أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الباتع - بين القلق والخجل .. ثمة مكان للفرح !















المزيد.....

بين القلق والخجل .. ثمة مكان للفرح !


محمود الباتع
الحوار المتمدن-العدد: 2073 - 2007 / 10 / 19 - 10:03
المحور: الادب والفن
    


لا تأتي الأعياد لتخرج من جعبتها قوالب السعادة المغطاة بطلاء من السكر لتوزعها بين الناس وليس من شأنها أن تشع بذاتها أنوار الفرح بينهم كما تشع الألعاب النارية بخيوط الأضواء الملونة في الفضاء الداكن، وليست نسمات العيد بأعطر من نسمات سواه إلا بقدر ما نراها ونريدها كذلك. فلا شيء ولا أحد بإمكانه أن يعطر النسيم ولا أن يضيء الفضاء ولا أن يتناول الفرح مع حلويات العيد إذا لم ينبع ذلك الإحساس من داخله، فمن غير الممكن أن نحس بالجمال مالم نتذوقه في دواخلنا ولا أن نعيش أجواء الفرح ما لم توجد في وجداننا ولا تبهرنا أضواء العيد قبل أن توقد في قلوبنا أولاً ، وليس لكل الأعياد أن تكون أعياداً بدون أن تولد من أرواحنا دون غيرها.

الفرح .. ؟ ثلاثة حروف وليس غير، ربما تعني الكثير ربما لا تعني شيئاً على الإطلاق خصوصاً أن أحداً من الحكماء والفلاسفة لم ينجح حتى اليوم في أن يقدم تفسيراً منطقياً لهذه الظاهرة الحياتية لأنه ببساطة لا يتبع أي منطق، ربما لأن الفرح ليس صنيعة إنسانية بل إنه عملُ رباني مجرد لا يحتمل التأويل باستخدام العقل الإنساني المنفرد فهو هبة خالصة من الله عز وجل يمنحها لمن يشاء ويحجبها عمن يشاء تبعاً لمقتضيات الحكمة الإلهية وحدها. إنه تماماً كالحياة والموت والحب والقدر ليس له تفسير ولا يخضع لأي من قوانين الطبيعة المعروفة أو غير المعروفة، الفرح هو جوهر الحياة وقيمتها الدفينة وغايتها المنشودة وفردوسها المفقود، ولن يفهم سر الفرح من لم يتمكن من حل لغز الحياة.

نعم .. فإن الإنسان يولد حزيناً. لا شك في ذلك فالأطفال يولدون باكين معلنين عن قدومهم الى هذه الدنيا البائسة بشهقتهم الأولى صرختهم الأولى وكذلك دمعتهم الأولى التي تؤذن دون غيرها بافتتاح مهرجان الحياة القادم بكل مافيه من حلو ومر، وليست تلك الصرخة الأولى والدمعة الأولى إلا علامة على تمام صحة المولود وأهليته لخوض غمار الحياة وبدونها يكون الأمر أدعى للحذر والخشية. الدموع هي ما يحيا عليه الإنسان فهو يستقبل بها الحياة ويودعها على إيقاعها وهي الرمز المشفر للإنسانية، فليس يعد من بني البشر من لم يعرف في حياته الحزن أو الدموع.

الفرح إذن هو الاستثناء والحزن هو القاعدة إنها سنة الخالق في خلقه، وعلى قاعدة التباين اللوني فإن السواد هو انعدام البياض والظلام هو غياب الضوء والموت هو انتفاء الحياة وكذلك فإن الفرح هو تلاشي الحزن! ولكن أنى للحزن أن يتلاشى وكيف للفرح أن يأتي في أجواء القلق والخجل التي تعشش في أذهاننا جيلاً بعد جيل؟ القلق من وعلى كل ما يحيط بنا ، القلق على أنفسنا وعلى بلادنا وعلى أوطاننا وعلى عروبتنا وعلى هويتنا وعلى لغتنا وعلى أدياننا وعلى مقدساتنا وعلى أبنائنا وعلى حاضرنا ومستقبلنا بل وحتى على ماضينا مجيداً كان أم غير مجيد. نعم القلق فلاغ شيء في الأفق يوحي بغير القلق على كل هذا وانظروا حولكم ولن أسوق أمثلة فالأمر في وضوح الشمس وليس بحاجة إلى معجزات لإدراكه. أما الخجل فهو إحساس يستولي على كل ذي إحساس منا ممن يتمثلون الفرح ولو مصطنعاً فكيف لا نخجل من أنفسنا التي دنسناها بالكراهية لبعضنا البعض وكيف لا نخجل من أوطاننا التي ذبحت بأيدينا قبل أن نذرف عليها دموع التماسيح وكيف لا نخجل من أبنائنا ونحن على وشك تسليمهم إلى مستقبل غامض حالك أسود كالموت وكيف لا يخجل أحدنا من طفل قضى عيده حافياً أو طفلة مضت عليها أيام العيد دون أن تحضن عروسة أو تحلي لسانها الغض بشيء من حلوى العيد؟ كيف لا نخجل ممن عيّدوا بعيداً عن دفء الوطن وحضن الأم وحميمية العائلة قسراً لا اختياراً منهم. كيف يمكن للفرح أن يكون له مكان بيننا وكل منا ينأى بنفسه عن إخوة له لمجرد أن الأقدار حرمتهم من نعمة الفرح بالعيد السعيد وكيف للعيد أن يأتي سعيداً ومن جاء لإسعادهم لا يقدرون على السعادة؟

إذا كان بإمكان شخص بمفرده أن يفرح بالعيد أو بسواه فإن الأمر ينتهي عند ذلك، ولكن الفرح لا يأتي إلا باقتسامه مع الآخرين وربما هذا هو سر حرص التزاور بين الناس في أيام العيد على الرغم مما يجره هذا التزاور من مشقة وتعب إلا أنه يظل محبباً إلى النفس التواقة إلى الفرح حتى في بيوت من يحبون فمن وجد شيئاً من الفرحة في بيته فإنه يحمله بسرور إلى غيره وكذلك من لم يجد فهو يتوجه إلى غيره عله يجد عنده شيئاً منه. فالفرح هو الوجه الآخر للحب ليس من الممكن له أن يأتي وحيداً.
أجل .. فالحب هو مفتاح الفرح وهو السبيل الوحيد المؤدي إليه، وإن من يعيش بالمحبة هو وحده القادر على أن يتذوق طعم الفرح الحقيقي. الفرح الحقيقي ليس مجرد حلوى لذيذة أو ملابس زاهية وليست مجرد تبادل التهاني والأمنيات بالخير بين الناس بل هو استخراج بذرة الخير من مكامنها في أعماق النفوس الإنسانية التي ألهمها خالقها خيرها وشرها فمن استطاع أن يستخرج درة الخير من أعماق نفسه فهو وحده من يقدر على ترجمتها إلى محبة بين الناس .. كل الناس.
عندما أوصى السيد المسيح أتباعه بأن "أحبوا أعداءكم" فهو لم يكن ينطق في ذلك عن الهوى وإنما عن حكمة يعرفها من يعرف ويجهلها من يجهل في أن المحبة هي الحل الأمثل والأشمل لكل قضايا البشر وهي مفتاح السعادة ومطية الفرح، كل الفرح . إن السير بمحبة وفرح حتى بين من يكرهون هو التحدي الحقيقي للإنسانية وهو الامتحان الأصعب الذي يخضع له الإنسان فما أسهل الكراهية وما أصعب احتواء خطايا البشر بمحبة وكم هو مدهش تأثير سحر المحبة بين الناس وكما يخبرنا القرآن الكريم "إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم" صدق الله العظيم . هذا هو كلام الله يا أهل الله ، فهل منكم من يعي؟
يا أيها العابسون والمقطبون والهائجون المائجون أحبوا بعضكم ، وادفعوا بالتي هي أحسن فهذا هو ناموس الخالق في خلقه. لقد خلق الإنسان ليحيا أيها السيدات والسادة وليعمر هذه الأرض وقد خلق الله الناس شعوباً وقبائل ليتعارفوا وليس ليتعاركوا ولن تأتي عمارة الكون ولن تقوم على أيدي من لا يعرفون الحب ولا يتعايشون بينهم بتسامح ومحبة ولا يعرف الفرح إلى قلوبهم سبيلاً.

يقولون كثيراً عن الروح الرياضية التي تعني التسامي على الربح والتسامح في الخسارة وهكذا هي الحياة فاللاعب الماهر فيها هو من يحياها بروح رياضية لا يأبه للربح أو الخسارة بقدر ما يستمتع باللعب النظيف الشريف فيها وعندما تنتهي الحياة لن يذكر فيها بخير من سجل أكثر الأهداف ولا من أوقع أشد الإصابات ولن يذكر غالب من مغلوب بقدر ما سيذكر من كان عفيف السلوك نظيف العمل ونزيه المشاعر.

يحُكي أن الفيلسوف الإيرلندي الساخر"جورج برناردشو" دُعي إلى حفل خيري أقامته جمعية سيدات المجتمع، وفي الحفل اختار"شو" إحدى السيدات الفقيرات إلى الجمال إلى مراقصته، وبينما كانت تراقصه السيدة همست في إذنه وهي مزهوة ومعجبة بنفسها إذ كيف ومن بين كل الحضور يختارها "برنارد شو" فقالت : ما الذي جعلك تراقصني يا سيد شو؟ فماذا كان منه !إلا أن رد عليها بنفس طريقتها همساً: أنسيت يا سيدتي إن هذه حفلة خيرية؟

ابتسم من فضلك فتبسمك في وجه أخيك صدقة تجمع خيري الدنيا والآخرة وتظهرك بمظهر من التهذيب من شأنها أن تضفي عليك صورة هي أدعى للمحبة لدى الآخرين وأن تضيء شمعة الحب في داخلك، وعندما تشعر بدفء الحب والعاطفة النابعة من أعماقك فإنك عندها وعندها فقط تصبح أقدر على الحب وعلى الفرح. ابدأ الآن ودع القراءة وتوجه إلى المرآة، لاحظ ابتسامتك واعمل على تقييمها وتدرب عليها كما تتدرب على توقيعك حتى تحصل على ابتسامة ترضيك فهي حتماً سوف ترضي الآخرين. دع نور الابتسامة ينعكس إلى داخلك حتى تحصل على ذلك الضياء الداخلي الذي سيطفح بالتأكيد على وجهك إشعاعاً يفيض بالمحبة على كل من تقابله لتصبح عندها فقط لائقاً بالعيد وبفرحة العيد. وتقبلوا مودتي وكل عام وأنتم بخير !






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,844,114,214
- زمن الحارة .. هل كان حقاً جميلاً ؟
- ثمار الحرية في المجتمع العربي
- وماذا بعد فقدان الذاكرة؟
- جذور الحرية في المجتمع المدني
- سقوط زيتونة !
- هل كان يجب أن تموت بدور؟
- نحو فلسفة أخلاقية للاختلاف
- الإنسان والغريزة والأخلاق
- أحداث نهر البارد .. من المسؤول؟
- عاشقة الليل تستأذن بالرحيل
- رعاةُ البشر .. فرقوا ولم يسودوا
- نحن وعصر المابعديات
- ماذا نريد من العلمانية ؟
- الأكراد والعرب .. أية علاقة؟
- التطرف ومنهجية التقديس
- قراءة في إعلامنا الأصفر
- عيدٌ للحب .. ما المانع ؟
- قلبي للبيع
- فلسطين .. بين الموت والحياة
- إعدام صدام .. إحياء ميت


المزيد.....




- جميل راتب يفقد صوته ويدخل العناية المركزة
- السينما السورية تخترق الحصار وتحصد الجوائز
- بمشاركة روسية... بيروت تقتبس شعاع -مهرجان كان- السينمائي
- اختيار فيلم عن نيل أرمسترونغ لافتتاح مهرجان البندقية السينما ...
- ديزني تفصل مخرج -حراس المجرة- لتغريداته -الشائنة-
- بعلبك تتذكر أم كلثوم في افتتاح مهرجاناتها الدولية
- بيلي كولينز: سبب آخر لعدم احتفاظي ببندقية في منزلي
- المالكي: المغرب يعتبر التعاون جنوب-جنوب خيارا استراتيجيا
- مهرجان فرنسي يعرض فيلما عن ولادة موسيقى الروك في الاتحاد الس ...
- نهاية مروعة للعبة -القذيفة البشرية- في السيرك (فيديو)


المزيد.....

- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الباتع - بين القلق والخجل .. ثمة مكان للفرح !