أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - المنصور جعفر - التأميم والمصادرة ضرورة للوحدة والتنمية ومكافحة العنصرية















المزيد.....



التأميم والمصادرة ضرورة للوحدة والتنمية ومكافحة العنصرية


المنصور جعفر
الحوار المتمدن-العدد: 2032 - 2007 / 9 / 8 - 10:39
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    



تقديم:
يتناول هذا المقال أهمية التأميم والمصادرة كضرورة موضوعية لتقسيم مقاليد الثروة والسلطة وإظهارها من الدائرة المظلمة للإحتكارات العنصرية التي كنفت تأسيسها ونموها في السودان منذ قديم الزمان وإلى الآن.



لمحة من تاريخ البؤس والعنصرية:
لم يكن البؤس والظلم نتاجاً جديداً في الحياة السودانية بل كان قديماً في الأرض وفي السودان، ولكنه في الأزمان الحديثة أخذ في السودان أبعاداً أخبث عنصرية مما سبق، وذلك منذ قيام تحالف المهمشين العرب والسودان وتمكنه من هدم النظم والممالك الهرمية النوبية حين كان نظامها الإستعبادي يأفل في العالم القديم آنذاك 1504، وقيام هذا التحالف بتأسيس الممالك الموسومة بالعربية والإسلامية في مجاور النيل في أواسط مناطق الشمال والنيل وفي مناطق النيل الأزرق في سنار وما يوازيها في مناطق النيل الأبيض ومنها متمددا إلى غرب السودان الذي كانت العروبة قد دخلته قبل ذلك من نواحي غرب أفريقيا وشمالها متجسدة فيما بعد في سلطنته الكبرى دارفور. ومن ثم فقد تواصل تمدد نفوذ هذا التحالف في أنحاء السودان أفقياً ورأسياً حتى اليوم لصالح الشرائح الطبقية المالكة والتجارية ذات الأرومات العربية الإسلامية على حساب باقي أهل السودان الأعراب منهم والأسُود في بلاد النوبة والبجاة وجبال النوبا والجنوب ومناطق كردفان ودارفور التي حكم عليها بالبؤس والإدقاع نتيجة حرمان أهلها بهذا التملك والنفوذ المتسلسل في أهله وراثة وحسباً ونسباً وسدهم به من تملك موارد العيش الكريم ووسائله من أراضي وأدوات وحقوق مادية ومعنوية، وقد زادت إحاقة الإدقاع بجموع السودانيين في أنحاء السودان بعد قيام حكومات الإستعمار الإسلامية العثمانية منها والبريطانية بتركيز الخدمات والمشاريع في المناطق السهلة الميسورة الإستغلال القريبة من مركز الحكم مما ضاعف ظروف الغنى والثراء في هذه المناطق وزاد ظروف الفقر والإملاق والإدقاع وإحاقته بسكان المناطق البعيدة جغرافيةً أوإجتماعاً أوثقافة عن مكانة وقوى المركز الإقتصادي وثقافتهم.

وقد كان تفسير التفاوت الإقتصادي الإجتماعي والسياسي والثقافي في ذلك الزمان القديم تفسيراً عجيباً ففي ما قبل بروز أفكار كرامة الإنسان وتساوي الناس بالعقل وتميزهم عن البهائم بالحرية والإرادة وصناعة وسائل العيش، وقبل بروز أفكار الحق العام للبشر في النفع بالموارد المشتركة لحياتهم، وقبل بروز أفكار عمومية الدولة وجمهورية الحكم والسياسة وقسطاس مالية الدولة وموازنة مواردها ونفقاتها بمقتضيات النفع العام الذي تحدثه، كان تركيز الثروة والسلطة يفسر كقدر ديني أو كسمة طبيعية تلازم بعض الأقوام، أو نتيجة من (ذكاء) بعض الأفراد!

وتعارض هذه التفاسير مفردة أو جمعاً مقتضيات العدل الإلهي مثلما تُناقض سنن الكون والطبيعة الراسخة التي لا تتبدل في سوانح الزمن ولحظات سنينه الشمسية القصيرة وما فيها من نشاطات عيش وقوانين تجارة، كما تعارض نسبة الثراء إلى الذكاء حقيقة إنخفاض نسبة التحصيل العلمي لكثير من الأثرياء عن رصفاءهم من فقراء البشر العلماء ، رغم إن الذكاء أوسع من التحصيل العلمي، ولكن حتى الآن فإن العلماء من العالم الثالث يسهمون بمقدار في حقول العلم والمخترعات في العالم الأول بصورة تفوق الظروف البائسة التي قدموا منها وبتفوق على كثير من العلماء الأثرياء الذين قدموا من ظروف حسنة، كما إن حالة كثير من الجامعات المفلسة والبنوك المتخمة، تفند مقولة إرتباط الذكاء والثراء. .

ووفقاً للتراتب الإقتصادي الذي أحدثته عملية تملك الموارد والسيطرة النقودية التجارية على عملية حيازة المنافع وتبادلها في السودان نشأ تراتب هرمي عنصري مواز قد يختلف نسبية في طبيعته عن التراتب الطبقي ولكنه يستند إلي التراتب الطبقي في كثير من تقعيداته وإطلاقاته بداية من عنصرة عمليات تملك الأراضي وعمليات التسليف والضمان التجاري، والشروط غير المباشرة للرخص التجارية ورخص التوريد والتصدير وليس نهاية بزواج المصالح وحسبها ونسبها أو المحاباة في السيطرة التحتية والفوقية على جهاز الدولة أو قيادة الجيش أو رساميل البنوك وإداراتها أو رئاسة المشاريع الكبرى والوظائف المتصلة بها. ومن هذه الحالة والقسمة الظلوم صارت الدولة (المستقلة) بفضل سياسة حرية السوق وتركيز الموارد وخفض الإنفاق على التنمية والحرب ضد اللامركزية الإقتصادية والسياسية دولتان: دولة للأغنياء ومن لف لفهم دخلها 40 مليار يرفلون فيها ويترفون ويسرفون، ودولة للكادحين والبؤساء ومن لف لفهم تضم أكثر من 90% من السكان تجدهم فيها مساكين لا يجدون فيها قوت يومهم أو فقراء لا يجدون فيها عيش سنة، وأكثرهم سواد السودان وسؤدده وأقلهم من أعاريبه ومستعربيه، ويلاحظ في ذلك قسمة عدد السكان على مساحات مناطق الموارد وحجمها المتاح لكل طبقة أو تشكيلة مجتمعية- إقتصادية.


لمحة من تاريخ تقسيم الثورة وإنقسام التأميم:
في وجه تفكك الدولة تزدهر العملية الحاضرة لتقسيم الموارد العامة إقليماً فإقليم بإرادة وسيطرة المركز الداخلي والدولي، ووفق نفس الأسس القديمة للملكية الخاصة للموارد العامة، وهي بذلك لا تعدو ان تكون مثل سابقتها المستمرة إلى الآن "عملية تركيز الموارد وتخصيصها" حيث تمثل عملية التركيز وعملية التقسيم جملةً أو مفردة تفتيتاً لإمكانات الوحدة الشعبية والوطنية وإلتفافاً جديداً على ضرورة سيطرة المجتمعات السودانية معاً على موارد عيشها ووسائله، وهدراً لأهمية هذه السيطرة لإجراء تنمية متوازنة، تنميةً علميةً شعبية تلبي الحاجات الضرورة لحياة المواطنين قبل أن تلبي الحاجات الثانوية والكمالية لهم. كما تمثل عملية التقسيم الإقليمي للثروة عملية إلتفاف طبقي محلية ودولية على أهمية مصادرة المفسدات الإقليمية والدولية للتخطيط والتنظيم الإقتصادي الوطني الماثلة في العديد من المؤسسات والمشاريع الإستراتيجية أو المتصلة بها وأهمية تأميم ما خصص منها بل وتأميم جميع الموارد والخدمات العامة ووضعها تحت سلطة الشعب وتصريف أمورها كتشاركيات أو تعاونيات بسياقات جماعية كبرى أو صغري حسب حجمها الإقتصادي وطبيعتها التقنية في جملة الإقتصاد الوطني العام وعملية تنميته تنمية متوازنة وما تمثله في هذا الشأن من كينونة إقليمية-سياسية.

ولكن حديث التأميم ليس جديداً فقد كان نجمه ساطعاً في الستينيات قبل أن تغرب الأرض عنه في أواخر السبعينيات تنيجة تفليس شركات البترول وأسعاره لخزائن الدول المتحررة حديثاً وزج الشركات لهذه الدول من ثم في أتون الإنفتاح والتجارة الدولية للكماليات والأسلحة ثم ضغطها بعد ذلك بالديون الدولية والخصخصة وسلب وتشليع وفرزعة قدراتها المادية وقراراتها السياسية على البنوك الدولية مع عولمة تملك رأسمال الغربي لموارد المجتمعات والشعوب والدول وقدراتها دون عولمة مماثلة لحاجاتها الضرورة لحياتها وصحتها، بل دفع رأس المال العالمي إياها دفعاً شديداً وسامها سوم البهم في مزرعة الحيوان. ونتيجة لهذا السوم قادت السياسات المضادة للمصادرة والتأميم مثل سابقتها وسالفتها السياسات المرتبكة للمصادرة والتاميم، إلى فتح الأبواب واسعة في عالمنا لتقدم مربع الشر: الفقر والجوع، والمجاعات والأوبئة، والتوترات والحروب، والتدخلات الدولية الإحسانية منها والإستعمارية.

كان حديث المصادرة والتأميم في السودان كما في كل العالم الثالث نجماً ساطعاً إلى حين حدوث ثورة| إنقلاب 25 مايو 1969 حيث بدأ إنقسام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني يأخذ أبعاداً أوضح إلى حد ما حول قضايا طبيعة السلطة والإقتصاد والتعامل معها، وثقافة المجتمع السياسية والطائفية ومدى تعلقها الموضوعي بطبيعة وضع التعليم والمستوى الإنتاجي والثقافي للمواطنين وجملة الخدمات العامة وطبيعة الإقتصاد وتنظيمه وبالتالي طبيعة الدولة والحكم الذي تتطلبه. وجراء ذلك كان إنقسام اللجنة المركزية إلى تيارين:

1- تيار رغم ترجيحه في السابق لفشل الطريق البرلماني في إصلاح أمور المجتمع وتلبية حاجات الشعب كان بشكل متناقض او متوافق مع هذا الترجيح يرى أهمية الديمقراطية الليبرالية الحزبية بكل طائفيتها في بناء الأسس والمؤسسات الحقوقية الديمقراطية الضرورة لوجود وتنظيم وتقدم تكوينات الحركة الشعبية وتنظيماتها وثورتها جماعة ثورة وطنية ديمقراطية على مواطن التناقض الطبقي والإجتماعي السياسية والإقتصادية والثقافية في السودان وحلها من ثم لمصلحة تقدم المجتمع من حال متخلف أحدي وهرمي إلى حال زراعي صناعي متقدم مزدهر، وهذا التيارالذي لم يزل قادته في قيادة الحزب الشيوعي السودان كان بزعامة الشهيد عبد الخالق محجوب.

2- تيار آخر كان يرى إن إنجاز الثورة الوطنية الديمقراطية يتطلب الحد من الإقطاع والطائفية وحرياتها الإقتصادية والسياسية، وضرورة تولي الدولة أمور تنظيم المجتمع وخدماته وإقتصاده و(ضبطه) كمقدمة وضرورة منطقية تسبق تكريس وفاعلية الديمقراطية في مجتمع رعوي وزراعي بسيط ذي سمت قبائلي وطائفي تحكمه أحزاب تحالف قوى شبه الإقطاع والرأسمالية المحلية والدولية التي لم تك تمثل في الحقيقة إلا الحالة الواسعة لتزييف الوعي وسط الناس والحالة المتضاعفة لمصالح أصحابها. وكان هذا التيار المقدم للديمقراطية الخدمات والإنتاج والمؤجل لحرية الأحزاب بزعامات متعددة منها أحمد سليمان، ومعاوية سورج، ومحمد سليمان، وعمر مصطفى المكي، ومحمد إبراهيم عبده "كبج" وآخرين. وكانت لهذا التيار أغلبية عددية وسط المزارعين وقيادة منطقة الجزيرة وفي الإتحاد النسائي وشعبية في إتحاد الشباب وفي أواسط العمال في عطبرة، وكانت له صلات أقوى بالسلطة والحكم.

ووسط جدليات المناورات السياسية المحلية والمخابرات الدولية والحروب الإقليمية والحرب الباردة والمكائد الشخصية حدث في سبتمبر 1970 مع وفاة جمال عبد الناصر إن قامت الكتلة القائدة في التيار الأول بفصل المجموعة الثانية وفي 21 اكتوبر 1970ردت الكتلة القائدة في التيار الثاني التحية فاصلة الكتلة الأولى من عضوية الحزب، وتبع ذلك الخلاف قيام تحالف القوميين العرب داخل قيادة السُلطة في تاريخ 16 نوفمبر 1970 بفصل الشيوعيين من الجناحين من مؤسسات الثورة والدولة العسكرية والسياسية والتنفيذية والثقافية وتقديمهم كعدو للإشتراكية الواقعية وأصدقاء للتنظير الأيديولوجي الفارغ من الأبعاد العملية والشعبية.

ووسط خلاف الكتل المدنية للتيارين حول طبيعة وحدود المصادرة والتأميم وشرعية الإجراءات الديمقراطية الشعبية ومدى أهمية الديمقراطية السياسية وحقوق التعبير والتنظيم في التطور الإقتصادي أو في التنمية أو طبيعة تنظيم الحقوق الإقتصادية أو السياسية لصالح السواد الأعظم وقيامها على تحقيق نفعه وتلبية ضروراته توهجت في تاريخ 19 يوليو1971 حركة تصحيح بقيادة البطل الشهيد هاشم العطا ورفاقه الشيوعيين والديمقراط في تنظيم الضباط الاحرار وكان توهج الحركة ضد سلطة 25 مايو بمعزل عن فاعلية التنظيم الحزبي لمثل هذه الأمور، ومع تأجج الخلاف بين تياراته المدنية وتأخر بعض إجتماعات الحزب وقراراته، وؤدت الحركة بعد ثلاثة أيام وأغرقت وأبطالها والحزب الشيوعي والحركات الثقافية والنقابية والجماهيرية معهم في أنهار الدم وغياهب المعتقلات بواسطة الهجوم المضاد لقوى المخابرات البريطانية والأمريكية والمصرية الساداتية مكللاً بالتعاون الذيلي الليبي مع هذا الهجوم ضد (أعداء الوحدة العربية العاجلة والفورية) معتقداً آنذاك في عروبة السادات ومخابرات الإمبريالية العالمية!

مع هذا الخلاف ونهايته الدموية الخاسرة وتحول الحزب بأثر العنف المادي والإعلامي إلى سياسات الدفاع والبقاء وتوسيع دوائر النشاط السياسي وقواه (في المدن)، تبددت في الدولة وفي المجتمع تناظير المصادرة والتأميم لصالح تناظير التسهيلات التجارية والإنفتاح وضمانات الإستثمار وحرياته والتنمية المعتمدة على التمويل الخارجي والتصدير وحرية التجارة وتكاثر الينوك والنشاط في إستيراد الكمالات.

ومع النهاية السريعة لسيطرة القوميين العرب وبداية تمركز الحكم بشكل مفرد مع زيادة الإنفتاح وتركيز الثروة الناتجة عن عمليات التأميم السابقة وعن حرية التجارة الخارجية في أيد فئة قليلة من الناس تحددها حسابات البنوك والدولة ونفوذ علاقاتهم وعشائرهم وصل أمر الإقتصاد والسياسة إلى حالة مزرية من الديون وخفض قيمة العملة وتبخيس القدرات الوطنية الإقتصادية السياسية وإستضعافها وخصخصة موارد المجتمع وعولمة ما بقى من وسائل عيشه وحياته فوق مادخل عليها سابقاً من العولمات الإستعمارية القديمة منها والحديثة.

ولم ينته الأمر بخفوت وهج التأميم فحسب بل تم تناوله بالقدح والذم دون عرض منصف لضروراته وموجباته في حياتنا الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والثقافية والفوائد التي يحققها المجتمع من السيطرة على موارد حياته وتحريره لها من الإرادات والمصالح الإمبريالية التي تسيرها بمختلف جنسيات وكلائها وعملائها بعيداً عن خط التنمية المتوازنة.


"التعاون الدولي" و"المصالحة الوطنية" ضد التأميم:
مع ضعف وإضعاف فهم المصادرة والتأميم نشطت تيارات الرأسمالية واليمين الرجعي الأجنبية والعربية والسودانية وبنوكها في مجالات (التعاون الدولي) وإتفاقاته التي تتناول أمور الإقتصاد والسياسة والثقافة ومن مثل هذه الإتفاقات تولدت بين أعوام 1976 و1980 وتوالت قوانين تخفيض قيمة العملة وحماية الإستثمارات الأجنبية وحرية تحويل العملات الصعبة، وقوانين أمن الدولة، وتم ذلك تحت حجب من الرشادة والقداسة الإسلامية. وبقمع القوانين الرأسمالية لحقوق وحريات القوى النقابية والثقافية والجماهيرية وإطلاقها لحرية القوى التجارية فتحت الباب واسعاً لعملية "المصالحة الوطنية" ( 1977) بين القوى والتيارات المختلفة لرأس المال القديمة منها والجديدة، التي أخذت تصلى جماعة على مذهب الإستيراد خاشعة في معابد الدولار والريال والشيك السياحي والناس من حولها ضنك يبيتون جوعى.

وقد قادت هذه السياسة المبخسة للعملة والقدرات الوطنية المكللة بالرموز والإيحاءات الدينية الإسلامية إلى إفلاس مؤسسات الإنتاج العامة والخاصة وإلى الديون وإلى الخصخصة التي قادت أوضاعها وسياساتها ذات القوى الإسلامية التي تولت أمر الطائفية كديكتاتورية دينية (القديمة منها والجديدة) وقد زاد أمر الديون وقاد إلى تفاقم حالة الخصخصة مع توالي وتولي هذه القوى أمور الديكاتاتوريات المدنية والعسكرية المرتبطة بقوى السوق ومصالحه وحرياته أكثر من إرتباطها بمصالح سواد الشعب وحرياته السياسية والنقابية، وقد نشأت من ذلك التوالي دولة الأغنياء الحاضرة في السودان، شجرة خبيثة من مستنقع القمع البنيوي المادي منه والمعنوي.


الأساطير:
نتج من التركيز العام للموارد والثروات والسلطات مزيد من الفقر والجوع والتشرد والغرغرينا الإقتصادية الإجتماعية الثقافية في أطراف السودان وحتى في مناطقه المركزية تلته وتلجه في البؤس والضنك و البلد كله أو بعضه نيل وبضعة عشرة نهراً وسهول شاسعة وشباب ونفط وحديد وفوسفات ونحاس وذهب ويورانيوم وتيتنيوم، وبادية رعوية زحمة بمثات ملايين الرؤوس من الإبل والغنم والضان والبقر ودواجن عسيرة على الحصر نُوبةً تعج بالخيرات وبلخبرات والشباب. ولكن بالفقر والجوع الذي كرسته حرية التملك الفردي للموارد العامة إزدهرت أساطير عددا من أسطورة الحل الفردي، و أسطورة الحل الخارجي، و أسطورة الحل لإسلامي، و أسطورة الحل التجاري، و أسطورة الحل التكنولوجي، و أسطورة الحل البترولي، و أسطورة الحل الذهبي، وأسطورة الحل الديمقراطي اليبرالي، وهي جميعاً حلول جزئية، تُهدر في معمعات علاقات الإنتاج والعمل القائمة على التملك الفردي للموارد العامة وما يتبع ذلك من نفوذ وسيطرة ومركزة للسلطات، وما ينتج عنها من إصطفاءات وتصفيات وإنقسامات طبقية وسياسية وإجتماعية وتوتر ثقافي وممايزات وتعنصرات وحروب.

كذلك يثير التركيز الشديد للموارد المالية والتجارية وإنقساماته وحروبه في مناطق العالم الرأسمالية المتخلفة مثل السودان والعراق أساطير عنصرية عن (العرق) والدين والطائفة والقبيلة، ولا يمكن منطقاً رفض أحد هذه العنصريات والقبول بعنصرية بعضها الآخر. بيد إن هذه الأساطير تزدهر مصورة (العرق) أو الدين أو الطائفة أو القبيلة مصدراً للقوة والأمن الإقتصادي والإجتماعي والثقافي على ماكانت عليه أمور الإنسان القديم وأحفاده في الغابة والبادية حيث العشيرة شركة وجيش، وهي تصورات على قدمها وإهتراءها، وتنازع الأسواق والقبائل والمدن لأمرها تغيب أو تقلل كينونة وجود وطبيعة جهاز الدولة ومؤسساتها(الجامعة) وتغبش حقيقة التخلف والبؤس الذي ناخ بكلكه منذ مئات السنين على المناطق التي قدم منها الحكام وأرباب الوظائف العلى في الدولة إلا (إمتياز) الزراعة على الرعي بطبيعة الأرض والمناخ وطبيعة التوطن والتملك التاريخي للأراضي وما يلف لف الزراعة من تسويق كثيف وتجارة تفوق ما في المجتمعات الرعوية.


قومية الدولة نتيجة نضالية لكفاح شعوبها، وضدها حرية السوق وتركيزه العنصري للموارد:
وحال تحقق الصفة القومية وفق الأسس الطبقية والمجتمعية الأوضح تتحقق الطبيعة الإقساطية لجهاز الدولة وسياستها الإقتصادية سامحة بتخطيط علمي شعبي لتقسيم الموارد والتوزيع المفيد المتناسق للسلطات على وحدات المجتمع ومؤسساته. ولكن إمكان تحقق هذه الصفة القومية في الدولة لا يتم بمنح مركزية، وقرارات جمهورية بل تتحقق الحال القومية للدولة وأجهزتها بنضالات متنوعة مترابطة في الريف والمدينة ضد سياسات التهميش والحصر والطرد المركزي التي ثبتتها في إقتصاداتـ(نا) الحديثة تعليمات حرية التجارة وتركيز التمويل وإيقاف التنمية التي كانت ولم تزل المؤسسات الرسمية الدولية للرأسمالية في العالم وهي مؤسسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تقدمها للدول التي تؤسس عملاتها أو التي تقوم بتفليسها.


أمريكا ضد منصور خالد:
مع زيادة التنافس الرأسمالي وضيق الموارد عن كفاية المنافسة الرأسمالية وزيادة تدميرها البيئة نشطت مقاومات مختلفة في بلدان العالم ضد الفقر والجوع ولأجل حقوق العمال والمراة والمستضعفين والحقوق النقابية والسياسية وحماية البيئة وشيء من حرية التجارة وحسن إدارة الموارد العامة والخاصة و(الحوارات) والإتفاقات بين دول الشمال ودول الجنوب ..إلخ حيث بدأ الإهتمام بأمر "التنمية" وتوازنها وإستدامتها يزيد في دول العالم والمؤسسات الدولية كطريق لإخراج أكثر دول العالم من التخلف والحروب التي وضعتها فيه التناظيم والقوى الإستعمارية القيدمة والحديثة تمهيداً لحالة أرقى ومن ذلك جاءت قمم بيئة سابقة تلتها قمة الأرض التي عقدت قبل حوالى عقدين من الزمان في البرازيل ريودي جانيرو وكانت رئاسة القمة لرئيسة جمهورية إيرلندا وهي ماري روبنسون الحقوقية رئيسة المفوضية الدولية العليا لحقوق الإنسان UNHCHR ثم الرئيسة الفخيمة لهيئة النزاهة الدولية International Transparency، وكان تقرير أمور القمة ومقراراتها في عناية وزير خارجية السودان الأسبق الدكتور منصور خالد مستشار قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان البطل الشهيد الدكتور جون قرنق دي مابيور، ود. منصور خالد كاتب غزير ماهر حذق فطن أبادماكي ذي ثلاث رؤوس: ينقد اليسار يميناً وينقد اليمين يساراً وذلك في براعة قصوى وأدب رفيع وفصاحة وبلاغة ومهارة في العرض تراوح مبادلاتها بين العملي والنظري، والخاص والعام، والنسبي والعموم، والمحلي والدولي، ويقوم بذلك بفن وديبلوماسية، يواشجها بلطف ذاالنون النوبي وشف محي الدين بن عربي والبلد موات. ومنصور علم سياسي يواشج الليبرالية والحداثة بنزعة علمية وإجتماعية وسطاً تقف ضد الطائفية الدينية- السياسية، وضد التعرب والتحزب الزائد، بينما واشجت أعماله السياسية التقدم- بقوة الجيوش وقوة الإتصالات الديبلوماسية، وصفوة النخبة والطليعة المجتمعية والتوافق مع القوة الغالبة دولياً لا مع الطلائع الإجتماعية ولا مع الإتصالات الشعبية أو الحكم الشعبي. ومثلما كان للرجل نصيبه في تأسيس الدولة داخل حالة الثورة المايوية، فقد أسس للثورة داخل المؤسسة الرأسمالية الدولية: فقد أدى عمل الرجل وجهده في صوغ وتنسيق مقررات قمة الأرض الأولى إلى جهة التنمية المستدامة وحقوق الإنسان، وحق المجتمعات في السيطرة على مواردها إلى أن تقف معها جميع دول آسيا وأوربا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية التي شاركت في القمة، وإلى أن تتبناها بعض أراء كتاب الجماعات والأحزاب التقدمية والإشتراكية والشيوعية، وإلى أن تقف ضدها مع غلاة السوقة وأهل اليمين كل من حكومة الولايات المتحدة وحكومة إسرائيل ومعهم دولة يتيمة من جمهوريات أمريكا الوسطى.

وبالطبع لا تخلو قمة الأرض ومقرراتها لبناء إقتصادات مختلطة من نقص ونقد ونقض لكن والحق يقال إنها مثلت طرحاً نظرياً عزز فكرة ضمان المجتمعات لأمنها الإقتصادي وحمايتها بيئتها كما عزز فكرة القطاع العام ضد التخريب الذي تعرضت له الفكرة في روسيا بعد المؤتمر العشرين 1956 وإلى نهاية العام1987 حيث أصيب إتحاد السوفييت بالشلل مسجياً في بلاده قبل حله بخمس سنوات، كذلك كان الحال ضد الهجوم على القطاع العام والحقوق الإجتماعية الإقتصادية في دول أوربا التي تفجرت بالتظاهرات والإعتصامات والإضرابات العمالية البرئية غير المسلحة في 1985-1986 حتى دمرها العنف البوليسي والإعلامي، كما بدد أثرها بالحديث المكرور عن المجاعة في أفريقيا، والجهاد في أفغانستان، والموسيقى والمخدرات في الغرب، ثم اللت والعجن عن إنهيار الإشتراكية حتى تبددت هذه الأكاذيب واحدة واحدة منذ أحداث سياتل وما بعدها وحتى التراجعات والخفوضات المتلاحقة في مستوى المعيشة وضماناتها في اليابان وفي أوربا، مقابل التقدم المذهل في الصين والدول الآسيوية والأفريقية التي تتبع سياسات تخطيط مركزي ذات منطق إشتراكي. وقد كان مؤتمر ريو نفسه علامة على إنقسام رأسمالي حاد بين التيار الأمريكي لفرض قوى السوق ، والتيار الأوربي لتنمية قوى السوق، ومع كامل التقدير والإحترام للفاعليات التي نهضت بأعمال هذا الإئتمار، فقد كان إختلاف الأوربيين والأمريكان على هذا الأمر شبيها بإختلاف اللصوص على أسلوب السرقة.


تنمية التفكك:
كانت الحكومات المختلفة قد دأبت في السودان على دعم فكرة تنمية قوى السوق بينما البلد يعاني أصلاً من مغبات حرية السوق المحلية والدولية، وكانت النتيجة ولم تزل مزيدان: مزيد من تركيم الثروات وكنز رموزها المالية في بنوك الخرطوم الإسلامية والعلمانية ونزح أصولها الحقيقية إلى البنوك الخاصة في أنحاء العالم، ومزيد من الفقر والبؤس في الريف لدرجة فقد الدولة لمشروعيتها السياسية وفقد المجتمع تصاهراته وتواشجاته مع تزلزل أسسه وطيران سقفه السياسي، وبداية تفكك وحدات الدولة ووحدات المجتمع الأولية إلى مناطق وبطون، بعدما كانت قد تفككت قديماً إلى شيع وطوائف نالت دوائر زعمائها حظهم من سلطة البلاد وثرواتها دون مواليهم..

وبسهولة يمكن ملاحظة إن زيادة إجراءات حرية السوق كانت ولم تزل تتواكب مع إنخفاضات مريعة في مستويات المعيشة و إنهيارات عظمى في الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمات العامة وحتى في مستوى الأرباح الحقيقية في النشاط التجاري ولجوء الفئات المضرورة إلى الهجرة أو إلى الأساليب السياسية الحادة لحماية المصالح المختلفة.


التأميم ضرورة لأجل التنمية المخططة المتوازنة:
ووقف هذا التفكك والإنهيارات المواشجة له يرتبط بالنظرة الدقيقة إلى وحدة جوهر الأزمة، والموقف ضد الحلول السلبة بالإفراد والقطعة والأجاويد والملفات والمؤتمرات الدولية الطويلة بينما الأزمة الطبقية-العنصرية في السودان تتوالد أفقياً ورأسياً بمعدل أعلى من معدلات رسوخ حلها، وإطمئنان معالجاتها، فالانجع لعلاج هذا التفكك وما يتصل به من مآسي هو تناول الجذر الأساس للأزمة المولدة له وهو التملك الخاص لموارد المجتمع ووسائل إنتاجه العام والخدمات الضورة لحياته وضرورة مصادرة وتأميم مثل هذه الملكيات الطاغية في البنوك والشركات المشتغلة مع الخدمات العامة ووضعها بأيدي قوى المجتمع المختلفة كمقدمة للقيام بأي تنمية قومية مخططة ومتوازنة ولوقف تصاعد التهميش والتركيز وما يرتبط بهما من عنصرية دقيقة أو ظاهرة في السودان، وهي مسألة تتصل بطبيعة السيطرة على مؤسسات السلطة وتحويل سياساتها الإقتصادية في الإنتاج والخدمات بتواشج مع تحويل ثقافاتها من جهة الفردية والتملك والتنازع إلى جهة الإشتراكية والسلام والتقدم.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,008,546,628
- الكلمات المتقاطعة والطرق الفرعية
- شذرات
- أطلقوا سراح البلد
- نقاط من تاريخ الثقافة الرأسمالية في بريطانيا، بعض تفاعلات ال ...
- دراسة لأحد ملخصات المناقشة العامة
- الأزمة العالمية و الأزمة السودانية في دارفور
- أهمية العملية الثورية في تكريب القيادة وأهمية القيادة في تكر ...
- مشارق الأنوار... نقاط عن الحركة الإسماعيلية وجماعات إخوان ال ...
- ثلاثة أسئلة
- الماركسية الجديدة وصناعة تجميد الإشتراكية في القالب الفطير ل ...
- مشروع دراسة: -نقاط في تاريخ أمريكا الجنوبية وبعض المعالم الس ...
- بعد إعدام صدام، أهناك سبيل لقيام جبهة وطنية بين أحزاب الكورد ...
- الحزب الشيوعي العراقي والنضال المسلح ضد الإحتلال الأمريكي ال ...
- الحوار المسلح
- في رحاب الأنفال الصليبية .....له الجلال ... قائدنا القتيل مي ...
- نقد عقلية -جرِب حظك- في تقويم وجود الحزب وافكاره
- نقاط في التاريخ الثوري للسوفيتات والعوامل الإصلاحية والرأسما ...
- مقدمات تلخيص ستالين للفلسفة المادية التاريخية ونتائج الهجوم ...
- العولمة والخصخصة في تأثيل الفكر التنموي
- ما بعد الإيمان


المزيد.....




- صحفي أشاد ترامب بنائب اعتدى عليه: قلق لما حدث لخاشقجي
- إليك جولة في سانت كيتس.. الجزيرة المطلة على البحر الكاريبي
- على ارتفاع 36 ألف قدم.. لماذا ينتابنا البكاء أكثر على متن ال ...
- فيديو: من هو الصحافي السعودي جمال خاشقجي؟
- متحدث الحزب الحاكم بتركيا: كشف ملابسات حادثة خاشقجي دين في أ ...
- أبرز مواقف السعودية بأزمة خاشقجي بتسلسل زمني
- هولندا تدعو لتوضيح كل الحقائق الخاصة بمقتل خاشقجي
- #خاشقجي: سعوديون -يترحمون عليه- بعد الاعتراف بوفاته في القنص ...
- رافضين التهويد... الجولانيون يحرقون البطاقات الانتخابية الإس ...
- إيران تنقل منظومة -جي بي إس- لتوجيه الصواريخ لـ-حزب الله-


المزيد.....

- أسعار البترول وانعكاساتها علي ميزان المدفوعات والموازنة العا ... / إلهامي الميرغني
- ثروات مصر بين الفقراء والأغنياء / إلهامي الميرغني
- مدخل الي تاريخ الحزب الشيوعي السوداني / الحزب الشيوعي السوداني
- السودان : 61 عاما من التخلف والتدهور / تاج السر عثمان
- عودة صندوق الدين والمندوب السامي إلي مصر / إلهامي الميرغني
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمرى
- رأسمالية الزومبي – الفصل الأول: مفاهيم ماركس / رمضان متولي
- النازيون في مصر المعاصرة / طارق المهدوي
- كيف اصبحت اسرائيل قلب النظام الاقليمي ؟! / إلهامي الميرغني
- التقرير السياسي الصادر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المص ... / الحزب الشيوعي المصري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - المنصور جعفر - التأميم والمصادرة ضرورة للوحدة والتنمية ومكافحة العنصرية