أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عبد الحسين شعبان - غاندي وروح التسامح واللاعنف














المزيد.....

غاندي وروح التسامح واللاعنف


عبد الحسين شعبان
الحوار المتمدن-العدد: 2185 - 2008 / 2 / 8 - 11:40
المحور: حقوق الانسان
    


في 30 يناير الماضي مرّت الذكرى الستين لاغتيال الزعيم الهندي المهاتما غاندي. ففي العام 1948، هاجم متطرف هندوسي غاندي وأرداه قتيلاً، واضعاً حداً لحياة زعيم اقترب من «التقديس» لدى الشعب الهندي بمختلف توجهاته وقومياته وأديانه وطوائفه وطبقاته الاجتماعية. وقد فتحت عملية الاغتيال صفحة جديدة من العنف أودت بحياة زعامات هندية مثل أنديرا غاندي ابنة جواهر لال نهرو، وراجيف غاندي وآخرين.
لعل القاتل لم يفكّر في الإجابة عن سؤال طالما ظل يقلق غاندي ويسعى لاختبار مصداقيته، وهو مستغرق في نضاله لتحرير بلاده: هل هناك جدوى من العنف؟ وهل يمكن الوصول إلى الهدف باللاعنف والتسامح؟ وقد فضّل غاندي الخيار الثاني رغم العذابات والحرمان، لكنه لم يكن يتوقع أن الغدر سيأتيه هذه المرة على يد هندوسي بعد أن تمكّن من إحراز النصر لشعبه.
كان غاندي يؤمن باللاعنف، وبواسطته استطاع هزيمة أكبر إمبراطورية في عصره «بريطانيا العظمى». فهذا الرجل الأعزل نصف العاري، بنمط حياته البسيط، وبعلاقته الحميمة بشعبه، استطاع أن يثبت للعالم أن إحدى وسائل المقاومة هي اللاعنف والتسامح، والقدرة على إنجاز مشروع التحرير واستعادة السيادة والحقوق بالمقاومة السلمية. وكان غاندي يُردّد: لو كان هناك بديل أفضل من التسامح لاخترته، لكني والحالة هذه لا أجد أفضل منه!
اقترنت فكرة التسامح باسم فولتير التي بحث فيها وروّج لها ودافع عنها، إذ يعتبر الأب الروحي لها. وكان يبّشر بضرورة تحمل الإنسان للإنسان الآخر، فكلّنا بشر ضعفاء ومعرضون للخطأ، وعلينا أن نأخذ بعضنا البعض بالتسامح!
لقد ترك غاندي تأثيراته الكبيرة على ما سمّي بحركة اللاعنف أو المقاومة السلمية، الأمر الذي دفع دُعاة المساواة والحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة إلى استلهام أساليب النضال التي أبدع فيها غاندي، وكان مارتن لوثر كينغ من أبرز الزعماء السود الذين تأثروا به.
لم يكتفِ غاندي بالحديث عن اللاعنف، بل أظهر كيف أن المقاومة السلمية يمكنها أن تواجه وتتحدى من خلال سلاح المقاومة والإضراب عن الطعام والاحتجاج والاعتصام والتسامح!
ولعل شخصية مثل نيلسون مانديلا، الزعيم الجنوب إفريقي (ورئيس المؤتمر الوطني)، الذي مكث في السجن 27 عاما وقاد مقاومة سلمية ضد نظام التمييز العنصري «الأبارتايد»، كان قد أمسك بمفتاح التسامح بعد مفتاح المقاومة السلمية، فاتحاً صفحة جديدة في نضال شعب جنوب إفريقيا، ومقدماً نموذجاً مهماً للعدالة الانتقالية، من خلال كشف الحقيقة وتحديد المسؤولية وجبر الضرر وتعويض الضحايا وإصلاح النظام القانوني والمؤسسي، والأهم من كل ذلك نشر فكرة التسامح وعدم اللجوء إلى الثأر أو الانتقام أو العنف.
لقد أدرك غاندي أن منهجه القائم على اللاعنف حظي بقبول واسع، وكان يردد أن ذلك خيار شعبي «فإذا انطلق شعبي فيجب أن ألحق بركبه لأنني زعيمه».
وكان إعلان اليونسكو قد جاء بعد حين ليؤكد أنه «بدون التسامح لا يمكن أن يكون هناك سلام، وبدون سلام لا يمكن أن يكون هناك تنمية وديمقراطية».
وإذا كان التسامح اصطلاحاً يعود إلى تطور الفلسفة الغربية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وبخاصة ما سمي بفلسفة التنوير، وذلك بعد بروز وتطور النزعة الإنسانية المعتمدة على العقل في مواجهة اللاهوت والغيبيات، فإن هذا المصطلح راج في السنوات الأخيرة، إذ خصصت اليونسكو منذ العام 1995 يوم 15 نوفمبر من كل عام يوماً للتسامح على المستوى العالمي.
وإذا لم يرد ذكر التسامح لفظاً في القرآن الكريم، إلاّ أن ما يفيد إليه أو ما يقاربه أو يدّل على معناه قد جاء حين تمت الدعوة إلى: التقوى والتشاور والتآزر والتواصي والتراحم والتعارف، وكلّها من صفات «التسامح» مؤكدة حق الاختلاف بين البشر و «الاختلاف آيات بيّنات». ويشير ابن منظور في لسان العرب إلى التسامح والتساهل باعتبارهما مترادفين. ويقول الفيروزأبادي في القاموس المحيط: المساهلة كالمسامحة، وتسامحوا وتساهلوا، وتساهل أي: تسامح، وساهله أي ياسره. ولعل من استخدم مصطلح التسامح لأول مرّة بمعنى «التساهل» هو فرح أنطوان في العام 1902.
اللاعنف والتسامح هما وسيلة من وسائل المقاومة السلمية لاستعادة الحقوق. وبالطبع فهما ليسا الوسيلة الوحيدة المشروعة، لكنهما حسب غاندي الوسيلة المفضّلة والناجعة والأقل كلفة والأكثر إنسانية للوصول إلى الأهداف، لاسيما إذا اقترنت بتحرك شعبي جماهيري يستطيع أن يفرض ما يريد من حلول سلمية وغير عنيفة تقوم على أساس التسامح!
وفي عالمنا العربي مازال التسامح غير مقبول لدى أوساط واسعة. وربما نظر إليه بعض الاتجاهات الإقصائية والإلغائية الإسلامية باعتباره «نبتاً شيطانياً» أو «فكراً مستورداً»، لاسيما بعد خلطه بالنزعات التغريبية الاستتباعية التي تستهدف فرض الهيمنة وإملاء الإرادة.
وفي الوقت الذي يهرب أصحاب وجهات النظر هذه إلى التاريخ باعتباره ملاذاً، يتناسون أن الإسلام الأول، وبخاصة الراشدي، اتّسم بقدر كبير من التسامح والاعتراف بحق الاختلاف، لكنهم يحاولون الزوغان عن ذلك رغم محاولة تمجيد الماضي بهدف الهروب من الحاضر الذي يزخر بالتأثيم والتحريم والتجريم ضد الآخر، الخارجي، الأجنبي، العدو، الخصم، بادعاء الأفضليات ونسبها إلى النفس ونفي الإيجابيات عن سواه، لذلك احتاج مفهوم التسامح إلى «تبيئة» وتأصيل تاريخي بهدف جعله راهنياً وقائماً ومستمراً، بالعودة إلى حلف الفضول، ودستور المدينة، وصلح الحديبية، والعهدة العمرية، ووثيقة فتح القسطنطينية، إضافة إلى القرآن والسنّة النبوية كدليل ومرشد لفقه التسامح.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,093,777,422
- صورة المجتمع المدني بين التصادم والتواؤم
- نفق غوانتانامو الذي لا ينتهي!!
- أور أو -مدينة القمر- والشبكة العنكبوتية
- جورج حبش: الاستثناء في التفاصيل أيضاً!!
- الحرب الاستباقية واحتكار العدالة: حالة غزة
- العلاقات العراقية- الامريكية .. والعودة الى نقطة الصفر!!
- سيناريوهات الاجتياح التركي للاراضي العراقية!!
- سيناريوهات الوجود أو الانسحاب الامريكي من العراق!!
- العقدة النفطية في المشكلة العراقية!!
- اللاجئون العراقيون : مسؤولية من؟
- العدالة الانتقالية وذاكرة الضحايا!!
- المجتمع المدني بين الاقرار والانكار !!
- شط العرب.. وصاعق التفجير!!
- دولة مواطنة أم مواطنة دولة ؟!
- هل الديمقراطية مثالية؟!!
- راية الليبرالية الجديدة!!
- التنوع الثقافي والنخب الفكرية والسياسية!
- العرب والتنمية!!
- المكتب البيضاوي: انه الاقتصاد يا غبي!!
- العراق: من إرث الماضي الى تحديات المستقبل


المزيد.....




- طرفا النزاع اليمني يتبادلان قوائم الأسرى والمعتقلين
- 7 دول أوروبية ترفض ميثاق الأمم المتحدة للهجرة
- وفدا الحكومة والانقلابيين يسلمون المبعوث الاممي كشوفات الاسر ...
- مفاوضات اليمن.. تسليم قوائم الأسرى تمهيدا للتبادل
- غدا.. الجامعة العربية تنظم منتديين للشباب والمجتمع المدني
- مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب يشارك في اجتماعات العقبة ...
- وزير العدل الجزائري: بوتفليقة يرفض استغلال مبادئ حقوق الانسا ...
- إقرار مبدئي لميثاق الأمم المتحدة حول الهجرة رغم الاعتراضات
- محكمة الجنايات السورية تصدر حكما بالإعدام على أكثر من 40 مته ...
- تفسيرا وتوثيقا.. الجزيرة تحتفل بالإعلان العالمي لحقوق الإنسا ...


المزيد.....

- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان
- على هامش الدورة 38 الاعتيادية لمجلس حقوق الانسان .. قراءة في ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حق المعتقل في السلامة البدنية والحماية من التعذيب / الصديق كبوري
- الفلسفة، وحقوق الإنسان... / محمد الحنفي
- المواطنة ..زهو الحضور ووجع الغياب وجدل الحق والواجب القسم ال ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الحق في حرية الراي والتعبير وما جاوره.. ادوات في السياسة الو ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حقوق الانسان: قراءة تاريخية ومقاربة في الاسس والمنطلقات الفل ... / حسن الزهراوي
- العبوديّة والحركة الإلغائية / أحمد شوقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عبد الحسين شعبان - غاندي وروح التسامح واللاعنف