أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهدى بندق - المشروع الحداثى لجابر عصفور إلى أين






















المزيد.....

المشروع الحداثى لجابر عصفور إلى أين



مهدى بندق
الحوار المتمدن-العدد: 2104 - 2007 / 11 / 19 - 10:00
المحور: الادب والفن
    



بصدور كتاب (آفاق العصر) يكون المشروع النقدي الحداثي لجابر عصفور قد وصل إلى النقطة الحرجة التي عندها يتعين على الناقد المفكر أن يأخذ بأسباب الاختيار مدركاً أن الاختيار في التصميم الأنطولوجي إشكالية حقيقية وفعل ملتبس، فهو إيجاد وإعدام في آن.هو إيجاد وإبداع للجديد المطلوب، وهو إعدام للبدائل المطروحة جميعها في الوقت نفسه. وأما على المستوى إلابيستيمي فإن نقطة الاختيار الحرجة تتفرع وتنقسم وتتشكل وتموج لاسيما حين يكون الاختيار هذا متعلقاً لا بفرد. بل بثقافة أمة تأويلاً لتاريخها وإرشاداً لسبل مستقبلها مما يقتضي التريث طلباً لمزيد من المعرفة!0 لقد أشرنا في دراسة سابقة(1) إلى أن (النظرية التي يؤسس لها جابر قادمة وفيها ريب، وترجع الريبة تلك إلى الدينامية الهائلة التي يعمل بها عقل الناقد، فهو متابع دؤوب لمتغيرات الفكر على الساحة العالمية، تلك المتغيرات المتسارعة نتيجة انبثاق آلية التفكير (عبر التخصصي) interdisciplanary Course في المجالات المعرفية بفضل التماس والتداخل بين المناهج الفرعية للعلوم(في إطار وحدة المنهج العلمي العام) حتى لقد رأينا "جاك لاكان" يؤسس بنيويته في مجال الأدب على إنجازات علم النفس الفرويدي، ورأينا"جورج آلتوسير" يقدم بنيويته الديالكتيكية معتمداً على "ماركس" في توجهات الأخير العلمية لا الأيديولوجية، وبجانبها شاهدنا "ميشيل فوكوه" يعمد إلى الإنثروبولوجيا يلقحها بتاريخ الأفكار بمنهج خاص أسماه آركيولوجيا المعرفة. وآلية "عبر التخصصي" ليست هي بالضبط"تضافر الاختصاصات" المتعددة multidisciplanaryالتي عرفها الدارسون في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين بحسبانها جميعا من المداخلات المختلفة المستقلة لدراسة ظاهرة ما. مثلاً كان الدارسون في الحقل السياسي يقرون مبدأ ارتباط الظاهرة السياسية بالواقع الاقتصادي وربما أضافوا إلى ذلك ضرورة دراسة الأحوال الاجتماعية ثم المظاهر الثقافية العامة باعتبار الثقافة مرآة عاكسة للبنية التحتية وأن استقلت عنها في رأيهم حيث تبين الآن أن التطور الثقافي لمجتمع من المجتمعات هو في الحقيقة عامل متصل-بل ربما كان العامل الأهم- بعملية الإنتاج المادي ذاتها، ويعبر عن ذلك فكر"الموجة الثالثة"(2) القادمة باقتصاد المعرفة الذي يعتبر المعلومات عنصراً أساسياً ومحركاً للتطور- وشريكا أكبر من البروليتاري والرأس مالي والمادة الخام- في خلق القيمة والقيمة المضافة. لناقدنا جابر إذن أن يتريث وهو على مفترق الطرق بكل تنوعاتها وألوانها وتلاحمها المتسارعة المتفرعة، ليتابع بنظره لاهثاً حركة الإنتاج الفكري لموجة ما بعد الحداثة Post Modernism تلك الموجة التي ارتدت في وجه الحداثة الغربية بعد إخفاق الأخيرة في السير بالحلم النهوضي والتنموي إلى خاتمة مطافه، وهل ثمة خاتمة لمطاف أي مطاف؟! هكذا تتساءل اتجاهات ما بعد الحداثة ناقضة مشروع الحداثة الغربي برمته . ومشروع الحداثة الغربي هذا بدأ في الإعلان عن نفسه مباشرة باكتمال عصر التنوير في القرن الثامن عشر، عصر لسنج ومندلسون في ألمانيا واسحق نيوتن في إنجلترا وفولتير وروسو في فرنسا حيث وضعت الموسوعات، وشاعت روح الابتكار، والبحث العلمي، وحيث صار للبورجوازية رواية ومسرح وحل أسلوب الروكوكو محل أسلوب الباروك في الفن التشكيلي، فتأسس مشروع حضاري للتحديث modernity على المستوى القاري (أوربا) وصار مطلوباً تصديره على مستوى العالم. لقد قام هذا المشروع على معطيات ثلاث هي: 1-تمجيد الفردية. 2-اعتماد العقلانية مرجعية للفكر الإنساني. 3-الإيمان بأن التاريخ هو تقدم دائم وحركة صاعدة على الدوام. وحيثما كانت تلك المعطيات الثلاث ثمرة نضال الحضارة الغربية التي غرست بذورها في حديقة القرن التاسع (عصر شارلمان) فلا غرو أن يعتبر الغرب نفسه مركزاً وحيداً للعالم، وعلى الأطراف أن تستمد منه تأويله للوجوس logos (الذي هو الأصل الواحد أنطولوجياً ومعرفياً) وأن تتبع خطواته إن أرادت تحديثاً لمجتمعاتها المتخلفة. لكن ناقدنا الحداثي-وقد تدارس المسألة التحديثية من جوانبها المتعددة تدارساً يقضاً-أدرك : أولاً: أن الحداثة modernism ليست تعميماً لنمط غربي ذي قناع واحد بنغمة منفردة، إنما الحداثة بالمعنى الأعم للكلمة هي علامة ارتباط بملامح إبداعية دياكرونية معينة تتمثل في أولوية السؤال، ونسبية المعرفة، والتجريب، والمغامرة، وعدم الارتكان على المسلمات الجامدة، ونفي المطلق، ولقد نجد هذه الملامح في أي زمان وفي أي مكان دون إخلال بتنوع هذه الأزمنة والأمكنة ثقافياً، أو اختلافها مع غيرها من الأماكن والأزمنة، ومن هنا جاءت دراسة جابر عصفور لعلامات الحداثة في التراث الأدبي العربي (كتاب مفهوم الشعر ومقال بلاغة المقموعين) وأيضا في التراث النقدي (حيث درس نظريات قدامة بن جعفر وابن طباطبا وحازم القرطاجني فضلاً عن عبد القدر الجرجاني) .كما أدرك"جابرنا" . ثانياً: أن محاولات التحديث المصري منذ محمد علي إلى الآن إنما تناوشتها ثنائية النهضة والسقوط لأنها عمدت إلى النبتة الغربية تحاول غرسها في أرض تختلف عن الأولى في ساقها المادي التاريخي وموروثاتها القيمية، ودرجة تطورها السياسي والاجتماعي، وفي الوقت نفسه أدرك "جابر" . ثالثاً: أن الحداثة الغربية نفسها التي زعمت أنها مركز اللوجوس قد وصلت إلى طريق مسدود (غير تاريخي) حين تصادمت دولها العظمى معاً في حربين عالميتين قتل وجرح وشوه فيها ما يربو على مائة مليون إنسان، فضلاً عن الدمار الذي لحق بالمدن والمصانع والمدارس والمتاحف وهي جميعا إنجازات حداثية ! وإذا بمعطيات الحضارة-التي أشرنا إليها آنفاً-تتآكل وتشحب وتنزوي . فالفردية الممجدة نظرياً تأكلها في الواقع الدولة القومية التي توحشت حناً وتخابثت أحياناً حتى صار الأفراد بداخلها مجرد نمط pattern تنتجه علاقات الرأسمالية ونظم التعليم والتثقيف والدعاية والإعلان الملحقة بهذه العلاقات، وهكذا تبين أن العقد الاجتماعي Social Contrect الذي تصوره "روسو" نوعاً من –التحالف- الارتهان Alienation للآخر (المجتمع وتمثله الدولة) يتنازل به الفرد عن بعض حريته ليضمن كل حريته إنما كان وهماً ومثالية لا تتصل بحال بالواقع التاريخي المعيش، فالصراع الاجتماعي الذي تأجج بين الرأسماليين والعمال، بين أصحاب الأرض وبين الأجراء الزراعيين، بين الملاك العقاريين وبين البورجوازيين الصغار كان هو الذي يقرر –طول الوقت- شكل ومضمون هذا الارتهان الذي تكشف عن استلاب صريح، وكان انتزاع حقوق وممتلكات وجهد الفقراء لصالح الأغنياء (الذين كانوا يستولون على آلة الدولة دائماً) حرياً بأن يجعل من الفرد كماً مهملاً، وأن يقلص بشكل مستمر إمكانياته الروحية والعقلية والنفسية بدلاً من أن يطورها وينميها تبعاً لتصور روسو. ومن ناحية أخرى، فإن دولة شمولية استبدادية (زعمت أنها تأسست لصالح البروليتاريا) قد أدى قيامها إلى العصف بكل أحلام ماركس وإنجلز في تخليص الفرد من الاستلاب ووضعه على درب الممارسة Prectis والمشاركة، وبدلاً من أن تذوب دولة البروليتاريا كلما نضجت –كما تذوب الشمعة كلما أضاءت حسب تعبير إنجلز- رأينا الاتحاد السوفيتي السابق يقوي يوماً بعد يوم على حساب الأفراد إلى أن دهمته الكارثة فانهار كما تنهار عمارة ضخمة لم تمتد إليها يد الإصلاح إلا في لحظة السقوط ولات حين. أما العقلانية - ثاني العناصر في منظومة الحداثة الغربية- فلقد تكلفت النسبية الفلسفية ومن قبلها الدارونية والفرويدية بكشف القناع عن واقعها، فإذا بها –العقلانية- عاجزة عن تفسير السلوك البشري اجتماعيا وفردياً، فتراجعت ثقة الإنسان العقل الديكارتي/الكانتي، وحل محلها القبول المذعن باللامعقول والعبثي Absurd والتركيز على القوى الغريزية وتسليمها القياد، ولعل انبعاث الأصوليات الدينية في كل مكان إنما يعبر في أحد مستويات دلالاته عن هذا الاحتقار للعقل، والاستهتار بمنجزاته، والسخرية بمعجزه عن تحقيق الآمال التي كانت قد عقدت عليه. وأما ثالث الوسائل التي اعتمدها المشروع الحداثي الغربي فهي: تصور التاريخ قوة واعية مساندة للإنسان متقدمة به إلى الأمام وإلى أعلى! هذه الثمرة الفكرية الهيجيلية سرعان ما تبين أنها فاسدة يعبث الدود في لبها، إذ بات واضحاً أن التاريخ لا يتوقف أحياناً فحسب بل يتراجع إلى الوراء أحياناً كثيرة، وفي عصرنا بالذات رأينا أن الوحدات السياسية تتفكك والعرقيات القديمة تطل برأسها على حساب فكرة المواطنة، ورأينا الأصوليات الدينية تنبعث بل وتشجع ربما تمهيداً لعودة إقطاع كوني Cosma Feudal تصبح فيه القوى الكبرى دولاً لوردات، وتسمى بسببه كل الدول الصغرى دولاً أقناناً(3). جابر عصفور إذا كان يعلم منذ بعيد أن مشروعه الرامي إلى تحديث النقد العربي ومعه العقل الثقافي العربي لا يمكن أن يتبع خطوات المشروع الغربي حافراً فوق حافر لهذه الأسباب التي سقناها، وفي الوقت نفسه فإن روح الحداثة التي تأججت في وجدانه منذ البداية ألهمته أن يقفز إلى قطار المعرفة المتحرك دوماً ليراقب من نافذته المشهد العالمي World outlook والمتمثل في نهاية الكيانات الكبرى (مثل سقوط الاتحاد السوفيتي والاتحاد اليوغسلافي، وربما المملكة المتحدة البريطانية في القريب) والمتمثل أيضاً في انصراف العقل عن الإيمان بالمطلق واليقين والحتمية سواء في الطبيعة أو في مسيرة المجتمعات البشرية (والمعبر عنها تحريرياً بكلمة التاريخ) والمتمثل كذلك في الازورار عن الآليات السياسية التقليدية (مثل الديمقراطية البرلمانية والأحزاب التي تحجرت) وزهور آليات جديدة تتحدى بها الجماهير النخب الحاكمة (مثل جماعات الخضر وأنصار البيئة، والمعارضين للحروب والتجارب النووية والتسليح فضلاً عن تنامي منظومات المجتمع المدني) علاوة على ظهور ما بعد الدولة القومية Post-state وتقلص الاستقلال الوطني وتآكل السيادة، ويقابل هذا كله انبثاق أشكال جديدة في الفنون (كعمارة الفقراء والأدب الغمض والمسرح التجريبي وسينما الغد)وهي تبدو مرتبكة لأنها تماثل من يحاول الصعود في نسق هابط، بيد أن التحدي في حد ذاته كاف لإنتاج الجمال الغريب البودليري (نسبة إلى بودلير) وهنا تكمن المفارقة، فالجمال الغريب. الصادق سيكون بلا ريب أفضل من الجمال المألوف الزائف. على حدود النقطة الحرجة في المشروع العصفوري التحديثي يدرك الناقد أن كل ما كتبه حتى الآن –وما كتبه غيره- ليس عملاً نقدياً مكتملاً يناقش أعمالاً أدبية مكتملة، فالعمل النقدي والعمل الأدبي تعبيران ينبعان من تصور مثالي أما نموذج "المرأة" الأفلاطوني الزاعم أنه يعكس "الأصل"، أو نموذج "المصباح" الديكارتي / الكانتي الذي يفترض أنه يضئ ذلك الأصل، لكن فكر ما بعد الحداثة –وهو يزيح هذين النموذجين جانباً- اكتشف نموذجاً أكثر فاعلية وأقرب إلى تصوير "الصورة" كما تتبدى فينومولوجيا ذلك هو نموذج الشبكة المتعددة الأطراف والخيوط، أو لنقل هو نموذج الصورة التي لا تعكس "أصلاً" أو أقنوماً، فنسيج الشبكة يمكن لكل خيط فيها، وكل عقدة، أن يكون البداية وليس ثمة بداية واحدة. هكذا صدر كتاب دابر الأخير "آفاق العصر" ويقيني أن اتبه كان مدركاً كل الإدراك أنه يسجل "نصاً" بالمعنى الذي ينشده فكر ما بعد الحداثة. والنص هنا مراوغ ومراوغ (بفتح الواو وكسرها) إذ يتبع نموذج الصورة التي لا تعكس إلا صوراً غير محددة. وما العمل إذا كان هذا هو الواقع فعلاً؟ ونموذج الصورة هذا إنجاز معماري بالدرجة الأولى (تكعيبية بيكاسو صورة ابتدائية له) انتقل إلى حقل الدرس الأدبي في سبعينات القرن لينفي ما كان يسمى بمركزية اللوجس أو الأصل الواحد لكون وللحياة وللعقل واللغة (وظنت الحضارة الغربية نفسها تجسيداً له في التاريخ) هذا النفي هو الذي يفتح أعيننا على حقيقة أننا لا ننظر من نفس النافذة، لا نرى نفس المشهد ما دمنا نتواجد في مجال معماري هو أقرب إلى قصر "اللبرانث"(4) منه إلى كهف الرجل البدائي أو خيمة البدوي أو حتى قصر الإقطاعي المطل على مزارعه وأفنانه، أو حتى شقة البورجوازي الحديث ضيق الأفق المطل دائماً وأبداً على شارع المال وزقاق البورصة، لكن قصر "اللبرانت" الأسطوري –الذي تأكدنا أننا نقطنه- مكان للتيه لا تلج باباً فيه إلا ويقودك إلى باب آخر، وليس ثمة سبيل للخروج منه أبداً، فهل ثمة مكان غير الكون؟! لهذا فالرؤية تتعدد بتعدد المكان طبعاً والزمان اللانهائي وإن بدا عبثاً وعدمياً إلا أنه خليق بأن يثير التحدي ويساعد على استمرار البحث (فما دام الزمان غير محدد فإن البحث حري بالا يكون محدوداً، ولا معنى لإعلان ما بنهاية التاريخ كما يقول هيجل أو فوكوياما) وخليق أيضاً هذا الزمان غير المحدود بهدم كل بنية تدعي الثبات والخلود، وهنا يصبح التركيز على الوسائل لا الغايات (كما يقترح فرانسواليوتار) هو المناسب لطبيعة الوجود كما هو لا كما ينبغي أن يكون في نظر العقل المثالي. ولأن جابر عصفور لا يريد لنا أن نتأخر عن مراقبة المشهد المعرفي فإنه يحذرنا من الاستكانة لهذا "الحذر" الغبي الموروث الذي اعتادت عليه مناهجنا في التعليم والتربية والتثقيف، مؤكداً نهضتنا عبر القرنين الماضيين لا سبب له إلا هذا الحذر "العقلي" (والعقل عندنا معناه العقال أو القيد" المرتعب من المغامرة، والخائف من التجريب وطرح الأسئلة الوجودية والمعرفية عن المستقبل، لهذا فجابرنا يبدأ بالنقد الأدبي ليثني بالمشهد الثقافي العام وصولاً إلى أعماق الفكر وقرار الفلسفة التي ليس لها قرار في الواقع، مستخدماً في ذلك –بوعي كامل- آلية "النص" بمفهومه الجديد الذي يشكل قطيعة كاملة مع المفهوم التقليدي اللغوي لدينا، وإنما يستخدمه بالمفهوم الما بعد حداثي، فالنص بالمعنى التقليدي كان يزعم أن المؤلف (الذي هو أعلى) ينص على معنى معين، وما مهمة القارئ / الناقد إلا البحث عن هذا المعنى وإظهاره ولا شيء غير ذلك. أما النص بالمعنى المحايث لفكر ما بعد الحداثة فإنه يعني شيئاً "انكتب" بواسطة الكاتب وبآليات تكشفها الكتابة (التي لها وجود حقيقي مثل البحر أو الغابة أو الصحراء) بحسبانها أنطولوجيا مستقلاً، وما دور الكاتب بالنسبة إليها إلا كدور برومثيوس سارق النار، وهذا هو ما كان يعنيه رولان بارت بـ "موت المؤلف" أي موت فكرة المؤلف التقليدي الملهم والعارف بكل شيء. جابر إذن في كتابه الأخير يدرك أنه ليس مؤلفاً ملهماً، ولا ملهماً (بفتح وكسر الهاء) وأنه ليس المؤلف (بألف لام العهد) بل هو صورة للكتابة (بألف لام الجنس) حيث يكتب معه نصه كل الكتاب السابقين عليه واللاحقين له والقراء أيضاً، ليشكلوا معاً عند حدود النقطة الحرجة خطاباً Discourse جديداً بقوة أساسه المعرفة المتنامية المعددة الموسوعية والفاعلة في آن. لقد أصبحت المعرفة قوة في حد ذاتها، وكما كان خطاب النخب والطبقات الحاكمة هو العامل المؤثر في انصياع الجماهير لأيديولوجيات تغرس فيها وعياً شقياً –بحد تعبير هيجل- فإن الخطاب المعرفي المعاصر لا غرو أن يصبح قادراً على مباشرة علاقات القوة، وأن ينم عن تأثير متصاعد في علاقات السلطة داخل المنظومة الاجتماعية وصولاً إلى ديمقراطية حقيقية لا تشبه بحال تلك التي قامت في أثينا القديمة تلغو بالمناقشات وتترك العمل للعبيد، ولا هي ليبرالية المشروع الرأسمالي الذي يمنح الحرية شكلاً للعمال ويسلبها إياهم مضموناً (بحكم علاقات القوة القائمة على سوء توزيع الثروة) ولا هي ديموقراطية الدولة الشمولية ذات الحزب الواحد وإن زعم أنه حزب العمال حليف الفلاحين الفقراء بينما كان في واقع الأمر حزباً للبورجوازية البيروقراطية التي ترطن بمصطلحات ماركسية وفي ذات الوقت تحتفظ لنفسها بفائض القيمة على هيئة ميزات ومخصصات. الديموقراطية المنشودة وعي جماهيري لا زيف فيه ولا إيديولوجيات، وعي يقوم على العلم والمعرفة التكنولوجية حتى ليصبح الفرد في حد ذاته قوة تواجه صاحب العمل (دولة كان أو شركات) إذ يستطيع عامل الكمبيوتر الذكي أن يتفاوض على رفع أجرة وتحسين شروط عمله بقدرته على حجب أو حتى نسف قاعدة المعلومات التي بين يديه، فما بالك بتضامنه مع غيره من العاملين في نفس المجال؟! هذا هو المغزى العام لمشروع جابر عصفور النقدي الثقافي، فالديموقراطية عنده قرينة بتغيير زاوية الرؤية للعالم، حيث نرى علوم اللغة وما تتصل به من سائر العلوم الإنسانية بمناهجها الإجرائية المتعددة ومنهاجها العلمي العام تتكاتف مع العلوم الطبيعية التي كشفت عن نسبية الكون ونفت المطلق والحتمية، نرى هذا جميعه وقد أطاح بفكرة الواحدية سواء على المستوى الفلسفي أو المستوى السياسي أو على مستوى الإبداع الفني والرؤية النقدية، وبتراجع هذه المسلمات الجوامد راح فكر التنوع والتعدد (الأساس الثقافي للديموقراطية) يحتل موقعاً بعد الآخر على خارطة العقل البشري مبشراً بعالم جديد حر وشجاع. من هنا يأتي استمساك عصفورنا بآلية التأليف الجماعي المتعدد الرؤى والأساليب، فكتابه "آفاق العصر" إنتاج مشترك ومفتوح ما بينه وبين مفري ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة، وهو بهذا الإنتاج إنما يثبت صحة القول بأن القراءة الحقيقية لابد وأن تقود إلى الكتابة بالقدر الذي تكون فيه الكتابة بالقدر الذي تكون فيه الكتابة دافعاً لإعادة إنتاج (أي قراءة) ما "انقرأ" من قبل. مثلاً "تنكتب" البنيوية فيثبت أن الجبرية القديمة تعود في ثوب جديد لتغازل العقل البشري، وكأننا نقرأ زيتون الإيلي بلغة القرن العشرين، ثم ما يلبث هرقليطس أن يتقدم معارضاً بالتفكيكية مؤكداً أن الوجود سيال متغير على الدوام، فهل يا ترى أدركنا المراد الحقيقي لجابر عصفور الذي يطالبنا بإعادة قراءة "النص الاعتزالي" لنعارض به الخطاب الأشعري القديم / الجديد، منتجين جاحظاً، وخياطاً، ونظاماً، وعبدجبار معاصرين؟ ذلك غيض من فيض ما تمور به آفاق الكتابة العصفورية التي تمثل تناصاً Intertextuality لكتابات أخرى أساسها التعبير عن هموم الإنسان وتفجير طاقات التغيير الكامنة بداخله، وهذا التناص هو بالضبط ما قاد عصفورنا إلى حدود النقطة الحرجة التي يتعين لتجاوزها اختيار الفعل الثقافي وتحديد الاتجاه واعتماد التصميم Design العام لثقافتنا المطلوب تحديثها (أي وضع النظرية الكاملة) وهو ما لن يحدث قبل أن نقرر هل نستضئ –ولا أقول نتبع- بمصابيح فكر ما بعد الحداثة دون تردد، مطمئنين إلى أنه ليس فكراً يمثل انتصار الإنسان على كل ما فرضته الفلسفات الكلاسيكية من أيديولوجيات، وعلى كل ما فرضته الدولة القومية من قهر مباشر أو غير مباشر على الفرد الإنساني.. وهل نتحاور مع فكر ما بعد الحداثة هذا في سعيه إلى إعادة الاعتبار للخصوصيات الثقافية للأمم المقهورة وللأقليات المضطهدة فضلاً عن الخصوصيات اللصيقة بالكائن الإنساني باعتباره فرداً متميزاً وليس نمطاً، أم نتريث لنستبين معالم تيار التحديث الجديد New Modernity ذلك التيار الرصين الذي نجح في الإفلات من براثن فرويد ونيتشه وهيوجر وليونار وبول فيرابند معيداً الاعتبار لقيمة العقل ودور الدولة والأسرة والدين على أسس قومية وأكثر رشاداً، وحيث يقترب التيار التحديثي الجديد من الماركسية بعد صبغها بصبغة لبرالية (مدرسة فرانكفورت النقدية وعلى رأسها هربرت ماركيوز ويورجين هابرماس) في محاولة ثانية –الوجودية كانت المحاولة الأولى- لتحديث الديالكنيك وتطوير نظرية المادية التاريخية؟! ولأن بدايات جابر عصفور انطلقت من هذا النبع العقلاني المادي التاريخي فإن اندفاعه الوجداني الرومانسي (فالسكوت عنه في كتابات جابر كونه شاعراً) يقابله إحجام خفي عن صياغة نظرية شاملة للثقافة العربية طالما هو لم يحاور بعد هذا التيار التحديثي الجديد ويسبر غوره وينقده، لا سيما وأن التيار لا يكتفي بالتعامل مع الفكر في آفاقه التجريدية بل ينزله إلى أرض الواقع المادي كما يفعل الآن وليام جاميسون المرتبط بفلسفة العلم لكارل بوبر، وكذلك مارشال بيرمان فيلسوف العمران والتاريخانية (الطبعة الأمريكية الحديثة لابن خلدون) وأيضاً وليم بينت الاشتراكي الليبرالي، ومن هنا فإن اختيار جار عصفور لأدوات ومنهاج هذا التيار التحديثي الجديد –استجابة للمنطلقات الأولى في تكوين ناقدنا دون قمع للشاعرية- سيحتم عليه أن يقوم بتحليل وتقويم التيارات الفكرية والاتجاهات السياسية المتلاطمة الآن في البحر الوطني تحليلاً عقلياً هادئاً يأخذ في الحسبان السياق التاريخي لكل تيار منها وكل اتجاه، فضلاً عن رده إلى أصوله الاجتماعية بغرض الوصول إلى حد أدنى من التوافق القومي، وهو توافق (وليس تلفيقاً) بقدر ما يمارس النقد والنقد الذاتي دون افتئات على حق كل تيار وطني في التعبير عن نفسه بصفته معبراً عن مصالح اجتماعية محددة، عملاً بمبدأ الوحدة والصراع، وتسليماً بأن الوحدة إذا تمت عن طريق تجميد الصراع لا تقود إلا لتلفيقية ناصرية، بينما تفجير الصراع الطبقي إلى ما لا نهاية ويغير حدود دون النظر إلى الصالح القومي العام لا يؤدي لغير ديكتاتورية طبقة، ودرس التاريخ يعلمنا أن ديكتاتورية الطبقة (حتى وإن كانت البروليتاريا) إنما تصب مياهها في طاحونة الاستغلال الذي يستعير شعارات المقهورين لكي يمارس القهر من جديد مما يعطل المشروع الحداثي مهما تكن توجهاته أو نواياه. ليكن الاختيار إذن ما يكون، نشوة أو صرامة منهجية، تجدداً عقلانياً أو سباحة في أعماق اللاشعور وقرارات الغرائز، سيراً مع التاريخ أو بحثاً عن مثال أعلى خارجه، اعتبار اللغة لعبة مراوغة أو تقديرها كبنية وبنية عميقة، ليكن الاختيار ما يكون إنما المهم ألا يظل المفكر العربي واقفاً ينظر بنصف وجهه نشطاً مهتاءً إلى إيروس(5) وينظر متعباً مستسلماً - بالنصف الآخر- إلى ثاناتوس(6) أو بالأقل إلى شقيقه هوبنوس(7) وما أحرانا جميعاً بالا نستسلم لهذا الأخير بالذات، فهو الذي أشبعنا نوماً قروناً طويلة وما زال يداعب جفوننا حتى الآن.

الهوامش (1)دراستنا "المشروع الحداثي عند جابر عصفور" مجلة القاهرة نوفمبر 1995م. (2)راجع آلفين توفلر وهايدي توفلر "بناء حضارة جديدة" ترجمة سعد زهران وكذلك Alvin Toffler, The third wave, published by william Morrow and Company Enc. New york 19880. (3)لتفصيل هذا الموضوع –راجع دراستنا بعنوان "الأصولية والإقطاع الكوني القادم- مجلة القاهرة عدد يوليو. (4)البرانث Labyrinth قصر شيده المعماري الإغريقي ديدالوس للملك مينوس بجزيرة كريت، وكمكافأة للفنان حبسه الملك فيه فلم يغادره إلى أن اخترع لنفسه أجنحة من ريش الطيور الميتة على سطح القصر طار بها بعيداً، وقد استعان الروائي الأيرلندي المعاصر جيمس جوليس بهذا المغزى وبشخصية ديدالوس ليصور غربة الإنسان في هذا العالم، والتيه الذي يعيش فيه ومحاولاته الدؤوب للتحرر منه.
(5)إيروس: إله الحب الجنسي عند الإغريق. (6)ثاناتوس: إله الموت. (7)هوبنوس: إله النوم.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,645,919,185
- وماذا بعد أن تسقط أمريكا ؟
- القصيدة في نشوء آخر .. قراءةفي شطح الغياب لمهدى بندق
- هل تقوم الحرب بين سوريا وإسرائيل ؟
- قصيدة : الخروج
- قصيدة : جاء دوري
- رشدى
- حوارات مهدى بندق 7 - مع د.وحيد عبد المجيد
- كرمة الإدانة
- قصيدة- ظل الملك
- اللبرالية الجديدة..حل مؤقت لأزمة دائمة
- سوسيولوجيا المسرح الشعري في مصر الحمل الكاذب والحمل المجهض
- الدكتور وحيد عبد المجي دمفهوم الليبرالية مختلف عليه وقد استخ ...
- المَحْلُ وما أحاط
- والعكس وما يغشى
- بعد عرفات سيزيف الفلسطيني يبني بيتاً
- مطوي بيميني منشور بيساري
- صفرٌ في الغَلَس
- وعي بالجهل أم تنمية معرفية ؟!
- اللغة .. والثقافة الشعبية المظلومة - مصر وتونس نموذجاً
- تحطيم سرير -بروكروست-


المزيد.....




- -نصير شمة-.. الموسيقى الحزينة تثير المشاعر الإيجابية
- «رشاد» يعتمد خطة الأسبوع لحفلات «أم كلثوم» على إذاعة الأغاني ...
- بمناسبة ميلاده المئوي، فيلم عن أيام ديلان توماس الأخيرة في ن ...
- أسرة معالى زايد تفرض السرية على حالتها المرضية
- «مباع» صرخة سينمائية عميقة من أبوظبى ضد الاتجار الجنسى فى ال ...
- لا تبحث عن «الحصرى» فى مهرجان القاهرة السينمائى
- سفير المغرب يأوي المغربيتين العالقتين في انقلاب بوركينا فاصو ...
- الاتحاد العربي للصحافة الإلكترونية ينظم ليلة الاعتراف ويتذكر ...
- وزير العمل يلتقي الباحث في شئون الثقافة المؤسسية الدكتور جاس ...
- بالفيديو.. مُدرسة اللغة الانجليزية تصيب التلاميذ بالرعب احتف ...


المزيد.....

- طقوس للعودة / السيد إبراهيم أحمد
- أبناء الشيطان / محمود شاهين
- لا مسرح في الإسلام . / خيرالله سعيد
- قصة السريالية / يحيى البوبلي
- -عزازيل- يوسف زيدان ثلاث مقالات مترجمة عن الفرنسية / حذام الودغيري
- بعض ملامح التناص في رواية -الرجل المحطّم- لطاهر بن جلون / أدهم مسعود القاق
- مجموعة مقالات أدبية / نمر سعدي
- موسى وجولييت النص الكامل نسخة مزيدة ومنقحة / أفنان القاسم
- بليخانوف والنزعة السسيولوجية فى الفن / د.رمضان الصباغ
- ديوان شعر مكابدات السندباد / د.رمضان الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهدى بندق - المشروع الحداثى لجابر عصفور إلى أين