أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان الظاهر - آليات الإبداع في الشعر / المتنبي نموذجاً






















المزيد.....

آليات الإبداع في الشعر / المتنبي نموذجاً



عدنان الظاهر
الحوار المتمدن-العدد: 2011 - 2007 / 8 / 18 - 10:50
المحور: الادب والفن
    


لغة الشعر وآليات الأبداع

مقدمة -
ما هو الشعر ؟
يعرف أفلاطون الشعر بأنه (( ذلك الشيء المتقلب, المجنح والمقدس )) (1) .
قد يتفق المرء مع أفلاطون دونما أية صعوبة في أن الشعر متقلب حقا ومجنح , أما أن يكون مقدسا
فذلكم أمر يصعب الأتفاق مع أفلاطون بشأنه. لماذا القدسية ؟
لقد وجدت في تراثنا الأدبي دراسات نقدية رائعة للشعر والشعراء فيها ما يغني عن تفسير أفلاطون وأضرابه من الفلاسفة . أخص بالذكر منهم نقاد القرنين الثالث والرابع الهجريين . واني مدين
كليا لما سأذكر من أمر هؤلاء النقاد ونظرياتهم حول الأدب والشعر ومتطلباتهما وقواعد الأبداع
الجمالي فيهما لكتاب الأستاذ محي الدين صبحي الموسوم (( من كتاب الوساطة بين المتنبيء وخصومه )) (2) .

1- بشر بن المعتمر ( توفي عام 210 للهجرة )
يرى هذا الرجل في " صحيفته " أن الأدب موهبة وطبع فأوصى بمراعاة مقتضى الحال والأبتعاد عن التعقيد وبأختيار الألفاظ .

2- محمد بن سلام الجمحي ( توفي عام 232 للهجرة )
وهو صاحب كتاب " طبقات الشعراء " الذي تحدث فيه عن أثر البيئة في تكوين الأديب وانتاجه وألح على قيمة الناقد المتخصص حيث أن المتخصص أصلح من سواه .

3- الجاحظ ( توفي عام 255 للهجرة )
آمن الجاحظ ايمانا مطلقا بالطبع وتخصص الطباع والأصالة والتدريب والبعد عن التقليد " من كتابه"البيان والتبيين , الجزء الأول " .

4- ابن قتيبة الدينوري ( توفي عام 276 للهجرة )
دافع ابن قتيبة في كتابه " الشعر والشعراء " عن الشعراء المحدثين فقال (( ولم يقصر الله الشعر والعلم البلاغة على زمن دون زمن ولا خص به قوما دون قوم )) .

5- ابن المعتز ( توفي عام 296 للهجرة )
تكلم هذا الأمير الشاعر عن الشعر وقسم عناصره الفنية الى بيان ( تشبيه واستعارة وكناية ) وبديع ( تجنيس وطباق ورد العجز على الصدر ) . كما كان أول من عزل الدين والأخلاق عن الشعر. ولا عجب في ذلك اذ كان الرجل ابن خليفة وعاشقا للخمرة والفن والطرب . وكان محصنا بجبروت الخلافة وبريق أضوائها من جهة , وميالا بطبعه للهو والحرية والخروج على المألوف من الجهة الأخرى .

6- ابن طباطبا ( توفي عام 322 للهجرة )
ألف كتاب " عيار الشعر " وعني بأدوات الشعر كعلوم اللغة والنحو والرواية. كما أوصى بمراعاة الكلام لمقتضى الحال وألح على وحدة القصيدة وحسن الخروج فيها من غرض الى غرض. كما كان كالجاحظ وابن قتيبة والمبرد في دفاعه عن المحدثين واظهار الأعجاب بهم. فالمعركة بين القديم والجديد قديمة وستبقى ما دامت الحياة تجدد نفسها وتتطور .

7- أبو بكر محمد بن يحيى الصولي ( توفي عام 335 للهجرة )
ذكر في كتابه " أخبار أبي تمام " أنه قارن بين القدماء والمحدثين فوجد أن واحدهم (( أقوى وأفصح اذا وصف ما شاهده وعاناه )). فهو يشترط في الشاعر لا أن يشاهد ويرصد فقط, بل وعليه أن يعاني, أي أن يتفاعل حقا مع ما يرى . كذلك كان يؤكد على أهمية الناقد المتخصص أي المتفرغ للنقد فقط, أو المنصرف لدراسة ونقد شاعر واحد بعينه, أو المتفرغ لنقد مواضيع معينة متشابهة لدى عدد من الشعراء. وكأبن المعتز دعا الى عزل الشعر عن الدين والأخلاق اذ قال (( وما ظننت أن كفرا ينقص من شعر ولا أن ايمانا يزيد فيه )). ما أروع مثل هذا الكلام يقال في النصف الأول من القرن الرابع الهجري ! انه ثورة متعددة المستويات وخطيرة الأبعاد لا يجرؤ الكثير من كتاب ونقاد اليوم على قوله في ألكثير من الأقطار العربية . ولعل هذه الدعوة كانت ولما تزل الثورة الأكثر جذرية في تأريخ الأدب العربي والمجتمع العربي على حد سواء ! لقد تمتع النقاد والشعراء قبل أكثر من ألف عام بقدر من حرية التعبير هو دون ريب أكبر وبكثير من المتاح منه في هذا اليوم !! فما هو تفسير ذلك ؟

8- قدامة بن جعفر ( توفي عام 337 للهجرة )
يرى في كتابه " نقد الشعر " أن الطبع والأسترسال فيه هو عنوان جودة الشعر. وأن مقياس جودة الأدب لديه هو (( قوة تأثيره في نفس متذوقه )). وهل هناك ما هو أصدق وأروع من هذا المقياس:
قوة تأثير الشعر في نفس السامع أو القاريء. أجل, قوة التأثير. القوة اذن , بل وأية قوة ؟ القوة القادرة على اختراق جسد وروح ذواقة الشعر, والقادرة على أن تترك فيهما آثارا لا تنمحي . انها الطاقة الكهرو- مغناطيسية الخارقة , بل وأشعة الليزر . قوة الـتأثير في النفس البشرية هي مقياس وركن من أركان الأبداع الشعري وسحر جمال ما يترك من آثار لا تراها العين المجردة لكن تحس بها نفوس البشر.

9- الحسن بن بشر الآمدي ( توفي عام 371 للهجرة )
كان في كتابه " الموازنة بين أبي تمام والبحتري " شديد التحامل على أبي تمام اذ رأى التكلف في استكثاره من البديع . وكان هو الآخر قد أكد على أهمية الناقد المتخصص المطبوع وعلى أهمية الطبع في الشاعر. وهذا أحد أكبر مقاييس الجودة في الشعر وأحد الأسس الضرورية لأي عمل ابداعي يفخر به صاحبه . فسلطان طبع الشاعرالأصيل يفرض نفسه على المتلقي من ناحية , ويصمد أمام أحكام الزمن وتقلبات الأطوار التأريخية للبشر من الناحية الأخرى .

10- محمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي ( توفي عام 388 للهجرة )
تعرض الحاتمي للمتنبيء في كتابين , الأول أسماه " الرسالة الموضحة " . بين فيها أن ( المهلبي)
- وهذا أمر طريف بقدر ما هو غريب - وزير ( معز الدولة البويهي ) في بغداد قد حرضه على مهاجمة المتنبيء وقال نصا (( سامني هتك حريمه وتعزيق أديمه ووكلني بتتبع عواره وتصفح
أشعاره واحواجه الى مفارقة العراق )) . أجل , احواجه الى مفارقة العراق !!! والله ذلك لأمر جيد: لم يقتلوه في بغداد علنا ولم يغتالوه سرا بالسم أو بدهسة حصان أهوج مجهول النسب والهوية( ما كانت السيارات معروفة يومذاك ) كدأب أنظمة العسف والتسلط في عصرنا !!!.
تتألف " الرسالة الموضحة " من أربعة مجالس اجتمع فيها الحاتمي مع المتنبيء وأستفزه بأستعراض ما أسماه بسرقاته وسقطات شعره . في الجلسة الأولى وضع الحاتمي للشعر حدودا هي كما يلي (( حدود الشعر أربعة هي اللفظ والمعنى والوزن والتقفية . ويجب أن تكون ألفاظه عذبة
مستحبة ومعانيه لطيفة وأستعاراته واقعة وتشبيهاته سليمة . وأن يكون سهل العروض رشيق الوزن
متخير القافية رائع الأبتداء بديع الأنتهاء ) . هذه هي متطلبات وشروط ومستلزمات الأبداع حسب نظرية الحاتمي الذي أعطى الوزن والقافية ثقلا مساويا للفظ والمعنى . ما أحسب هذا الرجل الا شديد التخلف بالمقارنة مع من سبقه من النقاد وواضعي أسس النقد الأدبي ونظريات الأبداع
الشعري . لذا لم يستطع أن يهظم شعر المتنبيء ولا أن يتقبل أو أن يفهم ما في هذا الشعر من
تجديد وابداع . وكان من نتيجة اجتماع هذه الأسباب , فضلا عن الحسد والحقد الشخصي , أن يرضى الحاتمي أن يلعب الدور القذر والمشبوه كمخلب قط مرة وكماشة نار مرات أخرى . قبل أن يستفز الشاعر المتنبيء وأن يهتك حريمه وأن يجبره على مغادرة العراق . هل ينسجم هذا الدور,
دور المخربين والمخبرين والجواسيس مع رسالة الأدب والأدباء والنقاد السامية المفترضة فيهم والمتوقعة منهم ؟؟؟
خصص الحاتمي المجلسين الثاني والرابع للحديث عن الخطأ في المعاني . وفي هذه المناسبة أنكر
المتنبيء معرفته بأبي تمام والبحتري . اما المجلس الثالث فقد جعله مجالا لتطبيق نظريته في السرق .
أما الكتاب الثاني فقد أسماه الحاتمي (( الرسالة الحاتمية فيما وافق المتنبيء في شعره كلام
أرسطو )) . الغريب أشد الغرابة أن الحاتمي في كتابه هذا يتظاهر بالدفاع عن المتنبيء المتفلسف.
يتظاهربالدفاع عن فكر المتنبيء الفلسفي وكان خبيثا , لأنه كان يذم في معرض المديح ويضع السم في اللبن . لقد قارن بين فلسفة المتنبيء في بعض أشعاره وبين بعض مقولات أرسطو فذكر قول أرسطو (( اذا كانت الشهوة فوق القدرة كان هلاك الجسم دون بلوغها )) وجعله مساويا لقول المتنبيء

تعبت في مرادها الأجسام واذا كانت النفوس كبارا

وفي مثال آخر يقول أرسطو (( روم نقل الطباع عن ذوي الأطماع شديد الأمتناع )) في حين قال
المتنبيء

وتأبى الطباع على الناقل يراد من القلب نسيانكم//

ليس بالضرورة أن يكون المرء فيلسوفا لكي يضع يده على سخافات الحاتمي , فما من وجه للشبه بين فحوى معاني أبيات الشاعر أبي الطيب المتنبيء ومعاني مقولات الفيلسوف أرسطو . أراد
الحاتمي ان يقول ان المتنبيء يسرق شعر غيره من شعراء العربية كأبي تمام والبحتري كما يسطو على آراء ومقولات فلاسفة الأغريق . المقارنة البسيطة تتكشف عما يلي : في البيت الأول تكلم
المتنبيء عن النفس البشرية وكبرياء الأنسان الشريف وعلو همته ( واذا كانت النفوس كبارا ) , بينما ركز أرسطو على شهوة الأنسان ( اذا كانت الشهوة فوق القدرة ...) . الفرق جد واسع بين النفس لدى المتنبيء والشهوة لدى أرسطو . لقد جعل أرسطو جسم الأنسان خادما مطيعا لشهواته. كما أنه جعل للجسم قدرة محددة على اتيان أو ممارسة الشهوات , فاذا ما تم تجاوزها هلك هذا الجسم . اي أن الشهوة قد تحمل الجسم ما لا يطيق فتتسبب في هلاكه. لا اعتراض على ذلك , لكن الشهوة كما نعلم ليست مقياسا لكبر النفوس ورفعتها وسموها . فحكمة المتنبيء كمعادلة خطيةهي :
نفوس - مراد النفوس - الأجسام

أما مقولة أرسطو كعلاقة ومتعلق فهي :

الشهوة - القدرة على اتيانها - الجسم .

من هاتين المعادلتين نرى أن المراد أو الارادة أو الرغبة انما هي الوسيط بين النفس والجسم حسب فلسفة المتنبيء . أما أرسطو فقد جعل القدرة هي الوسيط بين الشهوة والجسم . فهل -ترى- أن مراد النفس البشرية يعني أو يعادل أو يساوي بالضبط شهوتها ؟؟ وهل أن شهوة النفس هي كل مرادها في حياة الأنسان ؟؟ ثم هل فات الحاتمي أن المتنبيء كان قد قال هذا البيت في قصيدة معروفة يمدح فيها سيف الدولة الحمداني ومنها :


في سبيل العلى قتالك والسل
مُ وهذا المقام والأجذام

ليت أنا اذا ارتحلت لك الخي
لُ وأنا اذا نزلت الخيام

كل يوم لك احتمال جديد
ومسير للمجد فيه مقام

واذا كانت النفوس كبارا
تعبت في مرادها الأجسام


وكذا تطلع البدور علينا
وكذا تقلقُ البحور العظام

فأين هذا الكلام من شهوات أجسام البشر وتخريجات الحاتمي الحقودة ؟؟
أتناول الآن البيت الثاني ... فما ألطف وقعه على أذن سامعه وما أيسر تغلغله في أعماق النفس .
استهل الشاعر البيت بفعل المضارع ( يراد ) . لا يريد الشاعر نسيان من يهوى لكن جهات أخرى
تريد منه أن ينسى ( يراد من القلب نسيانكم ) . لا أعرف الذي قام بترجمة مقولات أرسطو الى
العربية وهل كان موفقا ودقيقا في تلكم الترجمات . ثم لماذا هذا السجع الذي لا تعرفه ولا تستسيغه الفلسفة (( الطباع الأطماع الأمتناع )) . ثم ما وجه الشبه بين بيت المتنبيء ومقولة أرسطو؟؟
هل يجوز الأفتراض أن الحاتمي نفسه قد قام بالترجمة كيما يقدم الدليل الذي يخدم غرضه الخبيث والدنيء معا على أن المتنبيء كان قد سرق المعاني من غيره من فلاسفة الأغريق ؟؟ أرجح هذا الرأي . النفس الدنيئة تفعل ما تشاء .

11- الصاحب بن عباد ( توفي عام 385 للهجرة )
كتب الصاحب رسالة أسماها " الكشف عن مساويء المتنبيء في شعره " يأخذ فيها على المتنبيء
استعمال حوشي اللفظ والقوافي الصعبة والأبهام والمبالغة في المعاني وعدم مناسبة الكلام لمقتضى
الحال. ومن حيث الشكل يؤاخذه على رداءة المطالع والخطأ في العروض , ثم ابتكاره تشبيهات
وأستعارات رديئة .
حين كان المتنبيء عام 353 في بغداد دعاه الصاحب بن عباد لزيارته في أصفهان عارضا على
الشاعر أن يشاطره جميع ما يملك مناصفة . رفض المتنبيء هذه الدعوة قائلا ان (( غليما معطاء يريد أن أزوره وأن أمدحه )) (2) . قد يكون هذا الرفض هو سبب تحامل ابن عباد على المتنبيء
ولا عجب , فقد أضحى الرجل بعد ذلك خصما للشاعر لدودا . يستزير الشاعر ويعرض عليه نصف ثروته ونصف ما يملك لقاء قصيدة يمدحه فيها فيرفض الدعوة والمال ويسخر من العارض
ومما قد عرض . كيف يمدح الشاعر غلاما ثريا مبذرا يتخذ من اصفهان مقرا له بعد أن مدح أمير حلب العربي والعلوي سيف الدولة الحمداني ثم فارقه الى مصرليمدح أميرها وخليفة المسلمين فيها كافورا الأخشيدي ؟؟

12- القاضي عبد العزيز الجرجاني ( توفي عام 392 للهجرة )
ألف القاضي الجرجاني كتاب " الوساطة بين المتنبيء وخصومه " يرد فيه على رسالة الصاحب
بن عباد ويفند أراءه ويكشف تحامله على المتنبيء. لقد كشف هذا الرجل بعض العيوب في شعر المتنبيء لكنه دأب على تبريرها ودافع عنها عنه. لكنه أوقع نفسه ضحية للكيل بمكيالين اذ انتقد الشاعر أبا تمام أشد النقد لأسرافه - بين جملة أمور أخرى - في توظيف الجناس في شعره,
والجناس كما نعلم هو أحد أركان البديع . لكن وفي عين الوقت غض الجرجاني النظر كليا عن
ولع المتنبيء المشهود في توظيف الطباق , ركن البديع الآخر , الى حد لم يسبقه فيه شاعر آخر قبله ولا استطاع أي شاعر بعده أن يماثله أو أن يبلغ شأوه في براعة استخدامه لهذا الضرب من محسنات الشعر .

13- ابن جني ( توفي عام 392 للهجرة )
كان ابن جني في طليعة المعجبين بالمتنبيء , لكن اعجابه هذا لم يمنعه في أن يرى صعوبتين في
شعر المتنبيء (2) :
أولا - تعسف في اللفظ جعل الشاعر يجيء بالشاذ ويحمل على النادر.
ثانيا - عمق يصدر عن شاعر يخترع المعاني ويتغلغل فيها ويستوفيها .

مؤاخذة ابن جني الثانية على الشاعرتثير الكثير من الأستغراب لدى قارئها . اذ ما العيب في أن
يكون الشاعر عميق النفس ويبتكر الشيء الجديد ثم يستوفي ما قد ابتكر من معان جديدة ؟؟


آليات الأبداع في الشعر القديم // نماذج من أشعار أبي الطيب المتنبيء

كان وما زال الناس - ولا سيما النقاد والشعراء منهم - يبذلون الجهود المضنية دراسة وبحثا
وتقصيا لكشف كنه السر الكامن وراء سحر الأبداع الجمالي في شعر بعض الشعراء وخاصة ممن
شهر منهم. وما كان غريبا أن يختلف الباحثون في دراساتهم ووجهات نظرهم رغم اتفاقهم على
الكثير من الأمور. لقد اختلف بعضهم لا في تفسير كلمة وردت في أحد أبيات قصيدة شاعر ما,
بل واختلفوا في تقويم هذا البيت بالمقياس الجمالي. ففريق يحسب هذا البيت آية في الأبداع غير
المسبوق في حين عده آخرون من سقط المتاع.
وما دام شعر الشاعر أبي الطيب المتنبيء ( ماليء الدنيا وشاغل الناس ) هو موضوع دراستي بالدرجة الأولى فاني سأشير الى بعض المعايير التي استنبطتها من أشعار هذا الشاعر والتي ,
حسب رأيي وذائقتي, جعلت هذا البيت الشعري أو ذاك كشفا جديدا في عالم الأبداع . من هذه
المعايير :

أولا - لعبة الحروف

ان للمتنبيء قدرة فائقة على التلاعب ببعض حروف اللغة العربية بحيث تنقلب الجملة التامة الى جملة منفية والعكس بالعكس بمجرد تغيير بعض الحروف في البيت الشعري صدرا أو عجزا. سأورد الأمثلة الأتية للبرهنة على ما أريد أن أقول :

1- ما الذي عنده تدار المنايا
كالذي عنده تدار الشمول

فلقد تغير معنى البيت بشكل جذري بأبدال حرف الميم في أداة النفي ما ( ما الذي ) بحرف الكاف
( كالذي ) . انقلب النفي اثباتا . الفرق جد شاسع بين من يدير المنايا ( سيف الدولة الحمداني في حلب ) ومن تدار كؤوس الخمر لديه ( كافور الأخشيدي في فسطاط مصر). ولكي أجسد حالة الأنقلاب هذه التي بين فيها الشاعر الفرق الكبير بين حال أميرين يحكمان بلدين عربيين اسلاميين أرى أن أكتب البيت كما يلي :

ما الذي عنده تدار المنايا
كالذي عنده تدار الشمول

لقد قارن المتنبيء وبالمقياس الأسلامي بين سيف الدولة الحمداني بطل سوح الحروب مع الروم
وأمير مسلم آخر تدار الشمول في قصوره . والخمر محرم في الأسلام .
يجب أن لا ننسى الأثر الجميل الذي تركه على مجمل البيت تكرار ( الذي عنده تدار المنايا ) في
صدر وعجز البيت. ثم مقابلة لفظة ( المنايا ) حيث عالم الحروب والقتال وتقرير المصير بكلمة
( الشمول ) حيث عالم اللهو والخفة والطرب والمجون.

2- الأيقاع الداخلي للصوت الناجم عن ترادف حرف بعينه كما في البيت الأتي :

جرى دمعي وما الداعي سوى طلل
دعا فلباه قبل الركب والأبل

أقصد حرف العين الذي تكرر في هذا البيت ثلاث مرات في الكلمات (دمعي) و (الداعي) ثم
تافعل الماضي (دعا). آثار الأحبة تدعو المحب فيسرع الدمع منسكبا حتى قبل تجهيز ركب ومعدات السفر . ترى , وما الذي يتبقى عادة من الأطلال الدارسة ؟؟ الذكريات , أجل الذكريات !! ذكريات ما قد انمحى من ديار الأحبة هي كل ما تبقى لدى الشاعر. نعم, ذكرباتنا تشجينا وتبكينا.
وعراقنا هو ذكريات اطلالنا الباقية اليوم ولا من شيء سواها .

3- تكرار حرف العطف( الواو) ست مرات في البيت :

الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم

نلاحظ أولا أن في هذا البيت سبعة فواعل لفعل واحد ومفعول واحد فقط هما ( تعرفني ). وهذا الأمر غير مسبوق في العربية كما أحسب. ثم, لقد أعطى تكرار حرف العطف ( الواو ) لهذا البيت
قوة تماسك خارقة وغير مألوفة في عالم صياغة الجملة العربية. قوة التماسك هذه لا تسمح باسقاط أية مفردة في هذا البيت منه. وكل مفردة تحمل سمات وأوصافا معينة لا يتميز بها الا القلة من الرجال. فالشجاعة الشخصية في الشاعر والمقدرة على القتال والخبرة في جيد السيوف والرماح ومعرفة أصول وأنساب الخيول الأصيلة وحركة نجوم السماء وأفلاكها وأبراجها ومجراتها مما يحتاجه المدلج ليلا فضلا عن الدراية العميقة بطرق الصحارى وشعابها وأماكن آباروعيون الماء فيها . وسط هذه الموسوعة الراقية من المعارف والقدرات لم ينس الشاعر رسالته الصميمة في الحياة : الثقافة أدبا وشعرا. فماذا ترى يروم الرجال أكثر من ذلك ؟؟ يخيل لي وأنا أقرأ هذا البيت كأني أستعرض كتيبة أو جريدة من الخيول تعدو أمامي بأسرع ما يمكنها وهي في ميدان معركة حربية. صورة لا شك رائعة. ان معرفة وخبرة المتنبيء بطبائع وأصول الخيول لا تحتاج الى دليل. فلقد قارنها مرة بالأنسان اذ قال ( وما الخيل الا كالصديق قليلة ...) وبالغ في شدة عدوها وقابليتها على تحمل المشاق. بل وأضاف صفات أخرى للخيول لا يدركها الأنسان لأنها غائبة غير ظاهرة للعيان سماها ( الحسن المغيب ) . لنستمع لأبي الطيب :


وعيني الى أذني أغر كأنه
من الليل باق بين عينيه كوكب


شققت به الظلماء أدني عنانه
فيطغى وأرخيه مرارا فيلعب



وأصرع أي الوحش قفيته به
وأنزل عنه مثله حين أركب

وما الخيل الا كالصديق قليلة
وان كثرت في عين من لا يجرب


اذا لم تشاهد غير حسن شياتها
وأعضائها فالحسن عنك مغيب


4- ومن قصيدته التي قالها في الكوفة عام 353 وأرسلها الى سيف الدولة الحمداني في حلب :


ما لنا كلنا جو يا رسول
أنا أهوى وقلبك المتبول

كلما عاد من بعثت اليها
غار مني وخان فيما يقول

لقد استهل الشاعر هذه القصيدة ( وقد غناها مبدع المقام العراقي المرحوم يوسف عمر ) بالصوت السجعي ذي الرجع الجميل ( ما لنا كلنا ) ثم عاد فبدأ البيت التالي بكلمة ( كلما ) التي تشترك مع كلمة( كلنا) السابقة بحرفي الكاف واللام فضلا عن حرفي الميم والنون القريبين صوتيا من بعضهما. ثم الألف الممدودة. على أن أروع ما في عجز البيت الثاني هي قدرة الشاعر على توظيف الفعلين الثلاثيين (غار) و (خان) . فصوتا الحرفين الغين في الفعل غار والخاء في الفعل خان يصدران من مكان واحد في الحنجرة. ثم ان وضع هذين الفعلين في سياق التسلسل الزمكاني للكلمات يجعل هذا البيت واحدا من نوادر الفلتات الأبداعية لدى الشعراء. وفي هذا البيت عامل ابداعي آخر يمثله الفعل الثلاثي( عاد ) , فعل ثلاثي يتوسطه حرف الألف ... تماما كحالة الفعلين
ه مثله حين أركب
وما الخيل الا كالصديق قليلة
وان كثرت في عين من لا يجرب

اذا لم تشاهد غير حسن شياتها
وأعضائها فالحسن عنك مغيب


4- ومن قصيدته التي قالها في الكوفة عام 353 وأرسلها الى سيف الدولة الحمداني في حلب :

ما لنا كلنا جو يا رسول
أنا أهوى وقلبك المتبول

كلما عاد من بعثت اليها
غار مني وخان فيما يقول

لقد استهل الشاعر هذه القصيدة ( وقد غناها مبدع المقام العراقي المرحوم يوسف عمر ) بالصوت السجعي ذي الرجع الجميل ( ما لنا كلنا ) ثم عاد فبدأ البيت التالي بكلمة ( كلما ) التي تشترك مع كلمة( كلنا) السابقة بحرفي الكاف واللام فضلا عن حرفي الميم والنون القريبين صوتيا من بعضهما. ثم الألف الممدودة. على أن أروع ما في عجز البيت الثاني هي قدرة الشاعر على توظيف الفعلين الثلاثيين (غار) و (خان) . فصوتا الحرفين الغين في الفعل غار والخاء في الفعل خان يصدران من مكان واحد في الحنجرة. ثم ان وضع هذين الفعلين في سياق التسلسل الزمكاني للكلمات يجعل هذا البيت واحدا من نوادر الفلتات الأبداعية لدى الشعراء. وفي هذا البيت عامل ابداعي آخر يمثله الفعل الثلاثي( عاد ) , فعل ثلاثي يتوسطه حرف الألف ... تماما كحالة الفعلين
(غار) و ( خان) . هذا الفعل (عاد) يضيف الى البيت جمالا آخر بكونه يشكل أحد عنصري طباق جمع الفعلين المتعاكسين في اتجاه المسار الفضائي : (عاد) و (بعثت) حيث يكون الفعل عاد مشبعا بدواعي الخيبة جراء خيانة الرسول بتزويره لحقائق الأمور وقلبها رأسا على عقب. فالشاعر يتوقع
أن يأتيه رسوله لمن يحب بجيد الأخبار من مبادلة الود بالود والثبات على العهود. لكن هذا الرسول الخائن يغير الأمور مدعيا أن الطرف الآخر لا يبادل الشاعر هواه وأنه مشغول عنه بسواه وأن من الأجدر به أن يكف عن بعث البعوث وايفاد الرسل. فالخيبة هنا حصلت مع عودة الرسول راجعا, بينما كان الأمل ماضيا مع هذا الرسول في اتجاه الحركة المعاكس.

5- ومن الأمثلة الطريفة الأخرى على قدرة المتنبيء في استخدام الحروف البسيطة لأحداث تأثيرات صوتية أو نفسية ترفع من مستوى البيت الشعري ابداعا قوله :

بم التعلل لا أهل ولا وطن
ولا نديم ولا كأس ولا سكن

فلقد جاءت أداة النفي (لا) خمس مرات في هذا البيت كما تكرر التنوين خمس مرات , الأمر الذي لم أجده فيما أعرف من شعر أو لدى من قد عرفت من الشعراء.
ما الذي يتبقى للأنسان اذا ما فقد أهله ووطنه ومسكنه وأضحى بدون صديق يؤاسي ساعة الحزن أو ينادم ساعات الشراب واللهو ؟؟ ثم أليس من المحتمل أن المتنبيء كان قد قصد زوجه بكلمة (سكن) ؟؟

ثانيا - هندسة الصوت الفضائية

برع الشاعر أبو الطيب المتنبيء في رسم احداثيات فضائية تجريدية لأصوات نسمعها ولا نراها.
لقد استطعت أن أشخص النماذج الأتية من هذه التصاميم الفراغية البالغة الروعة. وما لم أشخصه
بعد قد يفوق الحصر. أعود الى القصيدة التي كتبها في الكوفة عام 353 الهجري وأرسلها الى أميرحلب سيف الدولة الحمداني حيث قال :

1- ما لنا كلنا جو يا رسول
أنا أهوى وقلبك المتبول


نحن أدرى وقد سألنا بنجد
أقصير طريقنا أم يطول

فلو تتبعنا الحروف وبعض مقاطع الكلمات في هذين البيتين لرأينا أمامنا خطوطا مستقيمة شاقولية
تقع في الفضاء عمودية على سطح الورقة. أعني الكلمات ( لنا ) و ( كلنا ) و ( أهوى ) ثم
( أدرى ) و ( سألنا ) وأخيرا ( طريقنا ) . تتجه هذه الكلمات بنهاياتها الى الأعلى بالألف الممدوده أو الألف المقصورة راسمة خطوطا مستقيمة تتقاطع بنقطة واحدة مع مستوى الأرض التي يقف القاريء عليها.

2- النموذج الثاني يتمثل بخطوط أفقية متوازية قد تكون مختلفة في اتجاه حركتها , أي متعاكسة الأتجاه : حركة تتجه من الغرب الى الشرق والأخرى من الشرق الى الغرب مثلا. ففي البيت الذي يقول :

كلما عاد من بعثت اليها
غار مني وخان فيما يقول


نجد في الفعل ( عاد ) متجها فيزيائيا معاكسا لحركة الفعل الآخر ( بعثت ) . فهما أضداد لغويا وحركيا . مثال آخر في البيت الأتي :

3- أزورهم وسواد الليل يشفع لي
وأنثني وبياض الصبح يغري بي


هنا كذلك نكتشف الضدين حركة ومعنى : ( أزورهم ) و ( أنثني ) . الرواح ثم المجيء.

4- تقاطع خط عمودي مع خط أفقي. ففي البيت :

كم زورة لك في الأعراب خافية
أدهى وقد رقدوا من زورة الذيب

نرى بناء فضائيا لا أروع منه ولا أبلغ. فبعد أن قال الشاعر ( أدهى ) المنتهية بالألف المقصورة التي تتجه دوما الى الأعلى فتأخذ القاريء معها صعدا بخط مستقيم نحو السماء... , عاد الشاعر ليقول ( وقد رقدوا ) ورقاد البشر يتخذ عادة وضع الأمتداد ( أو التمدد أو الأضطجاع ) الأفقي. فهنا نكتشف تقاطعا فضائيا بين خطين أو مستويين متعامدين أحدهما شاقولي ( أدهى ) والآخر أفقي
( وقد رقدوا ) . فهذا البناء وأمثاله يدخلنا في صميم عالم الأبداع الساحر والأخاذ. هذا العالم لا يبرع فيه الا فنان فذ ومهندس خبير بعلم الأصوات ولغوي عبقري يعرف تأثير السحر في كيفية نطق حروف لغته وطرائق تمددها الفضائي في الجهات الست . ان القدرة على التحكم في وضع الحروف في الكلمة ووضع الكلمة في سياق الجملة فن قائم بذاته لا يحسنه الا القلة من المبدعين في عالم الشعر. وضع الحروف في الكلمة ووضع الكلمة في البيت لها علاقة وثقى بالحالة النفسية للشاعر وتستجيب لمتطلبات غامضة راسخة في أعماق عالمه الداخلي. وبهذا يتميز الشعراء عن بعضهم : مدى وعمق الأنسجام والأستجابة لعالم الشاعر الداخلي والجرأة والأمانة في التعبير عنه . والأمر يحتاج الى الكثير من الجهد والمكابدة والمعاناة مع الحروف والكلمات من جهة ( اللغة ) ومع العالمين الداخلي والخارجي من الجهة الثانية.

ثالثا - القلب والأبدال

ابدال الحروف ظاهرة معروفة في عالم اللغة العربية منذ أقدم العصور (3) . وفي الوقت الراهن أعرف بعض الناس في جنوب العراق يقلبون حرف الجيم ياء فيقولون ( يبار ) بدل ( جبار ). كما يقلبون حرف الغين قافا فيقولون ( قناء ) بدل ( غناء ) ويقولون ( بندغية ) بدل ( بندقية ) . أو أن يقلبون الهمزة فيتلفظونها عينا , فالهيئة في ألسنتهم تغدو ( هيعة ) . أما أهل الكويت فانهم على وجه الأطلاق يقلبون حرف القاف الى غين والغين الى قاف , فالغناء يصبح قناء والقمة تصبح
غمة وهكذا . ثم ألا يقلب الأخوة المصريون حرف الجيم الى الصوت غير العربي ( كيم ) وحرف القاف الى ( آ ) فيقولون ( آل لي ) بدل ( قل لي ) ؟؟ ثم انهم يبدلون السياق الزمكاني لبعض الحروف في بعض الكلمات فيقولون ( كوزتي ) بدل ( زوجتي ) ويقولون ( يتحرأ بيتك ) بدل
( يحترق بيتك ) ؟؟ وفي ليبيا يقولون ( زوز أنفاص ) ويقصدون ( زوج أنصاف ) والأمثلة تكاد أن تفوق الحصر. يتفاوت لفظ حرف القاف في العراق تفاوتف كبيرا حسب المناطق والمدن . فالقار تلفظ ( قير ) حينا وتلفظ ( جير ) أو ( كير ) أحيانا أخرى . كذلك كلمة قدر, فهي ( جدر ) تارة
و ( كدر ) تارة اخرى.
ولأسباب ثقافية وبيئية وربما عرقية برع الشاعر المغربي مصطفى غلمان وأكثر من التعاطي مع هذه الظاهرة (4) . أما شاعرنا أبو الطيب المتنبيء فقد كان شديد الحذر مع ظاهرة القلب والأبدال. لقد مارس القلب والأبدال مرات قليلة فقط (5). ومع ذلك لامه بعض النقاد والباحثين. أمثلة من شعر المتنبيء :

1- لقد وجدت - خلاف هؤلاء النقاد - أن القلب الذي مارسه المتنبيء في بيته :

وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه
بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه


ابدالا جميلا فيه الكثير من الجدة والأيحاء . فلقد قال ( طاسمه ) بدل ( طامسه ) . قد أجد الطاسم أبلغ وأحلى وقعا على الأذن من ( الطامس )المألوفة التي يتداولها الناس بكرة وفي العشي (6).
انما يطمح الأنسان لسماع الجديد والطريف والمثير للدهشة. كان القاضي عبد العزيز الجرجاني قد عاب على المتنبيء هذا البيت (7) رغم حميمية دفوعه المعروفة عنه .

2- أما في البيت :

غلت الذي حسب العشور بآية
ترتيلك السورات من آياتها


فقد أبدل حرف الطاء في الفعل الماضي ( غلط ) بحرف التاء ليصبح الفعل ( غلت ). برر
(( الوحيد الأزدي )) (5) هذا الأبدال بأن ( الغلت والغلط واحد وهما لغتان أبدل قوم التاء طاء لقرب مخرجهما ). لم يخرج المتنبيء اذن عن قواعد وقوانين اللغة العربية التي يفهم أدق أسرارها وتفاوت طرق تلفظ حروفها , فالعرب قبائل شتى ولهجات كذلك شتى شديدة التنوع .
أما ظاهرة القلب فانها في الأساس نتيجة لأتباع أسلوب التقديم والتأخير والتضمين أو الفصل بين الفعل والفاعل وبين المضاف والمضاف اليه وما شابه ذلك من أنماط الفصل في سياق مفردات الجملة التامة. هناك كذلك ظاهرة قلب المعاني التي يمارسها بعض الشعراء اذ يقولون شيئا ويقصدون به ضديد معنى هذا الشيء. لم أجد في هذا النوع من القلب أي شيء يمت للأبداع بصلة. لم أجد فيه جمالا فنيا ولا أية فرصة لأثارة الدهشة والأستظراف . مع ذلك سوغ وبرر بعض النقاد هذا الضرب من آليات التصرف في فنون الشعر لأختراع الغريب والأتيان بالشيء غير المألوف في شعر العرب.
أسوق بعض الأمثلة على تقنيات أو آليات قلب المعاني في شعر أبي الطيب :

3- حملت اليه من ثنائي حديقة
سقاها الحجى سقي الرياض السحائب

واضح أن المنطق اللغوي لسياق عجز هذا البيت يجب أن يكون ( سقاها الحجى سقي السحائب للرياض). هنا فصل الشاعر المضاف عن المضاف اليه بالمفعول به (8).

رابعا - التقديم والتأخير

سأورد بعض الأمثلة على أسلوب المتنبيء الناجح في التقديم والتأخير :

1- وعذلت أهل العشق حتى ذقته
فعجبت كيف يموت من لا يعشق

حسب نقاد المتنبيء أن الشاعر قد أخطأ في معنى هذا البيت (9) . غيرأني وجدتهم على شطط من الأمر. لقد افتروا على الرجل جهلا أو حقدا عامدين. غاية ما في الأمر أن المتنبيء قد تلاعب كعادته مشاكسا فغير السياق الزمكاني لأداة النفي (لا) في البيت كيما يشوش عقول نقاده وحساده ويجعلهم في حيرة من أمرهم واضطراب بحيث يسرفون في التخبط ويتمادون في العمى ثم لا يهتدون. كان هذا هو دأب الرجل على ما يبدو. تفسير البيت كما أراده قائله انما يستقيم باعادة تثبيت وضع أداة النفي (لا) في المكان الذي يستجيب الى , ويستقيم مع تسلسل أحكام منطق الجملة العربية الذي قد ألفنا منذ ألاف السنين . روح اللغة العربية تفرض على هذا البيت التسلسل المنطقي التالي :
فعجبت كيف (( لا يموت )) من يعشق
بدل فعجبت كيف (( يموت )) من لا يعشق
قد لا نشتط كثيرا ان غامرنا بالقول ان المتنبيء كان في هذا البيت وأمثاله قد سبق زمانه بعشرات القرون فتمكن من وضع الأساس الأول لقصيدة نثر زمننا المعاصر مكتشفا سحر تأثير آليات التلغيز السوريالي والتقديم والتأخير والتلاعب في أماكن الحروف في الكلمات وأماكن الكلمات في الجمل . أي أنه التزم هنا حرفيا بالقاعدة الثورية في عالم الشعر التي وضعها المفكر المبدع القاضي عبد العزيز الجرجاني ونصها ( 10 ) : -

(( اللفظ في الشعر ليس خادما للمعنى )).

هذا الكلام يتناقض بشكل صارخ مع بعض مقدسات وأسس النقد القديمة التي كانت تؤكد على ضرورة أن يعبر الكلام في الأدب والشعر بدقة عن مقتضى الحال . أن يراعي مقتضى الحال. لقد فصل القاضي الجرجاني اللفظ عن المعنى الذي يمكن أن يؤديه . أي وفي التطبيق العملي أن اللفظ الواحد قد يؤدي معاني شتى مختلفة . اللفظ محدود لكن المعاني ليست محدودة. اللفظ جامد لكن المعاني لانهائية . وهذا ما نلمسه اليوم في أشعار شعراء قصائد النثر : اللفظ في واد والمعنى في
واد آخر , لا جسر يربط بينهما من منطق أو قاعدة أو عرف أو عادة وتقليد.
هذه في نظري هي الثورة الكبرى الثانية في عالمي اللغة والشعر بعد الثورة الأولى التي نادت بعزل الشعر عن الدين والأخلاق والتي نادى بها الأمير الشاعر عبد الله بن المعتز كما سبق وأن رأينا في مطلع هذه الدراسة.
لقد فصل الجرجاني اذن بين الكلمة ومدلولها فوضع بذلك الأساس النظري والعملي الذي أراد به
حل المعضلة الكبرى في عالم الشعر والأبداع الشعري التي كانت وما زالت قائمة حول طبيعة العلاقة بين اللفظ والمعنى : من هو الأول ومن هو الثاني ؟؟ من يخدم من ؟؟ هل للغة منطق فلسفي أزلي لا يمكن تغييره أو تجاوزه أو الألتفاف عليه ؟؟ ولماذا يسبق الفعل الفاعل وهذا يسبق المفعول ؟؟
لقد قرر هذا الناقد الفذ القاضي الجرجاني أن ( 10 ) : -

(( البديع بديع والفكر فكر وهما بمعزل عن الشعر لأن له كيانا قائما بذاته )) .

ألم يقل منظرو السوريالية الفرنسيون الأوائل وشعراؤها الكبار أراغون وبريتون وفاليري وسواهم في عشرينيات القرن الماضي ( القرن العشرين ) أن الشعر ضد المنطق وضد العقل ؟؟ أليست قصيد النثر المعاصرة سوريالية مبنى ومعنى ؟؟ وهذا الأمر لا ينكره أصحابها بل ويفخرون به
ويعتزون .
لم تنجح مقولة عبد العزيز الجرجاني (( اللفظ في الشعر ليس خادما للمعنى )) في التطبيق العملي للأسف الشديد الا بعد مرور ما يقرب من اثني عشر قرنا من الزمان .

عود الى آليات الأبداع في شعر المتنبيء , ومنها تقنية التقديم والتأخير. لنأخذ البيت التالي مثالا :

2 - بقائي شاء ليس هم ارتحالا
وحسن الصبر زموا لا الجمالا


لقد أساء المفسرون تفسير هذا البيت الرائع اذ قالوا (( فكلمة شاء تأتي بمعنى السبق , أي بقائي سبق ارتحالهم . وتأتي بمعنى أراد من المشيئة وهي الأرادة )). ( المصدر الخامس والمراجع التي اعتمدها الباحث في هذا المصدر ). مؤدى تفسيرهم هو أن الشاعر من كان قد قرر وعزم على البقاء , وأن من أزمع على الرحيل هم الأحباب . تفسير البيت حسب اجتهادي يخالف هذا التفسير ومؤداه أن الذي قرر الرحيل انما هو الشاعر وليس أحبابه . الشاعر مرتحل والأعزة باقون . ولدي على ذلك دليلان :
- شاء بقائي الأرتحال وليس هم الذين شاءوا. لم يقل الشاعر أنا شئت أن أرتحل لأن ( أنا ) محدودة وتشكل جزءا من كينونة ووجود وبقاء الأنسان , أي جزءا من ( بقائي ). ( فبقائي ) تعني
أنا الأنسان الواقف أمامك زائدا المكان الذي أشغله لحظة تراني أمامك , زائدا الشارع والمدينة التي أحيا فيها . ف كلمة ( بقائي ) في هذا الموضع من بيت الشعر أشمل بكثير من الضمير
( أنا ). بقائي هو وجودي البشري الحي الذي لا يتغير حسب مقتضيات الحركة الأنتقالية مضافا
اليه وجودي المكاني الثابت الذي لا يتغير الا بتغير مشيئتي وظروف حياتي المنوعة.
- أما الدليل الثاني فهو أوضح من الشمس في رابعة النهار : هم الذين زموا حسن الصبر وأنا الذي عليه أن يزم الجمال تأهبا للفراق. فعلى الذي يفارق ويغادر أن يجهز الركب ويعد عدة السفر وأن
( يزم الجمالا ) أي أن يضع الأزمة ( جمع زمام ) في رؤوس وسائط سفره ( الجمال ) سفائن الفيافي والقفار. فحسن الصبر زموا لا الجمالا .

هذا هو أسلوب المتنبيء في التعبير بالخطوط غير المستقيمة التي تزيد في الطاقة التعتيمية لفنه الشعري بحيث لا يقر له قرار الا اذا استفز القاريء وأضطره الى المزيد من التفكير والأجتهاد
سالكا طريق التقديم والتأخير في الكثير من الأحيان. انه يخلق الدهشة والحيرة ويجبر قارئه على أن يغوص في أعمق درجات التفكير . انه شاغل الناس وماليء الدنيا. شغل الناس بشعره أكثر مما شغلهم بشخصه.

وثمة مثال آخر على قدرة المتنبيء الرائعة في توظيف أسلوب التقديم والتأخير لفرض الدهشة
والأغراب لدى قاريء شعره :

3- أنى يكون أبا البرية آدم
وأبوك والثقلان أنت محمد


قد أجد من المناسب أن أورد هنا تعليق (( ابن فورجة )) (5) على هذا البيت اذ قال :

(( في اللفظ تقديم وتأخير , تقديره كيف يكون أبا البرية آدم وأبوك محمد وأنت الثقلان )). واضح
أن البيت لا يستقيم وزنا وعروضا وقافية الا بالشكل الذي صاغه المتنبيء. ولنعم الصياغة الجسورة ولنعم الأبتكار الذي هو قمة الأبداع الفني. لقد أصر الشاعر على أن يأتي بفكرة معينة
جهز لها الألفاظ المطلوبة لكنه اكتشف ساعة التنفيذ أن التعبير الخطي المستقيم الذي يطاوع دواعي
تسلسل منطق وقواعد العربية لا يستجيب لدواعي وزن وقافية البيت والقصيدة , فضحى بالمنطق اللغوي وغامر وقدم وأخر فجاءت النتيجة مغامرة ناجحة وأتت ببيت من الشعر النادر. اني لا أمل من تكرار قراءة عجز هذا البيت مع نفسي همسا تارة وجهرا تارة أخرى اذ أرى فيه سحرا يتضاعف مرارا واطرادا مع كل قراءة للبيت جديدة. (( وأبوك والثقلان أنت محمد )). يا سلام !!
أليس الشعر ضد المنطق والعقل ؟؟

خامسا - الطباق أو جمع النقيضين

ليس حتما أن يكون الطباق ( وهو مقابلة الشيء مع ضده ) في بيت الشعر ناجحا أو حافلا بالأبداع
أو موحيا أو مشعا. وليس كل من جربه من الشعراء أصاب النجاح الفني المأمول. كما أنه لم يكن أصلا مقبولا وبشكل مطلق من لدن نقاد الشعر القدامى كافة. ولا اخال أن الذوق العام في هذا اليوم
مجمع على استحسانه أو حسبانه ركنا من أركان الأبداع. هذا صحيح ولكن الصحيح أيضا أن الشعر العربي لم يعرف شاعرا كالمتنبيء امتلك ناصية القدرة العجيبة على توظيف الطباق في شعره وعلى جمع عدد من أزواج المتناقضات في البيت الواحد. فمنها الطباق البسيط ومنها المركب بل ومنها الشديد التركيب. الطباق البسيط ( زوج واحد من النقائض في بيت واحد من الشعر ) لا حصر له في ديوان المتنبيء. أما الطباق المركب فأقصد به ذكر زوجين أو ثلاثة أو أربعة أزواج من الأضداد في بيت واحد. من أمثلة الطباق البسيط :

ومن خبر الغواني فالغواني
ضياء في بواطنه ظلام

هنا جمع الشاعر النقيضين الضياء والظلام فأتهمه بعض خصومه بالمانوية والمجوسية. وفي بيت آخر قال :

أمن ازديارك في الدجى الرقباء
اذ حيث أنت من الظلام ضياء


وهنا جمع مرة أخرى بين الظلام ونقيضه الضياء. فهل يجتمع يا ترى الليل والنهار في لحظة واحدة؟؟ وكيف اجتماع النور والظلمة ؟؟
وجدت سحرا غريبا في بيت الشاعر البحتري من قصيدة يصف فيها مبارزة الفتح ابن خاقان
, وزير الخليفة العباسي المتوكل , لأسد . يقول البيت :

فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا
وأقدم لما لم يجد عنك مهربا


سأعيد كتابة هذا البيت كيما تسهل المقابلة والمقارنة :

فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا
وأقدم لما لم يجد عنك مهربا

لقد جمع البحتري في هذا البيت الأحجام ونقيضه الأقدام معا بصيغة فعلين رباعيين للماضي
( أحجم وأقدم ) وكلاهما ينتهي بحرف الميم . استهل صدر البيت بالفعل أحجم كما استهل عجز
البيت بالفعل أقدم . كما أنه كرر مقطعا كاملا مكونا من ثلاث كلمات هي ( لما لم يجد ) في صدر
وفي عجز البيت شغلت ذات المكان في مسلسل وضع الألفاظ في البيت فجاءت مباشرة بعد فعلي الأحجام والأقدام . كأنه أراد أن يقول لنا أن هذين الفعلين قدران مفروضان على الأسد ولا راد لحكم الأقدار.
استخدم الشاعر حرفي الجر في وعن ( فيك وعنك ) وأخيرا قابل وجها لوجه المطمع والمهرب وفي كل منها خمسة حروف فقط. أضيف أمرا آخر غاية في الغرابة ... هو أن كلا من الصدر والعجزمكون من ست كلمات في كل منهما 21 حرفا فقط !! ولنتأكد من ذلك بحساب عدد هذه الحروف.
رجل شجاع يصارع أسدا لا يقل عنه شجاعة. لقد نجح الشاعر أيما نجاح في رصد وتصوير لحظات التوتر ساعة المبارزة. لم يتكلم عن الرجل المبارز لكن وضعه في وسط اللوحة المفعمة
بالتوتر والقلق فوصف حال الأسد في تلكم اللحطات التي سيتقرر فيها مصيره المحتوم سلفا : القتل.
لم يجد الحيوان الشجاع ضعفا في خصمه المبارز فقرر التراجع وترك معركة لا مغنم فيها ولا من ربح. لكنه لم يجد في هذا التراجع ضمانا لسلامته وبقائه حيا اذ كانت جنود الخليفة المدججة بالسلاح تحيط به من كل جانب حوط الطوق بالرقبة ... كما كانت تقضي شروط تسلية الخليفة يومذاك. موته محقق اذن سواء قاتل أم لم يقاتل فلم لا يموت شجاعا مقاتلا وقد قال المتنبيء فيما بعد :
فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم

لقد صمم الأسد على خوض المعركة الخاسرة حيث لا مكان للمساومة أو التراجع جبنا وخورا .
وخلاف ذلك فسوف لن يسميه الناس بعد اليوم أسدا وسوف لن يستحق هذا الأسم لا هو ولا أحفاده القادمون. وأقدم لما لم يجد عنك مهربا . أقدم لما لم يجد عنك مهربا .

أما نماذج الجمع المركب لأزواج المتناقضات فنجدها مثلا في ما يأتي من أبيات :

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

نجد هنا ثلاثة أزواج من الأضداد هي :

ذو العقل -- ---أخو الجهالة
الفعل يشقى ---- الفعل ينعم
النعيم ---- --- الشقاوة

أما في البيت الأتي فنجد أربعة أزواج من المتناقضات جمعها المتنبيء في بيت واحد الأمر الذي لم
يسبقه أو يلحقه فيه أحد من الشعراء خلا الشاعر الذي عاصره أبو فراس الحمداني كما سنرى
لاحقا :

أزورهم وسواد الليل يشفع لي
وأنثني وبياض الصبح يغري بي


تعالوا نعدد ونقابل النقائض مع بعضها :

1- أزورهم --- أنثني
2- سواد --- بياض
3- الليل --- الصبح
4- يشفع لي --- يغري بي

ولطه حسين رأي خاص في هذا البيت فقد قال (11) :

(( والقدماء يعجبون أشد الأعجاب بهذا البيت. وربما كنت رديء الذوق ولكني أحب أن أعجب بهذا البيت فلا أظفر بما أريد من الأعجاب الخالص الذي لا يشعر به نقد ولا عيب. فما الذي يعجب في هذا البيت ؟؟ هو هذا الطباق الكثير المتتابع الذي يحدث موسيقى ظاهرة التأثير في النفس. فالشاعر يطابق بين الزيارة والأنثناء عنها, وهو يطابق بين السواد والبياض, وبين الليل والصبح, وبين الشفاعة له والأغراء به. وبعض هذا الطباق يكفي لأرضاء المشغوفين بالبديع وهذا الطباق نفسه قد يرضيني )). لكن طه حسين لا يود أن يترك المتنبيء ولا هذا البيت الرائع أن يمرا بسلام. فقد وجد عيبا في قافية البيت فأستأنف قائلا :
(( لولا أني أجد في القافية انحدارا ثقيلا على السمع أشد الثقل )).
خلاصة رأي طه حسين أنك لو سكنت حرف الياء في " بي " كما يقتضي الوزن وحكم القوافي في هذه القصيدة (( فقد أفسدت النطق وأسأت الى الصوت اللغوي نفسه )). وان حركته وجعلته منصوبا مفعولا به للفعل تغري (( صح لك النطق اللغوي ونبت القافية نبوا شنيعا )). الرجل مصيب في هذه المسألة ولكن للضرورات الشعرية أحكامها التي قد تجيز ما لا يجوز... أحيانا.
والمتنبيء ليس أول شاعر تصرف بقواعد اللغة كما يعلم قبل غيره عميد الأدب العربي المرحوم
طه حسين.

أما بيت الشاعر أبو فراس الحمداني الذي جمع فيه أزواجا أربعة من الأضداد فانه أحد أبيات قصيدته الشهيرة التي قالها أيام أن كان أسيرا لدى الروم , وقد غناها الفنان العراقي المرحوم ناظم الغزالي . البيت هو :

أيضحك مأسور وتبكي طليقة
ويفرح محزون ويندب سالي

فلدى اجراء المقابلة بين الصدر والعجز نرى شكل تتابع المتضادات واحدة بواحدة :

أيضحك مأسور وتبكي طليقة
ويفرح محزون ويندب سالي

وهكذا استطاع هذا الشاعر أن يجمع الكثير من أزواج النقائض في بيت واحد لكنه مع ذلك لم يستطع أن يحقق في هذا البيت ما كان قد حققه المتنبيء من ابداع في بيته سالف الذكر ( أزورهم
وسواد الليل ... ) . الفرق بين هذين البيتين جد شاسع. لعل الحركة المتعاكسة الأتجاه في بيت المتنبيء ( أزورهم ... وأنثني ... ) هى ما أضاف من تفرد وجمال ساحر الى هذا البيت. ثم الليل وما فيه من غموض ومخاطرات وما يوفر للشاعر من ستر وغطاء لكي يزور من يحب سرا. يقابله نقيضه الصبح وما يحمل من كشف وفضيحة وهتك للأسرار. هنا مغامرة وترقب وحذر شديد وتوتر بالغ . بينما لا نجد أية حركة في بيت أبي فراس الحمداني. وليس هناك من تربص وتوتر أعصاب
أو خطر على حياة الشاعر. شاعر أمير مترف مأسور لدى العدو يخاطب حمامة تهدل فوق الغصون
ويتمنى أن لو يستطيع البكاء لكن دمعه عصي على العيون ( لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة ...
ولكن دمعي في الحوادث غالي ). الفرق جد شاسع بين البيتين.

سادسا - ملاحظات ختامية

1- اذا كنت قد بدأت دراستي هذه بتعريف أفلاطون للشعر فحري بي أن أنهيها بتعريف الناقد والمفكر الفذ عبد العزيز الجرجاني المتوفي عام 392 الهجري . قال هذا الرجل ( 12 ) تحت عنوان " الطبع والشاعر المطبوع " :
(( الشعر علم من علوم العرب يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء ثم تكون الدربة مادة له وقوة لكل
واحد من أسبابه. فمن اجتمعت له هذه الخصال فهو المحسن المبرز وبقدر نصيبه منها تكون مرتبته
من الأحسان )) .
لقد حدد الجرجاني الشروط الواجب توفرها في الشعر كيما يكون شعرا فوضع الطبع في رأس قائمة الشروط الأربعة ( الطبع والرواية فالذكاء والدربة ). الرواية تعني من بين جملة ما قد تعني الأكثار من قراءة وحفظ الشعر وربما ترديده مع النفس بل وأمام الآخرين. أما الذكاء فانه فطرة في الناس منذ مولدهم ولا سبيل لأصطناعه. أخيرا يأتي دور التدريب المستمر على ممارسة نظم الشعر وتقريضه. لم يذكر الرجل الوزن والقافية ولا البيان والبديع شروطا لجودة الشعر وأصالة الشاعر وتلك مسألة لعمري تسترعي الأنتباه . كان الرجل كالجاحظ كثير التوكيد على الطبع. ولقد أكثر من تكرير هذا الأمر ( 12 ) حتى قال :

(( سلامة اللفظ تتبع سلامة الطبع ))

كما أنه قد حض على ( 13 ) :

(( ترك التكلف ورفض التعمل والأسترسال للطبع )) .

2- قلت عن لغة الشعر الشيء القليل. فالأمر أكبر وأجل من أن يحيط به فرد واحد مثلي. وما دراستي الحالية الا محاولة متواضعة لكنها على ما أحسب جديدة لقراءة وتفسير جانب من أساليب ( آليات أو تقنيات أو فنون ) الأبداع والوقوف على أسرار جوهره في التراث الشعري القديم مستخدما بعض الأدوات العصرية. فالذوق البشري كما هو معلوم يتبدل بتبدل الحقب والأطوار والعصور. ولقد رأيت وأنا أعيد قراءة الشعر القديم أن لا بد من اعادة النظر في دراسة وتقويم هذا الشعر وفق أسس جديدة لأبراز ما فيه من ابداع حسب ما تقتضيه مقاييس العصر الراهن وما استجد من مدارس ومذاهب أدبية وشعرية حديثة. وانها لمحاولة متواضعة جديدة كما أسلفت القول لقراءة
وفهم الشعر القديم لغة وأسلوبا وابداعا آملا أن يتابع هذا الموضوع الجليل سواي من عشاق الشعر
وقائليه وناقديه.
3- لما كنت قد اتخذت من شعر المتنبيء أساسا لدراسة آليات الأبداع في الشعر, فلقد كان التركيز
الأكبر عليه بحيث أني لم أتطرق الى ذكر سواه من فحول الشعراء ممن نعرف الا قليلا. فمثل هذه الدراسة لا تحتمل المقارنات المستفيضة ما دام الهم الأول هو ابراز النماذج المتميزة في الشعر
العربي السابق. دراسة أخرى تأخذ على عاتقها محاولات اكتشاف ودراسة عناصر الأبداع في شعر
شعراء آخرين ستكون دونما أدنى ريب موضع اهتمام وترحيب الجميع.
4- كما أني لا أدعي ولا يمكن أن أدعي أني قد أحطت بكافة عناصر الأبداع في شعر المتنبيء.
شعوري الشخصي والخاص هو أن قد فاتني الكثير. كما أني لا أتجاسر على القول بأني ألممت بكافة جوانب هذه الدراسة. فالشعر بحر واللغة محيطات ويبقى الفرد الواحد أبدا فردا واحدا مغلوبا
على أمره وهو يجرب السباحة ضد تيارات البحار.
5- لما كانت قصيدة النثر تمثل عالما مستقلا تمام الأستقلال ولا من علاقة تربطها بشعر بحور
الخليل بن أحمد الفراهيدي ولا بقصيدة الشعر الحر ( شعر التفعيلة الواحدة ) ... اقتضى الأمر أن
اقوم بدراسات منوعة لشاعرين من شعراء قصيدة النثر نشرت في المغرب وفي لندن ومن ثم
ظهرت في كتابي الموسوم ( نقد وشعر وقص ) الذي طبع أوائل هذا العام في القاهرة ونشر من قبل
( مركز الحضارة العربية ) .

المصادر -
1- مقالة " الشعر" ترجمة عابد اسماعيل. مجلة " ألواح " الصادرة في مدريد / العدد العاشر
2001 , الصفحة 120.
2- محي الدين صبحي. ( من كتاب الوساطة بين المتنبيء وخصومه ). منشورات وزارة الثقافة
والأرشاد القومي . دمشق 1978.
3- د. ابراهيم أنيس ( من أسرار اللغة ) . الطبعة السابعة 1994. مكتبة الأنجلو المصرية.
القاهرة / الصفحات 69 - 83 .
4- دراستي عن ديوان ( خاتمة لذبيب الوشي ) للشاعر المغربي مصطفى غلمان المنشورة في
صحيفة " الصحراء المغربية " العدد 3959 الصادرة يوم الأثنين 22 من نوفمبر 1999.
5- د. محسن غياض عجيل. مجلة " العرب " الصادرة عن دار اليمامة في الرياض - المملكة
العربية السعودية - للسنة 2000 . الصفحات 47 - 58 .
6- طه حسين . " من تأريخ الأدب العربي " / الجزء الثالث . دار العلم للملايين . الطبعة
الثالثة , فبراير 1980 . الصفحة 183 .
7- المصدر (2) الصفحات 392 - 393 .
8- المصدر (2) الصفحة 271 .
9- المصدر (2) الصفحة 279 .
10 - المصدر (2) الصفحة 228 .
11- المصدر السادس , الصفحات 285 - 286 .
12- المصدر (2) الصفحة 201 .
13-
د. عدنان الظاهر ميونيخ آذار(مارس) 2001

لغة الشعر وآليات الأبداع

مقدمة -
ما هو الشعر ؟
يعرف أفلاطون الشعر بأنه (( ذلك الشيء المتقلب, المجنح والمقدس )) (1) .
قد يتفق المرء مع أفلاطون دونما أية صعوبة في أن الشعر متقلب حقا ومجنح , أما أن يكون مقدسا
فذلكم أمر يصعب الأتفاق مع أفلاطون بشأنه. لماذا القدسية ؟
لقد وجدت في تراثنا الأدبي دراسات نقدية رائعة للشعر والشعراء فيها ما يغني عن تفسير أفلاطون وأضرابه من الفلاسفة . أخص بالذكر منهم نقاد القرنين الثالث والرابع الهجريين . واني مدين
كليا لما سأذكر من أمر هؤلاء النقاد ونظرياتهم حول الأدب والشعر ومتطلباتهما وقواعد الأبداع
الجمالي فيهما لكتاب الأستاذ محي الدين صبحي الموسوم (( من كتاب الوساطة بين المتنبيء وخصومه )) (2) .

1- بشر بن المعتمر ( توفي عام 210 للهجرة )
يرى هذا الرجل في " صحيفته " أن الأدب موهبة وطبع فأوصى بمراعاة مقتضى الحال والأبتعاد عن التعقيد وبأختيار الألفاظ .

2- محمد بن سلام الجمحي ( توفي عام 232 للهجرة )
وهو صاحب كتاب " طبقات الشعراء " الذي تحدث فيه عن أثر البيئة في تكوين الأديب وانتاجه وألح على قيمة الناقد المتخصص حيث أن المتخصص أصلح من سواه .

3- الجاحظ ( توفي عام 255 للهجرة )
آمن الجاحظ ايمانا مطلقا بالطبع وتخصص الطباع والأصالة والتدريب والبعد عن التقليد " من كتابه"البيان والتبيين , الجزء الأول " .

4- ابن قتيبة الدينوري ( توفي عام 276 للهجرة )
دافع ابن قتيبة في كتابه " الشعر والشعراء " عن الشعراء المحدثين فقال (( ولم يقصر الله الشعر والعلم البلاغة على زمن دون زمن ولا خص به قوما دون قوم )) .

5- ابن المعتز ( توفي عام 296 للهجرة )
تكلم هذا الأمير الشاعر عن الشعر وقسم عناصره الفنية الى بيان ( تشبيه واستعارة وكناية ) وبديع ( تجنيس وطباق ورد العجز على الصدر ) . كما كان أول من عزل الدين والأخلاق عن الشعر. ولا عجب في ذلك اذ كان الرجل ابن خليفة وعاشقا للخمرة والفن والطرب . وكان محصنا بجبروت الخلافة وبريق أضوائها من جهة , وميالا بطبعه للهو والحرية والخروج على المألوف من الجهة الأخرى .

6- ابن طباطبا ( توفي عام 322 للهجرة )
ألف كتاب " عيار الشعر " وعني بأدوات الشعر كعلوم اللغة والنحو والرواية. كما أوصى بمراعاة الكلام لمقتضى الحال وألح على وحدة القصيدة وحسن الخروج فيها من غرض الى غرض. كما كان كالجاحظ وابن قتيبة والمبرد في دفاعه عن المحدثين واظهار الأعجاب بهم. فالمعركة بين القديم والجديد قديمة وستبقى ما دامت الحياة تجدد نفسها وتتطور .

7- أبو بكر محمد بن يحيى الصولي ( توفي عام 335 للهجرة )
ذكر في كتابه " أخبار أبي تمام " أنه قارن بين القدماء والمحدثين فوجد أن واحدهم (( أقوى وأفصح اذا وصف ما شاهده وعاناه )). فهو يشترط في الشاعر لا أن يشاهد ويرصد فقط, بل وعليه أن يعاني, أي أن يتفاعل حقا مع ما يرى . كذلك كان يؤكد على أهمية الناقد المتخصص أي المتفرغ للنقد فقط, أو المنصرف لدراسة ونقد شاعر واحد بعينه, أو المتفرغ لنقد مواضيع معينة متشابهة لدى عدد من الشعراء. وكأبن المعتز دعا الى عزل الشعر عن الدين والأخلاق اذ قال (( وما ظننت أن كفرا ينقص من شعر ولا أن ايمانا يزيد فيه )). ما أروع مثل هذا الكلام يقال في النصف الأول من القرن الرابع الهجري ! انه ثورة متعددة المستويات وخطيرة الأبعاد لا يجرؤ الكثير من كتاب ونقاد اليوم على قوله في ألكثير من الأقطار العربية . ولعل هذه الدعوة كانت ولما تزل الثورة الأكثر جذرية في تأريخ الأدب العربي والمجتمع العربي على حد سواء ! لقد تمتع النقاد والشعراء قبل أكثر من ألف عام بقدر من حرية التعبير هو دون ريب أكبر وبكثير من المتاح منه في هذا اليوم !! فما هو تفسير ذلك ؟

8- قدامة بن جعفر ( توفي عام 337 للهجرة )
يرى في كتابه " نقد الشعر " أن الطبع والأسترسال فيه هو عنوان جودة الشعر. وأن مقياس جودة الأدب لديه هو (( قوة تأثيره في نفس متذوقه )). وهل هناك ما هو أصدق وأروع من هذا المقياس:
قوة تأثير الشعر في نفس السامع أو القاريء. أجل, قوة التأثير. القوة اذن , بل وأية قوة ؟ القوة القادرة على اختراق جسد وروح ذواقة الشعر, والقادرة على أن تترك فيهما آثارا لا تنمحي . انها الطاقة الكهرو- مغناطيسية الخارقة , بل وأشعة الليزر . قوة الـتأثير في النفس البشرية هي مقياس وركن من أركان الأبداع الشعري وسحر جمال ما يترك من آثار لا تراها العين المجردة لكن تحس بها نفوس البشر.

9- الحسن بن بشر الآمدي ( توفي عام 371 للهجرة )
كان في كتابه " الموازنة بين أبي تمام والبحتري " شديد التحامل على أبي تمام اذ رأى التكلف في استكثاره من البديع . وكان هو الآخر قد أكد على أهمية الناقد المتخصص المطبوع وعلى أهمية الطبع في الشاعر. وهذا أحد أكبر مقاييس الجودة في الشعر وأحد الأسس الضرورية لأي عمل ابداعي يفخر به صاحبه . فسلطان طبع الشاعرالأصيل يفرض نفسه على المتلقي من ناحية , ويصمد أمام أحكام الزمن وتقلبات الأطوار التأريخية للبشر من الناحية الأخرى .

10- محمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي ( توفي عام 388 للهجرة )
تعرض الحاتمي للمتنبيء في كتابين , الأول أسماه " الرسالة الموضحة " . بين فيها أن ( المهلبي)
- وهذا أمر طريف بقدر ما هو غريب - وزير ( معز الدولة البويهي ) في بغداد قد حرضه على مهاجمة المتنبيء وقال نصا (( سامني هتك حريمه وتعزيق أديمه ووكلني بتتبع عواره وتصفح
أشعاره واحواجه الى مفارقة العراق )) . أجل , احواجه الى مفارقة العراق !!! والله ذلك لأمر جيد: لم يقتلوه في بغداد علنا ولم يغتالوه سرا بالسم أو بدهسة حصان أهوج مجهول النسب والهوية( ما كانت السيارات معروفة يومذاك ) كدأب أنظمة العسف والتسلط في عصرنا !!!.
تتألف " الرسالة الموضحة " من أربعة مجالس اجتمع فيها الحاتمي مع المتنبيء وأستفزه بأستعراض ما أسماه بسرقاته وسقطات شعره . في الجلسة الأولى وضع الحاتمي للشعر حدودا هي كما يلي (( حدود الشعر أربعة هي اللفظ والمعنى والوزن والتقفية . ويجب أن تكون ألفاظه عذبة
مستحبة ومعانيه لطيفة وأستعاراته واقعة وتشبيهاته سليمة . وأن يكون سهل العروض رشيق الوزن
متخير القافية رائع الأبتداء بديع الأنتهاء ) . هذه هي متطلبات وشروط ومستلزمات الأبداع حسب نظرية الحاتمي الذي أعطى الوزن والقافية ثقلا مساويا للفظ والمعنى . ما أحسب هذا الرجل الا شديد التخلف بالمقارنة مع من سبقه من النقاد وواضعي أسس النقد الأدبي ونظريات الأبداع
الشعري . لذا لم يستطع أن يهظم شعر المتنبيء ولا أن يتقبل أو أن يفهم ما في هذا الشعر من
تجديد وابداع . وكان من نتيجة اجتماع هذه الأسباب , فضلا عن الحسد والحقد الشخصي , أن يرضى الحاتمي أن يلعب الدور القذر والمشبوه كمخلب قط مرة وكماشة نار مرات أخرى . قبل أن يستفز الشاعر المتنبيء وأن يهتك حريمه وأن يجبره على مغادرة العراق . هل ينسجم هذا الدور,
دور المخربين والمخبرين والجواسيس مع رسالة الأدب والأدباء والنقاد السامية المفترضة فيهم والمتوقعة منهم ؟؟؟
خصص الحاتمي المجلسين الثاني والرابع للحديث عن الخطأ في المعاني . وفي هذه المناسبة أنكر
المتنبيء معرفته بأبي تمام والبحتري . اما المجلس الثالث فقد جعله مجالا لتطبيق نظريته في السرق .
أما الكتاب الثاني فقد أسماه الحاتمي (( الرسالة الحاتمية فيما وافق المتنبيء في شعره كلام
أرسطو )) . الغريب أشد الغرابة أن الحاتمي في كتابه هذا يتظاهر بالدفاع عن المتنبيء المتفلسف.
يتظاهربالدفاع عن فكر المتنبيء الفلسفي وكان خبيثا , لأنه كان يذم في معرض المديح ويضع السم في اللبن . لقد قارن بين فلسفة المتنبيء في بعض أشعاره وبين بعض مقولات أرسطو فذكر قول أرسطو (( اذا كانت الشهوة فوق القدرة كان هلاك الجسم دون بلوغها )) وجعله مساويا لقول المتنبيء

تعبت في مرادها الأجسام واذا كانت النفوس كبارا

وفي مثال آخر يقول أرسطو (( روم نقل الطباع عن ذوي الأطماع شديد الأمتناع )) في حين قال
المتنبيء

وتأبى الطباع على الناقل يراد من القلب نسيانكم//

ليس بالضرورة أن يكون المرء فيلسوفا لكي يضع يده على سخافات الحاتمي , فما من وجه للشبه بين فحوى معاني أبيات الشاعر أبي الطيب المتنبيء ومعاني مقولات الفيلسوف أرسطو . أراد
الحاتمي ان يقول ان المتنبيء يسرق شعر غيره من شعراء العربية كأبي تمام والبحتري كما يسطو على آراء ومقولات فلاسفة الأغريق . المقارنة البسيطة تتكشف عما يلي : في البيت الأول تكلم
المتنبيء عن النفس البشرية وكبرياء الأنسان الشريف وعلو همته ( واذا كانت النفوس كبارا ) , بينما ركز أرسطو على شهوة الأنسان ( اذا كانت الشهوة فوق القدرة ...) . الفرق جد واسع بين النفس لدى المتنبيء والشهوة لدى أرسطو . لقد جعل أرسطو جسم الأنسان خادما مطيعا لشهواته. كما أنه جعل للجسم قدرة محددة على اتيان أو ممارسة الشهوات , فاذا ما تم تجاوزها هلك هذا الجسم . اي أن الشهوة قد تحمل الجسم ما لا يطيق فتتسبب في هلاكه. لا اعتراض على ذلك , لكن الشهوة كما نعلم ليست مقياسا لكبر النفوس ورفعتها وسموها . فحكمة المتنبيء كمعادلة خطيةهي :
نفوس - مراد النفوس - الأجسام

أما مقولة أرسطو كعلاقة ومتعلق فهي :

الشهوة - القدرة على اتيانها - الجسم .

من هاتين المعادلتين نرى أن المراد أو الارادة أو الرغبة انما هي الوسيط بين النفس والجسم حسب فلسفة المتنبيء . أما أرسطو فقد جعل القدرة هي الوسيط بين الشهوة والجسم . فهل -ترى- أن مراد النفس البشرية يعني أو يعادل أو يساوي بالضبط شهوتها ؟؟ وهل أن شهوة النفس هي كل مرادها في حياة الأنسان ؟؟ ثم هل فات الحاتمي أن المتنبيء كان قد قال هذا البيت في قصيدة معروفة يمدح فيها سيف الدولة الحمداني ومنها :


في سبيل العلى قتالك والسل
مُ وهذا المقام والأجذام

ليت أنا اذا ارتحلت لك الخي
لُ وأنا اذا نزلت الخيام

كل يوم لك احتمال جديد
ومسير للمجد فيه مقام

واذا كانت النفوس كبارا
تعبت في مرادها الأجسام


وكذا تطلع البدور علينا
وكذا تقلقُ البحور العظام

فأين هذا الكلام من شهوات أجسام البشر وتخريجات الحاتمي الحقودة ؟؟
أتناول الآن البيت الثاني ... فما ألطف وقعه على أذن سامعه وما أيسر تغلغله في أعماق النفس .
استهل الشاعر البيت بفعل المضارع ( يراد ) . لا يريد الشاعر نسيان من يهوى لكن جهات أخرى
تريد منه أن ينسى ( يراد من القلب نسيانكم ) . لا أعرف الذي قام بترجمة مقولات أرسطو الى
العربية وهل كان موفقا ودقيقا في تلكم الترجمات . ثم لماذا هذا السجع الذي لا تعرفه ولا تستسيغه الفلسفة (( الطباع الأطماع الأمتناع )) . ثم ما وجه الشبه بين بيت المتنبيء ومقولة أرسطو؟؟
هل يجوز الأفتراض أن الحاتمي نفسه قد قام بالترجمة كيما يقدم الدليل الذي يخدم غرضه الخبيث والدنيء معا على أن المتنبيء كان قد سرق المعاني من غيره من فلاسفة الأغريق ؟؟ أرجح هذا الرأي . النفس الدنيئة تفعل ما تشاء .

11- الصاحب بن عباد ( توفي عام 385 للهجرة )
كتب الصاحب رسالة أسماها " الكشف عن مساويء المتنبيء في شعره " يأخذ فيها على المتنبيء
استعمال حوشي اللفظ والقوافي الصعبة والأبهام والمبالغة في المعاني وعدم مناسبة الكلام لمقتضى
الحال. ومن حيث الشكل يؤاخذه على رداءة المطالع والخطأ في العروض , ثم ابتكاره تشبيهات
وأستعارات رديئة .
حين كان المتنبيء عام 353 في بغداد دعاه الصاحب بن عباد لزيارته في أصفهان عارضا على
الشاعر أن يشاطره جميع ما يملك مناصفة . رفض المتنبيء هذه الدعوة قائلا ان (( غليما معطاء يريد أن أزوره وأن أمدحه )) (2) . قد يكون هذا الرفض هو سبب تحامل ابن عباد على المتنبيء
ولا عجب , فقد أضحى الرجل بعد ذلك خصما للشاعر لدودا . يستزير الشاعر ويعرض عليه نصف ثروته ونصف ما يملك لقاء قصيدة يمدحه فيها فيرفض الدعوة والمال ويسخر من العارض
ومما قد عرض . كيف يمدح الشاعر غلاما ثريا مبذرا يتخذ من اصفهان مقرا له بعد أن مدح أمير حلب العربي والعلوي سيف الدولة الحمداني ثم فارقه الى مصرليمدح أميرها وخليفة المسلمين فيها كافورا الأخشيدي ؟؟

12- القاضي عبد العزيز الجرجاني ( توفي عام 392 للهجرة )
ألف القاضي الجرجاني كتاب " الوساطة بين المتنبيء وخصومه " يرد فيه على رسالة الصاحب
بن عباد ويفند أراءه ويكشف تحامله على المتنبيء. لقد كشف هذا الرجل بعض العيوب في شعر المتنبيء لكنه دأب على تبريرها ودافع عنها عنه. لكنه أوقع نفسه ضحية للكيل بمكيالين اذ انتقد الشاعر أبا تمام أشد النقد لأسرافه - بين جملة أمور أخرى - في توظيف الجناس في شعره,
والجناس كما نعلم هو أحد أركان البديع . لكن وفي عين الوقت غض الجرجاني النظر كليا عن
ولع المتنبيء المشهود في توظيف الطباق , ركن البديع الآخر , الى حد لم يسبقه فيه شاعر آخر قبله ولا استطاع أي شاعر بعده أن يماثله أو أن يبلغ شأوه في براعة استخدامه لهذا الضرب من محسنات الشعر .

13- ابن جني ( توفي عام 392 للهجرة )
كان ابن جني في طليعة المعجبين بالمتنبيء , لكن اعجابه هذا لم يمنعه في أن يرى صعوبتين في
شعر المتنبيء (2) :
أولا - تعسف في اللفظ جعل الشاعر يجيء بالشاذ ويحمل على النادر.
ثانيا - عمق يصدر عن شاعر يخترع المعاني ويتغلغل فيها ويستوفيها .

مؤاخذة ابن جني الثانية على الشاعرتثير الكثير من الأستغراب لدى قارئها . اذ ما العيب في أن
يكون الشاعر عميق النفس ويبتكر الشيء الجديد ثم يستوفي ما قد ابتكر من معان جديدة ؟؟


آليات الأبداع في الشعر القديم // نماذج من أشعار أبي الطيب المتنبيء

كان وما زال الناس - ولا سيما النقاد والشعراء منهم - يبذلون الجهود المضنية دراسة وبحثا
وتقصيا لكشف كنه السر الكامن وراء سحر الأبداع الجمالي في شعر بعض الشعراء وخاصة ممن
شهر منهم. وما كان غريبا أن يختلف الباحثون في دراساتهم ووجهات نظرهم رغم اتفاقهم على
الكثير من الأمور. لقد اختلف بعضهم لا في تفسير كلمة وردت في أحد أبيات قصيدة شاعر ما,
بل واختلفوا في تقويم هذا البيت بالمقياس الجمالي. ففريق يحسب هذا البيت آية في الأبداع غير
المسبوق في حين عده آخرون من سقط المتاع.
وما دام شعر الشاعر أبي الطيب المتنبيء ( ماليء الدنيا وشاغل الناس ) هو موضوع دراستي بالدرجة الأولى فاني سأشير الى بعض المعايير التي استنبطتها من أشعار هذا الشاعر والتي ,
حسب رأيي وذائقتي, جعلت هذا البيت الشعري أو ذاك كشفا جديدا في عالم الأبداع . من هذه
المعايير :

أولا - لعبة الحروف

ان للمتنبيء قدرة فائقة على التلاعب ببعض حروف اللغة العربية بحيث تنقلب الجملة التامة الى جملة منفية والعكس بالعكس بمجرد تغيير بعض الحروف في البيت الشعري صدرا أو عجزا. سأورد الأمثلة الأتية للبرهنة على ما أريد أن أقول :

1- ما الذي عنده تدار المنايا
كالذي عنده تدار الشمول

فلقد تغير معنى البيت بشكل جذري بأبدال حرف الميم في أداة النفي ما ( ما الذي ) بحرف الكاف
( كالذي ) . انقلب النفي اثباتا . الفرق جد شاسع بين من يدير المنايا ( سيف الدولة الحمداني في حلب ) ومن تدار كؤوس الخمر لديه ( كافور الأخشيدي في فسطاط مصر). ولكي أجسد حالة الأنقلاب هذه التي بين فيها الشاعر الفرق الكبير بين حال أميرين يحكمان بلدين عربيين اسلاميين أرى أن أكتب البيت كما يلي :

ما الذي عنده تدار المنايا
كالذي عنده تدار الشمول

لقد قارن المتنبيء وبالمقياس الأسلامي بين سيف الدولة الحمداني بطل سوح الحروب مع الروم
وأمير مسلم آخر تدار الشمول في قصوره . والخمر محرم في الأسلام .
يجب أن لا ننسى الأثر الجميل الذي تركه على مجمل البيت تكرار ( الذي عنده تدار المنايا ) في
صدر وعجز البيت. ثم مقابلة لفظة ( المنايا ) حيث عالم الحروب والقتال وتقرير المصير بكلمة
( الشمول ) حيث عالم اللهو والخفة والطرب والمجون.

2- الأيقاع الداخلي للصوت الناجم عن ترادف حرف بعينه كما في البيت الأتي :

جرى دمعي وما الداعي سوى طلل
دعا فلباه قبل الركب والأبل

أقصد حرف العين الذي تكرر في هذا البيت ثلاث مرات في الكلمات (دمعي) و (الداعي) ثم
تافعل الماضي (دعا). آثار الأحبة تدعو المحب فيسرع الدمع منسكبا حتى قبل تجهيز ركب ومعدات السفر . ترى , وما الذي يتبقى عادة من الأطلال الدارسة ؟؟ الذكريات , أجل الذكريات !! ذكريات ما قد انمحى من ديار الأحبة هي كل ما تبقى لدى الشاعر. نعم, ذكرباتنا تشجينا وتبكينا.
وعراقنا هو ذكريات اطلالنا الباقية اليوم ولا من شيء سواها .

3- تكرار حرف العطف( الواو) ست مرات في البيت :

الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم

نلاحظ أولا أن في هذا البيت سبعة فواعل لفعل واحد ومفعول واحد فقط هما ( تعرفني ). وهذا الأمر غير مسبوق في العربية كما أحسب. ثم, لقد أعطى تكرار حرف العطف ( الواو ) لهذا البيت
قوة تماسك خارقة وغير مألوفة في عالم صياغة الجملة العربية. قوة التماسك هذه لا تسمح باسقاط أية مفردة في هذا البيت منه. وكل مفردة تحمل سمات وأوصافا معينة لا يتميز بها الا القلة من الرجال. فالشجاعة الشخصية في الشاعر والمقدرة على القتال والخبرة في جيد السيوف والرماح ومعرفة أصول وأنساب الخيول الأصيلة وحركة نجوم السماء وأفلاكها وأبراجها ومجراتها مما يحتاجه المدلج ليلا فضلا عن الدراية العميقة بطرق الصحارى وشعابها وأماكن آباروعيون الماء فيها . وسط هذه الموسوعة الراقية من المعارف والقدرات لم ينس الشاعر رسالته الصميمة في الحياة : الثقافة أدبا وشعرا. فماذا ترى يروم الرجال أكثر من ذلك ؟؟ يخيل لي وأنا أقرأ هذا البيت كأني أستعرض كتيبة أو جريدة من الخيول تعدو أمامي بأسرع ما يمكنها وهي في ميدان معركة حربية. صورة لا شك رائعة. ان معرفة وخبرة المتنبيء بطبائع وأصول الخيول لا تحتاج الى دليل. فلقد قارنها مرة بالأنسان اذ قال ( وما الخيل الا كالصديق قليلة ...) وبالغ في شدة عدوها وقابليتها على تحمل المشاق. بل وأضاف صفات أخرى للخيول لا يدركها الأنسان لأنها غائبة غير ظاهرة للعيان سماها ( الحسن المغيب ) . لنستمع لأبي الطيب :


وعيني الى أذني أغر كأنه
من الليل باق بين عينيه كوكب


شققت به الظلماء أدني عنانه
فيطغى وأرخيه مرارا فيلعب



وأصرع أي الوحش قفيته به
وأنزل عنه مثله حين أركب

وما الخيل الا كالصديق قليلة
وان كثرت في عين من لا يجرب


اذا لم تشاهد غير حسن شياتها
وأعضائها فالحسن عنك مغيب


4- ومن قصيدته التي قالها في الكوفة عام 353 وأرسلها الى سيف الدولة الحمداني في حلب :


ما لنا كلنا جو يا رسول
أنا أهوى وقلبك المتبول

كلما عاد من بعثت اليها
غار مني وخان فيما يقول

لقد استهل الشاعر هذه القصيدة ( وقد غناها مبدع المقام العراقي المرحوم يوسف عمر ) بالصوت السجعي ذي الرجع الجميل ( ما لنا كلنا ) ثم عاد فبدأ البيت التالي بكلمة ( كلما ) التي تشترك مع كلمة( كلنا) السابقة بحرفي الكاف واللام فضلا عن حرفي الميم والنون القريبين صوتيا من بعضهما. ثم الألف الممدودة. على أن أروع ما في عجز البيت الثاني هي قدرة الشاعر على توظيف الفعلين الثلاثيين (غار) و (خان) . فصوتا الحرفين الغين في الفعل غار والخاء في الفعل خان يصدران من مكان واحد في الحنجرة. ثم ان وضع هذين الفعلين في سياق التسلسل الزمكاني للكلمات يجعل هذا البيت واحدا من نوادر الفلتات الأبداعية لدى الشعراء. وفي هذا البيت عامل ابداعي آخر يمثله الفعل الثلاثي( عاد ) , فعل ثلاثي يتوسطه حرف الألف ... تماما كحالة الفعلين
ه مثله حين أركب
وما الخيل الا كالصديق قليلة
وان كثرت في عين من لا يجرب

اذا لم تشاهد غير حسن شياتها
وأعضائها فالحسن عنك مغيب


4- ومن قصيدته التي قالها في الكوفة عام 353 وأرسلها الى سيف الدولة الحمداني في حلب :

ما لنا كلنا جو يا رسول
أنا أهوى وقلبك المتبول

كلما عاد من بعثت اليها
غار مني وخان فيما يقول

لقد استهل الشاعر هذه القصيدة ( وقد غناها مبدع المقام العراقي المرحوم يوسف عمر ) بالصوت السجعي ذي الرجع الجميل ( ما لنا كلنا ) ثم عاد فبدأ البيت التالي بكلمة ( كلما ) التي تشترك مع كلمة( كلنا) السابقة بحرفي الكاف واللام فضلا عن حرفي الميم والنون القريبين صوتيا من بعضهما. ثم الألف الممدودة. على أن أروع ما في عجز البيت الثاني هي قدرة الشاعر على توظيف الفعلين الثلاثيين (غار) و (خان) . فصوتا الحرفين الغين في الفعل غار والخاء في الفعل خان يصدران من مكان واحد في الحنجرة. ثم ان وضع هذين الفعلين في سياق التسلسل الزمكاني للكلمات يجعل هذا البيت واحدا من نوادر الفلتات الأبداعية لدى الشعراء. وفي هذا البيت عامل ابداعي آخر يمثله الفعل الثلاثي( عاد ) , فعل ثلاثي يتوسطه حرف الألف ... تماما كحالة الفعلين
(غار) و ( خان) . هذا الفعل (عاد) يضيف الى البيت جمالا آخر بكونه يشكل أحد عنصري طباق جمع الفعلين المتعاكسين في اتجاه المسار الفضائي : (عاد) و (بعثت) حيث يكون الفعل عاد مشبعا بدواعي الخيبة جراء خيانة الرسول بتزويره لحقائق الأمور وقلبها رأسا على عقب. فالشاعر يتوقع
أن يأتيه رسوله لمن يحب بجيد الأخبار من مبادلة الود بالود والثبات على العهود. لكن هذا الرسول الخائن يغير الأمور مدعيا أن الطرف الآخر لا يبادل الشاعر هواه وأنه مشغول عنه بسواه وأن من الأجدر به أن يكف عن بعث البعوث وايفاد الرسل. فالخيبة هنا حصلت مع عودة الرسول راجعا, بينما كان الأمل ماضيا مع هذا الرسول في اتجاه الحركة المعاكس.

5- ومن الأمثلة الطريفة الأخرى على قدرة المتنبيء في استخدام الحروف البسيطة لأحداث تأثيرات صوتية أو نفسية ترفع من مستوى البيت الشعري ابداعا قوله :

بم التعلل لا أهل ولا وطن
ولا نديم ولا كأس ولا سكن

فلقد جاءت أداة النفي (لا) خمس مرات في هذا البيت كما تكرر التنوين خمس مرات , الأمر الذي لم أجده فيما أعرف من شعر أو لدى من قد عرفت من الشعراء.
ما الذي يتبقى للأنسان اذا ما فقد أهله ووطنه ومسكنه وأضحى بدون صديق يؤاسي ساعة الحزن أو ينادم ساعات الشراب واللهو ؟؟ ثم أليس من المحتمل أن المتنبيء كان قد قصد زوجه بكلمة (سكن) ؟؟

ثانيا - هندسة الصوت الفضائية

برع الشاعر أبو الطيب المتنبيء في رسم احداثيات فضائية تجريدية لأصوات نسمعها ولا نراها.
لقد استطعت أن أشخص النماذج الأتية من هذه التصاميم الفراغية البالغة الروعة. وما لم أشخصه
بعد قد يفوق الحصر. أعود الى القصيدة التي كتبها في الكوفة عام 353 الهجري وأرسلها الى أميرحلب سيف الدولة الحمداني حيث قال :

1- ما لنا كلنا جو يا رسول
أنا أهوى وقلبك المتبول


نحن أدرى وقد سألنا بنجد
أقصير طريقنا أم يطول

فلو تتبعنا الحروف وبعض مقاطع الكلمات في هذين البيتين لرأينا أمامنا خطوطا مستقيمة شاقولية
تقع في الفضاء عمودية على سطح الورقة. أعني الكلمات ( لنا ) و ( كلنا ) و ( أهوى ) ثم
( أدرى ) و ( سألنا ) وأخيرا ( طريقنا ) . تتجه هذه الكلمات بنهاياتها الى الأعلى بالألف الممدوده أو الألف المقصورة راسمة خطوطا مستقيمة تتقاطع بنقطة واحدة مع مستوى الأرض التي يقف القاريء عليها.

2- النموذج الثاني يتمثل بخطوط أفقية متوازية قد تكون مختلفة في اتجاه حركتها , أي متعاكسة الأتجاه : حركة تتجه من الغرب الى الشرق والأخرى من الشرق الى الغرب مثلا. ففي البيت الذي يقول :

كلما عاد من بعثت اليها
غار مني وخان فيما يقول


نجد في الفعل ( عاد ) متجها فيزيائيا معاكسا لحركة الفعل الآخر ( بعثت ) . فهما أضداد لغويا وحركيا . مثال آخر في البيت الأتي :

3- أزورهم وسواد الليل يشفع لي
وأنثني وبياض الصبح يغري بي


هنا كذلك نكتشف الضدين حركة ومعنى : ( أزورهم ) و ( أنثني ) . الرواح ثم المجيء.

4- تقاطع خط عمودي مع خط أفقي. ففي البيت :

كم زورة لك في الأعراب خافية
أدهى وقد رقدوا من زورة الذيب

نرى بناء فضائيا لا أروع منه ولا أبلغ. فبعد أن قال الشاعر ( أدهى ) المنتهية بالألف المقصورة التي تتجه دوما الى الأعلى فتأخذ القاريء معها صعدا بخط مستقيم نحو السماء... , عاد الشاعر ليقول ( وقد رقدوا ) ورقاد البشر يتخذ عادة وضع الأمتداد ( أو التمدد أو الأضطجاع ) الأفقي. فهنا نكتشف تقاطعا فضائيا بين خطين أو مستويين متعامدين أحدهما شاقولي ( أدهى ) والآخر أفقي
( وقد رقدوا ) . فهذا البناء وأمثاله يدخلنا في صميم عالم الأبداع الساحر والأخاذ. هذا العالم لا يبرع فيه الا فنان فذ ومهندس خبير بعلم الأصوات ولغوي عبقري يعرف تأثير السحر في كيفية نطق حروف لغته وطرائق تمددها الفضائي في الجهات الست . ان القدرة على التحكم في وضع الحروف في الكلمة ووضع الكلمة في سياق الجملة فن قائم بذاته لا يحسنه الا القلة من المبدعين في عالم الشعر. وضع الحروف في الكلمة ووضع الكلمة في البيت لها علاقة وثقى بالحالة النفسية للشاعر وتستجيب لمتطلبات غامضة راسخة في أعماق عالمه الداخلي. وبهذا يتميز الشعراء عن بعضهم : مدى وعمق الأنسجام والأستجابة لعالم الشاعر الداخلي والجرأة والأمانة في التعبير عنه . والأمر يحتاج الى الكثير من الجهد والمكابدة والمعاناة مع الحروف والكلمات من جهة ( اللغة ) ومع العالمين الداخلي والخارجي من الجهة الثانية.

ثالثا - القلب والأبدال

ابدال الحروف ظاهرة معروفة في عالم اللغة العربية منذ أقدم العصور (3) . وفي الوقت الراهن أعرف بعض الناس في جنوب العراق يقلبون حرف الجيم ياء فيقولون ( يبار ) بدل ( جبار ). كما يقلبون حرف الغين قافا فيقولون ( قناء ) بدل ( غناء ) ويقولون ( بندغية ) بدل ( بندقية ) . أو أن يقلبون الهمزة فيتلفظونها عينا , فالهيئة في ألسنتهم تغدو ( هيعة ) . أما أهل الكويت فانهم على وجه الأطلاق يقلبون حرف القاف الى غين والغين الى قاف , فالغناء يصبح قناء والقمة تصبح
غمة وهكذا . ثم ألا يقلب الأخوة المصريون حرف الجيم الى الصوت غير العربي ( كيم ) وحرف القاف الى ( آ ) فيقولون ( آل لي ) بدل ( قل لي ) ؟؟ ثم انهم يبدلون السياق الزمكاني لبعض الحروف في بعض الكلمات فيقولون ( كوزتي ) بدل ( زوجتي ) ويقولون ( يتحرأ بيتك ) بدل
( يحترق بيتك ) ؟؟ وفي ليبيا يقولون ( زوز أنفاص ) ويقصدون ( زوج أنصاف ) والأمثلة تكاد أن تفوق الحصر. يتفاوت لفظ حرف القاف في العراق تفاوتف كبيرا حسب المناطق والمدن . فالقار تلفظ ( قير ) حينا وتلفظ ( جير ) أو ( كير ) أحيانا أخرى . كذلك كلمة قدر, فهي ( جدر ) تارة
و ( كدر ) تارة اخرى.
ولأسباب ثقافية وبيئية وربما عرقية برع الشاعر المغربي مصطفى غلمان وأكثر من التعاطي مع هذه الظاهرة (4) . أما شاعرنا أبو الطيب المتنبيء فقد كان شديد الحذر مع ظاهرة القلب والأبدال. لقد مارس القلب والأبدال مرات قليلة فقط (5). ومع ذلك لامه بعض النقاد والباحثين. أمثلة من شعر المتنبيء :

1- لقد وجدت - خلاف هؤلاء النقاد - أن القلب الذي مارسه المتنبيء في بيته :

وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه
بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه


ابدالا جميلا فيه الكثير من الجدة والأيحاء . فلقد قال ( طاسمه ) بدل ( طامسه ) . قد أجد الطاسم أبلغ وأحلى وقعا على الأذن من ( الطامس )المألوفة التي يتداولها الناس بكرة وفي العشي (6).
انما يطمح الأنسان لسماع الجديد والطريف والمثير للدهشة. كان القاضي عبد العزيز الجرجاني قد عاب على المتنبيء هذا البيت (7) رغم حميمية دفوعه المعروفة عنه .

2- أما في البيت :

غلت الذي حسب العشور بآية
ترتيلك السورات من آياتها


فقد أبدل حرف الطاء في الفعل الماضي ( غلط ) بحرف التاء ليصبح الفعل ( غلت ). برر
(( الوحيد الأزدي )) (5) هذا الأبدال بأن ( الغلت والغلط واحد وهما لغتان أبدل قوم التاء طاء لقرب مخرجهما ). لم يخرج المتنبيء اذن عن قواعد وقوانين اللغة العربية التي يفهم أدق أسرارها وتفاوت طرق تلفظ حروفها , فالعرب قبائل شتى ولهجات كذلك شتى شديدة التنوع .
أما ظاهرة القلب فانها في الأساس نتيجة لأتباع أسلوب التقديم والتأخير والتضمين أو الفصل بين الفعل والفاعل وبين المضاف والمضاف اليه وما شابه ذلك من أنماط الفصل في سياق مفردات الجملة التامة. هناك كذلك ظاهرة قلب المعاني التي يمارسها بعض الشعراء اذ يقولون شيئا ويقصدون به ضديد معنى هذا الشيء. لم أجد في هذا النوع من القلب أي شيء يمت للأبداع بصلة. لم أجد فيه جمالا فنيا ولا أية فرصة لأثارة الدهشة والأستظراف . مع ذلك سوغ وبرر بعض النقاد هذا الضرب من آليات التصرف في فنون الشعر لأختراع الغريب والأتيان بالشيء غير المألوف في شعر العرب.
أسوق بعض الأمثلة على تقنيات أو آليات قلب المعاني في شعر أبي الطيب :

3- حملت اليه من ثنائي حديقة
سقاها الحجى سقي الرياض السحائب

واضح أن المنطق اللغوي لسياق عجز هذا البيت يجب أن يكون ( سقاها الحجى سقي السحائب للرياض). هنا فصل الشاعر المضاف عن المضاف اليه بالمفعول به (8).

رابعا - التقديم والتأخير

سأورد بعض الأمثلة على أسلوب المتنبيء الناجح في التقديم والتأخير :

1- وعذلت أهل العشق حتى ذقته
فعجبت كيف يموت من لا يعشق

حسب نقاد المتنبيء أن الشاعر قد أخطأ في معنى هذا البيت (9) . غيرأني وجدتهم على شطط من الأمر. لقد افتروا على الرجل جهلا أو حقدا عامدين. غاية ما في الأمر أن المتنبيء قد تلاعب كعادته مشاكسا فغير السياق الزمكاني لأداة النفي (لا) في البيت كيما يشوش عقول نقاده وحساده ويجعلهم في حيرة من أمرهم واضطراب بحيث يسرفون في التخبط ويتمادون في العمى ثم لا يهتدون. كان هذا هو دأب الرجل على ما يبدو. تفسير البيت كما أراده قائله انما يستقيم باعادة تثبيت وضع أداة النفي (لا) في المكان الذي يستجيب الى , ويستقيم مع تسلسل أحكام منطق الجملة العربية الذي قد ألفنا منذ ألاف السنين . روح اللغة العربية تفرض على هذا البيت التسلسل المنطقي التالي :
فعجبت كيف (( لا يموت )) من يعشق
بدل فعجبت كيف (( يموت )) من لا يعشق
قد لا نشتط كثيرا ان غامرنا بالقول ان المتنبيء كان في هذا البيت وأمثاله قد سبق زمانه بعشرات القرون فتمكن من وضع الأساس الأول لقصيدة نثر زمننا المعاصر مكتشفا سحر تأثير آليات التلغيز السوريالي والتقديم والتأخير والتلاعب في أماكن الحروف في الكلمات وأماكن الكلمات في الجمل . أي أنه التزم هنا حرفيا بالقاعدة الثورية في عالم الشعر التي وضعها المفكر المبدع القاضي عبد العزيز الجرجاني ونصها ( 10 ) : -

(( اللفظ في الشعر ليس خادما للمعنى )).

هذا الكلام يتناقض بشكل صارخ مع بعض مقدسات وأسس النقد القديمة التي كانت تؤكد على ضرورة أن يعبر الكلام في الأدب والشعر بدقة عن مقتضى الحال . أن يراعي مقتضى الحال. لقد فصل القاضي الجرجاني اللفظ عن المعنى الذي يمكن أن يؤديه . أي وفي التطبيق العملي أن اللفظ الواحد قد يؤدي معاني شتى مختلفة . اللفظ محدود لكن المعاني ليست محدودة. اللفظ جامد لكن المعاني لانهائية . وهذا ما نلمسه اليوم في أشعار شعراء قصائد النثر : اللفظ في واد والمعنى في
واد آخر , لا جسر يربط بينهما من منطق أو قاعدة أو عرف أو عادة وتقليد.
هذه في نظري هي الثورة الكبرى الثانية في عالمي اللغة والشعر بعد الثورة الأولى التي نادت بعزل الشعر عن الدين والأخلاق والتي نادى بها الأمير الشاعر عبد الله بن المعتز كما سبق وأن رأينا في مطلع هذه الدراسة.
لقد فصل الجرجاني اذن بين الكلمة ومدلولها فوضع بذلك الأساس النظري والعملي الذي أراد به
حل المعضلة الكبرى في عالم الشعر والأبداع الشعري التي كانت وما زالت قائمة حول طبيعة العلاقة بين اللفظ والمعنى : من هو الأول ومن هو الثاني ؟؟ من يخدم من ؟؟ هل للغة منطق فلسفي أزلي لا يمكن تغييره أو تجاوزه أو الألتفاف عليه ؟؟ ولماذا يسبق الفعل الفاعل وهذا يسبق المفعول ؟؟
لقد قرر هذا الناقد الفذ القاضي الجرجاني أن ( 10 ) : -

(( البديع بديع والفكر فكر وهما بمعزل عن الشعر لأن له كيانا قائما بذاته )) .

ألم يقل منظرو السوريالية الفرنسيون الأوائل وشعراؤها الكبار أراغون وبريتون وفاليري وسواهم في عشرينيات القرن الماضي ( القرن العشرين ) أن الشعر ضد المنطق وضد العقل ؟؟ أليست قصيد النثر المعاصرة سوريالية مبنى ومعنى ؟؟ وهذا الأمر لا ينكره أصحابها بل ويفخرون به
ويعتزون .
لم تنجح مقولة عبد العزيز الجرجاني (( اللفظ في الشعر ليس خادما للمعنى )) في التطبيق العملي للأسف الشديد الا بعد مرور ما يقرب من اثني عشر قرنا من الزمان .

عود الى آليات الأبداع في شعر المتنبيء , ومنها تقنية التقديم والتأخير. لنأخذ البيت التالي مثالا :

2 - بقائي شاء ليس هم ارتحالا
وحسن الصبر زموا لا الجمالا


لقد أساء المفسرون تفسير هذا البيت الرائع اذ قالوا (( فكلمة شاء تأتي بمعنى السبق , أي بقائي سبق ارتحالهم . وتأتي بمعنى أراد من المشيئة وهي الأرادة )). ( المصدر الخامس والمراجع التي اعتمدها الباحث في هذا المصدر ). مؤدى تفسيرهم هو أن الشاعر من كان قد قرر وعزم على البقاء , وأن من أزمع على الرحيل هم الأحباب . تفسير البيت حسب اجتهادي يخالف هذا التفسير ومؤداه أن الذي قرر الرحيل انما هو الشاعر وليس أحبابه . الشاعر مرتحل والأعزة باقون . ولدي على ذلك دليلان :
- شاء بقائي الأرتحال وليس هم الذين شاءوا. لم يقل الشاعر أنا شئت أن أرتحل لأن ( أنا ) محدودة وتشكل جزءا من كينونة ووجود وبقاء الأنسان , أي جزءا من ( بقائي ). ( فبقائي ) تعني
أنا الأنسان الواقف أمامك زائدا المكان الذي أشغله لحظة تراني أمامك , زائدا الشارع والمدينة التي أحيا فيها . ف كلمة ( بقائي ) في هذا الموضع من بيت الشعر أشمل بكثير من الضمير
( أنا ). بقائي هو وجودي البشري الحي الذي لا يتغير حسب مقتضيات الحركة الأنتقالية مضافا
اليه وجودي المكاني الثابت الذي لا يتغير الا بتغير مشيئتي وظروف حياتي المنوعة.
- أما الدليل الثاني فهو أوضح من الشمس في رابعة النهار : هم الذين زموا حسن الصبر وأنا الذي عليه أن يزم الجمال تأهبا للفراق. فعلى الذي يفارق ويغادر أن يجهز الركب ويعد عدة السفر وأن
( يزم الجمالا ) أي أن يضع الأزمة ( جمع زمام ) في رؤوس وسائط سفره ( الجمال ) سفائن الفيافي والقفار. فحسن الصبر زموا لا الجمالا .

هذا هو أسلوب المتنبيء في التعبير بالخطوط غير المستقيمة التي تزيد في الطاقة التعتيمية لفنه الشعري بحيث لا يقر له قرار الا اذا استفز القاريء وأضطره الى المزيد من التفكير والأجتهاد
سالكا طريق التقديم والتأخير في الكثير من الأحيان. انه يخلق الدهشة والحيرة ويجبر قارئه على أن يغوص في أعمق درجات التفكير . انه شاغل الناس وماليء الدنيا. شغل الناس بشعره أكثر مما شغلهم بشخصه.

وثمة مثال آخر على قدرة المتنبيء الرائعة في توظيف أسلوب التقديم والتأخير لفرض الدهشة
والأغراب لدى قاريء شعره :

3- أنى يكون أبا البرية آدم
وأبوك والثقلان أنت محمد


قد أجد من المناسب أن أورد هنا تعليق (( ابن فورجة )) (5) على هذا البيت اذ قال :

(( في اللفظ تقديم وتأخير , تقديره كيف يكون أبا البرية آدم وأبوك محمد وأنت الثقلان )). واضح
أن البيت لا يستقيم وزنا وعروضا وقافية الا بالشكل الذي صاغه المتنبيء. ولنعم الصياغة الجسورة ولنعم الأبتكار الذي هو قمة الأبداع الفني. لقد أصر الشاعر على أن يأتي بفكرة معينة
جهز لها الألفاظ المطلوبة لكنه اكتشف ساعة التنفيذ أن التعبير الخطي المستقيم الذي يطاوع دواعي
تسلسل منطق وقواعد العربية لا يستجيب لدواعي وزن وقافية البيت والقصيدة , فضحى بالمنطق اللغوي وغامر وقدم وأخر فجاءت النتيجة مغامرة ناجحة وأتت ببيت من الشعر النادر. اني لا أمل من تكرار قراءة عجز هذا البيت مع نفسي همسا تارة وجهرا تارة أخرى اذ أرى فيه سحرا يتضاعف مرارا واطرادا مع كل قراءة للبيت جديدة. (( وأبوك والثقلان أنت محمد )). يا سلام !!
أليس الشعر ضد المنطق والعقل ؟؟

خامسا - الطباق أو جمع النقيضين

ليس حتما أن يكون الطباق ( وهو مقابلة الشيء مع ضده ) في بيت الشعر ناجحا أو حافلا بالأبداع
أو موحيا أو مشعا. وليس كل من جربه من الشعراء أصاب النجاح الفني المأمول. كما أنه لم يكن أصلا مقبولا وبشكل مطلق من لدن نقاد الشعر القدامى كافة. ولا اخال أن الذوق العام في هذا اليوم
مجمع على استحسانه أو حسبانه ركنا من أركان الأبداع. هذا صحيح ولكن الصحيح أيضا أن الشعر العربي لم يعرف شاعرا كالمتنبيء امتلك ناصية القدرة العجيبة على توظيف الطباق في شعره وعلى جمع عدد من أزواج المتناقضات في البيت الواحد. فمنها الطباق البسيط ومنها المركب بل ومنها الشديد التركيب. الطباق البسيط ( زوج واحد من النقائض في بيت واحد من الشعر ) لا حصر له في ديوان المتنبيء. أما الطباق المركب فأقصد به ذكر زوجين أو ثلاثة أو أربعة أزواج من الأضداد في بيت واحد. من أمثلة الطباق البسيط :

ومن خبر الغواني فالغواني
ضياء في بواطنه ظلام

هنا جمع الشاعر النقيضين الضياء والظلام فأتهمه بعض خصومه بالمانوية والمجوسية. وفي بيت آخر قال :

أمن ازديارك في الدجى الرقباء
اذ حيث أنت من الظلام ضياء


وهنا جمع مرة أخرى بين الظلام ونقيضه الضياء. فهل يجتمع يا ترى الليل والنهار في لحظة واحدة؟؟ وكيف اجتماع النور والظلمة ؟؟
وجدت سحرا غريبا في بيت الشاعر البحتري من قصيدة يصف فيها مبارزة الفتح ابن خاقان
, وزير الخليفة العباسي المتوكل , لأسد . يقول البيت :

فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا
وأقدم لما لم يجد عنك مهربا


سأعيد كتابة هذا البيت كيما تسهل المقابلة والمقارنة :

فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا
وأقدم لما لم يجد عنك مهربا

لقد جمع البحتري في هذا البيت الأحجام ونقيضه الأقدام معا بصيغة فعلين رباعيين للماضي
( أحجم وأقدم ) وكلاهما ينتهي بحرف الميم . استهل صدر البيت بالفعل أحجم كما استهل عجز
البيت بالفعل أقدم . كما أنه كرر مقطعا كاملا مكونا من ثلاث كلمات هي ( لما لم يجد ) في صدر
وفي عجز البيت شغلت ذات المكان في مسلسل وضع الألفاظ في البيت فجاءت مباشرة بعد فعلي الأحجام والأقدام . كأنه أراد أن يقول لنا أن هذين الفعلين قدران مفروضان على الأسد ولا راد لحكم الأقدار.
استخدم الشاعر حرفي الجر في وعن ( فيك وعنك ) وأخيرا قابل وجها لوجه المطمع والمهرب وفي كل منها خمسة حروف فقط. أضيف أمرا آخر غاية في الغرابة ... هو أن كلا من الصدر والعجزمكون من ست كلمات في كل منهما 21 حرفا فقط !! ولنتأكد من ذلك بحساب عدد هذه الحروف.
رجل شجاع يصارع أسدا لا يقل عنه شجاعة. لقد نجح الشاعر أيما نجاح في رصد وتصوير لحظات التوتر ساعة المبارزة. لم يتكلم عن الرجل المبارز لكن وضعه في وسط اللوحة المفعمة
بالتوتر والقلق فوصف حال الأسد في تلكم اللحطات التي سيتقرر فيها مصيره المحتوم سلفا : القتل.
لم يجد الحيوان الشجاع ضعفا في خصمه المبارز فقرر التراجع وترك معركة لا مغنم فيها ولا من ربح. لكنه لم يجد في هذا التراجع ضمانا لسلامته وبقائه حيا اذ كانت جنود الخليفة المدججة بالسلاح تحيط به من كل جانب حوط الطوق بالرقبة ... كما كانت تقضي شروط تسلية الخليفة يومذاك. موته محقق اذن سواء قاتل أم لم يقاتل فلم لا يموت شجاعا مقاتلا وقد قال المتنبيء فيما بعد :
فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم

لقد صمم الأسد على خوض المعركة الخاسرة حيث لا مكان للمساومة أو التراجع جبنا وخورا .
وخلاف ذلك فسوف لن يسميه الناس بعد اليوم أسدا وسوف لن يستحق هذا الأسم لا هو ولا أحفاده القادمون. وأقدم لما لم يجد عنك مهربا . أقدم لما لم يجد عنك مهربا .

أما نماذج الجمع المركب لأزواج المتناقضات فنجدها مثلا في ما يأتي من أبيات :

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

نجد هنا ثلاثة أزواج من الأضداد هي :

ذو العقل -- ---أخو الجهالة
الفعل يشقى ---- الفعل ينعم
النعيم ---- --- الشقاوة

أما في البيت الأتي فنجد أربعة أزواج من المتناقضات جمعها المتنبيء في بيت واحد الأمر الذي لم
يسبقه أو يلحقه فيه أحد من الشعراء خلا الشاعر الذي عاصره أبو فراس الحمداني كما سنرى
لاحقا :

أزورهم وسواد الليل يشفع لي
وأنثني وبياض الصبح يغري بي


تعالوا نعدد ونقابل النقائض مع بعضها :

1- أزورهم --- أنثني
2- سواد --- بياض
3- الليل --- الصبح
4- يشفع لي --- يغري بي

ولطه حسين رأي خاص في هذا البيت فقد قال (11) :

(( والقدماء يعجبون أشد الأعجاب بهذا البيت. وربما كنت رديء الذوق ولكني أحب أن أعجب بهذا البيت فلا أظفر بما أريد من الأعجاب الخالص الذي لا يشعر به نقد ولا عيب. فما الذي يعجب في هذا البيت ؟؟ هو هذا الطباق الكثير المتتابع الذي يحدث موسيقى ظاهرة التأثير في النفس. فالشاعر يطابق بين الزيارة والأنثناء عنها, وهو يطابق بين السواد والبياض, وبين الليل والصبح, وبين الشفاعة له والأغراء به. وبعض هذا الطباق يكفي لأرضاء المشغوفين بالبديع وهذا الطباق نفسه قد يرضيني )). لكن طه حسين لا يود أن يترك المتنبيء ولا هذا البيت الرائع أن يمرا بسلام. فقد وجد عيبا في قافية البيت فأستأنف قائلا :
(( لولا أني أجد في القافية انحدارا ثقيلا على السمع أشد الثقل )).
خلاصة رأي طه حسين أنك لو سكنت حرف الياء في " بي " كما يقتضي الوزن وحكم القوافي في هذه القصيدة (( فقد أفسدت النطق وأسأت الى الصوت اللغوي نفسه )). وان حركته وجعلته منصوبا مفعولا به للفعل تغري (( صح لك النطق اللغوي ونبت القافية نبوا شنيعا )). الرجل مصيب في هذه المسألة ولكن للضرورات الشعرية أحكامها التي قد تجيز ما لا يجوز... أحيانا.
والمتنبيء ليس أول شاعر تصرف بقواعد اللغة كما يعلم قبل غيره عميد الأدب العربي المرحوم
طه حسين.

أما بيت الشاعر أبو فراس الحمداني الذي جمع فيه أزواجا أربعة من الأضداد فانه أحد أبيات قصيدته الشهيرة التي قالها أيام أن كان أسيرا لدى الروم , وقد غناها الفنان العراقي المرحوم ناظم الغزالي . البيت هو :

أيضحك مأسور وتبكي طليقة
ويفرح محزون ويندب سالي

فلدى اجراء المقابلة بين الصدر والعجز نرى شكل تتابع المتضادات واحدة بواحدة :

أيضحك مأسور وتبكي طليقة
ويفرح محزون ويندب سالي

وهكذا استطاع هذا الشاعر أن يجمع الكثير من أزواج النقائض في بيت واحد لكنه مع ذلك لم يستطع أن يحقق في هذا البيت ما كان قد حققه المتنبيء من ابداع في بيته سالف الذكر ( أزورهم
وسواد الليل ... ) . الفرق بين هذين البيتين جد شاسع. لعل الحركة المتعاكسة الأتجاه في بيت المتنبيء ( أزورهم ... وأنثني ... ) هى ما أضاف من تفرد وجمال ساحر الى هذا البيت. ثم الليل وما فيه من غموض ومخاطرات وما يوفر للشاعر من ستر وغطاء لكي يزور من يحب سرا. يقابله نقيضه الصبح وما يحمل من كشف وفضيحة وهتك للأسرار. هنا مغامرة وترقب وحذر شديد وتوتر بالغ . بينما لا نجد أية حركة في بيت أبي فراس الحمداني. وليس هناك من تربص وتوتر أعصاب
أو خطر على حياة الشاعر. شاعر أمير مترف مأسور لدى العدو يخاطب حمامة تهدل فوق الغصون
ويتمنى أن لو يستطيع البكاء لكن دمعه عصي على العيون ( لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة ...
ولكن دمعي في الحوادث غالي ). الفرق جد شاسع بين البيتين.

سادسا - ملاحظات ختامية

1- اذا كنت قد بدأت دراستي هذه بتعريف أفلاطون للشعر فحري بي أن أنهيها بتعريف الناقد والمفكر الفذ عبد العزيز الجرجاني المتوفي عام 392 الهجري . قال هذا الرجل ( 12 ) تحت عنوان " الطبع والشاعر المطبوع " :
(( الشعر علم من علوم العرب يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء ثم تكون الدربة مادة له وقوة لكل
واحد من أسبابه. فمن اجتمعت له هذه الخصال فهو المحسن المبرز وبقدر نصيبه منها تكون مرتبته
من الأحسان )) .
لقد حدد الجرجاني الشروط الواجب توفرها في الشعر كيما يكون شعرا فوضع الطبع في رأس قائمة الشروط الأربعة ( الطبع والرواية فالذكاء والدربة ). الرواية تعني من بين جملة ما قد تعني الأكثار من قراءة وحفظ الشعر وربما ترديده مع النفس بل وأمام الآخرين. أما الذكاء فانه فطرة في الناس منذ مولدهم ولا سبيل لأصطناعه. أخيرا يأتي دور التدريب المستمر على ممارسة نظم الشعر وتقريضه. لم يذكر الرجل الوزن والقافية ولا البيان والبديع شروطا لجودة الشعر وأصالة الشاعر وتلك مسألة لعمري تسترعي الأنتباه . كان الرجل كالجاحظ كثير التوكيد على الطبع. ولقد أكثر من تكرير هذا الأمر ( 12 ) حتى قال :

(( سلامة اللفظ تتبع سلامة الطبع ))

كما أنه قد حض على ( 13 ) :

(( ترك التكلف ورفض التعمل والأسترسال للطبع )) .

2- قلت عن لغة الشعر الشيء القليل. فالأمر أكبر وأجل من أن يحيط به فرد واحد مثلي. وما دراستي الحالية الا محاولة متواضعة لكنها على ما أحسب جديدة لقراءة وتفسير جانب من أساليب ( آليات أو تقنيات أو فنون ) الأبداع والوقوف على أسرار جوهره في التراث الشعري القديم مستخدما بعض الأدوات العصرية. فالذوق البشري كما هو معلوم يتبدل بتبدل الحقب والأطوار والعصور. ولقد رأيت وأنا أعيد قراءة الشعر القديم أن لا بد من اعادة النظر في دراسة وتقويم هذا الشعر وفق أسس جديدة لأبراز ما فيه من ابداع حسب ما تقتضيه مقاييس العصر الراهن وما استجد من مدارس ومذاهب أدبية وشعرية حديثة. وانها لمحاولة متواضعة جديدة كما أسلفت القول لقراءة
وفهم الشعر القديم لغة وأسلوبا وابداعا آملا أن يتابع هذا الموضوع الجليل سواي من عشاق الشعر
وقائليه وناقديه.
3- لما كنت قد اتخذت من شعر المتنبيء أساسا لدراسة آليات الأبداع في الشعر, فلقد كان التركيز
الأكبر عليه بحيث أني لم أتطرق الى ذكر سواه من فحول الشعراء ممن نعرف الا قليلا. فمثل هذه الدراسة لا تحتمل المقارنات المستفيضة ما دام الهم الأول هو ابراز النماذج المتميزة في الشعر
العربي السابق. دراسة أخرى تأخذ على عاتقها محاولات اكتشاف ودراسة عناصر الأبداع في شعر
شعراء آخرين ستكون دونما أدنى ريب موضع اهتمام وترحيب الجميع.
4- كما أني لا أدعي ولا يمكن أن أدعي أني قد أحطت بكافة عناصر الأبداع في شعر المتنبيء.
شعوري الشخصي والخاص هو أن قد فاتني الكثير. كما أني لا أتجاسر على القول بأني ألممت بكافة جوانب هذه الدراسة. فالشعر بحر واللغة محيطات ويبقى الفرد الواحد أبدا فردا واحدا مغلوبا
على أمره وهو يجرب السباحة ضد تيارات البحار.
5- لما كانت قصيدة النثر تمثل عالما مستقلا تمام الأستقلال ولا من علاقة تربطها بشعر بحور
الخليل بن أحمد الفراهيدي ولا بقصيدة الشعر الحر ( شعر التفعيلة الواحدة ) ... اقتضى الأمر أن
اقوم بدراسات منوعة لشاعرين من شعراء قصيدة النثر نشرت في المغرب وفي لندن ومن ثم
ظهرت في كتابي الموسوم ( نقد وشعر وقص ) الذي طبع أوائل هذا العام في القاهرة ونشر من قبل
( مركز الحضارة العربية ) .

المصادر -
1- مقالة " الشعر" ترجمة عابد اسماعيل. مجلة " ألواح " الصادرة في مدريد / العدد العاشر
2001 , الصفحة 120.
2- محي الدين صبحي. ( من كتاب الوساطة بين المتنبيء وخصومه ). منشورات وزارة الثقافة
والأرشاد القومي . دمشق 1978.
3- د. ابراهيم أنيس ( من أسرار اللغة ) . الطبعة السابعة 1994. مكتبة الأنجلو المصرية.
القاهرة / الصفحات 69 - 83 .
4- دراستي عن ديوان ( خاتمة لذبيب الوشي ) للشاعر المغربي مصطفى غلمان المنشورة في
صحيفة " الصحراء المغربية " العدد 3959 الصادرة يوم الأثنين 22 من نوفمبر 1999.
5- د. محسن غياض عجيل. مجلة " العرب " الصادرة عن دار اليمامة في الرياض - المملكة
العربية السعودية - للسنة 2000 . الصفحات 47 - 58 .
6- طه حسين . " من تأريخ الأدب العربي " / الجزء الثالث . دار العلم للملايين . الطبعة
الثالثة , فبراير 1980 . الصفحة 183 .
7- المصدر (2) الصفحات 392 - 393 .
8- المصدر (2) الصفحة 271 .
9- المصدر (2) الصفحة 279 .
10 - المصدر (2) الصفحة 228 .
11- المصدر السادس , الصفحات 285 - 286 .
12- المصدر (2) الصفحة 201 .
13-








رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,386,148,973
- الأوزون ... درع الأرض الهش
- رسالة لعدنان الظاهر من محمد علي محيي الدين
- التلوث والبيئة / الزئبق
- ليزا والقاص جلال نعيم حسن
- عامر الصافي والمناضل القتيل الحاج بشير
- البايولوجيا الإشعاعية ومخاطر الإشعاع / لمناسبة إسقاط القنبلة ...
- مشاكل ومخاطر محطات توليد الطاقة
- لوركا والبياتي / في ذكرى رحيل الشاعر
- شعراء ثلاثة : أديب وحسين وعبد الهادي
- المتنبي في أمريكا
- المتنبي في موسكو
- وشم عقارب ... ديوان شعر للشاعرة ورود الموسوي
- ألكترا تقتل أباها
- ليس دفاعاً عن سعدي يوسف / سعدي والإحتلال وعزرا باوند
- المتنبي و ( شوكار ) جارية شجرة الدرّ رومانس المتنبي
- بيان إلى المثقفين العراقيين كافة ً ...
- إلى الدكتور قاسم حسين صالح / حول مجلس عمان
- المتنبي وبعض الثائرين / الجزء الثالث
- المتنبي و المغولي بوقا تيمور في الحلة
- رواية المسرات والأوجاع لفؤاد التكرلي / الجزء الثاني


المزيد.....


- دلالات الشهور / محمد بوغابة
- ديناميكية البعد الرابع في معادلة الفن الثامن / سرمد السرمدي
- موجة صباحية / بولس ادم
- النفس....الخادمة_ثرثرة / حسين عجيب
- الكتابة مابين اللذة والنار / جمال المظفر
- بيني .. وبينك / أمل فؤاد عبيد
- كاسب كار / ابراهيم الخياط
- سينما بلا هواجس / هويدا طه
- أغنية تحت أمطار أبابيلية / نمر سعدي
- الأدب والسياسة .. جدلية الشعور وتقلبات الدهور / نضير الخزرجي


المزيد.....

- بالصور.. كرنفال لفنون الإيقاع يفتتح «مهرجان الطبول من أجل ال ...
- حوار مفتوح مع الناقدة الجزائرية :هداية مرزق
- أزمة في وزارة الثقافة بسبب اقتراح ضم المراكز القومية لـ «أك ...
- الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية: مراحل هامة في مسارها ...
- كافاني يهدي باريس رابع ألقابه بكأس الرابطة
- الفن القطري المعاصر في معرض بسلطنة عمان
- آية الله خامنئي:الهياكل الفكرية لمعاهدات دولية تدمر المجتمع ...
- بايرن يستعيد توازنه ودورتموند يعزز وصافته
- مرور 25 عامًا على فتوى الخميني ضد رشدي -
- -سماءٌ ترتّب أحلامها- ديوان عادل جلال -


المزيد.....

- الانسانوي / احمد داؤود
- نبتة يدي غابة شوكية / كريم ناصر
- كعائد إلى أزقة البلاد / عبد الكريم كاظم
- مضاد ألم / خالد عبد الزهرة
- أحاديث عن الغولة الأعمال الكاملة / محمد حسين يونس
- فى نقد الشعر العربى المعاصر - دراسة جمالية / أ.د. رمضان الصباغ
- أحزان أستير / مصطفى يونس
- ما وراء الجدار / مصطفى يونس
- وصول غودو النص الكامل النهائي / أفنان القاسم
- رسائل من روزا لوكسمبورغ / روزا لوكسمبورغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان الظاهر - آليات الإبداع في الشعر / المتنبي نموذجاً