أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف - دور قوى اليسار والديمقراطية في بناء دولة مدنية ديمقراطية علمانية  تضمن الحرية والعدالة الاجتماعية للجميع  - مصدق الحبيب - جوهر الديمقراطية















المزيد.....


جوهر الديمقراطية


مصدق الحبيب
الحوار المتمدن-العدد: 2183 - 2008 / 2 / 6 - 11:18
المحور: ملف - دور قوى اليسار والديمقراطية في بناء دولة مدنية ديمقراطية علمانية  تضمن الحرية والعدالة الاجتماعية للجميع 
    


"مقدرة الانسان على تحقيق ونشر العدالة تجعل الديمقراطية مشروعا ممكنا، لكن نزوع الانسان الى غبن وظلم أخيه يجعلها مشروعا ضروريا حاسما"
راينهولد نايبر

"توق الانسان الى الحريّة عبارة عن حاجة فطرية طبيعية. لكن اكتساب الحرية عبر الديمقراطية يُعدُّ أمراً مختلفاً، على الانسان أن يتعلمه، ويجتهد فيه، ويكافح من أجله، ويخلص في الحفاظ عليه، ويلتزم بمسؤولية ابقاءه حياً مزدهراً".
هاورد سنكوتا

ان جوهر الديمقراطية ونواتها المركزية هو الحرية. فكل ما تهدف الديمقراطية اليه، بكل تعقيداتها واشكالياتها، هو في نهاية المطاف تحقيق حرية الفرد وحرية المجتمع وحرية البلاد وحرية الانسانية جمعاء في اتخاذ قراراتها المصيرية بمشيئة ارادتها الكاملة، وبوحي من ضميرها الحي، ودون التعرض الى اي ضغوط قسرية خارجية. فالهدف الاسمى هو الحرية، لكن الوسيلة لبلوغ ذلك الهدف هي الديمقراطية، بأعتبارها الآلية المنظمة التي يتم بواسطتها تحويل المبادئ السامية لحقوق الانسان الى نظم وقواعد واجراءات وسلوك ومنهج حياة تقود جميعها الى تحقيق الحرية. ولأن هذه الحرية لاتتعلق بفرد او نخبة او طائفة معينة، فهي حرية الجميع، وان ملكية تلك المبادئ والنظم والقوانين لابد ان تعود الى الجميع. ومن هنا جاء تعريف الديمقراطية بأنها "حكم الشعب". أي ان الملكية الحقيقية للوسيلة والهدف هي ملكية جمعية عامة تعود الى الشعب بأكمله. على ان هذا المفهوم ليس بموضة جديدة اخترعها الليبراليون المعاصرون، انما مفهوم قديم يعود الى عهود الانظمة اليونانية والرومانية الاولى. فالمصطلح الاولي (dimokratia ) هو مصطلح يوناني مركب من كلمتين هما: (dimos) التي تعني عامة الناس، و( kratos ) التي تعني حكم اوسلطة اوقضاء.

تستند الديمقراطية، كمجموعة من النظم والوسائل، الى موقف فلسفي يقدس حق المجموع العام في ادارته لشؤونه ويؤمن بقدرته على تنفيذ هذه الادارة والنجاح فيها، ويرفض رفضا قاطعا التخلي عن هذا الحق لاي جهة فردية أو جمعية تنصب نفسها وليا بالقوة او الخديعة او الوراثة أو الوحي الديني او بأي سبيل آخر غير الاختيار العام لذلك المجموع. وهي بهذا مفهوم شامل ينطبق على أي مجموع عام مهما كان حجمه أو عدد أفراده، من العائلة الى شراكة تجارية بين شخصين أو ثلاثة الى فريق رياضي الى منظمة او جمعية او مؤسسة ، ووصولا الى الكيانات الحكومية التي تخص شؤون المدينة او الاقليم او البلاد او منظمة من البلدان. ولأن ماهو شائع الكلام عنه هو الديمقراطية على المستوى الوطني، فإن المجموع سيكون الشعب برمته. ولهذا السبب يصبح مفهوم الديمقراطية صنواً لصيغة الحكومة ودليلا لمنهج عملها واسلوبها العام في اتخاذ القرارات الاساسية في الحكم وادارة شؤون البلاد.

السؤال الشائع هنا هو: هل يتسنى فعلا ً وحقيقة ً لكل فرد من افراد الشعب ان يساهم باتخاذ القرارات المصيرية في شؤون ذلك الشعب؟ والجواب يكمن في التفريق بين الديمقراطية المباشرة والديمقراطية النيابية.

صيغ الديمقراطية

يعج الادب السياسي بمسميات ومصطلحات عديدة للديمقراطية مصنفة اما بموجب فلسفة الدولة وتوجهاتها او الصيغة التي يتم فيها تشكيل الحكومة او اساليب التصويت. وهذه الانواع هي الديمقراطية البرلمانية والديمقراطية الليبرالية والديمقراطية الاشتراكية والديمقراطية الاجماعية وحتى الديمقراطية الفوضوية. الا ان التصنيف الاساسي هو الذي يعتمد تقسيم الديمقراطية تبعا لطرق تمثيل الشعب الى نوعين :

- الديمقراطية المباشرة: التي يتم بموجبها الاشتراك المباشر من قبل افراد المجموع عن طريق التصويت الشامل او الاستفتاء الشعبي العام. ولاشك بأن يكون هذا النمط من المساهمة أكثر صدقا وواقعية في تمثيل المجموع. الا انه يصبح متعذرا من الناحية اللوجستية مع ازدياد حجم المجموع. افضل المجالات في تطبيق الديمقراطية المباشرة هي الكيانات الصغيرة من منظمات وجمعيات وشركات واحزاب وحتى حكومات المدن الصغيرة. لقد كانت الديمقراطيات الاولى في أثينا وروما القديمتين ديمقراطيات مباشرة لم تشهد صعوبات لوجستية ذلك ان حق الانتخاب لم يكن يشمل النساء والعبيد وعوام الناس فكان مجموع الناخبين لايتجاوز خمسة آلاف نسمة يحضرون في مكان واحد ويدلون باصواتهم في قضية ما. يعتقد بعض الناقدين لنمط الديمقراطية المباشرة بأنها رغم حسنتها المشهودة في واقعية تمثيل الشعب فأن سيئتها الكبرى، اضافة الى انها غير عملية ومكلفة، هي انها تسمح للغوغاء والمخربين ان يفسدوا عملية التصويت. وحقيقة الحال ان التأريخ لم يشهد اي نظام يمتلك المناعة الكاملة من تخريب المخربين.

- الديمقراطية التمثيلية او النيابية: وهي الصيغة الاكثر شيوعا التي تسمح، ولاغراض عملية ولوجستية بالدرجة الاولى، في ان تتم مساهمة الشعب في اتخاذ القرارات عن طريق مساهمة ممثليه ونوابه المنتخبين. يقوم هذا النمط على فلسفة قوامها ان الشعب يمنح الشرف وحق الامتياز لمن ينتخب لتمثيله مفترضا فيه ان يمتلك القدرة ويتحلى بالنزاهة والاخلاص ويقسم ان يبذل اقصى طاقاته للارتقاء الى مستوى ذلك الشرف الذي لايمكن ان يترجم الا في تأدية واجباته في خدمة الشعب على اكمل وجه، واشباع حاجاته والحفاظ على مصالحه. وبموجب هذه الفلسفة ايضا يمتلك الشعب الحق والمسؤولية في متابعة ومسائلة النواب في القضايا المتعلقة بأداء واجباتهم. كما ان للشعب الحق والمسؤولية في سحب الثقة والغاء الامتياز من كل من لايرقى للمستوى المتوقع من تأدية الواجبات الوطنية. على ان من المثالب اللكبرى لهذه الصيغة هي ان تتركز السلطة الحقيقية بيد فئة قليلة مما يزيد من احتمالات حصول الفساد الاداري والمالي. يتفاقم مثل هذا الحال اذا ما انحدر النواب الى هوة تفضيل خط الحزب او القومية او الدين الذي ينتمون اليه على الخط العام لخدمة الشعب بأكمله، وعندما يتغلب ولائهم الحزبي او العنصري او المذهبي الضيق على ولائهم الوطني الكبير. وقد يحدث الاسوأ عندما يتحول نواب الشعب الى مرتزقة يقاتلون من اجل اعلاء كلمة الشركات او المنظمات والجمعيات الكبرى التي تضخ امولا طائلة في حملاتهم الانتخابية وتنفخ زورا في صورهم الاعلامية وتساعدهم على الحياز على مقاعدهم البرلمانية.

اشكالية الديمقراطية والانتخاب

من الاشكاليات الشائعة في هذا المجال هي اشكالية الخلط بين الديمقراطية والانتخاب، ليس على المستوى الشعبي فحسب انما على المستويات الرسمية الممثلة بأدبيات الاحزاب السياسية والبرامج الحكومية وما شابه من مستويات ينبغي ان تكون مخلصة للحقائق الموضوعية والاحداث الواقعية. وبناءً على هذا الخلط تعتبر الغالبية العظمى من حكومات بلدان العالم نفسها بأنها حكومات ديمقراطية لمجرد توفر مايشبه الانتخاب او شئ منه مهما صغر شأنه وتشوه منحاه. في استفتاء عالمي جرى عام 2006 وصفت كل حكومات العالم نفسها بأنها حكومات ديمقراطية ماعدا حكومات الخليج العربي (السعودية، الكويت، قطر، البحرين، الامارات، وعمان) اضافة الى سلطنتي بروناي وفوتان الصغيرتان في الشرق الاقصى، حيث لم تجرؤ هذه الحكومات ان تدعي الديمقراطية!

فبالرغم من ان الانتخابات تمثل ركنا أوليا واساسيا في النظام الديمقراطي، فلا يمكن مطلقا ادعاء الديمقراطية لمجرد حصول الانتخابات. علما ان الديمقراطية الحقيقية لاتشمل الا الانتخابات الحرة والعادلة والمنظمة بموجب المعايير العالمية المعروفة والخاضعة الى التدقيق والموازنة والتي يشرف ويصادق عليها لجان نزيهة وكفوءة ومستقلة. ولذلك، فحتى لو شاء للانتخابات ان تستوفي كل المواصفات المذكورة فسيبقى من غير المعقول مساواتها بالديمقراطية لانها مجرد جزء بسيط منها. ومن هنا يمكننا القول بان الديمقراطية الحقيقية لايمكن لها ان تتجسد بجدارة في أي مجتمع الا اذا تجاوزت كونها مجرد مجموعة من الانظمة والقواعد الى كونها منهج حياة شامل وسلوك اجتماعي عام ونمط تفكير، ليس فقط على المستوى الرسمي انما على المستويات الشخصية والفردية ايضا.

ركائز الديمقراطية

يستند النظام الديمقراطي الحقيقي على الركائز الرئيسية التالية:

- سيادة الشعب: أي ان الارادة الجمعية هي المرجع الاول والاخير لكل مايجري في البلاد، الامر الذي يفترض غياب اي تفرد او استبداد او استئثار من قبل اي فرد او مجموعة مهما كان السبب وتحت اي ظرف. في معرض ترديده لتعريف الديمقراطية، توسع الرئيس الامريكي السادس عشر ابراهام لنكن ( 1809-1865) قائلا: " الديمقراطية تعني ان تكون هناك حكومة من الشعب والى الشعب وبواسطة الشعب ".

- دستور وطني شامل يكتب ويناقش ويقر كونه القانون الاسمى للبلاد ودليلها العام.

- حكم القضاء الحر المستقل الذي يحتكم الى الدستور الوطني ولايسمح لأي أحد مطلقا ان يرقى فوق القانون. لقد عبر عن ذلك جان آدمز، الرئيس الثاني للولايات المتحدة (1735-1826) خير تعبير بقوله " لايحكم الرجال في الديمقراطية الدستورية، انما تحكم القوانين".

- مساواة المواطنين امام القانون وضمان الحقوق الانسانية والحريات المدنية للجميع.

- التعددية السياسية والحرية الكاملة للعمل السياسي. ومن الممكن ان يجيز الدستور الوطني منع وتحريم العمل في توجه سياسي معين اذا اثبت التاريخ واشارت الدلائل الواقعية الى عدم اهلية ذلك التوجه السياسي لخدمة الشعب ونزوعه الى الدمار والتخريب.

- فصل السلطات الرئيسية الثلاث وموازنة ومراقبة ادائها المتبادل من اجل منع التحزب والتكتلات والحيلولة دون حصول الفساد وتنامي الاستبداد والتهميش. يجري عادة ان تقوم السلطة التشريعية (البرلمان) والسلطة التنفيذية (الرئيس ورئيس الوزراء والوزراء) بمراقبة وتقويم اداء بعضهما، فيما تعمل السلطة القضائية الفدرالية العليا على ضمان حصول كل شئ بموجب الدستور الوطني وتبعا للقانون، كما تعمل كونها الجهة الاخيرة التي يحتكم اليها الجميع.

- فصل الدين عن الدولة: وهذه ركيزة اساسية لايمكن للديمقراطية الحقيقية ان تتجاوزها اوتقوم بدونها مطلقا وبتاتا مهما حاولت التنظيرات التبريرية التي تروجها الاحزاب والتجمعات الدينية التي تُلبس النشاط الديني معطفا سياسيا او تغطي النشاط السياسي بغطاء ديني.

- فصل العمل العسكري عن العمل السياسي وضمان السيطرة المدنية على القوات المسلحة: تكتسب هذه الركيزة اهمية استثنائية في البلدان التي يحفل تأريخها بالتسلط العسكري والانقلابات الثورية. وبذا ينبغي على النظام الديمقراطي الناشئ ايلاء الكثير من الاهتمام الى اعادة تأهيل وتعليم وتدريب منتسبي القوات المسلحة على فهم واستيعاب وتقبل وممارسة المنهج الديمقراطي والتركيز على ان مهمة القطاع العسكري الاولى والاخيرة هي حماية البلاد وصيانة سيادتها ضمن الاطار الذي يحدده الدستور الوطني وتحت أمرة السلطة التنفيذية.

- انتخابات شعبية حرة تنافسية منظمة تخضع لمعايير دولية وتدار من قبل هيئة وطنية مستقلة وكفوءة ونزيهة.

- هيكل شامل ومتشعب من منظمات المجتمع المدني ومؤسسات وجمعيات النشاط المهني التي تتمتع بشرعيتها وسلطتها المستقلة وتسهم في اشاعة الثقافة الديمقراطية وتوسيع ممارستها وترسيخ اخلاقيتها. وهنا تجدر الاشارة الى ضرورة لجوء هذه الكيانات الى الاعتماد على النفس والاكتفاء الذاتي ونبذ الارتباطات السياسية والمالية مع الحكومة.

- نظام تعليم حر مستقل يعيد النظر في المناهج التربوية والتعليمية معتمدا على التحليل العلمي والجدل الموضوعي ومواكبا أحدث التطورات العلمية والتكنولوجية. يصاحبه برنامج ثقافي شامل يعتمد الحرية والابداع ويعيد صياغة التوجه الثقافي بما يرسخ قيم السلام والتعددية والتسامح واحترام الاختلافات، وينمي سلوك حل النزاعات بالطرق السلمية، ويعزز مشاعر المواطنة والولاء للارض والشعب.

- اقتصاد حر مستقل وقوي يركز على استثمار الثروات الطبيعية والبشرية في البلاد ويرتبط بالعالم الخارجي بعلاقات براغماتية تصون المصالح المشتركة المتكافئة وتدر العائد الاقتصادي الاقصى.

- صحافة حرة مستقلة ومتعددة المصادر والقنوات ومتباينة التوجهات، الامر الذي يجعل من عملها الجمعي وسيلة لتعزيز الوضوح والشفافية واداة لكشف الحقائق ومتابعة عمل النظام الديمقراطي وتقويم اداءه.

- التداول السلمي للسلطة: يؤدي نظام الانتخابات الى ان تفوز جهة وتخسر جهة اخرى. على ان الفوز والخسارة يقيسان مدى ثقة الشعب بالمرشحين. ففي حين تنصرف الجهة الفائزة لادارة شؤون الحكم، تنصرف الجهة الخاسرة الى تشكيل المعارضة التي تركز على مراجعة برنامجها وتحليل اخطائها والتهيؤ لاكتساب ثقة الشعب في الدورة الانتخابية اللاحقة. كما انها تعمل قصارى جهدها لمتابعة ومراقبة اداء الحكومة الجديدة وتقويمه عن طريق النقد البناء. واذا حدث ان تفوز هذه الجهة في المرة القادمة سيتم تبادل السلطة بسلام وانسجام وتتحول الجهة الاولى الخاسرة هذه المرة الى قوة معارضة. وهكذا سوف تؤدي المنافسة الحرة النزيهة بين الاطراف الى السباق لتقديم الخدمات الافضل للشعب من دون قتل او سجون او تعذيب او نفي.

- وأخيرا وليس آخرا فإن من ركائز الديمقراطية الاساسية هي الحكومة القوية الصارمة والعادلة المدعومة بقطاعي الجيش والشرطة وكل مايستلزمان من امكانات التسليح والتدريب الحديثة. ان سياسة الحرية والتسامح ونبذ الاستبداد وانهاء القمع لاينبغي مطلقا ان تفسر كمؤشر لضعف النظام وعجزه عن مواجهة اعدائه في الداخل والخارج. على الحكومة الديمقراطية ان تكون في منتهى اليقضة والحذر مما قد يحاك ضدها من مؤامرات. كما عليها ان تكون مستعدة ان تضرب بيد من حديد على قوى الارهاب والتخريب والشغب، وتقض مضاجع المفسدين والمختلسين والعابثين بالاموال العامة ومبذري الثروات الوطنية. لكنها ينبغي ان تعتمد سلطة القانون وتستند على الادلة الدامغة ولاتنقاد وراء الاشاعات والدسائس، او تنحدر الى درك الفضائح والثأر والانتقام.

حكم الاغلبية وحقوق الاقليات

طالما ان الديمقراطية تفترض المساواة بين المواطنين وتعتبرهم احرارا في التعبير عن مشاعرهم وتهيئ لهم نظام التصويت لاتخاذ قراراتهم، يترتب على هذا ان يصار الى تبني القرار الذي تتخذه اغلبية المصوتين ورفض القرار الذي تتخذه اقلية المصوتين. لكن هذا النظام المعقول والمنصف عمليا قد لايكون عادلا في بعض القضايا الحيوية التي قد تخسر فيها الاقلية قرارت تتعلق بمصير وجودها او قرارات تتعرض الى الحقوق المدنية والانسانية لتلك الاقلية. ومن هنا قد ينشأ مايسمى بـ "طغيان الاغلبية". تلك الظاهرة المحتملة التي تضع مسؤولية كبيرة في عنق النظام الديمقراطي الحقيقي وتلزمه باتخاذ الاحتياطات اللازمة والعمل على تثبيت المواد الدستورية الكفيلة بمنع حصول مثل ذلك الطغيان. على الدستور الديمقراطي الحقيقي ان يكون صريحا وواضحا في ترسيخ موضوعة ان حكم الاغلبية ليس حكما مطلقا بل ينبغي ان يكون ملازما لمبدأ صيانة حقوق الاقليات ومصحوبا بضمانات دستورية تثبت تلك الحقوق وتجعلها غير خاضعة للابطال او الالغاء. كما ان على الثقافة الديمقراطية الحرص والعمل على ان لايفهم موضوع صيانة حقوق الاقليات لا لكونه منحة او مكرمة او فضل تجود به الاغلبية على الاقلية ولالكونه ورقة مساومة تلوح بها الاغلبية لانتزاع تنازلات الاقلية، انما هي حقوق طبيعية مشروعة ومستحقة شأنها شأن حقوق الاغلبية. في الحقيقة ان من صالح الاغلبية ان تصون حقوق الاقلية لان في ذلك اضفاء الشرعية الاكبر لحكم الاغلبية. لقد صرح توماس جيفرسن، الرئيس الثالث للولايات المتحدة (1743-1826) بأنه "سوف لن يكون لحق الاغلبية اي اهمية او معنى اذا تسبب هذا الحق بفقدان حق الاقلية".

سلطة الديمقراطية وصيغة الحكومة

يتميز النظام الديمقراطي بسلطته غير الهرمية المتوزعة على ثلاث سلطات رئيسية هي:

- السلطة التشريعية أو البرلمان الذي يضم ممثلي الشعب المنتخبين أما بشكل مباشرأو عن طريق فوز احزابهم وكتلهم السياسية. وقد يتألف البرلمان من عدد من الممثلين من عموم البلاد حيث يتم تقريرهذا العدد بناءً على اعتبارات مختلفة اكثرها شيوعا التقسيم الجغرافي والاداري للبلاد وعدد السكان في تلك التقسيمات. يحدث احيانا وكما هو الحال في الولايات المتحدة ان يكون هناك اكثر من معيار لتحديد عدد النواب، وذلك من اجل الحيلولة دون غبن المناطق التي يقل فيها عدد السكان. ولذلك فان البرلمان الامريكي يتكون من مجلسين منفصلين مجلس الشيوخ الذي يتألف من نائبين لكل ولاية، ومجلس النواب الذي يتألف من ممثلي الولايات الذين يتناسب عددهم مع حجم السكان في كل ولاية. المهمة الاساسية لهذه السلطة هي صياغة ومناقشة واقرارالقوانين والمشاريع الوطنية والتصويت اما بالمصادقة عليها او رفضها.

- السلطة التنفيذية أو مايسمى بالحكومة والتي يختلف تشكيلها بموجب نموذجين:

* النموذج الانكَليزي الذي يعطي مهمة تشكيل الحكومة الى الحزب او الكتلة التي تفوز بأغلبية الاصوات في الانتخابات البرلمانية. ويصبح عادة رئيس ذلك الحزب او الكتلة رئيسا للوزراء الذي يضطلع بدوره بمهمة اختيار وترشيح الوزراء وتقديم حقيبته الوزارية الكاملة الى البرلمان للمصادقة عليها. يأخذ رئيس الجمهورية أو الملك في هذا النموذج دورا فوقيا فخريا. يتبع هذا النموذج اضافة الى بريطانيا، العديد من البلدان الاوربية وكندا والهند وعدد من بلدان آسيا وافريقيا والبحر الكاريبي.

* النموذج الامريكي الذي يعتمد الفصل بين الانتخابات البرلمانية وانتخابات الحكومة. يقوم الشعب بانتخاب رئيس الجمهورية ونائبه في انتخابات مباشرة وشاملة لعموم البلاد. ويقوم الرئيس الفائز بتشكيل الوزارة وتقديمها الى البرلمان للمصادقة. وهنا تنتفي الحاجة الى رئيس الوزراء، كما قد لايكون رئيس الجمهورية بالضرورة من كتلة الاغلبية في البرلمان. يتبع هذا النموذج اضافة الى الولايات المتحدة، فرنسا وبولندا والفليبين وعدد من بلدان امريكا اللاتينية.

- السلطة القضائية التي تتكون من المحكمةالفيدرالية العليا وهيكل المحاكم التي دونها. ومهمتها الاساسية هي التأكد من مطابقة الواقع وانسجامه قانونيا مع ما يرد في الدستور.

ومن هنا يتضح بأن السلطة الديمقراطية لاتتركز بيد الحكومة ، كما ان الحكومة لاتمثل السلطة العليا او المطلقة كما هو الحال في الانظمة غير الديمقراطية. فالحكومة ركن من اركان السلطة الاساسية، بل هي اداة السلطة الديمقراطية في أداء الواجبات الوطنية والقيام بخدمة الشعب. على ان مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات المهنية تضطلع هي الاخرى بنسبة كبيرة من الواجبات الوطنية وتقدم الجزء الاعظم من الخدمات الوطنية. وبحكم طبيعة هذه المؤسسات والمنظمات المستقلة فانها تسهم بشكل غير مباشر في تحجيم دور الحكومة وتقليل نفوذها اضافة الى دورها في متابعة عمل الحكومة ومراقبة ادائها. ومن هنا يكون من صالح الحكومة ان تتسابق مع تلك المنظمات لتقديم الخدمات الافضل للشعب والنيل من رضاه. وهذا اختلاف جوهري كبير بين النظم الديمقراطية والنظم الاستبدادية التي تفرض هيمنتها على الشعب وتنتزع ولاءه بالقوة والاكراه في الوقت الذي لاتشعر بأي التزام لتقديم الخدمات.


المصــادر

Arneson, R. (2002). Democracy at the national level. In Philosophy and Democracy, T. Christiano (Ed.), Oxford University Press.

Chomsky, N. (2000) Rouge States: The rule of force in world affairs. Pluto Books.

Christiano, T. (2004). The authority of democracy. Journal of Political Philosophy, Vol.12, No.3, August, 266-290.

Cincotta, H.(Ed.) (2007). What is democracy. USINF.State.gov.

Columbia Encyclopedia

Crick, B. (2002). Democracy: A very short introduction. Oxford University Press.

Dahl, R. (1963). A preface to democratic theory. Chicago University Press.

Dworkin, R.(2000). Sovereign virtue: The theory and practice of equality. Harvard University Press.

Encarta Encyclopedia

Goodwin, R. (2003). Reflective democracy. Oxford University Press.

Gould, C. (1988). Rethinking democracy: freedom and social cooperation in politics, economics, and society. Cambridge University Press.

Mansbridge, J. (Ed.), (1990). Beyond self-interest. Chicago University Press.

Marshal, G. (1998). Democracy. Dictionary of Sociology. Oxford University Press.

Sen, A. (1999). Development as freedom. New York: Knopf Publications

Stanford Encyclopedia of Philosophy

Young, I. (1990). Justice and the politics of difference. Princeton University Press.

Wikipedia Encyclopedia





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الحريّة الأكاديميّة ونظام التعليم الحر المستقل
- معرض مصدق الحبيب: ‏احتفال بصري في الشكل واللون والضوء
- هذه هي مسؤولية الجنرال سلطان هاشم
- في مفهوم الحريّة
- حول شرعية الفن الاخلاقية
- حول ماهية الفن
- التكعيبيّة واستحقاق الريادة في الفن التشكيلي المعاصر
- آهٍ ، لو يتقاتل المتطرفون مع بعضهم
- اغتيال الزهاوي: انتكاسة اخرى للثقافة العراقية
- لا تضيّعوا الفنان محمود صبري
- لاتضيّعوا الفنان محمود صبري
- المصالحة الوطنية:تساؤلات في التجربة العراقية وتأملات في تجار ...
- فوز شذى حسون: رسالة الفنانين ضد رسالة الاسلامويين
- الليلة التي حملتني فيها الملائكة الى الجنّة
- حول اصول واخلاق الحوار البرلماني
- تصميم مقترح للعلم العراقي الجديد
- حول تسييس الثقافة وأدلجة الفنون والآداب
- عن العلمانية والدين والسياسة
- حول جدليّة المعيار الجمالي في الفن والادب
- عبد الكريم قاسم: النزاهة الاسطورية والشموخ البطولي


المزيد.....




- البنتاغون: مقتل العشرات من عناصر داعش في ضربة أميركية باليمن ...
- صحف عربية تناقش تنامي النزعة الانفصالية حول العالم
- ترامب يهاجم كوبا ويتهمها بالإضرار بـ 22 دبلوماسيا أمريكيا
- الخارجية الأمريكية تكشف الموقف الرسمي لواشنطن من أزمة كركوك ...
- الجزائر: صدور قانون التمويل غير التقليدي وسط مخاوف من شبح ال ...
- لقاء خاص لـRT مع جبريل الرجوب أمين سر اللجنة المركزية لحركة ...
- مقتل مدونة مالطية اتهمت الحكومة بالفساد
- تدنيس قبور لمسلمين في لوزان السويسرية
- 117 مليون نسمة واجهوا خطر الفقر بدول الاتحاد الأوروبي عام 20 ...
- معارضة جنوب السودان تجتمع في كينيا -لتنسيق الأصوات-


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف - دور قوى اليسار والديمقراطية في بناء دولة مدنية ديمقراطية علمانية  تضمن الحرية والعدالة الاجتماعية للجميع  - مصدق الحبيب - جوهر الديمقراطية