أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - علي وتوت - عقلنة الشعائر الحسينية تتضمن مكاسب للاجتماع السياسي ودعماً للتنوع الاجتماعي






















المزيد.....

عقلنة الشعائر الحسينية تتضمن مكاسب للاجتماع السياسي ودعماً للتنوع الاجتماعي



علي وتوت
الحوار المتمدن-العدد: 2165 - 2008 / 1 / 19 - 11:17
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


د.على وتوت في مقابلة خاصة لملحق أسرة ومجتمع:
عقلنة الشعائر الحسينية تتضمن مكاسب للاجتماع السياسي ودعماً للتنوع الاجتماعي في العراق
حاوره ـ توفيق التميمي
لا توجد ظاهرة اجتماعية تطبع آثارها وبصماتها على خارطة الواقع العراقي كظاهرة مراسيم عاشوراء وطقوسها المتعارفة، ولأنها تعتبر علامة فارقة اجتماعية يمتزج بأدائها السنوي العقائدي السليم بالخرافي الدخيل لتداخلها مباشرة مع ملابسات الواقع القيمية عاداته المتوارثة، ومن هنا فأن البحث الأكاديمي السوسيولوجي يدعم الاتجاه في عقلنة هذه المشاعر ويكشف عن انعطافات التداخل بين العقائدي والشعبوي في مراسيمها المعروفة ويستثمر كذلك ما يمكن ان يتمخض من هذه الشعائر في تقوية الأواصر الاجتماعية ويدعم التعايش بين مكونات المجتمع المتنوعة.
نلتقي بمقابلة خاصة بهذه الذكرى بالدكتور علي وتوت الاستاذ المساعد لمادة سوسيولوجيا السياسة في قسم الاجتماع بجامعة القادسية :
Φ ما هي البداية التاريخية لدخول التشابيه الحسينية ؟... وكيف يمكن تفسير قبول الذائقة الشعبية لتمثيل المقدس على ارض الواقع ؟
- إن ما يُدعى بـ(التشابيه الحسينية) هي جزء من الشعائر التي يقيمها الشيعة في أيام عاشوراء، وهي عادةً ما تتم في اليوم العاشر من محرم الحرام، ويتم فيها تقديم مشابهة أو مقاربة مسرحية لملحمة كربلاء وواقعة الطف، وذلك في حسينية أو مرقد أحد الأولياء أو في ساحة أو في فسحة من مكان يفتقر لتقنيات المسرح بالمعنى المعاصر للكلمة، وتنعدم فيه الفواصل بين الممثلين وجمهور المشاهدين المنفعلين، فالمشاهدة الشعبية للتشابيه الحسينية هي جزء من المشاركة، وذلك بحسب وجهة نظر الثقافة الشعبية للطائفة، مشاركة في الاستذكار الطقسي للواقعة الملحمية، والتمتع بثواب مغفرة الذنوب والخطايا الذي يوفره (حب الحسين وأهل بيت الرسول)، ولنستذكر هنا المثل الشائع عن أن من يقع عليه تراب زوار الحسين.... وهكذا.
تجدر الإشارة إلى أن انتقاء الممثلين لتشبيه واقعة الطف يتم في العادة وفق التراتب الاجتماعي، كما هو الحال في تنظيم المواكب فشبيه الحسين يتم اختياره من السادة (الذين يعتقد بانتسابهم لسلالة النبي). ويمثل دور أنصار الحسين أشخاص من عامة الناس عرفوا بالتديّن والتُقى.
أما دور عسكر يزيد بن معاوية، فيقوم به أشخاص يعرفون في العادة بانحطاطهم السلوكي والاجتماعي، أو ذوي العاهات أو التشوهات الخلقية، وعلى الرغم أن دوراً كهذا هو إمعان في الحط من شأن هؤلاء، إلا أنهم يتمثلون الدور بحماس، اعتقاداً منهم بأن المشاركة من جانبهم في إكمال مشاهد مقتل الحسين تطهّرهم من الخطايا وتُعلي من شأنهم. وفي العادة يستمر تشبيه المقتل ثلاث أو أربع ساعات.
أن الشكل الشائع لعاشوراء على النحو المعروف في الوقت الحاضر (أي رواية سيرة الحسين في محافل شعبية) تعود جذوره على الأرجح، بحسب المصادر التاريخية الموثوقة إلى القرن السادس عشر للميلاد (العاشر للهجرة) في إيران. إذ كان قد نشأ بصورةٍ بسيطة أول الأمر عشر بحسب المصادر التاريخية، بعد وصول الصفويون إلى سدة الحكم في إيران خلال القرن السادس عشر، والذين اتخذوا من التشيّع عقيدة رسمية لدولتهم، كانوا قد أضافوا لأشكال الشعائر الحسينية (التي كانت لغاية ذلك الحين تتمثل بالبكاء والندب، ومن ثم اللطم فيما بعد) مسرح التعزية الحسينية أو ما يدعى بـ(التشابيه الحسينية).
إذ إن الإيرانيين الذين كانوا قد اقتبسوا تلك المشابهة المسرحية من التقليد الطقسي المسيحي لصلب السيد المسيح، ثم أضافوا لذكرى واقعة الطف في كربلاء شيئاً من تراثهم الفولكلوري، وطبعوا شعائر العزاء الحسيني بطابعهم القومي. كما كان لهم دور في انتقالها إلى الهند وأذربيجان وغيرها من مناطق تواجد الشيعة، هذا فضلاً عن العراق ممثلاً بمدنه الشيعية المقدسة (كربلاء ونجف والكاظمية). ومع الوقت، تطورت هذه الشعائر بنوعيها المعروفين لنا في الوقت الحاضر، أي رواية واقعة الطف الشهيرة ممسرحةً في ساحات تقام لهذا الغرض، يحضرها جمهور كبير في العادة، وهذا هو النوع الأول، أما النوع الثاني فيتمثل بـ(المواكب الحسينية)، التي تسبق (التشابيه)، والتي لا تكتفي بالبعد الدرامي ممثلاً بالمشابهة في الرموز والأزياء وغيرها فحسب، بل تأخذ بعداً مازوخياً يتمثل في مواكب الضرب على الصدور وجلد الظهور بالجنازيل ومواكب التطبير.
وتفسر هذه المواكب على أنها إشارة للندم والتوبة لتخلي شيعة الحسين الأوائل عنه في الكوفة، مما أدى لقتله. وتجوب المواكب شوارع المدن الشيعية لتنتهي إلى تجمع كبير في إحدى الجوامع أو الحسينيات. وكانت المواكب الحسينية قد بدأت أولاً، وقد كانت حصيلة الدمج بين هذين النمطين في إيران نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، ولادة ما يعرف بـ(التشابيه).
أما بالنسبة للشق الثاني من سؤالكم الكريم، فإن رسوخ أية ظاهرة اجتماعية (دينية كانت أم غير ذلك) وديمومتها، لا يأتي من وجهة نظر السوسيولوجيا، من شرعيتها فحسب، بل في قدرتها على سد حاجات الجماعة، وأيضاً في تمكين الجماعة من هويتها وتوحيد أفرادها بالقدر الممكن.
فأفراد الجماعة الشيعية يتوحدون في معظمهم في أثناء هذه الأيام عبر ممارسة الطقوس والشعائر المختلفة، أو عبر مشاهدتها، وهنا يكون الدافع الأكبر لمشاركة الأفراد بعامة، والعاصين أو مرتكبي الكبائر أو الذنوب الكبيرة خاصة (كشارب الخمر والزاني وغيرهم)، بحسب المنظور الإسلامي، ضمان الحصول على شفاعة الرسول وأهل بيته يوم القيامة للخلاص من النار، نذكر هنا القول الشائع عند أتباع مذهب أهل البيت (حب علي حسنة لا تنفع معها أي معصية)، لذلك ترى أن الجميع يشارك في هذه الطقوس طلباً للشفاعة.
Φ هل يمكن تلمس الدور الاجتماعي لطقوس عاشوراء في الواقع العراقي ودوره في تجميع اللحمة الاجتماعية بين شرائح المجتمع العراقي وخاصة في المشاركة الجماعية في الطبخ والسهر بليلة العاشر بما تسمى ((بالحجة)) باللهجة الدارجة ؟
- كان ارنست غلنر E. Gelner الأنثروبولوجي البريطاني المعروف قد أشار إلى أن الإسلام يختلف عن بقية الأديان، في أن الشعائر والاحتفالات والرموز وكاريزميات الحشود، لا تتركز لدى الأغلبية السنية، بل لدى الفرق الإسلامية التي تتمايز بها عن تلك الأكثرية. وواحدة من هذه الفرق التي تشكل جزيرة في بحر الجماعة الإسلامية السنية هم الشيعة. ولما كانت الجماعة الشيعية في العراق هي من يمثل الأكثرية، فقد تماهت هذه الطقوس ليس مع الذائقة الاجتماعية الشعبية فحسب، بل مع محاولات إثبات وجودها واستمرار بقائها عبر قرون طويلة من القمع.
إذ يمكن القول إن كل طفل وطفلة في مدن الوسط والجنوب ذات الأكثرية الشيعية، قد رافق والده أو والدته إلى مجالس العزاء التي تقام في الذكرى السنوية لعاشوراء في العاشر من المحرم من كل عام، إن ذلك يشكل جزءاً من نسيج التنشئة الاجتماعية للأفراد الشيعة بعامة. وهو يحمل دلالةً على محاولة الشيعة الحفاظ على هويتهم في ظل قمع استمر عهوداً طويلة.
في الأيام الأولى لذكرى عاشوراء في كربلاء ذاتها، يذهب الأفراد في المدن والمناطق ذات الغالبية الشيعية نهاراً لأعمالهم كالمعتاد، ثم يتجمعون في المساء للسير في مواكب يتم تنظيمها حسب التراتب الاجتماعي للأحياء والمهن. فهناك مواكب خاصة بالحرفيين كالحدادين والنجارين والصاغة، إلخ...، وهناك مواكب للعشائر وأخرى للأحياء السكنية، وقد يخرج المثقفون، وأبرزهم الشيوعيون في مواكب خاصة بهم.
أما يوم عاشوراء، أي عاشر المحرم، فيكرس لتشبيه مقتل الحسين. وهو يوم عطلة رسمية تبدأ فيه الاستعدادات للاحتفال الكبير منذ الفجر، حيث يتجمع في ليلة عاشوراء مواكب رجال يلبسون الأكفان البيضاء ويضربون رؤوسهم الحليقة بقطع خشبية حتى الفجر لتخديرها، تمهيداً للاحتفال الرسمي الذي يبدأ مع خروج مواكب "اللطّم والزنجيل والتطبير في الصباح. ثم تنتهي هذه المواكب صباحاً، وبعد أن تلتقي جموع المواكب في جامع أو حسينية، حيث يقام المأتم الرئيسي ثم تختتم المراسيم بـ(تشابيه) مقتل الإمام الحسين.
فالسهر في ليلة العاشر من محرم، أو (الحجة) كما يدعوها الشيعة العراقيون، والمشاركة في المواكب والمحاضرات والقراءات والتعازي الحسينية، وتناول الطعام المجاني الذي يطبخ بأنواع عدة (ربما كان أشهرها الهريس والقيمة والأرز) والشراب المجاني (الشاي والعصائر والماء وغيرها) يشكل سلوكيات معززة للعلاقات الاجتماعية والألفة بين الجماعة الطائفية.
فضلاً عن أن المواكب تشكل فرصةً للتجمع المختلط والمشاهدة، مما يشكل فرصةً لا تتيحها الحياة الاجتماعية الطهرانية اليومية التي يعيشها الرجال والنساء في المجتمع الشرقي. أما مآتم التعزية التي تقيمها جماعات النساء الشيعة، فتمثل فرصةً لخروج المرأة، ولقاءها بنساء الحي أو المحلة، كما إنها تتيح لأمهات الشباب الراغبين بالزواج، رؤية الفتيات والنساء اللواتي تجلبهن أمهاتهن في هذه المناسبات.
لكن الدور الاجتماعي الأهم هو إن تمثّلات استشهاد الإمام الحسين تعطي الشيعة العنصر العقائدي اللازم لبلورة شخصيتها كطائفة في إطار الدين الإسلامي. ويبين تكرار الشعائر في كل عام، كيف توظف الرموز الدينية للتعبير عن مشاغل دنيوية. فكان التكرار الطقوسي لكربلاء، وذلك عبر أداء شعائر التعزية، هو الجسر الذي يصل الأسطورة بالتاريخ، والمقدس بالدنيوي.
ومع مرور الزمن، غدت شعائر التعزية وعاء أيديولوجياً لتفسير علاقات السلطة السائدة بالشيعة الذين ظلوا في معظم التاريخ السياسي جماعة مهمشة، وظل استشهاد الحسين رمزاً ومقولة عقائدية تعكس الموقع السياسي الهامشي للجماعة. بذا، تُرَسِّمُ إمامة الحسين واستشهاده عند الشيعة، حداً يمكن به، ومن خلاله، أن تميز الطائفة نفسها عن الآخر في المجتمع الأكبر.
لكن أداء هذه الشعائر والطقوس من قبل الشيعة قبل قيام الدولة الحديثة غالباً ما أثار بعض الأفراد السنّة، الذين ربما هاجموا تلك الشعائر مادياً ومعنوياً. لكن منذ أن أقرت الدولة العراقية الحديثة عند تأسيسها في عام 1921 يوم العاشر من محرم عطلةً رسمية وأتاحت هامشاً واسعاً من الحرية لإقامة مراسيم العزاء الحسيني، وممارسة معظم الشعائر والطقوس في هذه الاحتفالات، حتى أصبح تقبّل هذه الشعائر والطقوس أمراً مفروغاً منه، ومن هنا يأتي تعايش وتقبّل بقية طوائف الجماعة الإسلامية في العراق لهذه الاحتفالات، بل امتد ليشمل المشاركة في البعض منها، وهذا هو ما يجتهد المهتمون والمخلصون العراقيون في إبرازه كدليل على قيم التسامح والتعايش التي تمثل الوجه الحقيقي للعراق.
Φ في المناطق التي تسكنها طوائف دينية ومذهبية متنوعة وخاصة في الجنوب حيث يقطن الأخوة الصابئة المندائيين وفي بغداد المسيحيين. هل تأثرت هذه العلاقة إيجاباً بالمرور السنوي لذكرى عاشوراء ؟
- إن مساهمة السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، تتمثل في النظر إلى الطقوس والممارسات الدينية بصفتها (واقعة اجتماعية)، وبالتالي إنسانية، تتحدى كل (الاختزالات)، حتى ولو كانت قابلة لأشكال متنوعة في المكان وفي الزمان.
وعلى الرغم من أنه لا توجد إحصاءات واضحة أو استبيانات تحدد بشكلٍ جلي مواقف الديانات الأخرى من الشعائر والطقوس الحسينية أو من مؤديها، فإن مثل هذه العلاقة يمكن تقمشها والبحث عن توجهاتها التي قد لا تكون إيجابية في معظم الأحيان، ففرض المظاهر الشعائرية والطقوسية من قبل الأغلبية على الأقليات قد لا تكون مرغوبةً باستمرار، وهي مما لا يفعله الشيعة العراقيون في الغالب.
إذ نجد في الغالب أن أفراد هذه الطوائف والأديان، وكنوع من التسامح الذي تبديه الأقليات تجاه ممارسات الأكثرية الطقوسية هو قيام معظم الأفراد من الجماعات الدينية الأخرى بقبول واقع هذه الممارسات بل ومشاهدته في معظم الأحوال. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الصابئة في مدن الوسط والجنوب يعملون على تأدية وإحياء شعيرة طبخ وتوزيع الطعام في هذه المناسبات. وربما أسهم بضعة أخوة من المسيحيين في ممارسة طقوس وشعائر أخرى قريبة مما يؤدونه في عيد الصلب.
وشكلت العلاقة التي تمتد طويلاً بين أبناء هذه الديانات والمسلمين الشيعة نوعاً من الآصرة التي ربطت بين هذه الجماعات وبين الجماعة الشيعية، والتي تنطلق من تجسيد مادي لشعائر محددة كالزيارة والتبرك بالمقدسات، لكن أهم لحظات تماهي هذه الجماعات مع المسلمين الشيعة في التفاصيل الحياتية اليومية كتعوّد بعض الأطفال المسيح والصابئة على ممارسات سلوكية (إسلامية/شيعية) كالقسم بالعباس والحسين وغيرهم من أئمة الشيعة، أو نذور بعض النساء الصابئيات أو المسيحيات لمراقد أو أئمة شيعة وغيرها من حالات التثاقف الاجتماعي الذي تعيشه الجماعات فيما بينها.
Φ لو أتيح لكم المساهمة بإعادة النظر في الطقوس والشعائر الحسينية الى حد يمكن إجراء تغييرات أو اعتراضات لتنقيتها بما يمس أو يتعارض مع مفاهيم الحداثة والعقلانية والتطور المدني الجديد؟
- على الرغم من أن هذا غير متاح حتى على المستوى الافتراضي، فإن هذه المهمة عسيرة، ولا ينبغي أن يتولاها شخص بمفرده، بل ينبغي اللجوء إلى تكوين لجان استشارية تضم اختصاصات عدة، مثل الشريعة والفقه والتاريخ والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والسايكولوجيا، وغيرها من التخصصات، وبما يضمن إلماماً بهذه المظاهر والشعائر الطقوسية، وتنقيةً لها من كل ما يشينها.
لكن لو تم إعادة النظر في هذه الطقوس والشعائر لأمكن اقتراح تهذيبها وتنقيتها ليس بما يتناسب مع مفاهيم الحداثة والعقلانية والمدنية فحسب، بل محاولة لرفع الحواجز الطائفية التي تُعلي تلك الانحرافات الطقوسية من شأنها، وإذا ما أمكن مقاربة هذا الموضوع بشكل أكثر عقلانية وهدوء، لوجدنا أن الإحساس بالمواطنة يتعزز بمقدار الوسطية في ممارسة هذه الطقوس، وأنتم يمكن أن تجدون صدىً واضحاً لما نقول في التجربة الإيرانية. إذ يخبرني الأصدقاء الذين زاروا هذا البلد أن سلطات الدولة الإيرانية لا تسمح بممارسة معظم أنواع الطقوس والشعائر علناً، بل في أماكن خاصة هي الحسينيات، بل إن بعض الطقوس والشعائر العنيفة غير مسموحة إلا بشكلٍ محدود جداً (كالزنجيل والتطبير وغيرها من الممارسات التي لا شك تمثل إساءة كبيرة للمذهب ووصمة بالمازوخية والخلل السايكولوجي في الشخصية الشيعية العراقية)، بل إن السلطات الرسمية في الجمهورية الإسلامية لا تسمح بخروج صوت المؤذن خارج فناء الجامع أو المسجد نفسه، أي أن هناك منعاً لصوت الآذان خارج حدود المسجد نفسه.
وربما تشكل محاولات المثقفين الشباب العراقيين في مختلف المجالات ودعواتهم عاملاً داعماً لمثل هذه التوجهات الإصلاحية. لكن في الغالب فإن إحدى المقولات الشائعة التي تقول (إن الحسين عِبرة وعَبرة) تصدق في جزأها الثاني فحسب، أو كما يقول شيخنا الوردي (لقد نسي الشيعة المعاصرون المبدأ الذي ثار في سبيله الحسين فاهتموا باللطم والبكاء، وكأن ذلك هو الهدف الأكبر الذي قُتل من اجله أمامهم الثائر وهكذا يزور الحسين مئات الآلاف كل عام، ثم يرجعون من الزيارة كما ذهبوا، لم يفعلوا شيئاً غير النواح واللطم).
Φ هناك كثير من محاولات الإصلاح والتجديد للشعائر الحسينية تمت من داخل المؤسسة الفقهية للشيعة أو غيرهم من المذاهب هدفها تنقيتها مما علق بها من خرافات أو خزعبلات تؤثر في مضمون المناسبة ودروسها التاريخية، كيف ننظر إلى هذه المحاولات؟
- إن الباحثين والمهتمين بهذا الشأن لاشك ينظرون إلى محاولات الإصلاح التي يقوم بها رجال دين شيعة باحترام كبير، كما هو الحال مع محاولات الميرزا النائيني والسيد محسن الأمين ومحمد حسين فضل الله وغيرهم، والتي أشارت إلى ضرورة تهذيب مراسيم العزاء الحسيني من الممارسات والشعائر الشائنة وتحويلها إلى تظاهرات حضارية مفيدة حيث أكدوا على أن ما ابتدع من طقوس لا تمت بصلةٍ إلى روح الإسلام أو مباديء الثورة الحسينية.
غير أن من الملاحظ أن هذه المحاولات غالباً ما كانت تواجه بردود فعل معارضة من داخل المؤسسة الدينية الشيعية ذاتها، يقودها التيار التقليدي المستند إلى الواقع الاجتماعي غير الواعي، في محاولةٍ من بعض الفقهاء استجابة لانفعالات وعواطف العامة في الشارع الشيعي في معظم الأحيان.
فموقف المؤسسة الشيعية هنا يبدو ضعيفاً تجاه الثقافة الشعبية التي تظهر في علاقتها بالمؤسسة الدينية الشيعية (الحوزة) بموقع المؤثر وليس المنفعل. إذ وقفت المؤسسة الدينية متًفرجة على مجتمعها لم تتدخل لتهذيب هذه الطقوس والشعائر، ولم تعمل على تحويل ذكرى ثورة الحسين، إلى تذكر عقلاني يهذب السلوك، وتحويل شخص الحسين إلى رمز وقدوةٍ ومثلٍ أعلى لسلوك الفرد والمجتمع، ومحاربة الفساد والانحراف. هكذا يمكننا أن نستنتج أن مستوى تدخل المؤسسة الدينية الشيعية في تهذيب وتوجيه هذه الطقوس والاحتفالات يشهد قصوراً واضحاً، بمقابل المؤسسات الدينية الشيعية في بلدان أخرى.
لقد تصدر التطرف الطائفي بتجلياته السياسية المختلفة بعد احتلال العراق 2003 واجهة الأحداث السياسية والعسكرية في المنطقة العربية والعالم الإسلامي.. ولعبت ممارسة الشعائر والطقوس المتطرفة دوراً مؤثراً في ظهور ردات فعل أكثر تطرفاً، استهدفت هذه الشعائر والطقوس، لتكرس دعوات دوغماتية جداً تتضمن: تكفير الآخر واعتباره مرتداً عن الدين الصحيح (رافضياً، أو ناصبياً). ولذا فإن الدعوة إلى عقلنة هذه الشعائر والطقوس يتضمن مكاسب على مستوى الاجتماع السياسي، وأيضاً دعماً للتنوع الاجتماعي في العراق.
Φ إلى أي حدّ اثر القمع الذي مارسه النظام الدكتاتوري السابق على هذه الشعائر، في انفلاتها وعشوائيتها بعد غياب هذا النظام ؟
- ربما يمكن الحديث في هذا الشأن عن إمكانية تطبيق القانون الطبيعي الذي يقول ((الضغط يولد الانفجار)) على الواقع الاجتماعي، فالجماعة الشيعية التي عانت في عقود عدة منع إقامة هذه الطقوس والمشاعر، واضطهاد القائمين عليها والمشاركين فيها، مما حدا بالجماعة الشيعية إلى إظهار ممارسة هذه الشعائر والطقوس كأول عنوان من عناوين نيلها حريتها.
إذ شكلت ممارسة هذه الطقوس مَعْلَماً مهماً في حياة العراقيين الشيعة تحديداً. إذ سجلت ممارساتهم لهذه الطقوس والشعائر، وإحيائهم لذكرى ثورة الحسين واستشهاده، أهم سماتهم الاجتماعية، فيما سجل مقدار الحرية في ممارستها معيار علاقتهم بالدولة وحكامها، كما يؤكد البعض.
لذا كان أول مظاهر السلوك الجمعي للجماعة الشيعية بُعيد سقوط النظام الدكتاتوري، هو أداء شعيرة السير إلى كربلاء، بمناسبة (أربعينية الحسين)، التي كانت قد صادفت مع أول أيام الخلاص من كابوس الدكتاتورية، ولذلك توجه مئات الآلاف من الشيعة من مختلف مدن العراق إلى كربلاء مشياً على الأقدام كتعبير عن مشاعر الحرية في ممارسة الطقوس، غير أن هذه الممارسات أخذت جانباً استفزازياً بعدما تطرف البعض من السائرين إلى كربلاء في أداء شعائرهم، مما تسبب بردات فعل أظهرت نفوراً مستهجناً من هذه الطقوس، وصل إلى حد تفخيخ وتفجير والاعتداء على ممارسي هذه الشعائر.
لكن الاستذكار السنوي لعاشوراء في مجالس العزاء، كان يتسم بطابع أيديولوجي/سياسي في الغالب، ويتضح ذلك في مضامين الخطب والأشعار المواكبة للذكرى. وهنا يمكننا الإشارة إلى أن الاحتفال بالثورة الحسينية واستذكار مصيبة الحسين شكل في معظم الأوقات بوادر ثورة بحد ذاته. فالطقوس والشعائر الحسينية والسياسة مثلاّ وجهان لعقيدة واحدة متكاملة هي الخطاب السياسي/الديني المعارض للشيعة ضد أنظمة الحكم المتعاقبة، فشعار الثورة ظلت تغذيه الطقوس التي تسهم في تعبئة الأتباع، ومن ثم تعزيز التضامن الداخلي للطائفة.
Φ الملاية هل يمكن أن تمارس دوراً تثقيفياً أو اجتماعياً خارج دورها التقليدي المعروف بالنواح والبكاء؟
- تشكل قضية (النسوية) الشيعية بالكامل، وليس المُلايّة فحسب، واحدةً من القضايا المهمة غير الملتفت إليها من قبل الباحثين، وسنعمل على توضيح واستجلاء هذا الدور في دراسة خاصة بهذا الشأن.
فالمرأة لعبت دوراً مهماً في التاريخ الشيعي، ليس لكونها رديفة الإمام أو الشهيد (أخته أو أمه أو ابنته)، بل لكونها شكلت دوراً مسانداً في ديمومة التراث الشيعي بكامله. فـ(فاطمة الزهراء) مثلما هي (زينب الحوراء) وبقية نساء التراث الشيعي لعبتا دوراً مهماً في الإعلام والتنويه بالقضية الشيعية، وتم على يديهن إبراز المظالم التي وقعت على الأمة.
لكن في غير هذا الشأن، فإن نساء الشيعة في واقعهن اليومي تُبخس حقوقهن مثلما هي المرأة العراقية عموماً، تجدر الإشارة إلى أن النساء غالباً ما لا يُسمح لهن بالمشاركة في (التشابيه) مقاتل آل الحسين أو مواكب التعزية الحسينية التي تقام في الساحات العامة أو الحسينيات، إذ تشارك النساء كمشاهدات فقط. على الرغم من أن الوقائع التاريخية للمعركة تذكر وجود خيمة لنساء وأطفال من أهل بيت الحسين رافقوه في رحلته إلى الكوفة، ولابد أن هؤلاء شهدوا وقائع المعركة ومقاتل رجالهم.
مثلما لا يُشار إلى الدور الكبير الذي لعبته النساء في ديمومة التراث الشيعي بعامة، وذلك أيام كان سيف القمع مسلطاً على رقاب الرجال فحسب. إذ تتم الإشارة إلى مآتم التعزية النسوية إشارةً عابرة، على الرغم من أنها مثلت لقاءاً نسوياً معتداً به، له وظائف اجتماعية ودينية عدة، يمثل استذكار مصائب الحسين وأهل بيته أهمها، وقد تمت الإشارة إلى بعضها فيما سبق.
والمُلايّة (وهي إحدى النسوة التي تملك صوتاً شجياً في العادة، تنشد به قصائد ندب للحسين وأهل بيته، فضلاً عن إثارة مشاعر الأسى والنوح، بسرد سيرة عذابات الإمام وأهل بيته، فيتخلل ذلك طقوس اللطم التي تميز النسوة العراقيات دون غيرهن من نساء الأرض، وهذه النشاطات التي تقوم بها المُلايّة هي بأجر تدفعه صاحبة البيت الذي يقيم التعزية الحسينية، فضلاً عما تقدمه النساء الحاضرات لها ممن يرجون الثواب من أجور) هي إحدى النساء الشيعيات التي تلعب دوراً لا يُشار إليه من قبل معظم الباحثين أو المهتمين بالقضية. ومن الممكن أن نعول على دورٍ أفضل يمكن أن تقدمه هذه المرأة المتعلمة لزيادة وعي نظيراتها واللواتي يحضرن مراسيم التعزية من النساء، في أمور حياتهن وواقعهن اليومي، وذلك إذا ما تمّ العمل على ربط مجالس أو مآتم التعزية هذه بمنظمات تدافع عن حقوق المرأة وترفع من شأنها في المجتمع.









رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,633,835,349
- مؤمن بالديمقراطية يا صديقي... حتى النهاية
- كان بلسماً لجراحات العراق
- في القامة السامقة للسوسيولوجيا العراقية -2
- في القامة السامقة للسوسيولوجيا العراقية-1
- في السؤال السوسيولوجي للهوية-2
- في السؤال السوسيولوجي للهوية-1
- إشكالية السلطة - 2
- إشكالية السلطة - 1
- اللوحة الفنية ... رؤية سوسيولوجية
- الديمقراطية في العراق... أسطرة المفهوم -2
- الديمقراطية في العراق... أسطرة المفهوم -1
- إشكالية الديمقراطية في المجتمعات الإسلامية-6
- إشكالية الديمقراطية في المجتمعات الإسلامية- 5
- إشكالية الديمقراطية في المجتمعات الإسلامية- 4
- إشكالية الديمقراطية في المجتمعات الإسلامية -3
- إشكالية الديمقراطية في المجتمعات الإسلامية -2
- إشكالية الديمقراطية في المجتمعات الإسلامية-1
- انتهاك حقوق الطفل في العراق... واختلال البنية المجتمعية -الج ...
- انتهاك حقوق الطفل في العراق... واختلال البنية المجتمعية - 3
- انتهاك حقوق الطفل في العراق... واختلال البنية المجتمعية -2


المزيد.....




- خبير اقتصادي: تجاهل مصر لـ«صندوق النقد» في تعزيز ماليتها غير ...
- طرح تأجير عقارات لمستثمري السويس في مزاد علني..الشهر المقبل ...
- مصدر بالمالية: المفاوضات مع صندوق النقد حول القرض مجمدة
- «مايكروسوفت» تدخل نطاق منافسة «انستجرام»
- اليوم.. البنك المركزي يقرض الحكومة 6 مليارات جنيه
- ?تليين المواقف أو رفع الإنتاج.. أسعار النفط حطب الحرب السعود ...
- خبراء يرحبون بالتوجه إلى سوق السندات العالمي.. عبيد: بديل لق ...
- إيهاب سعيد: البورصة مرشحة للصعود وحادث « كرم القواديس» غير م ...
- اقتصاد - الكهرباء تعلن عن تشغيل تجريبي لأكبر وحدة توليدية في ...
- محمد النجار: حادث «كمين القواديس» الإرهابي لن يؤثر على البور ...


المزيد.....

- المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتفعيل دورها في التنمية والتشغيل ... / كمال هماش
- الاقتصاد كما يجب أن يكون / حسن عطا الرضيع
- دراسة بعنوان الأثار الاقتصادية والاجتماعية للبطالة في الأراض ... / حسن عطا الرضيع
- سيرورة الأزمة وتداعياتها على الحركة العمالية (الجزء الأول) / عبد السلام أديب
- الاقتصاد المصرى / محمد عادل زكى
- التبعية مقياس التخلف / محمد عادل زكى
- حقيقة التفاوت الصارخ في توزيع الثروة العالمية / حسام عامر
- مخطط ماكنزي وصيرورة المسألة الزراعية في المغرب / عبد السلام أديب
- جرائم تحت ستار البيزنس / نوخوفيتش ..دار التقدم
- الأسس المادية للهيمنة الامبريالية في افريقيا / عبد السلام أديب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - علي وتوت - عقلنة الشعائر الحسينية تتضمن مكاسب للاجتماع السياسي ودعماً للتنوع الاجتماعي