.
وبنفس القدر فإن المهمة المذكورة صعبة كما أسلفتُ، حيث إنه من الصعوبة الوصول إلى مصادر الأخبار، وحتى في حالة التوفر على المصدر فإنه من الصعب ذكره.

- إن الصحافيين المغاربة يشتكون بالمقابل، من أنهم لا يجدون سبيلا لمصادر الأخبار في الغالب، عكس الصحافيين الأجانب، الذين يفتح المسؤولون المغاربة أمامهم الأبواب والنوافذ لتلقي الأخبار، ألا ترى أن وضعكم أنتم الصحافيون الأجانب أفضل منا بكثير؟
+ إن الأمر لا يكون دائما على النحو الذي ذكرت في سؤالك.

- على سبيل المثال إن زميلك ومواطنك "إغناسيو سمبريرو" من جريدة "إيل باييس" حصل على حوار مع الملك محمد السادس، سنة 2005، الأمر الذي لم يحصل أبدا من قبل مع أي صحافي مغربي، ما رأيك؟
+ نعم هذا صحيح، وأجد الأمر مؤسفا حقا.

- كيف تقول إذن بصعوبة مهمة الصحافي الأجنبي بالمغرب؟
+ ما أريد أن أقوله لك هو إننا نحن بعض الصحافيين الأجانب لا نجد السهولة ذاتها التي يجدها البعض الآخر من زملائنا في أداء مهامنا المهنية.

- ولماذا من فضلك؟
+ لأننا مُصنفون من طرف أجهزة الأمن السرية بأننا لسنا صحافيين مهادنين.

- تقصد غير طيِّعين؟
+ ربما.

- وهل ترى نفسك من ضمن هذه العينة من الصحافيين غير المقبولين من طرف السلطات المغربية؟
+ لستُ مرفوضا بل أجد صعوبة في الوصول إلى مصادر الأخبار، وقد يكون هذا مقصودا.

- لماذا؟
+ لقد اتصلتُ غير ما مرة بالوزير الأول ووزير الداخلية والوزير المنتدب السابق في نفس هذه الوزارة سابقا، فؤاد علي الهمة، ووزير الخارجية بغاية الحصول على معطيات بصدد الأخبار والمواضيع التي أشتغل عليها، فكان الرفض دائما هو الرد المعتاد.

"بيدرو كناليس" يدافع عن سبقه الصحفي العالمي

عندما سألنا "بيدرو كناليس": كيف تنظر الصحافة الإسبانية إلى الملك محمد السادس؟ أجاب، على التو، دون أي تردد قائلا: "بخصوص رأي الصحافة الإسبانية في الملك محمد السادس، من واجبي أن أقول، إن تقييمها إيجابي عموما. تراه ملكا شابا، عصريا، يمتاز بديناميكية، ومقاول جيد، لكن الفكرة الشائعة أنه، كرئيس دولة، لا يتوفر على مشروع واضح المعالم، وأنه أحيانا يبدو وكأنه يناهض الديمقراطية ولا يعمل بها في حدود عدم المساس بسلطاته وصلاحياته".

المقال الأول الذي أثار القيل والقال

"بيدرو كناليس" هو صاحب المقال الصادر في الموقع الإسباني [المحايد] والذي كشف عن خضوع الملك محمد السادس مؤخرا لعملية جراحية بباريس تكللت بالنجاح، لكنها تمت في سرية تامة، وهذا ما كذبه بلاغ وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة مع التأكيد أن الملك محمد السادس يتمتع بصحة جيدة وعافية تامة وبأن زيارته للعاصمة الفرنسية، باريس، كانت زيارة خاصة لغاية الراحة وليس بقصد الاستشفاء أو لإجراء عملية جراحية كيفما كان نوعها.
إن مقال "بيدرو كناليس" الذي استوجب إصدار بلاغ وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة، المنشور بموقع "إيل إمبرسيال" في 26 فبراير 2008 تحت عنوان فرعي "قلق واضطراب سياسي في المغرب" وعنوان رئيسي: "الملك محمد السادس يخضع لعملية جراحية بباريس في سرية تامة"، قد جاء في مقدمته:
"خضع الملك محمد السادس لعملية جراحية بباريس في سرية تامة يوم 20 يناير الماضي جراء مضاعفات، بعد علاج مكثف بخصوص "الكوتيكويد"، حسب ما اطلعت عليه "إيل إمبرسيال" عن مصدر قريب من المخابرات الفرنسية، وقد كللت العملية بالنجاح".
"هذا في وقت عاش فيه المغرب، فراغا مطبوعا بتداعيات الهاجس الأمني وجملة من النقاشات بخصوص إشكالات دستورية وسياسية وأمنية منذ وفاة الحسن الثاني في 1999".
ويواصل بيدرو قائلا:
"وفقا لمعلومات حصلت عليها صحيفة "إيل إمبرسيال" من مصدر مخابراتي فرنسي، علمت أن الملك محمد السادس سافر إلى العاصمة الفرنسية، باريس، يوم 15 يناير ليخضع بعد خمسة أيام لعملية جراحية بالديار الفرنسية، وقد أثارت هذه السفرية عدة إشاعات في أوساط السياسيين والمثقفين، سيما وأنه كان بالإمكان إجراء تلك العملية بالمغرب، إذ يتوفر القصر الملكي على مصحة مجهزة بأحدث الأجهزة والمعدات الطبية، يشرف عليها أكبر الأطباء المتخصصين بالمغرب وأفضلهم.
وحسب مصادر من الرباط، كان لزاما إجراء العملية بعد حدوث تعقيدات، جراء علاج كان قد اتبعه الملك من قبل، مرتبط بـ "الكوتيكويد".
وقد أحيطت العملية الجراحية بسرية تامة وتزامنت مع ركود سياسي عرفته البلاد مما ساهم في بروز جملة من التساؤلات.
خلال فترة تواجده بالديار الفرنسية لم يقم الملك بأي نشاط علني أو شبه رسمي، علمت به وسائل الإعلام، كما جرت العادة في الزيارات الملكية الخاصة كلما حل الملك بفرنسا خلال السنوات الماضية. حيث كان يخصص يومين أو ثلاثة للتزلج على الجليد في جبال الألب أو الاسترخاء والراحة في إقامته بضواحي باريس.
هذه المرة سافر العاهل المغربي رفقة ابن عمه، الأمير مولاي إسماعيل، الذي لم يغادر لحظة واحدة إلى حدود رجوعه للقصر الملكي بالرباط.
تزامنت العملية الجراحية، التي خضع لها الملك بالديار الفرنسية، مع إحدى أكبر الأزمات السياسية التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، والتي برز في خضمها الرجل الثاني في النظام، فؤاد عالي الهمة، الذي يحاول خلق حزب جديد، "حركة لكل الديمقراطيين" المزمع تحويلها على المدى المتوسط إلى حزب وحيد، على غرار نماذج الديكتاتوريات والأنظمة الاستبدادية، التي مازالت آثارها قائمة في جزء مهم من العالم العربي، داخل صالونات النقاشات التي يرتادها مستشارو الملك، تثار فيها تشخيصات ومحادثات بخصوص سيناريوهات مستقبل المغرب "من أجل التمكن من استمرار التحديث الذي يستوجب أداة سياسية جديدة، اعتبارا لكون الأحزاب القديمة محسوبة على عالم الأموات".
إن التجربة التي صممها عالي الهمة فشلت إلى حد الآن بفعل مقاومة حزبين عريقين، حزب الاستقلال القومي وحزب الاتحاد الاشتراكي(usfp)، اللذان رفضا معا تحكم القصر في العملية عن بعد. لقد تخلى فؤاد عالي الهمة عن منصبه كعنصر فاعل في دائرة صناعة القرار وكوزير منتدب في الداخلية (والذي من خلاله كان يراقب ويوجه الإدارة المخزنية: السياسة الداخلية والخارجية، قضية الصحراء، الأجهزة الأمنية بما فيها الاستخباراتية)، وذلك من أجل الترشيح للانتخابات كمستقل (غير منتمي) في دائرة ريفية خلال الانتخابات التشريعية التي جرت في الخريف الماضي، وحقق سابقة لم يعرف المغرب مثيلها، إذ فازت لائحته بامتياز كبير بعد التصويت عليها حتى من طرف مناضلي الأطراف المتناحرة، وبذلك فازت بالمقاعد الثلاثة المخصصة للدائرة الانتخابية.
بعد افتتاح البرلمان، وفر فريق عالي الهمة مأوى لأكثر من ثلاثين سياسيا ساندوه وثمنوا نجاحه ملتحقين به كسبيل من سبل الارتقاء في عالم السياسة.
ومع إشعاع نجاحه أراد فؤاد عالي أن تفتح له "حركة لكل الديمقراطيين" أبواب خلق حزب سياسي جديد، الذي وفقا لأصدقائه ومسانديه، من شأنه تحويل المغرب إلى بلد حديث وعصري بإحداث قطيعة مع مخلفات الماضي المطبوعة بالتخلف والإقطاعية والفساد.
"فؤاد عالي الهمة لا يعرف المغرب على حقيقته [المغرب كما هو]"، هذا ما صرح به العربي المساري، إسباني الثقافة وأحد قادة حزب الاستقلال المرموقين، الذي سبق له أن كان وزيرا وسفيرا في عهد الحسن الثاني، مضيفا، "تكون بالمعهد الملكي ثم بوزارة الداخلية، ولا يعرف شيئا عن حقيقة المغرب".
أما مصطفى العلوي، مدير صحيفة "الأسبوع"، الأكثر انتشارا بالمغرب، كان أكثر وضوحا، حيث قال: "إن تجربة عالي الهمة، اكتسبها في دهاليز المخابرات وتتلمذ على يد إدريس البصري (وزير داخلية عهد الحسن الثاني على امتداد 20 سنة)".
ترى الأحزاب السياسية أن المغرب بصدد تكرار التجربة التي خطط لها الحسن الثاني في الستينات على إيقاع مستشاره، أحمد رضا كديرة في شبكة من أجل خلق أحزاب سياسية موالية مستعدة لتطبيق كل ما يريد.
أحاطت بـ "صديق الملك" هيأة أركان عامة "من الموالين له شخصيا وللملك، للشروع في التجربة، لكن هذه المجموعة الجديدة استمرت في اعتماد نفس النهج والممارسات التي ينتقدونها: المحسوبية، الغموض، الزبونية والمصالح الشخصية، وهذا ما لاحظه وعاينه مراسل صحفي طلب مقابلة مع بشير الزناكي، الناطق الرسمي باسم "حركة لكل الديمقراطيين"، إذ استدعاه إلى مكتبه، وبعد المكوث في قاعة الانتظار لمدة ساعة، خرج إليه الزناكي ليتهرب من الحديث معه دون أي تفسير.
هذا ما جعل الصحافة الأجنبية تعتقد أنه من العسير جدا تحديث النظام والبلاد بوجود مثل هذه الممارسات والتصرفات.

رد بيدرو كناليس على البلاغ 28 فبراير 2008

ردا على بلاغ وزارة القصور والتشريفات والأوسمة، كتب "بيدرو كناليس" مقالا نشره تحت عنوان: "EL PALACIO REAL MARROQUI RESPONDE A LA EXCLUSIVA DE EL IMPARCIAL" (القصر الملكي يرد على "إيل إمبرسيال"، مما جاء فيه: "[...] إن بلاغ القصر الملكي يعترف بسفر الملك محمد السادس إلى باريس في غضون شهر يناير الماضي قصد الراحة، وفي نفس الوقت أكد هذا البلاغ أن الملك يتمتع بصحة جيدة ولم يخضع لأية عملية جراحية بالديار الفرنسية".
ثم تساءل "بيدرو كناليس": "لماذا صدور هذا البلاغ ما دام أن وزارة القصور والتشريفات والأوسمة ليست من عاداتها الرد على ما تنشره وسائل الإعلام الأجنبية؟ [...] وللإشارة إن سفريات الملك الخاصة قصد الراحة بالديار الفرنسية، غالبا وعادة ما تكون قصيرة بجبال الألب بـ "كورسوفيل"، ويظهر خلالها للعموم".
ويختم "بيدرو كناليس" مقاله بالتذكير، إن مرض الملك الحسن الثاني ظل سرا، على الأقل مدة 4 سنوات، دون أن يعلم بذلك الرأي العام المغربي.

رد 29 فبراير 2008

استمر الصحفي الإسباني، "بيدرو كناليس" في ردوده، دفاعا عن مقاله الأول الذي أعلن فيه عن خضوع الملك محمد السادس لعملية جراحية بالديار الفرنسية في سرية تامة، بنشر رد يوم 29 فبراير 2008، تحت عنوان: "بخصوص صحته، ظهور الملك يضع حدا للإشاعات"، مما جاء فيه: "[...] لازال المغاربة لا يعلمون ماذا حدث خلال 35 يوما التي قضاها الملك بباريس رغم صدور البلاغ الذي كذب، جملة وتفصيلا، ما أورده موقع "إيل إمبرسيال" بخصوص العملية الجراحية التي خضع لها العاهل المغربي هناك. علما أنه في غضون شهر أكتوبر الماضي، خضعت الشقيقة الكبرى للملك، الأميرة لالة مريم، لعملية جراحية بسيطة تكللت بالنجاح، إلا أنها ظلت سرا قبل كشف الأمر بعد شهر من حدوثه، وعندما كشفت الصحافة عن عملية الأميرة، ووجهت بالتكذيب في البداية من طرف الدوائر المقربة من القصر الملكي، وبعد ثلاثة أسابيع اعترفت جهات رسمية بالأمر الواقع.
مازال هناك حرص شديد على سرية كل ما له علاقة بحياة العائلة الملكية، بدءا من الملك [..] إنها القاعدة السائدة، وتحرص الجهات الرسمية على تكريسها بأي ثمن. ويظل الاستثناء الوحيد بهذا الخصوص، حالة "الأمير الأحمر"، مولاي هشام، الذي خضع لعملية "القلب المفتوح"، وهو نفسه الذي بادر بإخبار أصدقائه والمقربين منه بالأمر، لإبلاغ الصحافة ومدها بصورته التي نشرت بالمغرب.

" نقص المعلومات" رد 2 مارس 2008

في مقال ثالث نشره في 2 مارس 2008 تحت عنوان "نقص المعلومات"، استمر "بيدرو كناليس"، في رده على بلاغ وزارة القصور والتشريفات والأوسمة، مما جاء فيه: "[..] تهافت المغاربة على شبكة الانترنيت قصد الإطلاع على كل ما من شأنه إفادتهم عن الحالة الصحية لعاهلهم، الملك محمد السادس، وذلك اعتبارا لفقر المعلومات الواردة في وسائل الإعلام [..] وعرفت صفحة موقع "هسبريس"، الذي نقل خبر خضوع الملك لعملية جراحية بفرنسا نقلا عن موقع "إيل إمبرسيال"، إقبالا منقطع النظير، لم يسبق أن عرفته صفحة أخرى بالموقع...".
ويضيف "كناليس": "مرد هذا التهافت الكبير أن المنابر الإعلامية المغربية، لم تول الاهتمام المنتظر لهذا الحدث، سيما وأن غياب الملك محمد السادس عن المغرب دام أكثر من شهر (35 يوما)، في صمت، وختم الصحفي الإسباني مقاله قائلا: "[..] أفادت مصادر ديبلوماسية لصحيفة "إيل إمبرسيال" أن العملية الجراحية لم تجر بالمستشفى العسكري لـ "فال دو كراس" بباريس، الذي استقبل ياسر عرفات سابقا، ومؤخرا عبد العزيز بوتفليقة، وذلك حرصا على ضمان السرية [..] سيما وأن عشرات المدنيين يعملون به (المستشفى)".

النبش في "النقط السوداء" و"المناطق المستترة"

أثارت زيارة الملك محمد السادس للديار الفرنسية جدالا واسعا في الأوساط السياسية المغربية، علما أنها كانت طويلة نسبيا خلافا لسابقاتها، حيث دامت أكثر من شهر (35 يوما)، شوهد خلالها بإقامة والدته بباريس وفي "أورو ديزني"، وتناسلت بخصوصها إشاعات بالداخل والخارج في ظل صمت مطبق، امتد حتى كسره البلاغ الأخير لوزارة القصور والتشريفات والأوسمة لتكذيب السبق الصحفي الدولي بخصوص الكشف عن العملية الجراحية التي خضع لها الملك محمد السادس بفرنسا حسب الصحفي الإسباني "بيدرو كناليس" بصحيفة "إيل إمبرسيال".
أصدرت وزارة القصور والتشريفات والأوسمة بلاغها، بخصوص تكذيب كل ما نشر حول خضوع الملك محمد السادس لعملية جراحية بالديار الفرنسية، جملة وتفصيلا، وهذا أمر حسم فيه من منظور القصر والجهات الرسمية، لكن ما يهمنا ليس هو البحث حول صحة أو صدقية ما نشره "بيدرو كناليس" من عدمهما، وإنما همنا الأساسي هو محاولة فهم لماذا اختصت بعض وسائل الإعلام الغربية، البصرية والمسموعة والمكتوبة، الرسمية منها وغير الرسمية، في النبش على بعض الجوانب من حياة وتصرفات الملك، بنية سيئة؟ ولماذا الاقتصار في تناولها لما أضحى ينعته البعض بـ "النقط السوداء" دون إدراجها في سياقها الحقيقي، إذ يكفيها الانطلاق من إشاعة، أو مما هو أقل منها؟ ثم لماذا تسعى بعض وسائل الإعلام الأجنبية إلى النيل من الملك والأسرة الملكية والقصر بالتركيز على بعض الجوانب أو النفخ فيها أو افتعال بعضها، سيما تلك المتعلقة بالحياة الخاصة للملك وأسرته بمناسبة تواجده بالخارج؟
فما هو غرضها وراء ما تقوم به في نهاية المطاف؟ هل هو فعلا تحقيق سبق صحفي لرفع مبيعاتها وجلب المزيد من القراء؟ أم أن غرضها غير المعلن، هو النيل من أهم رمز من رموز البلاد؟ وقبل هذا وذاك، لماذا أغلب "السكوبات" المتصلة بالملك والعائلة الملكية والقصر، تأتي على الدوام من وراء البحار؟
ستظل زيارة الملك الأخيرة للديار الفرنسية، والطويلة نسبيا مقارنة بسابقتها، شاخصة في الأذهان اعتبارا لكثرة الإشاعات التي حامت حولها، وللظرفية التي أتت فيها، وكذلك لارتباطها ببلاغ التكذيب الصادر عن وزارة القصور والتشريفات والأوسمة.
ومن الملفت للنظر أنه، قبل صدور البلاغ المذكور تناسلت عدة إشاعات داخل المغرب في صفوف أوسع الفئات الشعبية بخصوص الحالة الصحية للملك وزيارته لوالدته، "أم الأمراء" لالة لطيفة، بالعاصمة الفرنسية حيث تقيم منذ سنوات.
ومن الملفت للنظر أيضا في المدة الأخيرة، أن القائمين على أمور البروتوكول المخزني أضحوا يهتمون أكثر من أي وقت مضى، بتكذيب ما تنشره الصحافة، سواء المغربية أو الغربية، في آوانه، وهذا ما سبق وأن حصل بخصوص خبر حمل الأميرة لالة سلمى الثاني ووضعها، حيث تم تكذيب الخبر قبل الإعلان عن الوضع بأسبوع، وهذه ممارسة لم تكن قائمة في عهد الملك الراحل الحسن الثاني.
ويرى الكثيرون في إصدار بلاغات التكذيب، الرامية إلى إظهار الحقيقة، من شأنه المساهمة في وأد الإشاعات في إبانها وسد الطريق على أعداء المغرب الذين طالما استفادوا من صمت القائمين على الأمور وعدم الاكتراث بما ينشر بهذا الخصوص، علما أنه في السابق كان يتم الاقتصار على منع المنابر التي تنشر ما لا يروق القائمين على الأمور، من الدخول إلى المغرب، وهو أمر أضحى متجاوزا حاليا بفعل التطور التكنولوجي وانهيار الحدود التقليدية.
منذ اعتلاء الملك محمد السادس عرش البلاد تأكدت ظاهرة، أضحت قامة الآن، حيث أنه ما إن تنشر صحيفة إسبانية أو فرنسية، معروفة بعدائها، الظاهر أو المستتر، للمغرب ولملكه خبرا، حتى يلقى الصدى السريع والمباشر في جملة من وسائل الإعلام الجزائرية، والعكس صحيح أيضا، حتى ولو كان الأمر مرتبطا بمجرد إشاعة أو "خبر" صادر عن جهة غير موثوق بها. وهناك أمثلة كثيرة أثبتت هذه الظاهرة بدءا من الزيارات الملكية الرسمية بأمريكا وأوروبا، والزيارات الخاصة للأميرة سلمى والأميرة مريم والتداعيات المرتبطة بالحملة ضد الأمير هشام، واستغلال نازلة هشام المندري وقضية جزيرة ليلى، أما قضية الصحراء، فكانت على الدوام منطلقا للنفخ في الإشاعات والأخبار غير الموثوق بصحتها، سيما بعد إعلان المغرب عن مبادرة الحكم الذاتي التي أربكت كل الجهات المعادية للبلاد.
لقد أضحى معروفا عن الوسائل الإعلامية المعادية، سرا أو جهرا، للمغرب ولملكه، أنها تستغل أية ثغرة، مهما كانت بسيطة، لإثارة جو من الشك والريبة وافتعال التساؤلات، وخلق الإشاعات حتى ولو اقتضى الأمر ذلك، أو تضخيم تصرفات عادية بعد فصلها عن سياقها الحقيقي.
لا يستبعد البعض أن هناك جهات تستهدف الملك والعائلة الملكية، ولا تتردد في استغلال الإشاعات أو النفخ في تصرفات أو أحداث عادية جدا بغية تحقير المغرب في عيون الرأي العام الدولي، ولو أدى الأمر إلى هجوم مجاني على الملك لإفقاده هيبته وبريقه بين المغاربة.
ومما يسهل مهمات هذه الجهات في النيل من المغرب، استعمالها لبعض المغاربة المقيمين بالخارج، والذين يعتبرون أن وضعهم وتموقعم هناك يمكنهم من إظهار رغبتهم في تحقير المغرب لإبراز شخصيتهم، وشبكة الانترنيت تعج بكتابات هؤلاء الأشخاص، لكن دون أن يتمتعوا بالشجاعة الأدبية للكشف عن هويتهم، شغلهم الشاغل هو محاولة النيل من سمعة الآخرين، وهو واقع حال أضحى راسخا، مفاده أن "الملك في المغرب ليس موضوع أي نقاش أو اختلاف أو رفض من طرف الأغلبية الساحقة من المغاربة".
إن هم تلك الجهات المعادية للمغرب ولملكه، هي العمل على إظهار بأن الحكم المغربي هو حكم ضعيف، وفي هذا الصدد سبق لبعض الجهات أن استغلت حمل بعض أعضاء الحكومة لجنسيات أخرى، إضافة للجنسية المغربية، ولعبت على تباهيهم بحمل جنسية ثانية للنيل من المغرب على الصعيد العالمي، وحتى حدود اليوم تَمَّ إقصاء أكثر من ستة وزراء حاليين أو وزراء سابقين يحملون جنسيات أجنبية.
ففي أكثر من مناسبة لوحظ بوضوح، أنه من حين لآخر، يتم تسريب بعض الأخبار أو الإشاعات إلى بعض الصحف، منها من تسعى لتحقيق سبق صحفي، ومنها من تروم التهويل والاجتهاد في النفخ في بعض الأحداث أو التصرفات العادية لعرضها كنقط سوداء، للإيهام بأن العائلة الملكية تعيش أزمة داخلية أو خلافات، وغالبا ما يهم هذا الأمر صحفا صغيرة أو محدودة الصيت، وهذا ما سبق أن حصل بخصوص صحف ألمانية وبلجيكية وإسبانية وفرنسية، منها صحيفة "VSD" الفرنسية و"إيل إمبرسيال" الإسبانية و"باقشيش" الفرنسية وغيرها، وهي نفس الجهات والمنابر، بل نفس الصحفيين والصحفيات، الذين يهتمون أكثر من غيرهم بالملك والعائلة الملكية منذ 1999. وحتى بعد وفاة الحسن الثاني، لم ينج الملك محمد السادس وشقيقه الأمير رشيد وزوجته وشقيقته الكبرى وابن عمه الأمير هشام من شباك هؤلاء. وقد سارت تلك الصحف في اتجاه، هم في البداية الملك ومحيطه، ثم حملات ركزت على "الأمير الأحمر" ثم الأشخاص الأكثر قربا من الملك، لتعود من جديد إلى الاهتمام بالملك وزوجته، عبر استغلال صورة أو تصرف أو مشهد أو إشاعة كلما حلا بالخارج.
وإذا كان من الإيجابي قيام وزارة القصور والتشريفات والأوسمة بالرد، وهي ممارسة وجب تكريسها، إلا أنه يجب أن يكون في إبانه وأن يتضمن ما يشفي غليل الرأي العام بخصوص الصدقية والمصداقية والفحوى.

زوجة الملك لا تمشي على "الضس" وأخته ليست مريضة

وبطبيعة الحال، فإن الأمر لم ولن يتغير كثيرا، مع خلف الحسن الثاني، ونعني به الملك محمد السادس، حيث ظلت الأمور على ما هي عليه، ليس بتأطير من الدستور وقانون الصحافة، واللذان يجعلان شخص الملك وأفراد أسرته، مقدسين فحسب، بل أيضا بقوة العرف الذي سنه السلاطين القدامى، وكرسه الحسن الثاني، باستفادته من تكنولوجيا الإعلام، كما سبقت الإشارة. لذا لا يُمكن، على سبيل المثال، أن يتجرأ أحد على القول أو نشر خبر يُستفاد منه تنقيص من "قداسة" الملك وأفراد عائلته، حتى ولو تعلق الأمر بزوجة الملك، التي لا تنتسب من جانب العضوية السلالية للعائلة الملكية، وكلكم ما زلتم تتذكرون أنه كان كافيا أن تنشر أسبوعية "الجريدة الأخرى" المتوقفة عن الصدور لأسباب مادية، أن زوجة الملك محمد السادس تحب المشي حافية على "الضس" حتى انبرى لها - الجريدة نقصد - مدير البروتوكول الأستاذ عبد الحق لمريني، بكلمات شديدة اللهجة، الهدف الواضح منها كان هو وضع علامة "قف" وربما "قفقف" أيضا.
وبالأمس القريب جدا، نشرت إحدى الصحف اليومية، خبرا عن خضوع كبرى شقيقات الملك "مريم" لعملية جراحية، لينبري القصر برد كَذَّب الخبر، لكن مع تفصيل بسيط هو أن العملية تمت فعلا لسبب بسيط منذ شهور خلت، وبالتالي فإن صحة الأميرة مريم على خير ما يُرام.. نتمنى ذلك.

الحسن الثاني اكتشف أنه سيموت مثل باقي الناس؟

وبالعودة إلى عهد الحسن الثاني، نجد أن هذا الأخير لم يكن يمزح مع مَن يتعرض لأموره الصحية، وقد كان كافيا أن يقوم الصحافي الإسباني "بيدرو كناليس" وصحيفة "القدس العربي" بنشر خبر عن الوعكة الصحية الحادة التي ألمت به في الديار الأمريكية وكادت تودي بحياته، حتى تحرك وزيره في الداخلية إدريس البصري ليقود حملة صحفية على الصحافي الإسباني المذكور، ومنع عدد الصحيفة العربية المذكورة الذي تضمن إشارة، مجرد إشارة، إلى أن ملك المغرب مريض. أما الصحف المغربية، بمختلف عناوينها وألوانها الحزبية واللاحزبية، فلم يكن من الوارد مطلقا أن تخوض في هكذا موضوع ولو بالتلميح، ذلك لأن مسألة صحة الملك مقدسة، وبالتالي فهو ليس كباقي بني البشر الذين يمرضون ويأكلون ويشربون و...
وحسب الصحافي الفرنسي "جون بيير توكوا"، وبالتحديد في بعض صفحات كتابه الشهير "آخر ملك"، فإن الحسن الثاني أصيب في أواخر أيام حياته باكتئاب عميق، بعدما تدهورت صحته الجسدية، ولم يعد يستطيع التماسك وقوفا لأكثر من بضع دقائق، حيث انتبه أخيرا، إلى أنه مثله مثل باقي بني البشر، آيل إلى اضمحلال جسدي يعقبه الموت.

الحسن الثاني شاب في السبعين من العمر

في المغرب، وإلى عهد قريب، كان شخص الملك الحسن الثاني مرتبطا بالشباب الدائم، ألم يكن عيد الشباب في بلادنا حتى سنة 1999 ، تاريخ وفاته، مرتبطا بيوم ميلاده (أي الحسن الثاني)؟ ومَن يقول عيد الشباب يعني الصحة والعافية والعنفوان والحماس.. إلخ، أوصاف الفتوة والإقبال على الحياة، فكيف يا ترى يُمكن أن يتصور عاقل (أقصد مَن لم تتلوث منه الحواس والعقل بفيروسات الدعاية لأنظمة الحكم الشمولية) أن يكون رجل مثل الحسن الثاني في العقد السابع، وعلامات الوهن والضعف والمرض، بادية عليه مثل أي رجل مسن، شابا يجب أن يُقرن يوم ميلاده بعيد شباب المغاربة؟
بطبيعة الحال، الأمر يتعلق هنا بالسياسة الدعائية للدولة المخزنية في بلادنا، حيث يتوفر دائما خدام مركز السلطة الذين يزينون للحاكم "فضائله" الجسدية والمعنوية التي تجعله مختلفا عن العالمين (المغاربة حصرا)، وأنه هو "الرياضي الأول" و"الفنان الأول" و"السياسي الأول" و"المثقف الأول"... إلخ وغيرها من المواهب والمهن التي ظهرت على مر تاريخ البشر.
أما مسألة صحة الملك فكانت من الطابوهات التي لا يطالها قلم أو لسان، وذلك حتى لو كان الملك "مهلوكا"، كما حدث فعلا للحسن الثاني غير ما مرة على مدى الثمانية والثلاثين عاما التي استغرقها حكمه، حيث كان قد سبق له مثلا، أن أجرى عدة عمليات جراحية لأكثر من سبب صحي، كما أنه سقط من أثر الضعف والوهن حينما كانت دستة أمراض مزمنة قد نخرت جسده، كما حدث سنة 1995 بالولايات المتحدة الأمريكية. غير أنه لا شيء تسرب من ذلك إلى الرأي العام المغربي الذي كان مطلوبا أن تظل صورة الملك الحسن الثاني مرتبطة ب "القوة" و"الصحة" إن لم نقل الجبروت، وهذه من الأوصاف الضرورية لاستمرار الحكم وترسيخ دعائمه في النفوس والأذهان جيلا بعد جيل.

محمد الخامس عانى سرا من آلام صحية مُبرحة

هكذا إذن تتبدى أهمية أمور صحة وخبر موت حاكم البلاد الأول، أي السلطان أو الملك، في المغرب، إذ نجد مثلا بالنسبة للملك محمد الخامس، أنه كان يعاني كثيرا من متاعب صحية ، من بينها مثلا مشكلة إعوجاج في عظمة الأنف كانت تسبب له آلاما مبرحة، وهو ما كان سببا في إجرائه لعملية جراحية بسيطة، توفي بسببها أمام دهشة العالم، وهو لا يتجاوز بداية العقد الخامس من عمره، غير أن أخبار مرض الملك محمد الخامس لم تكن موضوعا يخوض فيه العوام، أو تنشره الصحف، حيث كان المطلوب من طرف كبار خُدام رجال المخزن، أن تظل صورة الملك مرتبطة بالصحة الجيدة.

جثة السلطان الحسن على صهوة جواد

وللحقيقة فإن هذه الخاصية ليست طارئة مع فترة حكم الحسن الثاني، وإن كان هذا الأخير قد "طعَّمها" أكثر بتوابل العصر ومظاهره (مثل استغلال وسائل الإعلام الجماهيرية وعلى رأسها التلفزة)، فقد كان هناك دائما حرص من طرف السلاطين الذين حكموا المغرب عبر مختلف العصور ليظلوا بمظاهر القوة والسطوة، مقترنين بصورة الفرسان الأشداء الملتصقين على الدوام بسروج وأعنة جيادهم. ولا غرابة في ذلك، حيث إنهم كانوا يعلمون أن الحكم الذي بين أيديهم، وصل إليهم بعد أن أُريقت على عتباته وفي أبهائه أنهار من الدماء، وأن الإحتفاظ به يجب أن يبقى دائما رهينا بمظاهر القوة والسطوة والنفوذ.
وقد يكون من الطريف والمفيد معا أن نورد هذه الواقعة السلطانية، التي احتفظت لنا بها بعض سطور التاريخ السياسي الحديث للمغرب، فقد حدث أن كان السلطان المغربي الحسن الأول (لقب الملك لم يبدأ سوى مع محمد الخامس) أواخر القرن الثامن عشر بصدد إحدى حملاته العسكرية، ل "تأديب" واحدة من قبائل الجنوب المغربي، كانت قد أعلنت التمرد، ورفضت أداء المكوس - أي الضريبة – وحدث في خضم ذلك أن ألمت بالسلطان وعكة صحية حادة، وذلك بدون شك جراء مرض مُزمن كان يشكو منه سرا، وتعقَّد الوضع الصحي للسلطان الحسن الأول، إلى حد أنه توفي وهو في خيمته بفضاء خلاء حيث ضُرِب معسكر جيشه المخزني، في إحدى جهات تادلة، ومخافة أن يكون خبر موت السلطان سببا لاندلاع الفوضى في البلاد، سيما في زمن التمرد القبلي (قبائل السيبة) ناهيك عن حسم أمر وراثة الحكم في الاتجاه المرغوب فيه، عمد كبير وزراء السلطان وهو أحمد بنموسى، الذي كان مُلقبا ب "با حماد"، إلى إبقاء خبر وفاة السلطان سرا، لكنه اتخذ جميع احتياطاته في سبيل ذلك، حيث اجتمع بخدم الحسن الأول والمقربين من أصدقائه وجواريه، وهددهم بعقوبة قطع ألسنتهم، إن هم أفشوا أمر وفاة السلطان قبل أن يتم إعلان الوفاة رسميا. وهو ما كان، لكن مأزق عبور موكب السلطان للمسافة الفاصلة بين منطقة تادلة والعاصمة ظل قائما، أتدرون ماذا فعل الصدر الأعظم (الوزير الأول) "با حماد" لتجاوز ذلك المأزق، لقد شد جثة السلطان الحسن الأول إلى حصانه وكأنه حي لا يُرزق فحسب، بل ويهش على حصانه ليحثه على الإسراع، وذلك حتى القصر السلطاني، حيث انتظر "با احماد" بعض الوقت قبل أن يُطلق براحة دار المخزن، ليقولوا للناس "يا عباد الله لقد مات مولانا السلطان الحسن الأول وعاش مولانا السلطان عبد العزيز". لقد كان هذا الأخير أصغر أبناء الحسن الأول، حيث لم يكن عمره يتجاوز السادسة عشرة، وأمر توليه الحكم كان من تخطيط "با حماد" الذي كان قد خطط منذ زمن طويل، بعد معرفته بدهاليز الحكم المخزني، بنقط قوته وضعفه، للاستفراد بشؤون الحكم، وتحقيق أطماعه المادية والسلطوية، غير أن هذا الأخير توفي هما وغما، بعدما ترَّكه المخزن.

صحة الحاكم العربي كجلمود

غير أن هذه التفاصيل قد لا تكون ذات بال، بالمقارنة مع الدول العربية في نفس الموضوع، فمؤخرا لم تتورع الحكومة المصرية عن مقاضاة وسجن صحافي لأنه نشر ما يُفيد باعتلال صحة الرئيس حسني مبارك الذي بلغ من الكِبر عتيا، وقبل ذلك كان الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، حريصا على أن يبدو مثل جلمود صخر، بالرغم من أن دستة أمراض كانت تهد قامته الطويلة، إلى غاية وفاته وقد تجاوز العقد السابع. ليخلفه ابنه بشار، ربما ليستمر الوجود البيولوجي لصحة السيد الرئيس حتى اجل غير مسمى.

الحالة الصحية للأباطرة والملوك من فولاذ
ظلت الحالة الصحية لأكبر شخص جالس على قمة هرم السلطة، في المجتمعات والدول عبر التاريخ أمرا مهما للغاية، ففي الإمبراطوريات القديمة، ومراكز الحكم التي أعقبتها عبر الأزمنة والعصور، حتى الوقت الحاضر، كانت صحة السيد الإمبراطور أو جلالة الملك أو فخامة الرئيس... إلى غيرها من ألقاب التعظيم، سرا مكنونا لا يعلم به إلا خاصة الخاصة في الدولة. حيث يشتد الحرص من طرف مختلف كبار رجال السلطة وأعوانها، على أن تظل مسألة صحة كبير الأكابر (أي رئيس الدولة) مسألة مقدسة، تُحاط بها الحجب والموانع السوداء الكثيفة، التي لا يُمكن أن تنفذ إليها عين متلصصة أو أذن متصنتة، إنها القاعدة الباترة، والويل لمن يلح في رسم معالم شاذة تكسر قاعدة السر المكنون.
مسألة صحة الإمبراطور كانت سرا من أسرار الدولة، لأنها كانت مرتبطة أشد ما يكون الارتباط بالمعارك العسكرية التي كانت تقوم بين مجتمعات وأمم الأزمنة الغابرة، أيام الأيونيين والإغريق والبيزنطيين والرومان وقبائل العرب في القديم والجحافل العسكرية المغولية والفايكنغ... إلخ إلخ، حيث كانت مسألة ظهور السيد الإمبراطور أو جلالة الملك أو السلطان أو شيخ القبيلة، أو حتى رئيس العصابة، بالنسبة لجماعات الإغارة على المدن والتجمعات السكنية حوالي مراكز الحكم القديمة.. مرتبطة - أي مسألة الظهور - بدلائل الفخامة والقوة والعظمة، وذلك حتى لو كان المعني، أي كبير القوم في الدولة، يعاني من آلام مبرحة مثلا في شرجه جراء أعراض مرض البواسير مثلا، أو المفاصل أو القلب أو النقرس إلى غيرها من الأمراض التي تصيب بني البشر في مسار حياتهم، وعلى امتداد سنوات رحلة العمر بهم.
مسألة الحالة الصحية لكبير الدولة، أو الجماعة أو القبيلة، اعتُبِرت دائما مسألة حاسمة في حالة الحرب والسلم، ففي هذه الحالة من شأن معرفة الخصم بمرض القائد العام،ففي ذلك نصف الهزيمة، وهو ما كان صحيحا على العموم، حيث تتأثر نفسيات قواد الجيش والجنود لغياب القائد، وعجزه عن إدارة رحى المعارك من على صهوة جواده أو من مكان عال يُطل على ساحة الوغى. ومن ثم ذلك الإلحاح القديم على محاولة الوصول إلى القائد العام للدولة أو الجيش أو القبيلة..، بشتى السبل لقتله، وبالتالي حسم نتيجة المعركة بنسبة النصف.
كان هذا في القديم، فماذا عن الوقت الراهن؟

زعماء الأنظمة الشموليين في القرن العشرين كانوا "سوبرمانات"

غني عن القول إن العصر الحديث لم يتخلص من تلك اللازمة البشرية، المتمثلة في هذه العبارة الساخرة، التي تتلوها وزارات الإعلام، أو الدعاية، في مجتمعات السلطة الشمولية، ونعني بها "صحة الزعيم من فولاذ".
فقد كانت تلك هي القاعدة مع دول المعسكر الاشتراكي السابق بزعامة الإتحاد السوفياتي، ففي هذه الأخيرة مثلا، كانت لدى كبار رجالات الحزب الشيوعي، الذي قاد البلاد منذ ثورة 1917 تعليمات صارمة بأن تظل صورة الزعيم في أذهان عموم جماهير البروليتاريا، شبيهة بأعمدة الرخام الضخمة، ومع ذلك فلم يكن سرا أن ستالين كان مثلا يشكو من دستة أمراض وتشوهات جسمية، منها مثلا أن ذراعيه لم يكونا بنفس الحجم، أما الفوهرر ادولف هيتلر فكان يشكو من النحافة وقصر القامة، والصحة المعتلة، لكن وزير دعايته غوبلز اجتهد، حتى أصبح مدرسة في مجال الدعاية للحكام الطغاة في العصر الحديث، فجعل من رجل قصير القامة، بشنب يُقربه كثيرا إلى حد التطابق، مع الشخصية الهزلية الشهيرة "شارلي شابلن"، أما موسوليني زعيم الفاشية الإيطالية في أواخر سنوات ثلاثينيات وبداية أربعينيات القرن الماضي، فكان الحرص كل الحرص، من طرف كبار رجالات الحزب وألوية الجيش، أن يظل "الشاب الخالد" في أذهان وأعين كل الإيطاليين والإيطاليات.
يمكن قول نفس الشيء عن كثير من الزعماء السياسيين في القرن العشرين، منهم مثلا الزعيم الصيني "ماو تسي تونغ" والفيتنامي "هوشي منه" والكوبي "فيديل كاسترو" والرئيس الفيليبيني السابق "فيرديناند ماركوس" والرئيس المصري "جمال عبد الناصر" والعقيد "معمر القذافي" حاكم ليبيا المطلق... إلخ إلخ.
وبحلول الإدارة الحديثة للصراعات الإقليمية والحروب بين الدول، عقب الحربين العالميتين، أصبح الهاجس الأساس، لصنع صورة الحالة الصحية "الفولاذية" للزعيم في أذهان البسطاء، هو القبض على زمام أمور تسيير دفة الحكم الشمولي، غير أن هذا لم يمنع دولا ديمقراطية، لا يُتوارث فيها الحكم أبا عن جد، مثل فرنسا مثلا، من أن تكون مسألة أسرار صحة الرئيس من الأمور التي توضع دونها الحُجُب والسواتر، كما حدث مثلا في هذا الموضوع مع الرئيسين السابقين "شارل دوغول" و "فرانسوا ميتران"، حيث ظلت المعاناة الصحية لهذا الأخير، مثلا، من داء سرطان البروستات، طي الكتمان، مخافة أن يكون ذلك مبررا كافيا لإنزال الزعيم الاشتراكي المذكور من فوق كرسي الرئاسة بمبرر "العجز الصحي".
وكان يجب انتظار سنوات ما بعد نهاية الولاية الأخيرة لميتران لمعرفة بعض التفاصيل المذهلة من معاناة السيد "الرئيس".






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,549,282,151
- منظومتنا الجبائية مطبوعة بالهاجس المالي وليس الاقتصادي
- دردشة مع الباحث الاقتصادي عبد السلام أديب
- -قضية بليرج- تفجر نقاشا حادا حول قانون الإرهاب
- مدونة الأسرة تحتاج للتصويب والتعديل
- الدولة تفكر في فرض ضرائب جديدة على المواطنين
- رفض تسليم صور من محاضر ووثائق ملف التحقيق يشكل مساسا بسيادة ...
- حوار مع المصطفى صوليح من أطر اللجنة العربية لحقوق الإنسان
- قضايا كبرى عالقة بالبرلمان
- رأي من البوليساريو
- إضراب 13 فبراير 2008
- الإعلان عن محاولة اغتيال محمد السادس بموريتانيا
- منع وحل الأحزاب السياسية بالمغرب أملته دائما منازعة السلطة ف ...
- فساد المال من فساد السياسة
- السيدا: من المتعة إلى الموت
- أوضاع سياسية واقتصادية كارثية واليسار تخلى عن دوره
- جولة فالسوم لإنقاذ مفاوضات الصحراء
- محاولة اغتيال الملك الحسن الثاني ومحمد أفقير ورضا كديرة بمرا ...
- فلاش باك2
- تعددت المؤشرات والإحباط واحد
- لا زلنا نشعر أننا بلا أمل


المزيد.....




- الحزن يأكل أوصالي
- أول لقاء بين الجيش الكولومبي و-فارك- في هافانا
- العراق.. قوات البشمركة تقتحم قضاء جلولاء
- العراق يشكل لجنة رفيعة للتحقيق بملابسات حادثة مسجد مصعب بن ع ...
- العبادي: لن نوافق على مقترحات الكتل السياسية المخالفة للدستو ...
- العراق العثماني ( 1532 - 1918 )
- امريكا تتهم طيارا صينيا -بالتهور-
- الاستخبارات البريطانية تكشف هوية قاتل الصحفي الأميركي
- طبيعة حراك الحوثيين وحقيقة مطالبهم
- أتلتيكو يسقط الريال ويتوج بكأس السوبر


المزيد.....

- تنظيم النضالات الطلابية وتوحيدها مهمة ماركسية لينينية بامتيا ... / حسن نارداح
- في تمرحل التاريخ / مهدي عامل
- في ذكرى صدور -البيان الشيوعي- / وديع السرغيني
- كيف نشأ اليسار الماركسي – اللينيني ؟ / الأماميون الثوريون
- أصغر معتقل سياسي بالمغرب / إدريس ولد القابلة
- جمهوريو المملكة المغربية / إدريس ولد القابلة
- اغتيال الشهيد عمر بنجلون... لابد من جلاء الحقيقة الضائعة / إدريس ولد القابلة
- المفترس بالفرنسية / كراسيي ولوران
- تزوير أم جهل بالمعطيات.! / مصطفى بن صالح
- عودة لمسألة التحالفات، وعلاقتها ب-اليسراوية- / وديع السرغيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - إدريس ولد القابلة - محمد السادس مريض.. وماذا بعد؟