أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جواد البشيتي - سؤال -كيف خُلِقَ الإنسان؟-















المزيد.....

سؤال -كيف خُلِقَ الإنسان؟-


جواد البشيتي

الحوار المتمدن-العدد: 2076 - 2007 / 10 / 22 - 10:54
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في القِصَّة الدينية لخلق البشر، خُلِقَ الإنسان، أو "آدم" من مادة، هي "الصلصال"، الذي هو طين مُركَّب من سيليكات الألومينيوم، يتميَّز بشدَّة لزوجته عند البلل وتماسكه، فإذا شُويَ بالنار فهو الفخَّار.

من هذا "الطين"، في معناه الحقيقي وليس في أي معنى مجازي، صَنَعَ "الخالِق" آدم، أي الإنسان الأوَّل الذَكَر. وعندما أتمَّ صنعه، أي عندما أتمَّ صُنْعَ هذا "التمثال"، نَفَخَ فيه من روحه، فصار حيَّاً. و"نَفْخُ" الشيء هو أن تُدْخِلَ فيه ريحاً تُخْرِجُها من فَمِكَ.

وأحسبُ أنَّ الفهم الحقيقي للنص الديني هو الذي يقوم على فهم كلماته وعباراته في معانيها الحقيقية، ففهمها في معانيها المجازية، أو التطرُّف في مثل هذا الفهم، يَجْعَل "النص" ضدَّ "منطق اللغة"، ويُدْخِله في متاهة "التدليس اللغوي"، الذي به تتحوَّل "لغة النص" إلى ما يشبه "عجيناً"، يتَّخِذُ الشكل الذي نشاء، فتتقوَّض، في اللغة، العلاقة بين "الدال" و"المدلول".

ومع هذا التقويم للاعوجاج في تلك العلاقة، والذي لا بدَّ منه حتى يستقيم الفهم، نقول إنَّ خَلْقَ آدم، بحسب النص الديني، قد تضمَّن، في مرحلته الأخيرة، أي بعد إتمام صُنْعِه من الصلصال، إدْخال بعضٍ من "الروح الإلهية" فيه. ومن ذلك جاء القول بموتٍ يفنى فيه جسد الإنسان، أو كيانه الطيني، وتخلدُ بَعْدَهُ الروح، أي روح الإنسان التي هي من الخالِق جاءت، وإليه تعود. ولولا هذا "النفخ الإلهي" لما دبَّت "الحياة" في "آدم الصلصالي".

على أنَّ النص الديني لم يُجِبْ عن أسئلة من قبيل: هل الكائنات الحيَّة الأُخرى، من حيوانية ونباتية، قد خُلِقَت في الطريقة ذاتها، أي من صلصال نَفَخَ فيه الخالِق من روحه؟ وهل "الحياة" في غير الإنسان من الكائنات الحيَّة لا تقوم لها قائمة إلا إذا نَفَخَ الخالِق في تلك الكائنات من روحه؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف لهذه الروح التي جاءت من روح الخالِق ذاته أن تختلف درجة ومرتبة بين الكائنات الحيَّة؟ ليس من إجابات واضحة، في "النص الديني"، عن تلك الأسئلة وأمثالها.

حتى في "خَلْق الإنسان" اختلف، أو تضارَبَ النص ذاته، ففي "خَلْق آدم"، جاء "الخالِق" بذلك "الصلصال"، الذي أتمَّ صنعه، فنَفَخَ فيه من روحه. ثمَّ اختلف "خَلْق حواء"، أو "المرأة الأولى". ثمَّ اختلف "خَلْق ذريَّة آدم"، فـ "الجنين البشري"، وبَعْدَ مُدَّة (نحو 40 يوماً) من تَكوُّنه، في رحم أُمِّه، أي بعد انتهاء "طور المضغة"، يَبْعَثُ "الخالِق" إليه مَلَكاً ليَنْفُخَ فيه "الروح". وهذا يعني أنَّ الجنين، قَبْلَ ذلك، لا يُعدُّ "كائناً حيَّاً".

لقد خُلِقَ "الإنسان الأوَّل الذَكَر"، أي "آدم"، من "تراب". أمَّا نسله فلم يُخْلَق من "تراب" وإنَّما من "نطفة".

و"النطفة" هي "المني". و"المني"، أو "السائل المنوي"، هو سائل ثخين مُبْيَض، تفرزه الغدد التناسلية عند الذكر في نهاية الجماع، ويتألَّف من "حيوانات منوية" Sperms ومن مادة "بروستاغلاندين .Prostaglandin والخصية هي التي فيها تُنْتَج الحيوانات المنوية وهرمون الذكورة "تيستسترون" Testosterone.

من ذلك يتضح أنَّ الجنين قد خُلِقَ، بحسب قِصَّة خلقه الدينية، من ذلك السائل الذي تفرزه الغدد التناسلية عند الذكر. وهذا السائل هو "النطفة"، التي لا معنى لها سوى هذا المعنى. ويتضح، أيضاً، أنَّ "البويضة" لم تُذْكَر؛ لأنَّها ما كانت تُرى، فهي لا تُرى بالعين المجرَّدة. "المني" وحده هو الذي كان مرئياً ومعروفاً.

والآن، لا نحتاج إلى إثبات أنَّ الجنين يتكوَّن في الرحم عند "تلقيح البويضة"، أي عند اتِّحادها مع الحيوان المنوي. وليس من سبب الآن يدعونا إلى الاعتقاد بأنَّ "السائل المنوي" يَخْرُجُ من غير "الخصية". ويعود إلى هارتسوكر، في القرن السابع عشر، الفضل في معرفة واكتشاف أنَّ الجنين البشري لا يتكوَّن من المني (أو النطفة) فحسب، وإنِّما من اتِّحاد واندماج الحيوان المنوي والبويضة.

الإنسان، بحسب الدين، خُلِق من "نطفة من مني". ويقال، أيضاً، إنَّ خَلْق الإنسان كان من "نطفة أمشاج". و"الأمشاج" مُفْردها "مَشِج"، أو "مشيج"، وهو "كل شيئين مختلطين"، أو "كل لونين امتزجا". ولقد اختلف تفسير "نطفة أمشاج"، فهناك من قال إنَّها تعني "اختلاط ماء الرجل بماء المرأة"، فـ "ماء الرجل وماء المرأة يُمْشَج أحدهما بالآخر"، وهناك من قال إنَّها تعني "اختلاف ألوان النطفة"، وهناك من قال إنَّها تعني "العروق التي تَكُون في النطفة". و"ماء المرأة"، في معناه الحقيقي، إنَّما هو ما يُفْرزه مهبلها من سائل عند الجماع؛ وليس من سبب يدعو إلى تفسير "ماء المرأة" على أنَّه بويضتها؛ فإذا كان ممكنا وصف ما يَخْرُج من خصية الرجل بـ "السائل" فليس ممكنا اتِّخاذ "السائل" وصفاً لـ "بويضة المرأة". وفَهْم "النطفة" على أنها "المني" الذي هو "سائل كالماء" لا يُجيز القول بـ "نطفة أُنْثوية"، تتَّحِد مع "نطفة ذكرية"، فيتكوَّن الجنين البشري.

لقد فسَّروا "النطفة" على أنَّها "الماء"، الذي يَخْرُجُ متدفقاً من "بين صلب (أي ظَهْر) الرجل وعظام صدره"، فإذا كان هذا "الماء"، عند الرجل، هو "السائل المنوي"، فإنَّ هذا "الماء" لا يَخْرُجُ " من بين ظَهْره وعظام صدره، لِيُراق من ثمَّ في رحم المرأة. "السائل المنوي" إنَّما يَخْرُج من مكان آخر لم يأتِ "النص الديني" على ذكره لا تصريحاً ولا تلميحاً. وهذا المكان، الذي فيه يُنْتَج "السائل المنوي، ومنه يَخْرُج، هو "الخصية".

وبحسب الوصف الديني لـ "أطوار الخَلْق"، أي للأطوار التي يجتازها الجنين البشري في نموِّه في رحم أُمِّه، تتحوَّل "النطفة" إلى "علقة (حمراء)"، تتحوَّل إلى "مضغة (مخلَّقة وغير مخلَّقة)"، تتحوَّل إلى "عظام"، تُكسى، من ثمَّ، "لحماً".

وبَعْدَ هذا الطور، الذي فيه تُكسى العظام لحماً، يَبعث "الخالِق إلى الجنين "المَلَك"، الذي يَنْفُخُ الروح فيه، فإذا نَفَخَها فيه تحرَّكَ الجنين وصار خَلْقاً آخر ذا سمع وبصر وإدراك..

"العلقة" هي قطعة من "العلق"، الذي هو الدم الغليظ الجامد. و"المضغة" هي "العلقة" إذا صارت "لحمة"، تشبه ما يُمْضَغ من اللحم. وهذه "المُضْغَة" قد تسقطها المرأة الحامل قَبْلَ "التشكيل والتخطيط"، وهذه هي "المُضْغَة غير المخلَّقة"، أو بَعْدَ "التشكيل والتخطيط"، وهذه هي "المُضْغَة المخلَّقة". ومعنى "التشكيل والتخطيط" هو أن تَظْهَر "المُضْغَة" في "ملامح بشرية" مثل الرأس واليدان والصدر والبطن والفخذان والرجلان..

ثمَّ تتحوَّل "المُضْغَة" إلى "عظام"، ثمَّ تُكسى العظام "لحماً". وهذا "التحوُّل" يكتنفه غموض وإبهام، فإذا كان لـ "المُضْغَة المخلَّقة" تلك "الملامح" فلا بدَّ لها من أن تنطوي على "عظام"، فكيف لها، إذا ما انطوت على عظام، أن تتحوَّل إلى "عظام"، تُكسى، من ثمَّ، لحماً؟!

كيف بدأت "قصَّة الخَلْق للبشر"؟ بدأت إذ اعتقد البشر القدماء أنَّ "الأنواع" في "عالم الحيوان" تتجاوَر ولا تتعاقب، فليس من "نوع حيواني" يمكن أن يتحوَّل إلى "نوع حيواني آخر"، كما ليس من "أنواع حيوانية" ذات "أصل حيواني مشتَرك". فـ "القط" الذي نَعْرِف هو القط ذاته الذي عَرَفَهُ الماضي، والذي سيَعْرِفُهُ المستقبل، فـ "النوع الحيواني" لا يتغيَّر، أي لا يتحوَّل إلى نوع حيواني آخر، ولو عَبْرَ ملايين السنين من التطوَّر.

وقدماء البشر كانوا يعتقدون أنَّ عُمْر "الأرض" مع بشرها وحيوانها ونباتها، لا يزيد عن بضعة آلاف من السنين. "التطوُّر" في "عالم الحيوان" لم يكن في متناوَل عقولهم، فـ "النوع الإنساني"، في معتقدهم البدائي، لا يمكن أن يجيء إلا من ذاته، أي من النوع الإنساني ذاته.

وبدأت "القصَّة" إذ تأمَّلوا "التكاثُر البشري"، فـ "عدد البشر" يزداد، فلو كان الأحياء من البشر، الآن، 1000 إنسان، ولو ماتوا، جميعاً، بَعْدَ 100 عام، فإنَّ عدد البشر لن يظل 1000 إنسان، فهو سيزيد، وسيبلغ، مثلاً، 1200 إنسان. وهذا العدد يزداد سنة بَعْدَ سنة. وهذا يعني، أيضاً، أنَّ عدد البشر في الماضي كان أقل، فَقَبْلَ 100 عام كان، مثلاً، 700 إنسان، وقَبْلَ 200 عام كان، مثلاً، 300 إنسان، وقَبْلَ 500 عام كان، مثلاً، 50 إنسان. وهذا التأمُّل لـ "التكاثر البشري"، في ماضيه، قادهم إلى الإستناج الآتي: لقد بدأ الجنس البشري بـ "فردين"، هما رجل (آدم) وامراة (حواء).

لا شكَّ في أنَّ عدد أفراد الجنس البشري، الذي ينتمي إليه "بَشَرُنا"، كان قَبْلَ آلاف (أو عشرات آلاف) السنين، أقل كثيراً من عدد أفراده اليوم. وكلَّما توغَّلْنا في ماضي الجنس أو النوع البشري رأيْنا مزيداً من الفروق والاختلافات في الصفات والسمات والملامح الطبيعية أو البيولوجية.

والجنس البشري، في أصله ونشأته وبدايته، لم يكن "فرداً"، أي آدم، ولا "فردين"، أي آدم وحواء، وإنَّما "مجموعة"، أو "جماعة"، أنْتَجها التطوُّر الحيواني الطبيعي، فمِنْ تطوُّر "نوع حيواني آخر"، أو مِنْ تطوُّر بعض من أفراد هذا "النوع الحيواني الآخر"، ظَهَر أسلاف الجنس البشري.

في العلاقة بين الكائن الحي وبيئته نرى، أوَّلا، أنَّ الكائن الحي، كل كائن حي، لا بدَّ له من أن يتكاثر ويتناسل، ثمَّ نرى أنَّ بعضا من نسله يبقى على قيد الحياة. الكائن الحي يلِد العشرات، أو المئات، أو الآلاف، من أمثاله، أي من أفراد نوعه. وكل مولود لديه من الصفات ما يجعله مختلفاً عن "أشقَّائه". وفي هذا الاختلاف يكمن سرُّ التطور، فالمولود الذي يبقى على قيد الحياة، ويتكاثر ويتناسل، إنَّما هو الذي لديه من الصفات ما يمكِّنه من العيش في البيئة التي وُلِدَ فيها. أمَّا غيره من المواليد الأشقَّاء فلا مفرَّ له من الهلاك؛ ذلك لأنَّ البيئة التي وُلِدَ فيها، والتي هي تؤدِّي دور "الناخب" في المجتمعات الديمقراطية، لم تَجِد فيه (أي في هذا "المرشَّح" من بين عشرات ومئات وآلاف "المرشَّحين" من أشقَّائه) من الصفات ما يؤهِّله لأن يكون ابناً لها، فلم تُدْلِ بصوتها لمصلحته، أي لم تنتخبه وتصطفيه وتختاره. الذي لديه، في صفاته، أي في فطرته، ذلك "التفوُّق" هو الذي تنتخبه الطبيعة، أو البيئة، التي وُلِدَ فيها، وهو الذي، في تكاثره وتناسله، يُورِّث نسله صفاته "الجيِّدة"، فيستمر ويعظم التطور والارتقاء جيلا بعد جيل حتى يتحوَّل "النوع القديم" إلى نوع جديد أكثر تطوُّرا ورقيَّا. ولا شكَّ في أنَّ "التركيب الجيني" يَخْضَع هو أيضا للتطور، فالتفاعل بين الكائن الحي وبيئته (في مفهومها الواسع) يتمخَّض دائما عن تغيير في "تركيبه الجيني".

لقد جانبوا "التاريخية"، أي فَهْم الشيء، الذي يرونه الآن، على أنَّه مختلف حتماً في خواصِّه وصفاته عمَّا كان في ماضيه وأُصوله، فقادهم تأمُّل "التكاثُر البشري" إلى القول بـ "فردين اثنين" نشأ عنهما "الجنس البشري"، هما "الرجل الأوَّل"، أي آدم، و"المرأة الأولى"، أي حواء.

وبعدما بلغوا هذه "الحلقة الأولى" من "السلسلة"، وأمسكوا بها، تساءلوا عن "أصل" هذه "الحلقة"، فَمِنْ أين، وكيف، جاء آدم وحواء؟!

تساؤلهم هذا تأثَّر بـ "واقعهم الاجتماعي ـ التاريخي"، أي بـ "السيادة الاجتماعية للرجل"، ففهموا "حواء" على أنَّها "مخلوق خَلَقَهُ الخالِق من الضلع اليسرى لآدام"، فآدم كان نائماً عندما قام الخالِق بخَلْق حواء من ضلعه اليسرى، فاستيقظ، فرآها، فأعجبته، فأنس إليها وأنست إليه، فضاجعها، فأنجبت له أولاداً، تناكحوا وتناسلوا، وانتشروا في الأرض. ولكنْ، من أين جاء آدم ذاته؟!

كان يكفي أن يجانب البشر القدماء "التاريخية" في النظر إلى النوع البشري حتى تسيطر "الميتافيزيقيا" على "جوابهم"، و"طريقتهم في التفكير". وقد إنتهى بهم التفكير إلى القول بـ "خَلْق الرجل الأوَّل من طين (أو صلصال)"، فهُم رأوا، أوَّلاً، كيف أنَّ الميِّت من البشر يتحوَّل إلى "تراب". ورأوا، من ثمَّ، أوجه التشابه والاختلاف بين الإنسان والتمثال الذي كانوا يصنعونه من الطين.

و"الفَرْق الجوهري" بين هذا التمثال والإنسان الحي، وهو "الحياة" بكل معانيها، حَمَلَهُم على القول بـ "الروح"، التي تَجْعَل "الحياة" تدب في "التمثال الطيني (آدم) الذي خَلَقَهُ الخالِق".

ومن مقارنتهم بين "الحي" و"الميِّت"، أنشأوا وطوَّروا مفهوم "الروح"، التي رأوها شيئاً يشبه "الريح"، أو "الهواء". في هذه المقارَنة رأوا أنَّ "الحي" يتنفس، فالهواء يَدْخُل إليه ويَخْرُج منه، عَبْرَ "الفم" و"الأنف"، بينما "الميِّت"، في صفته الأولى الظاهرة، يتوقَّف عن التنفُّس. وفهموا "الروح" على أنَّها شيء مُدْخَل ادخالاً في "البدن"، أو "الجسد"، ويمكنه العيش في خارجه، وفي استقلال تام عنه. وهذا الاعتقاد إنَّما وَلَّدَتْهُ في عقولهم ظاهرة "الحُلْم"، أو "المنام"، فالإنسان يرى في منامه إنساناً آخر، حيَّاً أو ميِّتاً. وهذا الإنسان الذي نراه في المنام إنَّما هو "الروح الزائرة".

من كل ذلك نسجوا "قصَّة الخَلْق للرجل الأوَّل"، فالخالِق خَلَقَه من "الصلصال"، أو من "خلاصة الطين"، ثمَّ "نَفَخَ فيه من روحه"، فدبَّت فيه "الحياة". وبـ "الموت" تَخْرُجُ منه "الروح"، فـ "البدن" يزول، أي يتحوَّل إلى "تراب"، بينما تَخْلُدُ "الروح". هذا "الفصل الأوَّل" من "القصَّة".

أمَّا "الفصل الثاني" فكان خَلْقُ الخالِق لـ "حواء" من "الضلع اليسرى" لـ "آدم". وفي "الفصل الثالث (والأخير)"، كانت "نهاية القصَّة". وهذا الفصل هو "فصل التناسل"، فـ "حواء" إذ ضاجعها "آدم" أنجبت له أولاداً، تناكحوا وتناسلوا وانتشروا في الأرض.

"المجهول الأعظم" في هذا الفصل كان "علاقة حواء (أو المرأة) بالانجاب"، فـ "البويضة"، التي لا تُرى بالعين المجرَّدة، لم تُذْكَر، لا تصريحاً ولا تلميحاً، في "القصَّة الدينية للإنجاب".

كل ما كانوا يعرفونه في أمر علاقة المرأة بالانجاب لم يتعدَّ الآتي: المرأة لا تستطيع الحَمْل والولادة إلا في مرحلة واحدة من عمرها. ثمَّة علاقة بين "الحيض" و"الانجاب". "رَحْم المرأة" هو المكان الذي فيه يتكوَّن وينمو "الجنين"، الذي لا يُعْرَفُ جنسه (ذكر أو أُنثى) إلا بَعْدَ خروجه من رَحْم أُمِّه. ليس من "سائل" تُفْرزه المرأة يشبه "السائل المنوي" عند الرجل. المرأة عندها فحسب "الدم" الذي يَخْرُج من رَحْمِها كل شهر ما دامت قادرة على الانجاب، و"الإفراز المهبلي". وكلا "السائلين" لا يُماثِل "السائل المنوي" من حيث علاقته بـ "الانجاب".

وإذا كانت "البويضة" لا تُرى بالعين المجرَّدة فـ "السائل المنوي"، وليس "الحيوان المنوي"، يُرى. وبناءً على ذلك، فهموا "الجنين" على أنَّه "المني يُسْكَب في الرحم"، فـ "البويضة" كانت "المجهول الأكبر" في معرفتهم تلك. وهذا "المني"، الذي منه يأتي "الجنين"، هو "النطفة".

ومع أنَّهم عرفوا معنى "الخصي"، أو "الخصاء"، فإنَّ "مَصْدَر السائل المنوي" ظلَّ غير واضح لديهم. ولجهلهم أنَّ "السائل المنوي" يُنْتَج في "الخصية" خُيِّل لهم أنَّ هذا "الماء" يَخْرُجُ مِنْ "بين ظَهْر الرجل وعِظام صدره".

بَعْدَ ذلك، شرع البشر القدامي يتصوَّرون "أطوار الجنين"، أي المراحل التي يجتازها في نموُّه. وقد بنوا تصوُّرهم من مَشاهِد اجهاض المرأة الحامل لجنينها، فهُم رأوا "الجهيض" في غير شكل. ورأوا أشكاله تختلف باختلاف عُمْرِه. رأوه في شكل "قطعة من الدم الغليظ أو الجامد"، أي في شكل "علقة". ثمَّ رأوه في شكل "قطعة من اللحم وقد مُضِغَت"، أي في شكل "مضغة". وهذه "المضغة" كانوا يرونها "مخلَّقة" أو "غير مخلَّقة"، فـ "الجهيض"، في مرحلة من عُمْرِه، كانوا يرونه في شكل "مضغة بملامح بشرية".

وبَعْدَ "طور المضغة"، يأتي "طور العظام"، فـ "طور كسو العظام لحماً"، فـ "طور نفخ الروح في الجنين". وبحسب هذا التسلسل، تتحوَّل "المضغة" إلى "عظام"، ثمَّ يكسو الخالِق العظام لحماً.

لقد قالوا بـ "طور العظام" على الرغم من أنَّهم لم يروا، قط، جهيضاً في شكل "عظام". وأحسب أنَّ هذا الطور، أي "طور العظام"، قد قالوا به إذ رأوا "اللحم" يكسو "العظام" في جسم الإنسان، وكيف يُنْزَع (في الحيوان) عن العظام.

وبوحي من هذه "التصوُّر" للعلاقة بين "اللحم" و"العظام" قالوا بتحوُّل "المضغة" إلى "عظام"، وبكسو العظام لحماً. وفي هذا "الطور"، أي في طور "كسو العظام لحماً"، يَبْعَثُ الخالِق إلى الجنين ملاكاً فيَنْفُخُ فيه الروح، فيتحوَّل الجنين إلى "كائن حي".








كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,388,983,753
- عندما يُبَشِّر بوش ب -حرب عالمية ثالثة-!
- بعض من الجدل الذي أثاره موضوع: الأرض ليست -كروية- في القرآن. ...
- الأرض ليست -كروية- في القرآن.. وإليكم الأدلَّة!
- -الوثيقة- في شكل -عمود فَقْري-
- كَذَبَ -المؤوِّلون- ولَمْ يصدقوا!
- كيف يؤسِّسون مَنْطِقاً لفرضية -العلَّة غير المحتاجة إلى علَّ ...
- ال -فَوْفضائي- Hyperspace
- الأيَّام الصعبة!
- بعض من الجدل الذي أثارته المقالة: أفي هذا تَكْمُن -عبقرية- ا ...
- أفي هذا تَكْمُن -عبقرية- الدكتور زغلول النجار؟!
- الفساد غير السياسي!
- بعض من الجدل الذي أثارته مقالة -نظرية البعرة والبعير.. الأثر ...
- نظرية -البعرة والبعير.. الأثر والمسير-!
- -خريطة- عباس
- -الاتِّفاق- الذي ينهي -النزاعين- معاً!
- شهر رمضان.. لَمْ يُنْزَل فيه الغلاء وإنَّما القرآن!
- -مؤتمر الخريف-.. بعد شهرين أم بعد زلزال؟!
- -بلاك ووتر- هي هوية الولايات المتحدة!
- خبر علمي يُقَوِّض مزاعم الملاحدة!
- ساعة ضرب إيران.. هل أزِفَت؟


المزيد.....




- من يقف وراء استهداف الناقلات في الخليج؟ ولماذا؟
- نيبينزيا: روسيا ستبقى ملتزمة باتفاقيات استقرار الوضع في سوري ...
- نيبينزيا: مذكرة سوتشي حول سوريا نفذت بالكامل والأعمال القتال ...
- وكيل المخابرات المصرية السابق لـ RT: لا يحق لأردوغان المعزول ...
- قايد صالح: الجزائر ليست لعبة حظ
- مبعوث واشنطن: على أوكرانيا البدء في شراء الأسلحة الأمريكية
- بالفيديو.. كتيبة ليبية تنشق عن حكومة الوفاق وتنضم إلى قوات ح ...
- ماذا تشتري الولايات المتحدة في روسيا؟
- روسيا والورقة الإيرانية
- تحالف الأحزاب المصرية: أردوغان تجاوز كل الخطوط الحمراء وتجب ...


المزيد.....

- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني
- مفهوم المجتمع المدني : بين هيجل وماركس / الفرفار العياشي
- الصورة والخيال / سعود سالم
- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جواد البشيتي - سؤال -كيف خُلِقَ الإنسان؟-