ما بعد الحداثة (خريطة مبسطة ) 1-3


محمد دوير
الحوار المتمدن - العدد: 7230 - 2022 / 4 / 26 - 19:39
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر     

من اين نبدأ الحديث عن ما بعد الحداثة؟
وماذا نعني بها بالضبط؟

وهل قراءة ما بعد الحداثة ومدخلاتها ضرورة لفهم وقاعنا المعاصر؟
س1: من أين نبدأ: غالبية المفكرين ينطلقون من الدراسات الثقافية، ولكننا هنا سنبدأ من المسارات الاقتصادية.. انطلاقا من فكرة مؤداها أن الناس ينسجون علاقاتهم الاجتماعية وتصوراتهم عن الأشياء وفقا لعلاقات الإنتاج. ولذلك من الضروري ربط الاقتصاد بالثقافة.. وليس بالسياسة فقط.

س2: ماذا نعي بما بعد الحداثة: نعني بها تلك الأفكار والتصورات التي تسعي لتجاوز مشروع الحداثة الغربي كما ظهر لنا في الفترة من القرن 16 وحتي منتصف القرن العشرين. والتي تؤمن بمركزية العقل.

س3: هل دراسة ما بعد الحداثة ضرورية ؟: نعم.. من اجل هدف واحد ووحيد.. وهو أن المسار العالمي المعاصر لم يأت مصادفة، بل جاء نتيجة ارادات ما.. أرادات أن تنقل نظرية المعرفة من مجال الارتباط العضوي الي حيز التفكيك والتشظي.. بهدف فتح العقول بعدما تم فتح الأسواق.. لتقبل ما ينتجه المركز من سلع مادية أو لا مادية.

ولذلك.. فالحديث عن أفكار ما بعد الحداثة- يرفضون مقولة نظريات لاعتبارها رؤي مغلقة – يجب أولا أن نحاول رسم خريطة الفكر الغربي منذ مطلع الحداثة، لنكشف عن مسار التحولات من الحداثة الي ما بعدها..
ارتسمت الحداثة الغربية وفق عشر مقولات 1- الإصلاح الديني 2- الفكر الفلسفي 3- التقدم العلمي 4- التقدم الاجتماعي 5- التنوير 6- العلمانية 7- الحرية السياسية 8- الحرية الاقتصادية 9- الفنون والآداب 10- التطور التكنولوجي.
تلك المقولات العشر التي يمكننا وضعها تحت ثلاثية كبري أو عناوين ثلاثة كبري هي العقلانية والحرية والتقدم.. ويمكن وضع تلك الثلاثية أو ردها الي مقولة واحدة وهي " العقل " كمعيار او مركز ثقل الحداثة.. ومن القمة الواحدية تلك الي القاعدة العشرية يمكن أن نقول أن الغرب أنتج حداثة قادرة علي احداث تحولات حقيقية في العالم..

ولكن من الضروري أيضا أن نتوقف قليلا أمام تحولات أخري كانت متوازية الي حد ما مع تلك التحولات أري أن لها دور مهم.. وهي الدين واللغة والفردانية ( لها علاقة بما بعد الحداثة)
الدين: منذ الاعتراف بالمسيحية في القرن الرابع في الإمبراطورية الرومانية.. تم الإقرار بعولمة المسيحية.. ومنذ قرار عمرو بن العاص بتجاهل رسالة بن الخطاب والمضي قدما لاحتلال مصر تم نقل الأفق الإسلامي من حيز الجزيرة الي خارجها ومنها الي عولمة الإسلام شرقا وغربا..

ومنذ أن تم عولمة الدين دخلنا في منطقة صراع دينية كبري بعدما كانت الديانات محلية الطابع.. وحينها لم تكن هناك حروبا دينية.. نستخلص من هذا التصور أن عولمة الأشياء يدفع الي الصراع..
اللغة: مع الاستعمار تحولت لغة المستعمرين الي اللغات السائدة والمهيمنة في العالم الحديث علي حساب موت لغات كثيرة وخاصة في افريقيا وما يسمي بالهنود الحمر..أي تمت عولمة اللغة ابتداء من القرن القرن الثامن عشر وربما ما قبل ذلك بكثير
الفردانية: علينا أن نقر بداية أن النزعة الفردية لم تكن ابنة الاقتصاد الرأسمالي أو نظريات العقد الاجتماعي بقدر ما كانت مدينة بالفضل الي الإصلاح الديني الذي اعتبر أن التدين علاقة خاصة بين الفرد وربه، ولذلك هناك من أعتبر أن البروتستانتية أقرب الي الرأسمالية من أي مذهب أخر.. وأستطيع أن انطلق في دراسة مفهوم الفردانية من الدين مرورا بالاقتصاد ثم أخيرا الفلسفة وأفكار ما بعد الحداثة..
ماذا يعني كل ذلك ؟

يعني أن الفعل الاجتماعي.. الفعل البشري يخضع لشروط موضوعية الي حد كبير..فنشر الدين الإسلامي لم يكن الهدف منه فقط هو هداية الناس، بقدر ما كان مدخلا للهيمنة علي الخراج، ونشر المسيحية وخاصة في المستعمرات لم يكن الهدف منه فقط رفع كلمة المسيح عالية بقدر ما كانت أداة لخلق مبررات لاستنزاف الفائض الاقتصادي للمستعمرات.. هنا لعب الدين دورا ثقافيا بامتياز عبر تحويل التصورات حول الحياة والكون والخلق باتجاه رؤية المستعمر. وهكذا يمكن القول في حديثنا عن اللغة.. والفردانية..
ظلت الحداثة اذن تقدم إنجازاتها وخدماتها للبشرية بشروطها هي.. نعم.. تهدي العالم منجزات علمية عظيمة وتعلي من شأن العقل، ولكن تلك المنجزات كانت تصنع حقنة المخدر وطلقة الرصاص في الوقت نفسه، تبشر بالحقوق السياسية وتنتهك القيم الإنسانية في المستعمرات في الوقت نفسه، ولذلك انقسم العقل الغربي الي مستويين، عقل منتج للحضارة في سياقها الغربي، وهادم لحضارات أخري في الوقت نفسه، ومن ثم فهو عقل مصاب بحالة شيزوفرينا أو فصام..وكان من الطبيعي بعدما انقلب علي العالم الأخر باستعماره، أن ينقلب علي نفسه، بالحروب الداخلية في الحربين الأولي والثانية.. وبعد نهاية الحربين كان من الضروري أن يتوقف كل شيء لتعيد الحداثة مراجعة نفسها بعد حوالي 450 سنة من الفعل..
هنا... تم مراجعة المقولات العشر.. والثلاثية الحاكمة.. والمفهوم المركزي أيضا وهو العقل نفسه..وكان القرار هو ضرورة تجاوز تلك المرحلة الحداثية بأي صورة من الصور.. ليس لوقف احتماليات الحرب فقط.. ولكن لأن الاقتصاد نفسه أصبح لا يتحمل مقولات الحداثة التي تفرض عليه أن يدفع ضريبة الحداثة من خلال تقديم الضمانات الاجتماعية والرعاية الصحية وساعات العمل ومنهج العمل نفسه.. ومن هنا ووفقا لشروط المنتصر( الاقتصاد ) تم استبدال الاقتصاد ليحل محل العقل.. بل ويصبح العقل نفسه في خدمة المشروع الرأسمالي الذي تحول الي مشروع اقتصادي بحت..

هنا تم النظر في المقولات العشر ومحاول اقصاء بعضها وتوظيف البعض الأخر. فما الذي حدث؟

في الثلث الثاني من القرن العشرين ( 1933-1966)

1- ومن هنا تم استدعاء الكينزية، ودولة الرفاة بعد ذلك للهروب من شبح الشيوعية، هوبزباوم قال ان ازمة الكساد الكبير هي تعبير عن ازمة الليبرالية التقليدية. وبعد خروج الرأسمالية من النفق المظلم تم اقصاء الكينزية لصالح مقولات السوق الحر..
2- علي الصعيد الاجتماعي تم استدعاء أيضا نظرية الوظيفية عند تالكوت بارسونز، الذي كانت في نظر ايان كريب محاولة رأسمالية للهروب من تأثير الماركسية.. بارسونز يدافع عن الاتزان الاجتماعي عبر التكيف، عكس توماس كون الذي قال بضرورة تغيير النموذج فور اثبات فشله.الي ان تم التخلي عن بارسونز في نهايات الستينيات بعد ازمة 68 تقريبا.. لعدم الحاجة اليه..
واستدعاء كينز وبارسونز كان الهدف منه: الالتفاف حول الصراع الطبقي بالتوفق الطبقي.. عند كينز والالتفاف حول الصراع الاجتماعي بمفهومه الماركسي ليحل محله التوافق الاجتماعي..
لذلك يعتبر كينز وبارسونز قاما بنفس الدور الذي قام به ادم سميث وريكاردو اقتصاديا، وهيجل وكانط فلسفيا.. في تصوراتهما عن قيمة الفلسفة في عقلنة الواقع الاجتماعي. هنا نحن امام عمليات إحلال وتجديد، اقتصاد اجتماعي بدلا من اقتصاد ثوري.. وعلم الاجتماع محل الفلسفة.. هنا البشر يؤسسون مقولاتهم الفكرية وفقا لواقعهم الاقتصادي/ الاجتماعي، وفقا لتشكل علاقات الإنتاج.
في الثلث الأخير من القرن العشرين (1968-2000) حدثت تحولات كبري..

طفرة التقدم التكنولوجي.. ثورة الاتصالات والثورة التكنولوجية بدأت.. تزامن معها ظهور الشركات متعددة الجنسيات.. ونقل الصناعات كثيفة العمالة الي خارج الغرب، والصناعات الخطيرة الي بلدان الجنوب.. مع فتح الأسواق، مما ادي الي تحول خطير وذا مغزي.. وهو أن حركة التبادل التجاري زاد بمعدلات فائقة ومن ثم حلت التجارة محل الصناعة في ترتيب أولويات النظام الرأسمالي.. بسبب نمو التجارة العالمية.. بحيث نجد ان نمو الصادرات يزيد بصورة مستمرة.. الامر الذي انعكس علي الوضع العالمي كالتالي:

1- ضرب أفكار التنمية المستقلة (انتشار القروض والمنح من خلال المؤسسات الاقتصادية الدولية مثل صندق النقد والبنك الدولي).. واستثمرت الراسمالية الطفيلية هذا التحول وكونت شبكة علاقات اقتصادية ترسخ لفكرة التبعية.. فهيمنت علي المجال العام في بلدانها
2- فتح الأسواق المحلية، وانتشار سلع كثيرة غير ضرورية ( هنا يدخل التسوق وعلم النفس في تعظيم قيمة تلك السلع وخلق العادة لاستعمالها )
3- نقل ثقافة وقيم وتقاليد غربية الي شعوب العالم..( الكوكاكولا.. وماكدونالدز .. والأزياء)
4- تعضدت وقويت هذه المرحلة بصعود تاتشر وريجان للحكم وبداية عصر اقتصادي جديد تقوده الليبرالية الجديدة.
وجد العالم الثالث نفسه أمام معضلة جديدة، فما أن فاق وتخلص الي حد ما من الاستعمار التقليدي حتي وجد نفسه غارقا في التبعية، ولم تكن تلك التبعية تعبيرا عن مزاج الغرب الاستعماري بقدر ما كانت ضرورة لفتح أسواق الجنوب لمنتجات الغرب.. هنا حدثت واحدة من أكبر أزمات الجنوب، حيث انقسمت النخبة ومعها العقل الجمعي لتلك الأمم الي مسارين، الأول: حالة انسحاق طوعي أمام الغرب وتبين مقولاته ودوافعه ومساراته، والثاني الانكفاء علي التراث ومحاول استنهاضه من أجل مقاومة هذا النزوح الغربي.. وكلا الموقفين كانا علي خطأ بالطبع..

وجد العالم الثالث نفسه أيضا امام معضلة كبري.. وهي ان سيطرة الفئات الطفيلية علي الاقتصاد عبر التوكيلات والتجارة والاستيراد وإغراق الأسواق، الي ان تحولت الطبقة الوسطي الي طبقة هشة، تضعف باستمرار ويتراجع دورها السياسي بالضرورة، وتأثيرها الثقافي أيضا، مما منح قوي الإسلام السياسي وقوي الاغتراب الحداثي وما بعده فرصة تاريخية للهيمنة علي العقل الجمعي للأمم.. وأصبحنا امام مستويين من اليمين غاب ثالثهما.. الاولي هو اليمين الديني والثاني هو اليمين الطفيلي.. وغاب الثالث وهو اليمين الليبرالي بمعناه التقليدي الذي يقوم علي بناء مجتمع صناعي حقيقي تنضج معه مقولات الليبرالية..

يبقي السؤال: كيف انتقلت الرأسمالية الاوربية من مرحلة الحداثة الي مرحلة ما بعد الحداثة؟ أي ما هو المقدمات الاقتصادية لذلك ؟

1- الرأسمالية في القرون الأربعة الأخيرة انتقلت من مرحلة الصناعات الثقيلة والطبقة العاملة الكثيفة.. بمساعدة العلم والتكنولوجيا الي مرحلة النفط وسيادة التجارة البينية لنقل المنتجات وفتح الأسواق.. ثم الي مرحلة تكنولوجيا الاتصالات.. وفي كل مرحلة من تلك المراحل كانت تنحو باتجاه تعظيم الربح والاحتكار..
2- الاستثمار الأمريكي في الغرب كان من 1950-1975، ولكنه تحول للجنوب من 1974 تقريبا وضخ المليارات في صورة قروض، أدت الي خدمات الدين والدخول في نفق التبعية تحت اشراف المؤسسات الاقتصادية
3- كان لابد من أن تعمل الثقافة والاعلام والتعليم والتربية في دعم تلك الصورة التجارية الجديدة.. فالغرب في حاجة الي اداريين قادرين علي تشغيل مصانعهم في بلدان الجنوب، ففتح معاهده وجامعاته لهم.. وكان أيضا في حاجة الي دارسين لعلومهم الإنسانية من اجل احداث توافق بين رغبات المستهلك وعقليته التي يجب ان ستدعي تلك السلعة الموجودة بالسوق.. وهكذا
4- التجارة الدولية تتعاظم.. فحدث تحول مهم..السعي نحو دمج العالم في سوق عالمي كبير، وهنا تتخلي الرأسمالية تحت دوافع اقتصادية عن نظرية الدولة القومية التي كانت اهم دعائم مرحلة الحداثة. وعن الحرية الاقتصاية عبر ادخال اكثر من نصف العالم في بحر الديون والتبعية متخلية أيضا عن احد اهم دعائم الحداثة وهي قوانين السوق التقليدية والمنافسة المشروعة، فقد دمرت التجارب الوطنية نتيجة لغياب التنافس الحقيقي.
5- ومع تأسيس مجموعة العشرين عام 1999 بعد ازمة 1997، عملا بنصيحة جوردن براون رئيس وزراء إنجلترا في هذا الوقت ( تسيطر علي 85% من الاقتصاد العالمي) وبموجبه يسمح ببعض التدخلات للدول من اجل عدم تكرار ازمة 1997، تخلت الرأسمالية عن اهم دعائم الحداثة وهي حرية السوق وترك اليد الخفية تضبط ايقاعه وفقا لآدم سميث..
6- ثم جاءت ازمة الرهن العقاري لتؤكد ضرورة أن تتخلي الرأسمالي عن كل شيء حتي ورقة التوت التي كانت تستر عوراتها.. وصرنا في حاجة ماسة الي ضرب كل القيم والتصورات والأفكار وضرب سلطة العقل نفسه من أجل ان يتحرر الاقتصاد من أي قيمة تدعي الإنسانية.. فلم يعد هناك ما يسمي بالإنسان.. بل صار اسمه المستهلك.. وهنا كانت ما بعد الحداثة ضرورة تاريخية فرضتها شروط علاقات الإنتاج.
7- ساعد علي ذلك الاقتصاد الديجتال.. او اقتصاديا العالم الافتراضي.
...... يتبع