اعتذار للفلسطينيات ....وهل ينفع الاعتذار؟


امال قرامي
الحوار المتمدن - العدد: 7911 - 2024 / 3 / 9 - 12:09
المحور: ملف 8 اذار / مارس يوم المراة العالمي 2024 - أوضاع المرأة في الحروب والصراعات وكيفية حمايتها، والتحديات التي تواجهها     


تتعدد منذ عقد، أشكال "الاحتفال باليوم العالمي للنساء 8 مارس وتتكرّر في كلّ سنة، محاولات تجريد هذا اليوم، من رمزيته النضالية. فتتضاعف التظاهرات الثقافية والأيام الدراسية الأكاديمية والمؤتمرات النسوية المنعقدة في الفنادق، وتُكرّم عدد من المناضلات والناشطات وغيرهن، وتتكثّف التغطية الإعلامية والبيانات... وهو أمر يجعل عددا من الحقوقيات والمناضلات منخرطات في عملية التصحيح والتعريف والتذكير بالتاريخ النضالي وما حدث للنساء والتأكيد على أنّ 8 مارس تاريخ تتجدّد معه أشكال النضال فتنطلق المسيرات النسائية والمبادرات النسائية /النسوية، الفردية /الجماعية الشجاعة و الثورية وتُتجاوز فيه أوامر المنع التي تفرضها بعض الدول، وهو ما حدث في السنة الماضية(2023) في باكستان.

ولم يختلف الوضع هذه السنة غاية ما هناك أنّ إبادة غزّة أجبرت المنظمات/ين على وضع بعض الشعارات والصور والأعلام مناصرة للفلسطينيات، ودفعا للإحراج، أو "جبرا للخواطر أو اتقاء لشرّ المجموعات التي تشكلت مؤخرا لمقاومة التطبيع ومناهضة سياسات الاحتلال وتواطؤ الأنظمة الامبريالية ...وتجاورت مع هذه المحاولات الموحية بأنّها لا يمكن أن تنسى القضية الفلسطينية دعوات لتنظيم مسيرات هدفها الرئيس الاستمرار في المقاومة.
وفي المقابل استمر الإعلان عن التظاهرات والندوات النسوية في مقرات السفرات الداعمة للاحتلال والإبادة أو المؤسسات التابعة لها "وكأنّ شيئا لم يكن...وبراءة..." ولا يستغرب موقف" المثقفات" فللمصالح أهميتها وللامتيازات أحكامها وللصمت دلالته فقد تعطلت لغة الكلام و اصيبت كلّ الأصوات الجريئة بالعطب ولربما هي محتاجة إلى وضع المسافة بينها وبين الأحداث إذ لا يمكن أن نكتب والوقائع مستمرة...
هي أجيال متعددة نشأت على القيم التي أذاعتها منظومة حقوق الإنسان للنساء وآمنت بضرورة مناهضة سياسات التهميش والإقصاء والهيمنة وثقافة اللامساواة واللاعدالة وتفكيك بنى الاضطهاد وإقامة مجتمع إدماجي...ولم تتدخر جهدا في سبيل تبني المعجم الاصطلاحي والنظريات وإدماجها في خططها وبرامجها (التمكين، امتلاك الصوت، كسر جدار الصمت، التقاطعية...)وتنفيذ نصائح البنك الدولي وشعار الأمم المتحدة الأخير الخاص بأجندا 2030 لا يجب أن تُترك أي امرأة خلفنا no woman must be left behind—وغيرها.
وهي أجيال اقتنعت بوجاهة التشبيك والمناصرة وبناء التحالفات فانخرطت في العمل مع ممثلات النسوية العابرة للقوميات والنسوية العابرة للثقافات و نسويات الجنوب و النسوية التقاطعية ...وتعلّمت أهميّة التضامن النسوي، والأخاوتية sororité féminine، وإنشاء الفضاءات الآمنة للنساء وتحدثت عن الكرامة الإنسانية والعيش معا باختلافاتنا والسلام من وجهة نظر النساء ...وتعلّمت الصمود والمقاومة ووضع الاستراتيجيات وصياغة الخطط وتحديد الأولويات واحتياجات النساء وأنشأت برامج دعم القدرات وبناء القيادات النسائية التغيرية ومحاربة الفقر والعنف والعنصرية والهشاشة والتغير المناخي...
اليوم، تضعنا حرب الإبادة والتطهير العرقي لغزة والتجويع أمام الاختبار؟ هل كنّا في مستوى التوقعات والآمال المعقودة علينا؟ وهل كان أداء الحركات النسوية في العالم العربي/الإسلامي/البلدان الناطقة بالعربية ...على قدر المسؤولية الأخلاقية؟ هل وضعنا كلّ هذه المعارف التي راكمناها والخبرات التي مررنا بها على ميدان الاختبار ونزلناها على الأرض؟ هل كانت ردود أفعالنا وبياناتنا ومواقفنا معبرة بالفعل عن قناعتنا بكلّ المفاهيم والمصطلحات والنظريات التي اشتغلنا بها وتنافسنا من أجل إثبات مدى تمكننا منها؟
فلنسائل أنفسنا قبل أن نطالب بمساءلة الآخرين ومحاسبتهم ...ولنمارس النقد الذاتي قبل أن ننقد الآخرين. ولنقل بكلّ شجاعة أنّنا قصّرنا وارتبكنا ولم نكن مستعدات. باغتتنا حرب الإبادة ولم نجهزّ عدتنا واستراتيجياتنا فلم نستطع أن نحلل كل الأبعاد ....فحسبنا ... وراعينا مصالحنا وامتيازاتنا واخترنا أشكالا من التبرير . فماذا عسانا أن نفعل ؟لا نملك شيئا أمام التحالف الدولي...
ولكن ما فائدة كلّ ما انتج من سرديات حول التمكين وتنمية القدرات وفاعلية النساء والمرأة القوية صاحبة الإرادة والقيادة النسائية ...ألا يعني خطاب التنصل من القيام بأدنى فعل مقاومة تثبيت التمثلات الخاصة بالنساء (الضعف ، الجبن...)
وبرّرت أخريات بأنّ التمويل انقطع وليس بوسعنا تنظيم أية تظاهرة...
ولا معنى لهذا الموقف سوى ترسيخ فكرة التبعية وتحول بعض الجمعيات إلى مؤسسات مرتبطات بأجندا التمويل...كثيرة هي التبريرات التي تقدّمها النساء/النسويات/الحقوقيات للتهرب من الموضوع الرئيس وهو لماذا عجزنا عن تنظيم حركة نسائية مقاومة ونحن اللواتي تباهين "بالربيع العربي ربيع النساء " وكتبن سردية جديدة وتاريخا جديدا ثورة المرأة العربية"...
لقد أثبتنا أنّنا لازلنا نمثل نسويات العالم الثالث":عديمات الحيلة ، تابعات، منكسرات وضعيفات وبذلك رسّخنا هيمنة "نسويات العالم الأول بينما أكّدت أخريات ولاءهن للنسوية البيضاء الاستعمارية والمتواطئة مع الإمبريالية و الرجل الأبيض وسياسات القمع والاضطهاد واستغلال الشعوب...
حرب إبادة غزّة كشفت عن مأزق النسويّة فهل بالإمكان تحليل مواقف النسويات وإعادة تعريف الحركات النسوية وضبط توجهاتها في ضوء هذا السياق الجديد؟