أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - المنصور جعفر - شذرات















المزيد.....



شذرات


المنصور جعفر
الحوار المتمدن-العدد: 2003 - 2007 / 8 / 10 - 07:37
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


هذا مقال بسيط في كينونة جدل الثقافة والمثقف يتناول بعض جوانب الجدل التاريخي القديم حول الطبيعة الإجتماعية لتكون ووجود الثقافة والمثقف، وبعض جدليات اتكونهما في الحضارات الشرقية والأوربية وفي العالم الحديث، ملا حظاً إنبساط المعاني بذلك وإنقباضها وفقاً لظروف طبقية وإقتصادية سياسية واضحة.



1- في تكوين المجتمع والثقافة:
في إرتباط الثقافة بالحياة والعيش والإقتصاد ونظمه ووظائفه نشأت في موضوع إجتماعية الثقافة وثقافة الإجتماع البشري نظرة وظيفية قامت بجهود رائدي علم الإجتماع الحديث[صفة الحديث غالباً تعني البرجوازي] أميل دوركهايم Emil Durkheim، وتالكوت بارسونزParsons Tallcott الذين رأيا بأسلوب كل منهما: الوصفي لدوركايم والوظائفي لبارسونز: ان المجتمع يتبع في تشكيل مهامه ووظائفه حاجاته الأساس إلى المأكل والمسكن. وإن هذا التشكل المحدِد لطبيعة المجتمع بطبيعة تشكله يقوم بهذا التحديد - بإستقلال نسبي عن بقية العوامل المؤثرة- وفقاً لهذه الحاجات بتفصيل الأشكال والأعمدة الأساسية لهيكل تنظيم قيم المجتمع وأعماله بصورة تتضمن تحديد تصوراته لماضيه ولمستقبل وجوده وتخطيطه الواعي أو العفوي لإستدعاء هذا الماضي أو لأسلوب مواجهة حاجاته في المستقبل.

ولكن، في جهة أخرى، وبتزامن مع نشؤ حالتي الحداثة، ومابعدها، بنهايات عصر الإقطاع وبداية رسملة العالم، نشأت الحركة العمالية بأشكالها النقابية والتقدمية والإشتراكية والشيوعية. وقدمت هذه الحركة في سياق نضالها السياسي نقداً ضوئياً لأفكار البرجوازية وفهومها لموضوعات"الحرية" و"العقلانية" وعموم موضوعات تكون المجتمعات والأحكام والقيم والثقافات والعلوم وتقدمها. فقد كشف النقد والتناول الماركسي-اللينيني لهذه المسائل النظرية-النضالية التناقضات العميقة التي تحتويها النظم الإجتماعية (الحديثة) التي أنتجتها كمفاهيم ومعايير عقلية لأحوال المجتمعات، بينما هي في الواقع أوهام تخفي طبيعة الإستغلال الرأسمالي لقوى المجتمع وموارده.

وقد جاءت إضاءة الماركسية اللينينية متوهجة بمنظور شمولي لوجود المجتمع البشري وتناسق أحواله وحاجاته الطبيعية والمعنوية وتشكله وفقاً لها، وضرورة إتسام حياة المجتمع العقلية بسمات وجوده ونشاطه في الطبيعة لتلبية حاجاته، وتأثر مكونات المجتمع وعلاقاتها بأحوال هذا النشاط وأحكامه، وتوليده بها عملية تنظيم المعرفة والخبرات العامة والخاصة بوجوده وطبيعته ونشاطه وواقعه، وتأثره من ثم بهذه العملية وتأثيره عليها وعلى موضوعيتها، بل وبداية تكون وتشكل وعيه من جدل تكون أوضاعه التاريخية وصيرورتها كخلاصة كاشفة لتاريخ وجوده وأفاق تطوره، دافعة له إلى مزيد من التغيير المحقق لتناسق وجوده ووعيه ووجدانه.

وكان ذلك موصولاً بعناية الماركسية-اللينينية في نشؤها وتطورها بدراسة النشاط الأميز والأنفع بكافة المجتمعات وهو نشاط الإنتاج الذي يلبي به الناس حاجاتهم الضرورية من غذاء وكساء وسكن ..إلخ. حيث خطت الماركسية-اللينينية تحليلاتها لأوضاع الإنتاج المادية والثقافية بحبر قوى المجتمع وأدواته في التاريخ مخدمة هذه الأوضاع التي تشكل عصب الحياة معياراً موضوعياً لقياس طبيعة وضع المجتمع وفئاته خلال نشاطه الحياتي الرئيس وهو العيش والعمل.

فمن وضع الإنتاج كنشاط رئيس للحياة، والنظر لقواه وأدواته وتطورها وفق التطور العددي والنوعي لحاجاته وإمكاناته، ميزت الماركسية-اللينينية وجود تشكيلات متعاقبة في التاريخ من النظم والأحوال الإنتاجية والمعيشية. وأشارت لتماثل تكون هذه التشكيلات بتكون كل أشكال الطبيعة وأبنيتها من:
1- أساس وهيكل داخلي أو قاعدة تحتية
2- أشكال خارجية| فوقية تعلو هذا الهيكل والبناء،تتأثر في وجودها بطبيعة البنية والقاعدة التحتية
3- تواشج البنيات الفوقية والتحتية تأثيراً وتأثرا، مضموناً ومظهراً، سكناً وحركة، تأثر الجسم وجلده.

وقد مثلت هذه الفكرة الطبيعية-المعمارية بصيغتها المادية-الثقافية خلاصة من خلاصات تطور علوم الطبيعة والأحياء والهندسة والمنطق والفلسفة والتاريخ إرتبط فيها الفكر بقوانين الطبيعة كقوانين موضوعية تؤشر إلى عشر مسائل أساسية في تكون المعرفة و تشمل: 1- مكان وجود الشيء ،2- زمانه 3- النوع العام والخاص له، 4- أجزاءه، 5- عدده، 6- نشاطه العام أو مهمته، 7- علاقاته 8- طبيعة حركته، 9- كيفية حياته وعيشه وبقاءه ، 10- عوامل نهايته وفناءه.

وهذه المقدمة المنطقية لدراسة الأشياء والموضوعات التي نسبت التواريخ القديمة طرحها المصنف الأول النبي النوبي إدريس المعروف عند اليهود بإسم إينوخ Enoch وعند الأوربيين وبعض العرب والفرس بإسم هرمزHermes كانت-بأصولها- ثم تجديد أرسطو لها من بعد مصدراً لإشعاع النوبة ومصر القديمة وحمير وبابل وفينيقيا واليونان والإسكندرية وتألقت مع فلسفات الصين والهند في العرب من حران والحيرة إلى بغداد فالأندلس حتى إستقرت في (أكاديمية) فلورنسا فجامعات أوربا المعاصرة ساطعة بأهلها في التاريخ.



2- كشف الطبيعة المتناقضة للمفاهيم الإجتماعية والمصالح الطبقية الكامنة فيها:
عمدت الماركسية اللينينية إلى كشف التعارضات العميقة في البنيتين التحتية والفوقية، وبينهما: فبدراسة تكون القيم المادية والمالية في عملية الإنتاج كشفت زيف"التحرر" البرجوازي بل وزيف "الإقتصاد السياسي" برمته لا في كثير من تفاصيله الصحيحة، والطبيعة المرابية لتخديمه كغطاء علموي بناه لوك وبتي وريكاردو وسميث لعملية تحويل الملكية الخاصة من طورها المقدس إلى طورها الرأسمالي. كما كشفت الماركسية اللينينية زيف دعاوي رسملة الوعي بشعارات "العقلانية" و"التقدم" و"التعاقد الإجتماعي" و"الثقافة الحديثة" في واقع من الإستئثار والتكالب الوحشي على حيازة المنافع والخيرات الضرورية لحياة المجتمعات ونهب الإمكانات المادية والذهنية لحريتها من مسغبة الحاجة والتطاحن على أوليات العيش، وحريتها من حالة تغبيش الوعي سالبةً الإمكانات المادية والذهنية لتقدم الناس وتغييرهم وقائع النقص والتكالب في حياتهم .

وإضافة إلى هذا السبر فقد كشفت الماركسية-اللينينية القسر الكانف لدعاوى البرجواز وقهرها للجماهير الكادحة بمنظومة جدلية للحاجات الضرورية والأجور والأسعار وإجبار الكادحين بها على القنوع بعقود عمل مجحفة والرضوخ لشروط تبادل وأسعار مبخسة لمجهوداتهم ومحتقرة لحقوقهم في تلبية حاجاتهم، وقاتلة لحاجاتهم ولأمآلهم في تطوير حياتهم وفق إرادتهم.

وكما كشفت الماركسية-اللينينية خطل دعاوى البرجوازية عن "الحرية" فقد كشفت أيضاً عن مخادعات ديمقراطية البرجواز وقسـرها الجماهير بذات المنظومة الجدلية للحاجات الضرورية والأجور والأسعار والضرائب -السابق ذكرها- وسومها الناس بواسطتها على السير في نمط معيشة وحياة تحدد فيها الطبقة البرجوازية بمفردها موارد العيش والبقاء للناس كافة. فالتنظيم البرجوازي لعلاقات إنتاج الثروة والسلطة الناظمة لتوزيعها في كل مجتمع لايبقي قيمة واقعية لفهوم البرجوزاية وكياناتها النظرية "تداول السلطة" و"رقابة الشعب على أمور الحكم" إلا قيمة بخس لإدارة|حراسة نظام إختصاص القلة بالموارد والمشاريع والخدمات الضرورة لتحرر المجتمع كله من ربقة الحاجة. فبخصخصة ما هو ضروري لتقدم المجتمع يستمر إستغلال الملاك وتهميشهم للناس وإستئثار القلة الرأسمالية في المجتمع بالقيمة الأعظم لكدح أهله أرباحاً متضاعفة لاتعبأ بشقاء الناس أو إتساع نطاق تصادماتهم وحروبهم لتأمين وجودهم ومستقبلهم.

وقد إرتبطت هذي الكشوف المجتمعية للماركسية-اللينينية بنظر مادي ينظر للأشياء في طبيعتها المادية وبالمنطق الطبيعي لجدل المادة المتصاعد، وهو منطق الطبيعة الأولي والحقيقي، وبنهج تاريخي يقرأ سيرورة الأشياء بفحص التطورات المتتالية لوجود المجتمعات، يتبين قواها وأدواتها ونظمها وأشكال حياتها، كما سلف القول، لإستخراج القوانين التي تحكم حركية هذه المجتمعات، ومعرفة أسباب تقدمها وتجنب أسباب دمارها، وفرز ما هو عام فيها ومشترك عما هو خاص ونسبي لايتوقع تكرره أو بالأحرى تكرر ظروف وجوده أو حدوثه بذات السمة.

وبهذا الكشوف إنفتحت الماركسية-اللينينية على عملية تغيير جذري للمفاهيم الجزئية والنظرات السكونية أو الإختزالية للواقع وللإمكانات والنظم السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والمعرفية والفلسفية التي أنتجت هذه الأوضاع الإستغلالية والتهميشية والوعي الزائف بها. وبواسطة أخذ الشيوعية كعلم تطبيقي لتحرير الكادحين في عملية التحرير الموضوعي للمجتمعات وحياتها المادية والعقلية تكون الماركسية-اللينينية واقعاً جديداً في النشاط والوعي الإجتماعي يوالمعرفة الثورية له يرتبط في تقمه بتكوين علم اإنساني جديد هو : "علم الثورة الإجتماعية" الذي هو تشيده الطبقة العاملة بشكل جدلي من كل تطورات العلوم والثقافات التي تعاصرها.

وإذ ينعقد هذا العلم بدوره بالتطور التاريخي لوجود وحركة وتقدم "الشيوعية" كعلم لتحرير البروليتاريا الصناعية وعموم الكادحين ليس لإعتبار يتعلق بأهمية عددهم في الحياة المدنية والسياسية وهو عدد قليل ضعيف في المجتمعات المدخلة حديثاً إلى حظيرة الرأسمالية بل يتعلق أمر العمال الصناعيين والكادحين المتطلعين للإستقرار والنماء بعدد آخر من المسائل منها:

1- أهمية العمال الصناعيين النوعية لتطور المجتمعات الرعوية والزراعية وتقدم إنتاجها الداخلي لحاجاتها وتبادلها المنافع بشكل حر متناسق ومستدام، والإرتقاء الإجتماعي لسياساتها المحلية والدولية.

2- وضع الطبقة العاملة الصناعية كمقدمة إجتماعية ضرورية أو كبنية وقاعدة تحتية إجتماعية موضوعية بطبيعة إنتاجهم وموقعهم في الطبيعة الإجتماعية لمعيشة الإنسان في مجتمعات للتحرر الإنساني الشامل.

بهذا التوهج قاربت الماركسية اللينينية مسائل الإستغلال والتهميش في الواقع المادي وفي الوعي، متناولة موضوع "الثقافة" كحال حياتية وعقلية لطبقتي المجتمع الرئيسيتين الطبقة الرأسمالية في جانب والطبقة الكادحة في جانب أخر.

فالماركسية اللينينية تقارب موضوع "الثقافة" كصورة حياتية يتحقق فيها بجدل العوامل الداخلية والموضوعية قدر من شروط الوعي التاريخي لتغيير الواقع وحكوماته القسرية وأحكامه الذهنية التي تأخذ طابعاً آيديولوجياً يتأثر بموقع الناس في هذه الطبقات وصراعها كما يتأثر بتوجهات التحرر الموضوعي المضادة لمركزة الموارد والخيرات في يد قلة منهم.

وفي ذلك يتأثر توجه الماركسية-اللينينية بطبيعة التعارضات والتناقضات الذاتية والموضوعية لنضالها الشرس أو نضالها الدؤوب لأجل تحقيق الإشتراكية والإسهام في تحقيق الشيوعية، ويمكن ملاحظة هذا التأثر في حال أو درجة تنظيمها للحزب الثوري الضروري لممارسة هذا النضال وضبطها نشاطاته أو إبداعها لجهوده.



3- موضوع الثقافة وصور المثقف :
لإستنتاج فحوى الثقافة قام باحث شهير وهو البروفسور نعوم شومسكي Noam Chomsky الأستاذ العلم في معهد ماسوشستس للتكنولوجيا MIT) ( بإستعمال لوحة فنية لمذبحة أمريكية ضد الهنود الحمر وضعها في مكتبه في مايو سنة 2004 وقاس جهتها إنتباه وملاحظات مجموعتين من الأفراد أحداهما من واسبWASP أمريكا الشمالية والمجموعة الآخرى من أمريكا الجنوبية، وكان سلوك الإنتباه والتساؤل والإستنكار أشد في الجنوبيين عنه في الشماليين، وتكرر ذلك عفواً أو قصداً في مكتبه الأكاديمي حتى إستخلص من تعليق اللوحة وجمعه وعرضه الملاحظات حولها شيئاً من الفهم لفحوى الثقافة وموضوعها، في تلك المؤسسة الرأسمالية العلمية الضخمة حيث يفضل شومسكي أن يسمي نفسه فيها "المحرر الثقافي" Intellectual Liberator أو في عبارة أقرب "محرر الأذهان".

وفي محاضرة مونتالبان Manuel Monteplan عن "الثقافة واليسار" التي نشرتها مجلة "لوموند ديبلوماتيك" في عددها المصدر في يناير 2004 ونشرت أخبار الأدب ترجمة غازي أبو عقل لها عن الفرنسية، ذكر ما في هذا المعنى العام الذي نأخذه بتصرف من ترجمته: ((أن الكائنات البشرية كلها ذات ثقافة منذ اللحظة التي تدرك فيها أحوالها ومواقفها وصلاتها بامثالها من البشر بالطبيعة، مما يكون بدوره مفاهيم تتعلق بإدراك الوجود والوعي بالكينونة وبالعلاقات مع العالم ومع الآخرين)).

وفي صراعات الإنتاج والعلاقات الإجتماعية المرتبطة به بين أحوال "ثقـافة ربـح الأقلية وهيمنتها" الرأسمالية و" تقافـة الوعـي الطبـقي لتحرر الإنسان" الإشتراكية توجد بكل بلد تقافة مقموعة مضطهدة وتقافة مسيطرة ومهيمنة، ويحكم وضع كلا الثقافتين حال من الصراع الثقافي|الحضاري ومقتضياته وأفرازاته.

بيد أن هزيمة القمع والياته المادية والثقافية ترتبط بتناسق وتحرر الثقافات المقموعة والمهمشة، في عملية علمية تطبيقية شاملة لتنسيق وتحرير الوجود الإجتماعي ومؤسساتـه. ويقوم بعض المثقفين المستغرقين في قضايا التحرر ومواجهة السلطة والنضال لحرية الشعب، بدور الصائغ السياسي أو الأدبي أو الفني للمعدن أو الموقف السياسي للطبقات الشعبية الذي يضاد غالبا معدن ومواقف الطبقات والنظم القهرية. فيتفردوا بهذا الدور كـ"إنتلجنسيا" عن بقية فلكلوريي وتراثيي الشعب وعموم أدباءه وفنانيه، وذلك بقيامهم على الإنتصار السياسي المباشر (نسبيةً) لرؤى الشعب المقهورة والمضطهدة والممنوعة.

في روسيا الإشتراكية كان ستالين يرى المثقف مهندساً إجتماعياً والكتاب مهندسي نفوس، وفي إيطاليا الإقطاعية الكنسية برزت أعمال جرامشي في النصف الأول القرن العشرين حول المثقف العضوي يستوي فيها المثقف والقائد الإجتماعي الهمام، أما في أعمال إدوارد سعيد في الجزء الأخير من العشرين عن صور المثقف فإن المثقف فيها يختلف عنده بطبيعة قلقه ورفضيته للمفاهيم البرجوازية السائدة عن القائد الإجتماعي وعن الأكاديمي، دريدا وفوكو رأيا المثقف سفسطياً رافضاً لكل معيار، لوكاتش نظر له كقائد شيوعي، ألتوسير كبنيوي، بياجيه كموسوعي شمولي لاجزئي أما أستاذ المناهج مهدي عامل فقدمه ثورياً قطعياً وصادق جلال العظم بلوره كفيلسوف نقدي ومن هذه الصفات المختلفة يمكن صياغة مفهوم نسبي عن المثقف تتلاقي فيه بعض هذه الصفات.

وتسجل أعمال عالم الإجتماع الأكسفوردي الأديب الأريب والصهيوني عدو الشيوعية البديع، وقلم المخابرات البريطانية الرفيع، وإستراتيجي عمليات تدمير إتحاد السوفييت، أزايـا برليـن A. Berlinالمتوفي عام1997 دراسات عظمية، ولكنها سكونية الروح وسالبة تجاه واقعه، عن ما يمكن تسميته بـ(الطبيعة الروسية) للإنتلجنسيا كمبنى، وكمعنى وكمصطلح ! وهو ما واشجه فيه -من بعد- نقيب الإجتماعيين العرب الأستاذ والكاتب السوداني حيدر إبراهيم علي في ما كتبه عن الإنتلجنسيا السودانية، وتصوره القيمي عنها وهو الأكاديمي ورجل الأعمال صاحب دار النشر عن المثقف والثقافة كحال بحث-أكاديمي!

وكانت لإسحاق برلين في روسنته الأنيقة لتحرر الثقافة وسحقه الناعم لها دراسات عددا منها ما هو عن ولادة الإنتلجنسيا [في روسيا] عن جهود بيلينسكي وهيرزن وآخرين وجاءت بعنوان بنعبدربي دائري مغلق وعرجوني هو "العقد الفريد"، وله دراسة أخرى عن روسيا 1848 وتواشجها وثورات أوربا حينذاك، وكذلك هناك دراسته لرواية تورجنيف "أبـاء وأبنـاء" التي دارت عن الـ"نياهلست" كصعاليك وشعاوذة إصلاح إجتماعي، وله دراسة أخرى عن الـ "ناردونست" الإشتراكيين الشعبيين ودراسة تأديبية لمن هم على شاكلتهم عنونها بإسم خلاب هو "تولستوي والتنويــر" وهي تمجد فعل الإيماء الأدبي الرفيع، وتهمش القيمة العقلية والإجتماعية للإعتراض المباشر والإحتجاج السياسي على ألام الملكية الخاصة فاصلة بين الأدب في المجتمع والسياسة في المجتمع،.بل وأكثر من ذلك فاصلة بين أفكار تولستوي الناقدة للإقطاع القيصري وملكيته المطلقة والملكيات المتصلة به والتطورات التي لحقت بهذه الأفكار النورانية وحولتها من حالة الحزن على الواقع والألم لمأسيه إلى حالة تغيير الأوضاع القيصرية وما لف لفها من قيصريات صغرى في المزارع والمصانع والمناجم.

كذلك كان لافروف [توفي عام 1900] قد تناول أخلاقيات الإنتلجنسيا معتبراً ان تميزهم، ومعرفتهم بمعاناة الناس ولدت لهم الظروف الثقافية التي ميزتهم وخلفت فيهم بقدر معرفة المصائب الإجتماعية وأسبابها، إحساساً عال بالوفاء للجماهير وبالذنب لتمتعهم بثمارات شقائهم وضعف قدرتهم على رد الظلم اليومي عنهم، وهو حس يزيد في الإنتلجنسيا روح التضحية بمصالحهم الشخصية ويعفهم عن الغنائم ويرقي فيهم الإرتباط بالشعب.

ومن الأمثال الشعرية المضروبة في صحافة اليسار الإنكليزي على صدقية المثقف في مواقفه المضادة للسلطة شعر الأسكتلندي روبرت بيرنز Robert Burns المولود عام 1759 وضجه بقيم الحرية في زمن إزدهرت فيه تجارة العبيد، حيث جاءت أشعاره عن الأخوة الإنسانية، والحب الأحمر كالورد وكاللحن الهفيف، وعن النظام الظالم الذي يجعل المحروم من العمل يستجدي أخاه ورقة شاي، كما أشعر بيرنز عن غضب الله على طقس صلاة الشكر التي أقامتها دولة الإستعمار البريطانية لنجاحها بقمع ثورة عارمة في هاييتي.

ومن المتصور أن شعر بيرنز تأثر بواقع صاحبه الفقير، وموهبته الغنية وبدراسته أعمال ديفيد هيوم التاريخية، مما جعل القارئي الشهير إبن الرشالدة المحروم ورجل السوق والرئيس محرر العبيـد إبراهام لنكولن يصف بلاغته بالكفاية والقطع: ((إن إهتم بموضوع أعطاه حقه بوضوح لايترك مجالاً لمزيد مفيد من القول فيه.)) وزاد بيرنز مجداً بذكر مانديلا لشعره بانه كان زاده في الأخوة الإنسانية خلال سنوات سجنه. وفي ذكرى وفاته يوم 21 يوليو عام 1796 لخصته هيئة الأمم المتحدة سنة 2006 على لسان سكرتيرها كوفي عنان في إحتفاء أديب إقيم لذكراه كمدافع عن قيم التغيير السياسي والإجتماعي. ولم يزده ذلك قدراً فقد رسخت معانيه في عصره، بسير عشرات الألآف من الكادحين خلف جنازته يرددون أشعاره.

ويضيق المجال بأمثلة أخرى مباشرة على صدقية المثقف فعالم اليوم بأكسومييه ونوبييه وصينييه وهنوده وفرسه وعربه وفرنجته ولاتينه وبقية أجناسه ودوله يعج في تاريخه وفي واقعه بملايين المثقفين الصادقين فيصعب تناول إسم أي مثقف أغرم بالحرية لشعبه وناصب جلاديه العداء بالفعل الأدبي-السياسي دون الإشارة إلى أخر سلف أو خلف أو رصيف له مما يخرج بهذه الفقرة وكتابها كله عن أغراضها ومساحتها المفترضة.

وقد تناول إدوار سعيد بعمق مسألة التناسق والتواشج الموضوعي بين حال التحرر الإجتماعي وحال إستقلالية الفرد في التفكير في كتابه المسمى "صـور المثـقف" ومنافاة المثقف للمؤسسية والإحترافية اللتين تقننهما الطبقة السائدة. كذلك بحث سعيد بكتابه "الثقافــة والإمبرياليـة" في موضوع العلاقة الجدلية بين المثقف والمؤسسية الدولية بشكل عزز فيه أهمية التحرر السياسي للمجتمع والمثقف من آليتي المؤسسة المحلية التابعة ومن آلية المؤسسة الدولية بتمركزها الطاغي.

كذلك قاربت إشكالية التحرر العقلي والإجتماعي أعمال عددا لسمير أمين منها ما جاء حول المركزيـة الأوربيـة. و" فك الإرتباط" ففي تلك الاعمال ركز سمير أمين بها على القطع مع منظومة الإستغلال والتهميش الرأسمالية ذات الصيغة التاريخية الأوربية والحاجة لبناء[افروأسيوي أمريكجنوبي] لوعي شعبي بأبجديات التحرر ونظرياته العلمية حر وخارج من سياق المركز الأوربي ومن هذه الأعمال المتحررة ما جاء بكتابه الدقيق والقيم عن أحوال "القيمة .والمادية التاريخية" إذ ركز فيه على النقد الرياضي|الحسابي والمفاهيمي لحسابات ومفاهيم الوعي الزيف عن الطبيعة المفتوحة للنظام الرأسمالي. ونقد فيه كذلك الوعي الزيف لبعض الإتجاهات التي ترى الإشتراكية ضابطاً لأعمال الرأسمالية ومسطرة لمطبعتها وبين فيه رياضياً ومفاهيماً المغزى العميق لعنوان مقدمة (نهج) ماركس الشهير: "(نقد) الإقتصاد السياسي".

كذلك هناك عدد من الأعمال السودانية منها ماهو للسفير نور الدين ساتي في: "إنقاذ السودان من ثقافة الوسط" وللفنان عبدالله بولا الذي قارب موضوع التحرر العقلي والإجتماعي –إشكالياً- بموضوع: "نسب شجرة الغول، ....التقافة العربية الإسلامية وإنتهاكات حـقوق الإنسان في السودان". وكذلك صرف محمد جلال هاشم جهداً بـكتيبه السائل عن طبيعة "القومية السودانية.... ظاهرة الثورة والديمقراطية في الثقافة السودانية كظواهر مدينية معزولة عن التركيبة التحتية والفوقية لعرقيات السودان "، وكذلك مقالين لكاتب هذي السطور المنصور جعفر عن "تحرير الثقافة وحرية المثقف" و"هوية الأزمة في موضوع أزمة الهوية".

وقد تناولت الإعلانات التأسيسية لحركات التحرر في السودان بأشكال مباشرة علاقة السلطة السياسية والإقتصادية بالسلطة الثقافية بداية من الإعلان التأسيسي للحركة الشعبية لتحرير السودان 1983 ثم إعلان حركة تحرير السودان وليس نهاية بإعلان تأسيس حركة تحرير كوش.

وفي جهة أصولية إسلامية كانت لإختلافات الفقهاء ثم أعمال فرق الخوارج والمعتزلة والأمامية والإسماعيلية وإجماعات خوان الصفا دورها في توضيح العلاقات الجدلية بين الثقافة والمجتمع وبعد ذلك خفت الأمر حتى كانت لأعمال الفردوسي في دولة إيران الصفوية ولكتاب الدولة العثمانية المتاخرين ثم الأفغاني والكواكبي ومحمد عبده وخير الدين التونسي والطهطاوي وبعض شيوخ معهد العلوم (الشرعية) في أم درمان دورهم الهام في كشف تباين وجدلية موضوعات "تحرر المجتمع" و"تحرر الثقافة" و"تحرر المثقف" و كشف الجدلية في آحاد هذه الموضوعات.

وإن إنتهت معظم أعمال التحرر الثقافي إلى تحرر نسبي للمجتمعات من النظرة الإقطاعية للوجود والعقل إلا أن نفس هذه الأعمال تحولت بحكم طبيعة الظروف الطبقية الممولة لها وبحكم قصور المعرفة والوعي الإجتماعي إلى تبرير إحتكار الفئات البرجوازية للسلطة على الشعوب الكادحة وإلى تسهيل وإحكام السيطرة الإستعمارية الحديثة بطابعها الإقطاعي الدولي على مصائر دولهم وشعوبهم.

ولأن الأعمال الفكرية تؤثر في المجتمعات وفق ظروف التطور الإجتماعي المحلية والدولية فإن الحكم على دورها التاريخي في مجال التحرر يجب أن يبقى إلى حد كبير مرتبطاً بنظرة موجبة إلى إسهام هؤلاء في تحرر بنى الفكر-الإعتقادية من أسر التقاليد المنسوبة للدين أو إلى العقلانية.

ومن الأعمال الهامة جدا في هذا التوجه كتاب كارل ماركس الذي سماه "في المسألة اليهودية"، وكذا كتاب الإنكليزي الألماني الأصل فردريك أنجلز "أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة" وكذلك أعمال لينين في الثقافة البروليتارية وعمل ستالين في"الماركسية ومسألة القوميات" وفي "الماركسية ومسألة اللغة" والكتاب الذد لهذه الأعمال الذي ألفه جورجي لوكاتش باسم "الماركسية والوعي الطبقي"، وعمل محمود أمين العالم في موضوع "الوعي والوعي الزائف" وعمل صادق جلال العظم في موسوعة "نقد الفكر الديني" وكذلك أعمال الشهيد مهدي عامل في نقده تفكك وتناقض الأفكار الرأسمالية في "نقد الفكر اليومي" و "في المسالة الطائفية" وإبداعه الشمسي الساطع الضياء لما سماه بدقة وتوتر علمي:"أثر الفكر الإشتراكي في حركة التحرر الوطني".

وبجهة ضد للتحرر والحياة العقلية، دعا عدد من الأعمال وتكثفت دعاويه في النصف الأخير للقرن العشرين إلى تحرر الثقافة من المثقف، بل أعلنت ذلك في شكل ثقافي للثورة المحافظة التي قادها الظاهيريين والتأمليين ضد العقلانية وإمكان المعرفة الموضوعية كوسيلة تحقيق وتحرر: مـوت المثـقف، ونهاية وجوده ودوره في الحياة، في ظل دعوى زيف بسيطرة الذاتية على كافة التصورات وسيطرة تكنولوجيا الإعلام على الحقيقة الإجتماعية. ومن أمثلة هذه الأعمال عمل علي حرب في "أوهام النخبة" وعمل عبدالإـه بلقيـز "نهاية الداعية". بينما أكد عدد أخر من الأعمال لرويجيس دوبريه : "كي لا نستسلم" والجابري "المثقفون في الحضارة العربية" ومنصور خالد في "النخبة السودانية وإدمان الفشل" على أهمية المثقف المبدئي القائل كلمة الحق في وجه السلطان الجائر.

وكان مصطفى سويف بمقال لطيف له بمجلة "الهلال" التي أسسها عام 1892 جرجي زيدان صاحب "روايات تاريخ الإسلام" قد قدم لموضوع العلاقة بين "تحرر الثقافة وعلمية المثقف" ضمن موضوع شرح وفهم وتجويد "البـعـد العلمي للثقـافـــة" تقديماً إعتنى فيه بـالثقافة كـ"منظومة معرفية" تتفاوت في تجريدها وتجسيمها أداباً وعلوم، وتنطوي على بطانة وجدانية مكونة من خبرات الإستحسان والنفور قد تشي به مؤشرات سلوكية..تجاه لحن ما مثلاً. حيث رمي سويف لإعتبار الثقافة ككل عملية ديناميكية متحركة بإنتظام تحرري مستديم عاقداً علمية الثقافة بإرتباطها بمعلومات سليمة، ومنهجية وكينونة تاريخية وتوافقها مع القوانين والفلسفة العلمية.



4- حركية الثقافة ونقاطها المحورية:
في تاريخ ديناميكية الثقافة وتحررها يشكل التناسق بين لغة الحكم والإدارة ولغة الشعب وتفكيره في معاشه مسالة طبقية ضرورة لمعرفة الناس واقعهم وتقدمهم في مراحل الكسب والمعاش وطرائقه ونهوض عمرانهم المادي والمعرفي. مما خاطبه ستالين في "الماركسية ومسألة اللغـة"، و"الماركسية والمسألة القومية" وسارت به الركبان في روسيا والصين والهند والهند الصينية وعموم أفريقيا والمنطقة العربية في عقود التحرر الوطني. وكذا مثال نهوض مصر ضد حلف الإقطاع والإستعمار البريطاني القائم بدوره كجزء أصيل من الحضارة الرأسمالية، له دلالة كبيرة على تواشج التحرر العقلي والتحرر الطبقي والتحرر الوطني.

وتواشج التحرر العقلي والتحرر الطبقي والتحرر الوطني نبه إليه دون قصد الأستاذ الكبير لويس ماسنيون في تقريره عن فترة تدريسه في الجامعة المصرية إبان سنتي 1912 - 1913 للمادة الدراسية التي سميت بإسم "تاريخ الإصطلاحات الفلسفية العربية" حيث قال: يبدو من المستحيل تقريباً إبتكار أي شي بلغة مستعارة وأداة مصطنعة لأن تلك الأداة لن تسمح ابداً للطاقات الكامنة في أعماق الشخصية بأن تؤدي دورها بنفس المرونة التي تتوافر في اللغة الأصلية...والطلاب الذين تخرجوا في الأزهر يتمتعون بميزة كبرى هي تعلمهم التفكير بلغتهم الأصلية ..... وهم الفئة الوحيدة التي يحتمل ان يظهر فيها فلاسفة....

ويثبت الأستاذ الجليل رأيه قائلاً: ذلك ما يثبته تاريخ السنوات الأخيرة بظهور جمال الدين الأفغاني والشيخ [محمد] عبده ...، ....ومما سرى عني ان وجدت بين طلابنا عقلاً من المرتبة الأولى كفيفاً صاحب بصيرة ثاقبة هو الشيخ طه حسين وكان من قبل طالباً في الأزهر وأسهم في الجريدة بمقالات أساسية رفيعة المستوى.

ويورد الأستاذ ماسنيون بتقريره الدقيق أهمية الإرتباط بالأسلوب المحلي للحياة الثقافية ذاكراً نجاح إستخدامه لهذا الأسلوب في تحقيق قيم معرفية جديدة وذلك بتحوله في تعليم الطلاب من الأسلوب التأرخي الجاف الذي يصلح للتوثيق والكتابة وتقرير المعلومات إلى أسلوب الحوار الشفاهي، وتنظيمه بهذا الأسلوب لكيفية إستقبال الطلاب للمعلومات مستخدماً الإيقاع الصوتي في هذه المحاورة حيث قال: (( متيحاً لهم أن يروا في تغير الإيقاع واللهجة، بل وما يعتري العبارة من تردد وتعثر، عمل الفكر الذي ينظم نفسه بنفسه والجهد الذي يسعى في نفس الوقت إلى إمتلاك ناصية الأفكار المنشودة والألفاظ المعبرة عنها.))

وبطبيعة التكوين الأنثربولوجي لمستشرقي ذلك الزمان وطبيعة هيمنة الروح الإمبريالية على تكوين مجتمعهم ومعرفته وتعليمهم، تقدم الأستاذ ماسنيون عن رصفائه وبزهم بفلسفة تعليم تنهج التأريخ الجدلي للإصطلاحات. حيث يذكر الأستاذ ماسنيون في تقريره أسلوبه في توصيل علمه بـ:(( تتبع الطلاب للإصطلاحات الفلسفية التي صكتـها اللغة العربية واستقرت عليها نهائياً في صورة مازالت متداولة من ماليزيا إلى المغرب. وهي 596 إصطلاحاً و998 مادة، تشمل في المنطق: المقولات العشر، وفي الرياضيات: فكرة العدد، وفي الكيمياء: فكرة الذرة، وفي الأحياء: أفكار الحياة والنوع والغريزة وفي علم النفس: أصل اللغة، وفي الإجتماع: فكرة الأخلاق، وفلسفة التاريخ، وفي الإلهيات: التعارضات والمناقضات Dialectic of Methods ووحدة الوجود وعلم الأديان، بـتفسير إحياء علوم الدين للغزالي المجلد الأول الباب الثالث بالتركيز على تطور مفرداته الفنية، وكذلك إبن رشد في تلخيص..، ومابعد الطبيعة لأرسطو في الجوهر وإبن تيمية في وحدة الوجود والألوسي في جلاء العينين [في المحاكمة بين الأحمدين]، وإبن خلدون في المقدمة في الفصل الخاص بالمنطق)).

ويتناول الأستاذ ماسينيون بتقريره عن أحوال التعليم الجانب التدريسي في المؤسسات المصرية آنذاك وكانت تمثل ثلث المؤسسات التي قامت عليها الثقافة العربية الحديثة إضافة لمؤسسات الشام والمغرب العربي. وفي أحوال التعليم هذه نقد الأستاذ ماسنيون جوانب التلقين والحفظ والحماس المجافي للحذر العلمي والفردية ذاكراً لبعضها كمعهد إعداد المعلمين ودار الدعوة والإرشاد التي أسسها رشيد رضا: فضل التخلص من الحشى، وعاب فيها منطق تحميل الإصطلاح الواحد بمعان متناقضة. تتثاقل تناقضاتها على كاهله عبر الزمان!

ويبدو ان ضعف حركية علم الإناسة آنذاك وتكوينه لمستعربي ذاك الزمان، ونظرتهم الجامدة لتحرك المعاني وإختلافها في التاريخ حسب ظروف وجودها الإجتماعي قد يكون مما أثر في تكوين هذا الحكم وصدوره من الأستاذ ماسينيون.

وتوكيدا لرأيي هذا أذكر رأي طه حسين نفسه في عمله الشهير "مستقبل الثقافة في مصر" (1938) روفضه التصور الأولي للأستاذ ماسنيون عن ضرورة قطعية المعان وثباتها مثلما نقضها كتاب الشيخ علي عبد الرازق عن "الإسلام ونظام الحكم". وعلى هذا النقض قام جدل الكتاب ونظرتهم لتحرك المعاني وإختلافها في التاريخ حسب ظروف وجودها الإجتماعي كما في جدل أعمال أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وإسماعيل مظهر وتيمور، وطه حسين وعبدالرازق وأحمد حسن الزيات، والعقاد وأحمد لطفي السيد ومحمد حسين هيكل وأحمد أمين حيث يكشف جدل وتطورات المعاني المختلفة التي تذخر بها أعمالهم لكلمات ومفاهيم وقيم "العزة"، "الحضارة"، "التاريخ"، و"الحرية" و"العدل"، و"المدنية"، و"التقدم الإجتماعي"، في ظروف زمانية هائلة جمعت بين غلبة القهر والإستعمار على المستوى المحلى وإنتصارات الإشتراكية على الإقطاع القيصري والرأسمالية النازية والفاشية والإستعمار على المستوى الدولي، حيث أسهمت كل هذه العناصر والأحوال في تطور الوعي في مصر –ما بعد ثورة 1919- بجوانب تاريخية من حقيقة أو طبيعة الوجود المصري، والوجود العربي، والوجود العثماني والوجود الأوربي في المنطقة.

وقد أسهم هذا الجدل التاريخي الإجتماعي السياسي ووعيه في الإنطلاق الثوري لأعمال كل من الرفاق يعقوب صنوع وفرح انطون وسلامة موسى ومحمد مندور وتيارات الفكر الإشتراكي في مصر التي أسهمت بشكليها الأدبي والسياسي المباشر ونضالها الشرس ضد الرجعية والإستعمار في قيام ثورة 23 يوليو 1952 وهي الثورة العسكرية المدنية التي أعادت بعد ألاف السنين من الإستعباد والإقطاع حكم مصر إلى (المصريين) بما هم عليه من أجناس نوبية ورومية وقبطية وعربية ومختلطة هجين، حيث شكلت حالاً جديدة أرقى من الجدل الثقافي في مصر وفي مجمل العالم الثالث.

وفي موضوع هذه الموضوعية تمحور الجدل الذي فجرتـه ثورة يوليو المدنية-العسكرية كأول ثورة مظفرة ضد الإقطاع والإستعمار القديم في المنطقة العربية والإفريقية وعالم الإسلام حول: العلاقتين الديناميكيتين المتواشجتين بين التحرر السياسي والتحرر الإقتصادي الإجتماعي في جهة جامعة، وتحرر المجتمع وأفراده، والوضع الطليـعي الثوري طبقياً وسياسياً لأعمال الثقافة التقدمية في المجتمع المعني في جهة أخرى تتفرد فيها النعايير وتتصل.

ولكن مع تصاعد الوعي الثوري التحرري في المنطقة العربية-الأفريقية بفعل جدل ثورة يوليو مع الإستعمار القديم، قامت قوى الإحتكارات بتأمرات خبيثة وحصار إقتصادي وعنف دموي بضرب الأشكال السياسية الأولية لهذا الوعي بصورة مدمرة لقواه في الدول العربية والأفريقية كما في أمريكا اللاتينية، وبقية أنحاء أسيا وأفريقيا. وكانت الضربات الإقتصادية والعسكرية والسياسية والثقافية التي تعرضت لها الإتجاهات والحركات الثورية في أنحاء النظام الرأسمالي العالميوتفعيل الأنشطة الدينية السياسية ضدها جزءاً من عملية حرب باردة متعددة الأشكال لإخضاع كافة موارد الدول والشعوب لمصلحة المشروع الرأسمالي العالمي، إستخدمت فيها النتائج الموضوعية لفصل التحرر الوطني عن التحرر الطبقي، الماثلة في عزلة الإدارة العليا وطغيانها وفسادها.

وإذ تصارع قوى التحرر الثوري هذا المشروع الذي يرفع شعارات الثورة الفرنسية على أسنة الحسابات المالية والصواريخ وأعمدة الصحف وشاشات التلفزيون، فذخيرتها ما حققت عليه في التاريخ من إنتصارات كبرى في الصين 1949 ومصر 1952 والجزائر وكوريا وكوبا 1958 وفيتنام وكمبوديا ولاوس 1975 وصولاً لإنتصارات شرق أفريقيا من تنجانيقا وغانا 1960 إلى إثيوبيا وإرتريا 1973-1992 مروراً بغينيا بيساو وموزمبيق وانجولا في السبعينيات وناميبيا في الثمانينينات وجنوب أفريقيا 1994 وشمالاً بأسكيمو سيبيريا الكندية 2000 وشمال آيرلاند 1968- 2007 وصولاً إلى بطولات القرى والمدن العراقية وتصديها ببسالة منقطعة النظير للإستعمار البريطاني الأمريكي رغم بثه فيها قنابل التفريق القومي والمذهبي .



5- الثقافة والآيديولوجيا:
وإذ تأخذ أجزاء من الثقافة في وجودها بالعقل السائد وأفراده ومؤسساته أشكالاً لغويــة تعبر في وقت واحد عن: وقائع وموضوعات معينة، وعن معايير وموقف المرجعية الإجتماعية المستقرة في الوعي من هذه الوقائع (=الآيديولوجيــا). فمقولات أقنومية كـ:الأمة، والعدل، والتضحية.. تكشف جانباً من الحقيقة الإجتماعية لمناهج المعرفة والمصالح التي تتأثر بها في تعاملها مع موضوع معين أو ظاهرة ما. حيث تعد الثقافة السائدة هذه الجزئيات الفكرية بداهات ومفاهيماً صمدية، كاملة وأبدية، وحتى حقائق رغماً عن إنها ليست إلا إيماءات دقيقة لمرجعية سائدة تستبطنها الكلمات.

وظاهرة تواشج التعبيرات والمعاني وسلطة المجتمع ظاهرة قديمة تمتد منذ ثورات مصر التليدة، وكلام اليونان بالأفكار والأيديولوجيا العلمية في مواجهة الآلهة حتى تدمير الديمقراط وذبحهم للفيثاغورثيين، وكذلك تنظير الـ"مانية" للـتضاد بين عالم النور الظاهر وعالم الجهل المظلم، وفكرة يوربيدس عن تناقض القدر والعدل وفكرة فيلون اليهودي Aphelion The Judaic عن مقولة "الرب" كفكرة الأفكار Idea of Ideas، وكلام المعتزلة والإسماعيلية عن العدل كقيمة عقلية إجتماعية وقدسية!

فبخضم العملية التاريخية للإنتاج لإشباع حاجات الأكل والمأوى والملبس والتنقل، ترتقي علاقات إدراك الوجود والأخرين والنفس، وتتطور عملية الإتصال بينهم الى حال إنتاج معارف تنشأ بتراكمها قيـم إستعمالية وقيم سلوكية تنظم هذه الإستعمالات وتتشكل في الحياة كمنظومات مادية سمعية وبصرية وذهنية كإصطلاحات لغوية، وسلطات، ببنيات ودلالات إجتماعية تتنوع حسب الظروف التاريخية لوجود المجتمع (مكان، زمان، قوى، مصالح..إلخ) لذا فقراءة عملية إدراك الوجود والأخرين والنفس وعملية الإتصال بينهم والتوصل إلى المعارف، قراءة خطية في تسلسلها التأريخي، أي كمنظومة عمليات وتشكيلات متعاقبة، هي قراءة موضوعية، تستدل مباشرة على طبيعة حياة الناس وأحوالهم الناس ووعيهم، بوقائع الإنتاج بإعتباره النشاط الرئيس في الحياة، وبإعتبار علاقاته أداة التشكيل الأولي للوجود الإجتماعي.

ويمكن بهذه القراءة التاريخية لإدراك الناس من خلال قراءة عصب حياتهم وعمرانهم، يمكن، جمع دالات نقدية وأخرى موجبة تقوم بإذخار العملية المحددة للمعرفة والعملية الإجتماعية لتطوير الحياة.

وإذ يفضل البعض النفاذ رأساً إلى موضوع مفرد بعينه، لدراسته في محاولة لـ(تجاوز) مشكلات تضارب التصورات الذهنية والصراعات الإيديولوجية لأسباب تتعلق في غالب مناهج الدراسات الأكاديمية في مراكز العالم الرأسمالي بنواح سياسية ومالية، فكثيراً ما يلمح الحصيف ربطاً دقيقاً مزيفاً بين الموضوعية والنظرة الجامدة للحياة، بل ويلحظ تناولاً للموضوعات يتسم بـما يسمى بـ(الإستقلالية)، و(التحدد) وهو في تعبير آخر للحال الجزئي لتناول مواضيع لها أبعادها المتونعة الضرورة لوجودها وحياتها مثل موضوعات "الديمقراطية" أو "السوق"، أو "نظم تسجيل حسابات الشركات الدولية"، وفي ذاك النوع من تناول المواضيع كثيراً ما تستبعد عمليات المقارنة الإجتماعية والتاريخية والبعد حتى عن مقارنة تناسق مفردات الموضوع منطقياً مع بعضها ومع العالم من حولها وحوله، وتصير الحقيقة وحدة معرفة ذاتية المعايير تضاد الطبيعة الإجتماعية لوجودها العام!

كما تقوم الإتجاهات المغالية في الموضوعية في تنظيرها (المعرفي) للمواضيع بتكثيف تناول الموضوع كشبكة علاقات داخلية مجردة من مواضعاته الإجتماعية التاريخية عازلة إياه عن عناصر أساسية في العلم والعقلانية مثل المنهجية التاريخية، والتطور الجدلي. إذ تتصل هذه القراءة الرأسية بنزعتها السكونية والتجزيئية بإضمار متصل خطياً لوقائع موضوعية أخرى تدخل في صميم تكوينها وإتخاذها لهذا الأسلوب المعرفي وصميم إختيارها النوعي للموضوع وصميم تعاملها مع وجوده بمعزل أو في إتصال مع ظواهر أخرى، وفي صميم قراءتها أو تجاهله لتاريخه أو تاريخ موقفها.

وهذا القطع مع النواح الإجتماعية والتاريخية للدراسات والمعارف والموضوعات، والتواصل مع نواح وصفية فيها وكمية ضيقة، يشكل موقفاً نافراً من إجتماعية المعرفة وخطيتها التاريخية يضمر موقفاً إجتماعيا وتاريخياً ساكتاً عن طبيعة الوجود الإجتماعي للإنسان وعقله في الحياة.

ولعل هذا الموقف البدائي المحتقر لكينونة الإجتماع والتاريخ والثقافة في عملية المعرفة، تأثر بالتكوين التاريخي الوئيد لتبلور وتطور العقلانية في أوربا وإرتباطها بالحاجات المحدودة لتطور الحرف ونشوء الماكينات وعملها قطعة فقطعة أو قد يكون متأثراً بالإكتمال الإرتقائي الطويل لرسم الخرائط الجغرافية مع تدرج إكتشاف طرق الملاحة وقياس ورسم المسافات البحرية والفلكية وأدوات هذا الرسم وأحباره ومطابعه وحاجاته من سفن ومناظير ومدافع، والسعة المغدقة لخيراته في التجارة والحروب. كذلك قد ترتبط السلبية العلمية تجاه إجتماعية الوجود برعاية الملوك للعلماء والمكتشفين كعباقرة ذوي قدرات خارقة ولإكتشافاتهم كطرافة عقلية تطرد الملل من الحياة ثم بعد ذلك كأداة لصناعة معدات وأدوات وأجهزة جديدة تقوى سلطاتهم، وسط التوجه الوجل للعقلانية بأوربا في هذا الوضع وحذرها من تناول العقائد والفلسفات فنشأ الوعي بوجود حال التنوير والعقلانية متأخراً قبل وصولها فيما بعد إلى مفترق الطريق الراسمالي إما إلى جهة الماركسية والثورات أو إلى جهة الحرب العالمية الأولى والثانية والثالثة المستمرة إلى الآن لإخضاع العالم الثالث وخصخصة موارده وإستهلاك وجوده..

لقد كان هذا الوعي بحركة التنوير وبالوعي ذاته، نتيجة من نتائج تقدم حركة التنوير نفسها وبداية تبلور وظهور الحركـة التقدميـة في أوربا، كأول حركة تفتح فلسفياً إمكانات العلم على الوجود الإجتماعي للإنسان وعقله في "التاريخ الحديث" أي في تاريخ ما بعد الإقطاع.



6- الثقافة والتاريخ:
ولمعرفة الطور الماثل من عقلانية مابعد الإقطاع التي تبلورت في خضم تكون الرأسمالية، لابد من معرفة أطوار العقل البشري التي سبقتها في الوجود، وسمات المراحل التي وجدت فيها أطوار إجتماعية من التفكير الموضوعي المنهجي ترتبط بتلبية حاجات الإنسان في العيش الكريم وتمتع مجتمعاته بحق إدارة شئونها بإستقلال. حيث إن معرفة هذه الأطوار تعزز إمكانات التعرف الدقيـق على الأوضاع المعاصرة للحياة الثقافية والعقلية في العالم بإعتبار ان تطورات تلك الحياة العقلية أنتجت السمات الرئيسة للحياة الإجتماعية المعاصرة بمصالحها المختلفة وثوراتها.

وقد تبلورت العقلانية عبر أطوار إجتماعية عددا شكلت فيها العقلانية القديمة للنوبة ومصر والعراق وفينيقيا واليونـان وفارس إلى حد معين تبلور القانون الروماني كقمة نظرية التطور المادي والفكري للنظم العبودية ثم بداية عصر كامل للإنتقال من العبودية والدخول إلى عصر الإقطاع بإنكسار أضعف حلقات النظام العبودي في الجزيرة العربية .

فقد شكل ظهور الإسلام والحركة العقلية والإسماعيلية فيه قمة ثورية لإسلام الناس كافة من طاغوت تعديد وتزوير القيم بقوة التملك الخاص الذين يجعل بعض الناس يدعون أنفسهم أرباباً للمجتمعات ويترفون دولة أغنياء. مما تغلب عليه التكوين الإقطاعي الحياة والدولة آنذاك حيث إمتدت إقطاعات الدولة عرضاً من حدود الصين إلى وسط أوربا، وطولاً من شرق أفريقيا وموزمبيق وغانا إلى تخوم جورجيا وروسيا. وقد ختم عصر الإنتقال الإقطاعي بدخول التنظيم الرأسمالي لإمتلاك وحيازة المنافع بقوته وبقوة الثورات الشعبية الطامحة للخروج من الإقطاع وخلافته الإسلامية العثمانية من بلغاريا إلى السودان.

وقد أسهم في ذلك الدخول والخروج النشاط المتأجج لحركات الإصلاح و(الحرية) في تركيا وإيران والعالم العربي والبلقان حيث بلور عقلانية الشؤون العامة لإجتماع الناس بإمتلاكهم المنافع بالتعاقد الحر بمقابل نقدي، وتقريرهم الضرائب والسياسات بشكل متحرر من التعصب الديني مما أسهم في إنهاء نظام إقطاع الأراض والسلطات في ذات الوقت الذي شكل فيه جدل الثورات والإستعمار في تلك البلاد وفي أوربا بداية عصر التمدن والرأسملة المعاصر وتبلور معالم العقلانية الراهنة في العالم.

وقد أسست العقلانية في نسقها الإجتماعي-السياسي لحياة جديدة تميزت بـ"الحرية"-بمفهوم لمعنى الحرية يعتبرها حياة لا إقطاعية- وقد نشأت هذه الحرية بفتح نظم التملك الخاص للحقائق والأراضي والسلطات والمنافع. حيث إعتقد أهل التنوير والمدنية إن شرور الإقطاع ناتجة من قداسة ملكه لا من الملكيه الخاصة نفسها، التي يبدو انهم إعتقدوا بإمكان خفض شرورها بفصلها عن القداسة وإباحتها كحق نظري(لكل الناس) عبر قاعدة عمومية لتبادل السلع بالنقود، وتملك المنافع بقواعد"حرية التعاقد" و"العمل المأجور"، و"حرية التجارة"، ورهن السلطة العليا في المجتمع -لا في أسواقه- للإرادة التي يمثلها برلمان منتخب من أصحاب الأعمال والمتصلين بها، يتم فيه ضبط التبادلات السلعية– النقدية بواسطة ضرائب يحددها نواب رأس المال هولاء في البرلمان.

فمثل هذا التعميم للملكية وتنظيم الإختصاص بها وصونها من إطلاقات الملوك والقداسات الحليفة لهم قنن فكر البرجوازية بفكرة ضبط البرلمان لأمور المجتمع بتنظيم دقيق للمالية العامة بميزانية سنوية للمدخلات العامة بما فيها من ضرائب وللإنفاق العام لهذه الأموال عبر نظام غير مقدس، يحاسب عليه نواب البرلمان في إنتخابات دورية بينما يقوم البرلمان المنتخب بمحاسبة الحكومة التي تشكلها القوى الفائزة بإنتخاباته على سلامة وحسن إنفاقها لهذه الأموال العمومية في المنافع العامة التي تقيمها سداً للحاجات المتنوعة وتعميماً لخيرات هذا التنظيم على المجتمع، ونشراً للسعادة فيه.

ووفقاً لهذا التصور الطوباوي جاء تحرر التملك الخاص من قيود الإقطاع بزراعته وألآتها البسيطة، متواشجاً مع تطوير الصناعة وموادها الخام وألآتها بل وحتى مع تطور طبقتها العاملة: فلحاجة هذه الصناعة النهمة الزائدة إلى إستعمار البلدان وشعوبها وإستضعافها لسلب مواردها وإستغلالها، نصرت بعض الأقسام الحديثة في الرأسمالية جوانباً من الحركة النقابية والسياسية للطبقة العاملة فيما عرف في بريطانيا أواخر القرن التاسع عشر وأول القرن العشرين بسياسة (العمال – الاحرار) المعروفة بالإختصار الأول لإسمهما Lib-Lab غمزاً في ثقافة إنجلترا الملكية الأرستقراطية إلى صوت الحذاء الماهل حين يرتدى بإهمال. ولكن ضد هذا التواشج بين البرجوازية الجديدة والعمال ضد الأشكال الأرستقراطية في التجارة والحرف إرتبط الإمتلاك الرأسمالي للموارد العامة بعمليات إستغلال وتهميش جديدة للبشر وبـ"تغريب" المنتجين عن منافع إنتاجهم وحركته كما إرتبط بعملية "إستلاب القيم" من إنتاج المنتجين ووعيهم، وبـ"تشييء" وجودهم بنزع إرادتهم وسومهم كحيوانات الجر والألآت بتجريد إنسانيتهم من أهم خصائص الإنسان وهي الـوعـي.

ويتأسس إستلاب وعي الإنسان وإلهاءه بتجريده من إمكانات تغيير واقعه بقصر نظام التملك الخاص لإمكانات المعرفة الموضوعية وقتله حساسية المستغلين والمهمشين القيمية-الإجتماعية بتسويق متزايد وباهظ لوجودهم ووجود مجتمعاتهم المادي والثقافي. يتم تجريد الإنسان من الوعي بإمكانات التغيير الجذري لوقائع الحياة، يضحى أقصى حلمه عملاً يقتات به أو تجارة ناجحة يرغد بها، غافل عن ما هو أكثر من ذلك، ويأخذ المجتمع والعلم المتبقي فيه طابعاً محدوداً ومغلقاً، تتفاقم فيه تناقضات الإقتصاد والمعيشة والقيم.

وعادة ماينتج هذا النظام معرفة مرتبطة بسماته مأزومة بنهجها اللاتاريخي وبمنطق صيرورتها وأغراضها كأدآة موضوعية مفترضة لتلبية حاجات الناس تتحول بفعل تحكم القوى المالية بمجالس الإدارات إلى خادم نظري وعملي لمصالح الطبقة الطاغية، يزيد في تجريد الناس من إمكانات التغيير.

كما تضحى ثقافة هذا النظام المغلق بحرية السوق والتملك الخاص المالي للمنافع والقيم، ثقافة إستئثارية وإستبدادية، تغتال شخصيات المجتمعات والأفراد وتجتاح سيادة الدول والشعوب وتمتهن كرامة الإنسان، تقيم الديكتاتوريات وتغتال الوطنيين، وتحاصر الشعوب وتحتل البلدان، وتعتقل المقاومين، وتعذب المعتقلين، وتخفي صور المقاومة وتنشر صور التعذيب وأخبار السوق والنجوم والأبراج.

وقد شكلت ممارسات منهجية "صراع الحضارات" منذ إبتكار الإستعمار الحديث والحرب الباردة وحتى إحتلال العراق، نهاية شعارات الحرية، والإخاء، والمساواة، مما يمهد لإنفتاح تطورات عقلية جديدة في علم تحرير البروليتاريا والثورة الإجتماعية.



7- الثقافة كثورة:
على عكس المسيرة الفردية التطور والسمة الدموية والعبثية لثقافة "الأنـوار" المدنيـة في أوربا الغربية الرأسمالية الإستعمارية، قامت في روسيا وإقطاعاتها القديمة حركة المثقفين "النيهاليست"Nihilist أو الإنتلجنسيا Intelligentsia الذين ميزوا بانهم أهل اٌشتغال بالتعريف وإعادة التعريف بشكل ناقد مستدام. وكانت ثورة 1905 الديمقراطية البرجوازية ضد النظام القيصري الإقطاعي هي النسمة المنعشة للإنتلجنسيا في روسيا حسب وصف بولجاكوف Sergey Bulgakov. وقد شملت كلمة "الإنتلجنسيا" حينذاك جميع المشتغلين بالتعريفات، ولكن فيتدوف Fedotov فرزهم إلى ثلاثة أنواع :
1- إنتلجنسيا ليبرالية لاتفكر بالتغيير الإجتماعي
2- إنتيلجنسيا منكفئة لاتعنى بالصراع السياسي،
3- إنتلجنسيا وطنية سلافية تعني بتغيير الأوضاع في روسيا.

وبقراءة ملاحظاته هذه وفق واقع التعدد الثقافي القومي في روسيا والإمكانات السياسية لهذه القوميات يمكن بتمييزه الفئة الإخيرة بشكل موجب تصور إيماء إشارته الأولى لليهود بسمة الليبرالية لإرتباطهم بالتجارة، وإشارته للتتار المسلمين بالسمة الإنكفائية لعزلة هؤلاء، بينما فاز السلاف الروس بتقديره الأسمى. حيث تشكل الفئات الثلاث اليهودية والروسية والتترية، في مجموعها القيصري، التاريخ المتعدد لتشكيل روسيا القومي وتكوينها السكاني-السياسي، وقد يؤخذ هذا الفرز الشوفيني بتعصبه العرقي بأنه يعكس إلى حد ما تشكلاً طبقياً إرتبط بالتشكيل القومي-السياسي، إرتباط البيض بالرأسمالية في جنوب أفريقيا.

ومع بوادر الحركة والثورة الشيوعية إضمحلت النيهالية كحركة مع إنتشار أفكارها في نشر الأفكار العدو ية للمؤسسات كالدولة والكنيسة والحكم والقيم السائدة كما إضمحلت أيضاً بسبب موقفها السلبي من التحزب ونظرتها الإقطاعية إليه كشيطان أكبر..

وكانت النيهالية قد تأثرت منذ عام 1860 بالأحوال الإجتماعية السياسية تاثراً كبيراً أفعمه التاريخ الروسي بفروسية القرون الوسطى بالعقائدية وروح الفداء والتضحية لأجل نصرة الضعيف ونبل المواقف القيمية المعطاءة المميزة للإنسان ككائن تميزي وتعاضدي في آن واحد.

وفي رواية "أباء وأبناء"Fathers and Sons لتورجنيف الصادرة عام 1862 وصف بديع لأحوال كل من النيهاليست والناردونيست إذ جاء ذكر صخب نقاشهم وغرابة أطوارهم وإصطلاحاتهم، وعنف حياتهم، ورثاثة ثيابهم، وطول وشعث شعورهم وغبرة وجوههم، وإطلاق لحي ذكورهم، وعقص وتقصير نساءهم لشعورهن، ورميهن الطرح على أكتافهن، وإنتعالهن أحذية خشنة، وسيرهن بغلظة رجالية ورفضهن التعطر والتزين والتأنق والمكياج، وتدخينهن السجائر (آنذاك) وتماسهم جميعاً مع التعليم العالي أسراً وأصدقاء وأنشطة، وكثرة فصلهم من مؤسساته لخروج حركتهم عن مقتضياته الأولية، وتنوع أجيالهم بعجائز وشباب، ورفضهم وعدائهم لكل السلطات عدا سلطتهم.

وإضافة إلى هذا الوصف كتب تشيخوف Chekhov عن النيهالية كحركة شعبية ضد المؤسسات لما في المؤسسات من تراتب وإحتيال وتزلف، ورعونة وقلة تعليم، وقلة أدب، وكسل ثقافي وعجها بالليبراليين والثوريين الشباب الذين يتحولون في كبرهم إلى قوى المحافظة ملتحقين بها كدعاة حكمة ومحررين. وجملة حالهم قريبة إلى ما نبهت إليه قديماً رواية هومريوس في الإلياذة لقصة المدعو "أخيل" Achilles الذي وجد نفسه في غابة كلمات.

ومما يؤكد هذا التصور إبداع شيرنيفسكي Chernyshvisky في عام 1863 روايته السؤال: "ما العمل؟" What is to be Done? التي عبرت عن خيبة أمل المثقفين بحركتهم الكلامية. وإتجاههم من جلافة الظلم إلى حنان المرأة حيث أصبحت هذه الرواية في تلك البلاد الأرثوذدكسية إنجيلاً يعلم الشبان كيف يعطون المرأة مكانة سامية في علاقاتهم معها.

وكان إمام المثقفين الروس أنذاك القديس رخماتوفRakhmatov الذي كان زاهداً في ملذات الدنيا وأطايب جنسها ولحمها ونومها، مشرقاً فيها بقراءته وجدله العميق، مما جعله نقيضاً لإتجاه (القديس) راسبوتين Rasputin الذي قيل بتعلقه باللذات وقهر أجساد النساء الحاكمات.

ولإن العلاقة بين الواقع الإجتماعي والأسلوب الذي يتخذه المثقف في تكوينه للعمل النقدي تجاه الواقع، تمثل دوراً كبيراً في إعتبار الجمهور لقيمة المثقفين، وفي تباين نظرة المثقفين نفسهم لبعضهم، حتى إن كانت هناك أرضية مشتركة بينهم، وهي نظرة تسهم بدورها في إتخاذ موقف نقدي جديد تجاه أعمالهم وأساليبها وتجاه مرجعياتها ومستقبلياتها. فقد أقصى متأخري الحركة النيهالية المتقدمين منهم، للاحركيتهم السياسية حيث أقصى آستروف، مثلاً، كل من بوشكين وليبرمنتوف وجوجل وتورجنيف وشيخوف وآخرين، وقبل على مضض هيرزن وبيلينيسكي، ورحب بباكونين وبشيرنوفسكي، بينما إستبعد بقوة من النيهاليست الأدباء التقليديون المكررين لمآس الشعب دون وسيلة لحلها كسامارانSamran ، وأوسترفسكيOstervesky ، وتلستوي Tolstoy ودوستوفسكيDostoevsky . وبهذا المعيار الإقصائي لم يجاوز عدد المثقفين في روسيا والتي كانت تضم من البشر حوالى المآئة مليوناً، آنذاك -أي ما قبل الثورة- عدداً يناهز عشرين ألف مثقف فقط.
ولكن بعد الثورة الإشتراكية1917 التي أسهم الإشتراكيون الشعبيون "الناردونست" فيها بقسط وافر قبل أن يختلفوا بتعصب وشوفينية مع التوجهات الوطنية للثورة المتعددة القوميات المجاوزة لروسيتهم وأفقهم القومي ، ذهب الكثير منهم ضد الباطنية السياسية مع ريح الشكلانيةExternalism وعلاقات تركيب اللون والشكل في اللوحة الفنية ودالاته (الظاهرة).

كذلك مع تبدد عالم الإقطاع وتبدد عواصف التأسيس وإنتشارالتعليم والثقافة، وضغط الحرب ثم ضغط المناشفة في المؤتمر الـ20 لحزب السوفييت الشيوعي لإعادة الإعتبار إلى حيازة المنافع بالنقود تحول الناردونست بطبيعتهم الإنتقادية غير الإنتاجية التي عجزت عن إنتاج قطع أدبية أو فنية نادرة، وإن شكلوا بذاتهم مناخاً ثقافيا تحولوا إلى جماعة منقرضة تجتر التراث من ناحية وتتعاطي "الإيجاب العلمي" Scientific Positivism صباح مساء بصورة أفقدتها الروح النضالية والعسكرية العقائدية المميزة للحياة في روسيا.

ولهذا الوضع السالب قام المستبعد دستوفسكي بتقديم "النيهاليست" ضمن عمله "الشياطين" واصفاً غريمه تشيخوف بأنه: ممتد نظري من الحرية الشاملة إلى العبودية، يضحي لإقامة جنة أرضية بينما يقود منطقه للجحيم! وعرض ديستوفسكي لعلاقة السياسة والعٌصب المضحية لإسعاد المجتمع ولكنها ناقدة في ذات الوقت للجماهير. وندد بتقديم هذه العصب الحكمة للناس بدلاً عن إشاعة وسائلها فيهم.

ولا يخرج الخلاف بين كثير من المثقفين في روسيا القديمة أو في الإتحاد السوفييتي برمته او فيما بعده من جمهوريات مستقلة (يخضع بعضها للهيمنة الأمريكية)، عن تاريخ الصراع الإجتماعي في روسيا وتواشجه مع تكويناتها العرقية حيث تميز الروس في الثقافة السيدة بانهم الكادحين المقهورين السامعين المطيعين وتميز اليهود بأنهم الحذقاء حيناً والوصوليين بينما تميز الغالب في العدد منهم بانهم المستضعفين تماماً المعرضين لخطر الحرق (البوجروم) في أي لحظة بينما إستقرت قوميات المسلمين في هامش هامش تصوير الثقافة السيدة للواقع (الروسي) مختزلة وجودهم إلى ماتحت الصفر.

وفي مناخ سلوكي يقدر الندية في التعامل الفردي، والسمع والطاعة في تعامل الجماعة مع القادة، درج الأدب الروسي في بعض تكنيكاته على إستخدام ضمائر اللغة التي توحي ضمن سياقها بدالات يروم الأدب بتشكيلها في أعماله الحديث عن الظالمين والبؤس والثورة كإستخدامه للضميرين "نحن" و "هـم" للإشارة لطرفي وضع غاشم فيه المظلوم والظالم، حيث ترتبط "نحن" بالمستضعفين والشعب و"هم" بالطواغيت.

ففي بيئة إجتماعية وثيقة الصلة بالمشاعات الزراعية، ومزارع الإقطاع الكبير|ة في ظل إقطاع الكولاك ونشوء الرأسمالية كان تفجر الأدب الروسي مثل الينابيع ومثل القنابل، ثورة على النظم الطاغية، وقام بذكاء بمقاومة الظلم المطبق على الروس، كما أفاد رومان مالونليسكي Roman Malwenlisky بتواشج بعض هذا الأدب مع تعصب وعداء لليهود والسامية وللتتر، ومع تداول قلق للسلطة، إستمر ألوف السنوات.

وبعد ضعف النيهالية أستمر تقليدهم العظيم في تعميم الأفكار المعارضة للأطر القهرية مثل "الدولة" و"الكنيسة" بل وحتى ضد الحكم السائدة مثل "النفعية" و"العلمية" و"الموضوعية" حيث سرت في الشباب روح النيهالية السفسطية القلقة المتسآئلة والمدمرة لرخاوة العقول وللقيم التي تستخدم في الظلم حتي عدها بعض الأدباء مثل ديستوفسكي في روايته "الشياطين" The Devils الشيطان الأكبر!

وكان المؤرخ البريطاني بورلوخ في كتابه "القوى الأرضية: الأزمة بين الدين والسياسة منذ الثورة الفرنسية إلى الحرب العظمى" Earthly Powers: The Conflict Between Religion and Politics from French Revolution to the Great War المصدر في لندن سنة 2005 قد نبه إلى حال التزمت الذي طبع شغف النيهال والناردونست بالحرية.

فطوال ستينيات القرن التاسع عشر إستمر تأثير الأحوال الإجتماعية السياسية المفعم بالعقائدية وروح الفداء. مما لازم الذين أتوا من بعدهم وساروا على نهجهم يكسرون القيود العقلية ويهدمون السجون الفكرية بصورة يعجز فيها المرء عن تمييز الصفوة وغير الصفوة فيهم، حيث انهم لم يكونوا ناد أو حزب أو جماعة منظمة، بل كانوا كضوء الشمس والنهار ومياه المزن، وخفقان الحياة.

ولكن من تطور جدل النيهاليست الأحرار والناردونيست المنظمين الإشتراكيين الشعبيين أعداء الصناعة والتنظيمات الحزبية (القديمة) نشأت مع إنتصار الثورة الإشتراكية العظمى سنة 1917 شريحة الإنتلجنسيا Intelligentsia وقد مثل هؤلاء المثقفين نسخة جميلة الشكل ومحسنة من أجدادهم العقليين النيهاليست فإرتبطوا بالتعليم العالي وكانوا منفتحين على كافة المدارس الفكرية وقد خلطهم السوفييت بالمشتغلين بالأعمال الذهنية خلطاً جميلاً في أوله تحول سقماً في نهايته حين صار عددهم سنة 197020.000.000 عشرون مليون من حيث إختلط أصحاب التعليم العالي والثقافة الرفيعة جدا معاً، حيث لم تك ثمة ظروف موضوعية لفرزهم بصورة حادة كما هو في عالم الملكية الخاصة والفقوارق بين العلم والثقافة، فالبحث في خلايا الدماغ أو البلازما صار بحثاً ثقافياً علاوة كونه علمي، وأصول الزراعة أو الصناعة صارت جزءاً أصيلاً من ثقافة القرية والمدينة .

ولكن الأزمة نشأت الثقافة والعلم والمجتمع بعد المؤتمر العشرين فبدلاً عن ربط السوفييت في عهد ستالين للإنتاج الثقافي الأدبي والفني بجمعيات العمال ونقاباتهم والمجالس المحلية (السوفييتات) والأنشطة التعليمية زاد بعد المؤتمر العشرين فبراير1956 وإنقلابه المتمم 1957 وقمع المثقفين البروليتاريين بتهمة الستالينية، ورفع المثقفين (الذاتيين) والعمليين عديمي الإحتجاج، ربط إصطلاح المثقفين بأصحاب مهن الجهد النظري من البيروقراط والتكنوقراط أصحاب المصالح والياقات البيضاء، وبعد بالإصطلاح وأهله أكثر من أصحاب المهن الحارة ذات الجهد العضلي والنزعة المباشرة، بل وفوق ذلك فإن سلطة المناشفة التي قبضت على زمام الأمور في الإتحاد السوفييتي منذ ذلك الحين تركت تمييز المثقفين بمعيار نوعي ثقافي أدق وأنقى موضوعية كمعيار الإشتغال بالأعمال النقدية من تعريف وإعادة تعريف.

وفي بدايات ذلك يرجع دغم السوفييت بين المجالات النظرية والثقافية، إلى إرتباط الإشتراكية العلمية بالجمع بين النظر والتطبيق أي بتأسيس علمي للأعمال وبطابع جماهيري لإقرارها وتنفيذها ونقدها وتنميتها، وقضاءها النظري والعملي على كثير من التمايزات الحادة القديمة بين أنساق الوجدان، والمعرفة، والوعي، التي كانت تمثل -كتمايزات- البيئة المولدة للمثقفين كفاعلين نقديين في الثقافة النظرية للمجتمع، ينبهون لنقص نسق من هذه الأنساق في كافة الأعمال والتخيلات المحققة.

وبتغييب الإشتراكية العلمية هذه التمايزات إضمحلت الإمكانات الموضوعية لوجود مثقف نقدي من الطراز القديم لثقافة المجتمع بل أصبح تناسق الوجود والمعرفة والوعي والوجدان عملية حياتية تمارس بها مهن التعليم والطب والحقوق، والمهن الإدارية في الدولة و(المهن) الأدبية والفنية مما يحد من نقد هذا التناسق ويتجاوزه تقدماً.

وبهذا التقدم بقى الإصرار على هذا القديم المندثر حالة رجعية للتعامل مع الواقع الذي تقدم، مما تسبب مع أسباب أخرى في تدمير الحال الإشتراكية وحل إتحاد السوفييت، وهو أمر يختلف موضوعيا عن السياق التاريخي والإجتماعي لسيرورة الثقافة والمثقفين وإنتقالهما التقدمي بالمجتمع من حالات التفاوت بين العقل والعقلانية والحداثة والعدل إلى علم الثورة الإجتماعية.



8- إنفتاح الثقافة وتحدد المفهوم السياسي للمثقف:
مما سبق عرضه يمكن القول أن التطور الموضوعي والكمي لدعاوى وحركات الثقافة النقدية وتحولها من حيث النوع إلى حركة تغيير سياسية-إجتماعية-إقتصادية شاملة ذات أسس وآفاق علمية تحرر المجتمعات من أوضاع الحاجة لضرورات العيش وتكالب الناس على منافع الحياة حرية قائمة بالضرورة بتقدم المجتمعات من هذه الحالة المحددة لتطور الإنسان إلى حال متسعة من الإشتراك والقسط في موارد الحياة والكدح فيها والإنتفاع بها، وإشاعة خيراتها. أي بكونها حركة شيوعية: تم ربط الروح النقدية بطابعها التغييري بالعمل المباشر لأجل تناسق وجود الإجتماع البشري ومعرفته ووعيه.


وبذا يمكن القول أن مفردة "المثقف" التي تحولت بالنضال الإشتراكي لمفردة بروليتارية الثقافة، كونها ترتبط عامةً بحال الثورة على الأوضاع الظالمة ومفاهيمها، تبدلت وتغيرت في عالمنا المهمش رأسماليةً وتحورت بضغوط الإستلاب وتغبيش الوعي وتحورت إلى مفردة مفتوحة أو بتعبير أدق تحولت إلى مفردة ملتبسة يخضع إستخدامها للمصالح الطبقية، حسب سياق إستعمالها وتخديمها، وأضحت مفردة واسعة تشمل كل من يشتغل ببعض الأبعاد النظرية للأعمال بعيداً عن موضوعية وتاريخية ومعلومية وثورية مادة شغله إضافة إلى شمولها القديم الجزاف لجميع الأشخاص المشتغلين بنقد الأعمال الأدبية والفنية ومفرداتها وتعريفاتها. وإن إحتفظت مفردة "المثقف" [بصورتها المعرفة بحرفي التعريف] للشخص المتناول بها بنوع من التميز لمجرد تناوله المستمر للأمور العامة في معرض إشتغاله المهني جزاء حميداً لكونه رفض بهذا التميز أن يكون جزءاً مكروراً أو مجتراً من نظام الوجود الإجتماعي ومعرفته ووعيه.


بعض المراجع في الموضوع:

1. نيكوس بولانتزاس، الطبقات الإجتماعية والسلطة السياسيـــة، دار الثقــافة الجديــدة، القاهرة، 1989

2. مهدي عامل مقدمـات نظريـة لدراســة أثـر الفكـر الإشتـراكـي في حركة التـحرر الوطنـي
الجزء الأول: في التناقض الجزء الثاني: في نمط الإنتاج الكولونيالي ، بيروت، دار الفارابي، الطبعة5، 1986

3. Albert Einstein Socialism Why? Monthly Review Issue No: 1/ USA, 1949
www.google.com/ Socialism Why? Albert Einstein
وتوجد ترجمة للمقال بمجلة الحزب الشيوعي العراقي، الثقافة الجديدة 1998

4. Samir Amin, Delinking, Translated by M Wolfers St Martin s Press, USA. 1990

5. Samir Amin, Russell Moore; Eurocentrism, Monthly Review Press. 1990

6. جورج لوكاتش، تحـطيــم الـعـقــل ، ت الياس مرقص، دار الحقيقة، بيروت، الطبعة(العربية) الأولى1980


7. شبـل بـدران، صنـاعــة العــقــل، كتاب الأهالي 44، القاهرة،1993

8. هـ. شرودر، ج .كنتريك، د. دافيد، التسـويــق السياســي، ترجمة علي مقلد، منشورات عويدات، بيروت + المطبوعات الجامعية الفرنسية. باريس1983

9. Society and Science Journal, Issue No: 1, Century after Engels, Articles for Engels Memorial Conferences, Guilford. London. N Y. 1998

10. حسقيــل قوجمــان، مابعد المؤتمر العشرين http://www.rezgar.com/m.asp?i=404

11. Stathis Kouvelakis, Philosophy and Revolution: From Kant to Marx, Verso, London. 2003

12. Michael Burleigh, Earthly Powers: The Conflict between Religion and Politics from French Revolution to the Great War, Haper Collins. London. 2005

13. Paul Johnson, The Intellectuals, Weidenfeld & Nicolson. London.1988

14. Geoffrey Hosking, Russia, People & Empire 1552-1917, Harper Collins, 1998
(روسيا كدولة إمبراطورية متعددة الأعراق وليست دولة ذات أمة واحدة).

15. Richard Pipes,Russia Under The Bolshevik Regime (1919-1924) Harper Collins .1995
• ريتشارد بايبس: بولندي المولد، أكاديمي، كان مديراً لقسم الإتحاد السوفييتي وشرق أوربا بمجلس الأمن القومي الأمريكي عهد الرئيس ريغان. إبنه دانيال مدافع كبير عن الصهيونية ورئيس ”مجلس السلام في الشرق الأوسط"

16. جـورج بيلـخــانــوف ، المنـطــق الشـكلــي والمنـطــق الجدلــي، دار الثقافة المعاصرة، بيروت،1985

17. فرنـاند دومـون، الآيديولوجيــات، ترجمة وجيه أسعد. وزارة الثقافة. دمشق. 1977

18. المنـصــور جـعــفــر، نـقــد "نـقـد العـقــل الــعربـي"/ الدعوة للتعددية من موقع واحدي، جريدة الخرطوم، القاهرة، 1993

19. المنـصــور جـعــفــر هويــة الأزمــة في موضوع أزمــة الهويــة: عناصـر أوليــة، rezgar.com

20. المنصور جعـفــر ، لمحات من تاريخ صراع الثقافات في روسيا وارد ضمن كتاب تأثيلات (غير منشور)

21. A.S. Skinner, Economics and History, The Scottish Enlightment, Scottish Journal of Political Economy 12.Glasgow.1965

22. Q. Skinner, The Foundation of Modern Political Thought, Vol. 2 CUP. Cambridge. 1978

23. Kaarsholm, Cultural Struggles and Development, James Kerry Publishers. Oxford. 2000

24. David W. Cohen and E. S. Atino Odinhambo. Politics of Knowledge and the Sociology of Power, EAEP. Nairobi. 1992


25. De La Haye, Marx & Engels on the Means of Communication: The Movement of Commodities, People, Information and Capital, International General .NY, 1979

26. Robert McChesney, Corporate Media and the Threat to Democracy, Open Media Pamphlet Series, Seven Stories, NY, 1997

27. Graham Murdock and Peter Golding, Capitalism, Communication and Class Relations, James Curran, Michael Gurevitch & Janet Woollacott. 1977 http://www.google.com/Marxist_Media_Theory/Capitalism,Communication and Class Relations

28. Home K.Bahbaha, The Location of Culture, Routledge. N.Y. 1994

29. Gabriel R. Warburg, National Identity in the Sudan: Fact, Fiction and Prejudice in Ethnic and Religious Relations, AAS Vol. 24/2. Haifa Univ1990

30. فيصل دراج، نحو خطاب ثقافي جديد في الفكر والسياسة: العلم والدين، والتصور التلفيقـي، الطريــق، الحزب الشيوعي اللبناني، يوليو /أغسطس 2003

31. جورج لوكاتش، التـاريــخ والوعـي الطبــقـي، ترجمة: حنا الشاعر ، دار الأندلس، بيروت، 1982، ونفس الكتاب بحساسية مختلفة تتجلى في إختلاف العنوان الثاني للكتاب:
G. Lukacs A Defense of History and Class Consciousness Tailism and the Dialectic, Verso, London, 2002

32. كـ. أوليف، الوعــي الإجــتــماعي، ترجمة: ميشيل كيلو، دار إبن خلدون. بيروت. 1982

33. Keyan G. Tomaselli, The Marxist Legacy in Media and Cultural Studies: Implications for Africa, Natal University Press .1986, Communication, Vol 13, No 2, 1987. Africa Media Review. SA 9(3). 31-01-.1995

34. المنصـور جـعـفـر، ماهي النظرية المختلفة لأصل وعمل ونتائج رأس المال في الســودان؟ ،
ماهو التحليـل المختلف لحركة الـثورة في الســودان؟ نشرت في دائرة ضيقة آواخر عام 1994 ثم في الطريق، المجلة الفكرية المصدرة من الحزب الشيوعي اللبناني، بيروت، سبتمبر- أكتوبر 1996

35. Samir Amin, Specters of Capitalism, A Critique of Current Intellectual Fashions, Monthly Review Press. USA. 1998

36. نـورالدين ســاتي، إنقاذ السودان من ثقافة وسط السودان ..الأسس الإقتصادية الإجتماعية لإحترام حقوق القوميات الآخرى في السودان، مجلة الثقافة السودانية، وزارة الثقافة والإعلام، الخرطوم، أغسطس1980

37. عبدالله أحمد بشير بولا، شـجــرة نســب الغــول في مشكل الهويــة الثقافيــة (أطروحة في كون الغول لم يهبط علينا من السماء)، مسارات جديدة.عدد1. إعلام لواء السودان الجديد. أسمرا، 1998

38. خـالد حسـين الكـد، الأفنــديــة ومفهوم القوميـــة 1928-1898، مجلة الدراسات السودانية. المجلد12 . معهد الدراسات الأفريقية-الأسيوية، جامعة الخرطوم. الخرطوم. أبريل 1992 ورد بكتاب د. منصور خالد:"السودان، أهوال الحرب وطموحات السلام، قصة بلدين"

39. Paul V. Korskrity, Regimes of Language, Ideologies, Policies and Identities, SAR.Canada.2000.

40. Noam Chomsky, Problems of Knowledge and Freedom, Pantheon, 1971

41. Ali. A. Mazrui, Cultural Forces in Politics, EAEP. Nairobi. 1990

42. Michel Foucault, Ethics, Essential work of Foucault1954-1984, Edited: Paul Rabinow Translated: Robert Hurley and others, Penguin. London. 1997

43. Ben G. Balount, Language Culture and Society, Waveland Press, Illinois,1995

44. Drik van der Eist, Culture as Given, Culture as Choice, Waveland Press, Illinois, 2003

45. Jens A. Christophersen, The Meaning of “Democracy” as Used in European Ideologies from French to the Russian Revolution Universitetsforlaget. Oslo. 1968

46. David Harvey, The Condition of Post modernity, Oxford.1989

47. Arjun Appadurai, Disjuncture and Difference in the Global Cultural Economy
www/ Public Culture. 2/ 2 Spring 1990

48. Arjun Appadurai Modernity at Large: Cultural Dimensions of Globalization Minneapolis, 1996

49. رضوان السيد: قضايـا المركزيـة والوحـدة وعلاقـة المـركـز بـالأطـراف الفكر العربي، عدد 11، 1979

50. عبدالمنعم تليمة، سيـموطيقيـا الثقافـة، الفكر. الدار البيضاء، 1986

51. Michael Parenti, the Culture Struggle, Seven Stories Press. London. 2006

52. الفصيـل الشيوعي العالمي، أطـروحــات التوجيــه البرنــامجي ، بروكسل،1989

53. The Cambridge Dictionary of Philosophy, CUP. Cambridge,. 1999

54. Gunnar Skirbekk & Nils Gilje, A History of Western Thought from Enceinte Greece to the Twentieth Century N Y.1972. In English 2001. London. Routledge

55. Roger Scruton, Modern Philosophy; An Introduction and Survey Pamlico. London. 1994

56. Ed. Roger Scruton, A Dictionary of Political Thought, MacMillan.London. 1996


57. Mike Haralambos & Martin Holborn, Sociology.. Themes and Perspectives, Collins. London. 2001





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,047,518,876
- أطلقوا سراح البلد
- نقاط من تاريخ الثقافة الرأسمالية في بريطانيا، بعض تفاعلات ال ...
- دراسة لأحد ملخصات المناقشة العامة
- الأزمة العالمية و الأزمة السودانية في دارفور
- أهمية العملية الثورية في تكريب القيادة وأهمية القيادة في تكر ...
- مشارق الأنوار... نقاط عن الحركة الإسماعيلية وجماعات إخوان ال ...
- ثلاثة أسئلة
- الماركسية الجديدة وصناعة تجميد الإشتراكية في القالب الفطير ل ...
- مشروع دراسة: -نقاط في تاريخ أمريكا الجنوبية وبعض المعالم الس ...
- بعد إعدام صدام، أهناك سبيل لقيام جبهة وطنية بين أحزاب الكورد ...
- الحزب الشيوعي العراقي والنضال المسلح ضد الإحتلال الأمريكي ال ...
- الحوار المسلح
- في رحاب الأنفال الصليبية .....له الجلال ... قائدنا القتيل مي ...
- نقد عقلية -جرِب حظك- في تقويم وجود الحزب وافكاره
- نقاط في التاريخ الثوري للسوفيتات والعوامل الإصلاحية والرأسما ...
- مقدمات تلخيص ستالين للفلسفة المادية التاريخية ونتائج الهجوم ...
- العولمة والخصخصة في تأثيل الفكر التنموي
- ما بعد الإيمان
- نقاط في علاقة المعرفة والمنطق والفلسفة والعلم والسياسة
- المنصور جعفر


المزيد.....




- كيف يمكنك التقاعد في الثلاثينيات أو الأربعينيات من عمرك؟
- نقل نائبة مستشار الأمن القومي الأمريكي بعد خلاف مع ميلانيا ت ...
- المخابرات الأمريكية تحصي الراغبين في اقتناء -إس-400- من بينه ...
- كيم جونغ أون يتمنى للأسد النجاح في مكافحة -مكائد الأعداء-
- فيديو.. ولي عهد السعودية يجتمع بعدد من أسر قتلى الجيش السعود ...
- مصادر استخباراتية أمريكية: 13 دولة تريد شراء -إس 400-
- أهم سبع فوائد للتمور للصحة
- بطلب من ميلانيا.. ترامب يقيل مساعدة مستشار الأمن القومي
- في استعراض للقوة... البحرية الأمريكية تنفذ مناورات بالقرب من ...
- التحالف العربي يتهم -أنصار الله- بتعطيل دخول السفن إلى ميناء ...


المزيد.....

- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - المنصور جعفر - شذرات