أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مجدي السماك - البنطلون المبلول















المزيد.....

البنطلون المبلول


مجدي السماك

الحوار المتمدن-العدد: 2178 - 2008 / 2 / 1 - 09:55
المحور: الادب والفن
    



في يوم بعيد و شديد البرودة من أيام كانون ، قبل ثلاثين عاما ، وقف الأستاذ عبد الجليل نائب مدير المدرسة كعادته بوجهه الأحمر الملسوع من البرد قرب بوابتها الكبيرة المشرعة لابتلاع التلاميذ جماعات وفرادى ، ليس قربها بالضبط ، إنما بعيد بعض الشيء ، يذرع الأرض ذهابا وإيابا ، مطأطأ الرأس وقد لف ذراعيه خلف ظهره ، وأخذ باطن كفه الأيسر يحتضن قفا كفه الأيمن ، وتركهما يستريحا على العصعص . أحيانا يتوقف للحظات بين الفينة والأخرى ، ليطيل النظر إلى الأرض حوله كمن يبحث عن قطعة نقود ضائعة ، ثم يعود للمشي البطيء كالسلحفاة من جديد . وقد يضع كفه في جيب بنطاله ليدفئه ، فيخرج الكف وقد اصطاد حبة فول كان قد نسيها من زمن ، فيلقي بها في فمه كمن يلقي حجرا في حفرة عميقة ، وقد يقتنص الكف فتافيت ورق عتيق فيرمي بعضها ويحتفظ بالبعض الآخر.
وهو يأتي إلى هذا المكان بالذات كي يمسك تلميذا متأخرا فيوبخه أو يضربه ، وهذا يعتمد على مدى قرب التلميذ إلى نفسه أو على مكانة أهله .. بينما هو كذلك لمح من بعيد تلميذا قادما ، لم يستطع أن يميز ملامحه ، رغم نظارته الجديدة ذات الإطار البني الداكن مثل كفتة لحم العجل . فأخذ احتياطه وراح يتأكد بأنامله من سلامة إغلاق دفتي سترته الضيقة ، والملتصقة بجسده وكأنه حشر بها حشرا بعد عناء ، ولامس ببواطن أنامله أزرارها المعدنية ، التي فقدت بريقها وكُشط طلاؤها . ثم بسرعة مذهلة أعاد لف الشال الخشن المصنوع من الصوف حول رقبته الثخينة ، وعقصه إلى الوراء حتى تدلى إلى أسفل ظهره كذيل حصان . وركز بإتقان الطاقية الحمراء التي تغطي صلعته وشدها إلى أسفل حتى غطت ثقبي أذنيه ، وانتصب بجسمه الفارع معتدلا كالعمود ، وراح يمشي بهدوء ورأسه مرفوعا في الهواء حتى بدا منفوشا مثل الديك البلدي .
اقترب التلميذ من البوابة بخطوات بطيئة مترددة ، وهو يشعر بحرقة في قدميه لشدة البرد وكأنه يحتذي حذاء مصنوعا من الفلفل الشطة ، وقد أخذ ينفخ من صدره الهواء الدافئ إلى كفه الصاقعة تارة ، ويلتقط أنفاسه من الهواء البارد تارة أخرى ، أما الكف الأخرى للتلميذ فممسكة بحقيبة الكتب المصنوعة من القماش ، وقد امتلأت ببقع زيت الفلافل . ما أن اقترب التلميذ من الأستاذ عبد الجليل حتى نادى عليه بصوت جميل عميق و رنان ، كأنه صادر عن حنجرة شدت أحبالها الصوتية بعناية كما أوتار العود وقال ساخرا متهكما ومغتاظا :
- إلى أين أنت ذاهب يا ولد ؟
- إلى الفصل يا أستاذ .
- ولكنك متأخر .. لقد قرع الجرس من ربع ساعة !
- أعرف يا أستاذ .. أرجو المعذرة .. أنا آسف .. لقد تأخرت لأمر طارئ.
لم يرق للأستاذ عبد الجليل هذا الجواب ، فتحسس نظارته بأطراف أصابعه وكأنه يتأكد من وجود وجهه خلفها ، ولامس بطرف لسانه شفته العليا عدة مرات حتى تبللت أطراف شاربه الكثة ، وأخذ وجهه بالانقباض والتقلص حتى انكمش ، وظهرت عليه خطوط التجاعيد من أعلى جبهته حتى أسفل جفنيه آخذة طريقها المتعرج إلى حواف فمه الواسع .. ثم سلط كشافات عينيه على بنطلون التلميذ وكاد أن يصاب بالهوس حين رأى لونه أخضر ، فهذا يخالف قوانين ولوائح المدرسة التي تعتمد اللون الأزرق كزيّ رسمي .. فصرخ بالتلميذ مزمجرا :
- " وكمان لابس بنطلون أخضر بدل الأزرق ".
- البنطلون الأزرق مبلول يا أستاذ .. لقد نسيت أمي وغسلته بدل أن تغسل البنطلون الأخضر .. فأنا مضطر لأن البس البنطلون الأخضر المتسخ .
- يعني أنت ارتكبت ثلاثة ذنوب .. التأخر عن موعد الجرس ولابس بنطلون اخضر وفوق هذا كله متسخ ومليء بالبقع .. ليته نظيف .
- لا أملك سوى بنطلونين يا أستاذ .. إنه خطأ والدتي التي غسلت البنطلون الأزرق النظيف بدل الأخضر المتسخ .
انفجر الأستاذ عبد الجليل كاللغم صائحا : أنا لا استطيع أن أعاقب والدتك ، ولكنني استطيع عقابك أنت أيها المهمل المستهتر .. ثم مد يده وأمسك بعصا الخيزران ، التي يضمها تحت لحم إبطه المترهل ، لكن التلميذ رفض أن يفتح يده بإصرار و ، كأن كل ما في الدنيا من عناد تجمع في رأسه الصغير المنصوب على رقبته الرفيعة .. فضربه الأستاذ بالعصا على مؤخرته ضربتين ثم قرر أن يحيل أمره إلى مدير المدرسة وهو يزعق متأففا :
- جيل خايب ومستهتر .. جيل خربان .. جيل بايظ .. قلة أدب .
في طريقهما إلى غرفة المدير أخذ التلميذ يمشي ببطء بالبنطلون الأخضر غير المكوي الفضفاض ، و المتهدل وكأنه ممضوغ في فم كلب ، فسبق الأستاذ عبد الجليل الذي يمشي ببطء شديد لصعوبة ثني ركبتيه لأنه يلبس ثلاث بنطالات فبرزت منها معالم عظام ركبتيه كفلقتي الصابون النابلسي ، شعر الأستاذ عبد الجليل في أعماق نفسه أن هذا ذنب رابع اقترفه التلميذ .. فصرخ وكاد صدره أن يتفتت من الغضب :
- لا تسبقني يا أحمق ، ألا يكفيك ذنوبك الكثيرة ، فوق هذا كله تتصرف بقلة أدب.
تراجع التلميذ وتباطأ أكثر في مشيته خلف الأستاذ وهو يستنشق رائحة عطره الفواحة التي تشبه رائحة الفانيلا المستخدمة في صناعة الحلويات .. ولكنه سرعان ما ارتجف جسده خوفا مضافا إلى ارتجاف البرد لما دار في ذهنه من إشاعات كان قد سمعها عن جبروت المدير وبأسه . خاصة تلك التي تتعلق بشدة قتاله ضد الصهاينة عام ثمانية وأربعين ، وكيف أنه ذات يوم أمسك بصهيوني قرب مدينة عكا ، ورفعه بين يديه عاليا وخبطه بصخرة كبيرة فكسر عموده الفقري ومات ، أو تلك الإشاعة التي تقول أن بإمكانه أن يتغذى على خمسة أرانب في وجبة واحدة ، وأن يشرب وراءها نصف زير من الماء .
ما أن وصلا إلى باب غرفة المدير حتى تثاقلت خطى التلميذ كما السيارة الفاقدة للهواء في عجلاتها " بنشر " ، ثم توقف عن المشي نهائيا ، وكأنه أمام إشارة كف على مفترق طرق .. فطلب منه المدير الاقتراب وأشار إليه بالجلوس على المقعد الخشبي وسأله عن حكايته ، فأخذ التلميذ يقص على المدير كل الحكاية من الإلف إلى الياء ، كان يتحدث خائفا بتأتأة وفأفأة ، على حين أخذ الأستاذ عبد الجليل يتدخل بحماس بالغ مقاطعا بكلمة أو مضيفا بعض الجمل بين لحظة وأخرى ، أحيانا يلتزم الصمت ويضم شفتيه إلى بعضهما مشددا الضغط على فكيه حتى تنتفخ وجنتاه المشدودتان كحبتي كستنا .. لمّا فرغ التلميذ من كلامه صار المدير يحدق به مليا ، و أشار إليه برفق أن يذهب إلى فصله .. ثم صوب إلى الأستاذ عبد الجليل نظرات تقدح بالشرر وقال مؤنبا وحانقا : ألا تعلم أن والد هذا التلميذ فقد عقله عندما قتلت إسرائيل كل أقاربه وأهله أمام عينيه ؟!
Magdi_samak@yahoo.com
Majdy2008.maktoobblog.com مدونة
عضو الجمعية الدولية للغويين والمترجمين العرب- واتا





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,557,005,511
- وجه شارد..قصة
- الجندية المجهولة
- وجبة كبيرة
- عيون تنظر الى تحت
- أيام الخميس .. قصة قصيرة
- قبر من لحم
- ربع ساعة اخرى
- لعبة عروسة وعريس
- رؤية خريفية
- مملكة فنان ميت .. قصة
- بائع العلكة الصغير
- آهات وعرانيس ..قصة قصيرة
- آهات وعرانيس .. قصة قصيرة
- جهنم نحن وقودها
- الهوية الفلسطينية في الطريق الى الضياع


المزيد.....




- بعد الخطاب الملكي.. مجلس النواب يعقد ندوة حول القطاع البنكي ...
- أسطورة أم بلطجي.. ما علاقة السينما المصرية بجرائم الشارع؟
- طبيح ينفي اقتراح لشكر اسمه كوزير للعدل في الحكومة
- FRIENDS : الأصدقاء وغسل اليدين !
- قريبا... تصوير أول فيلم لجاكي شان في السعودية
- متحف الأرميتاج- يحتضن الربيع القادم معرضا لآثار مدينة العُلا ...
- في واقعة نادرة.. فوز كاتبتين مناصفة بجائزة بوكر الأدبية
- نادي -ضاد- اللبناني.. فن الخطابة في خدمة العربية
- فنانة مصرية تكشف للمرة الأولى حالة عادل إمام الصحية (فيديو) ...
- صور لسعاد حسني وصباح وعمر الشريف وغيرهم تُعيد إحياء أجمل مشا ...


المزيد.....

- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مجدي السماك - البنطلون المبلول