الله... في الفلسفة (2)


محمد دوير
الحوار المتمدن - العدد: 6784 - 2021 / 1 / 10 - 20:37
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

أولا: تأسيس اللاهوت الديني الإغريقي:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ظلت إشكالية " أصل الكون ونشأته " هي القضية الكبرى في الثقافة اليونانية سواء في عصر الملاحم ما قبل النظريات الفلسفية أو ما بعدها. فالكون" وهو في اللغة اليونانية يسمي كوزموس أي النظام"، ظل لغزا مراوغا يراوح العقول سواء الشعراء الدينيون كهوميروس وهزيود ومن لحقهما من الشعراء أو الفلاسفة الطبيعيون؛هو كيف نشأ الكون وبأي طريقة يعمل؟ ولم يكن من السهل التوصل لفكرة الإله الواحد دون المرور بالتعددية الإلهية. وكانت قضيتهم حينئذ هي توزيع المهام وتحديد السمات، وكأن الكون نشأ ويعمل بإدارة جماعية من الآلهة التي يدور بينها صراعات وتحالفات وتوافقات ينتج عنها خلق ونشوء أشياء في الكون، وربما من تلك السمة كان الحوار والجدل والتأكيد علي الحرية سمات أصيلة في الفكر اليوناني، وكأن الخلافات بين الآلهة وتعارضها وصراعاتها أعطي مسحة من تنوع فهم الحقيقة وعدم تقديس أي رأي، ولكن المشكلة كانت تكمن في من يكفر بالآلهة ككل، فقد كان يعاقب عقابا شديدا كل من يتجرأ علي الآلهة وكان سقراط احد ضحايا هذا التشدد الديني.

في القرن الخامس عشر قبل الميلاد بدأت القبائل الآرية تنزح باتجاه بلاد اليونان علي سواحل المتوسط، ومنذ تلك الفترة وحتى القرن الثامن قبل الميلاد تقريبا تشكلت البيئة الخصبة التي رسمت ملامح الحضارة الإغريقية، والأوربية أيضا– في تقديري- إنه عصر الأبطال والأساطير والملاحم التي صورت الحياة في صور شعرية عن طريق شعراء يعتبرون أبناء آلهة ملهومون ينطقون بلسان وحي ربات الشعر التسع ، صور شعرية تحكي عن عوالم خارقة وبطولات نادرة وآلهة تخلق وتصارع وتحدد الخير والشر للبشر.

ومهما يكن من أسباب وراء الكثرة أو الوحدة الإلهية،فإن المؤكد أن كل الأفكار التي وردت في الملاحم الإغريقية عن الآلهة كانت فرضيات فرضها الجهل بالكون،ونظام عمله، فكان الإله فرضا إنسانيا،لسد تلك الثغرة أو الهوة الكبيرة بينه وبين الكون الذي يبدو بالنسبة له غامضا وقويا في الوقت نفسه، فكانت الآلهة اختراعا إنسانيا سببه الضعف. ولكن ليس هذا كل ما في الأمر، فثمة ملاحظة أخري يجب وضعها في الاعتبار ألا وهي أن بناء حلقة وصل بين الكون والإنسان عبر مصفوفة الآلهة، كان الهدف منها ترويض العقل البشري،الذي ظل يطلق التساؤلات – في كل حضارة بشرية– عن أصل الكون وسر الوجود وأسبابه، ولكن لابد للإجابات أن تكون حاضرة بأي صورة ، حتي لو كلف هذا الأمر الإنسان أن يخلق آلهتة بنفسه ويعبدها ويمتثل لأوامرها وإن وصلت تلك الأوامر إلي القتل والذبح والالتزام الصارم بتعاليم قاسية. ان إنقاذ العقل البشري من السباحة في نهر بلا ضفاف يجعل وجوده الضروري جحيما لا يتحمله، فكانت الآلهة بمثابة تلك الضفاف التي تقدم له نهايات الطريق، وتمنحه لحظات سكون واسترخاء من البحث في السؤال الوجودي لمواصلة السير في فلك لغز الطبيعة التي كانت المخزون الطبيعي لبقائه علي قيد الحياة.

كانت القرون الأولي من الحضارة اليونانية هي الأكثر ثراءُ من حيث إيمان اليونانيين بالآلهة، فشهدت أكبر تعدد الهي في تاريخهم، ومن أهمها: زيوس Zeus: كبير الآلهة،رب السماوات والأرض، وإله الظواهر كالبرق والرعد والصواعق. بوسيدون Poseidon: إله البحار والزلازل والبراكين. أبو للو Apollon: اله الشمس والموسيقي، هرميس Hermes: رسول الآلهة، وخاصة زيوس،هيرا Hera:زوجة زيوس وكبيرة الآلهة،افروديت Aphrodite: إلاهة الجمال والحب، ديونيسيوس Dionusos: إله الخمر، ثيمس Themis:إلاهة العدالة، إريس Iris: رسولة الألهة وهيرا بوجه خاص...الخ.

بيد أن إيمانهم بتلك الآلهة بدأ في التراجع لاعتبارات ثلاثة، الأول: ظهور فلاسفة انتقدوا هذا الزخم الكبير للآلهة وسيطرتهم علي حياة البشر،بما يؤدي إلي سلب العقل والإرادة نتيجة الطاعة الكاملة لكل ما تقول به الآلهة، فقد دعي أناكساجوراس إلي رفع راية العقل فوق كل شيء، وأكد من بعده سقراط علي ذلك بل ودعي إلي وحدة الإله. والثاني: تطور العلوم وخاصة في الفترة التي سادت فيها مدرسة الإسكندرية القديمة بما قدمته للبشرية من إنتاج علمي، والثالث: بعدما ظهرت وانتشرت المسيحية.

والثابت تاريخيا أن الأفكار المتعلقة بنظم الشعر في تمجيد الآلهة لم يكن من طبيعة أهل اليونان الأصليين، ولكنه جاء مع المستعمرين من القبائل الآرية النازحة من أسيا، فقد كان لهذه القبائل طقوسا دينية يقدمون فيها القرابين للآلهة وينظمون الشعر ويمارسون الغناء لهم توسلا لأن تحل عليهم البركات والرعاية. واستوطنت تلك العادات في أرض اليونان، وقد كان معظم المنشدين من تلك القبائل الآرية.

وخلال القرون الستة من الخامس عشر إلي العاشر قبل الميلاد كانت تلك الأناشيد بما تحويه من معتقدات قد انتشرت بالقدر الكافي في بلاد اليونان عبر الشعر والغناء الذي كان يطوف به الشعراء أنحاء البلاد وتلك المرحلة مهدت تماما لظهور هوميروس بعد ذلك.

1- هوميروس: الإلياذة والأوديسا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوميروس Homeros أول الشعراء الأوربيين وأعظمهم شأنا وقدرا، ايوني الأصل، قضي حياته متنقلا من مدينة إلي أخري،ومن قصر إلي آخر ينشد أشعاره في بلاط الملوك والأمراء( يختلف المؤرخون حول عصره: هيلانكوس يقول القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وهيرودتس يقول القرن التاسع قبل الميلاد، والأبحاث العلمية الحديثة دعمت وجهة النظر الأخيرة )، حيث كتب أعظم الإنتاج الشعري اليوناني من خلال ملحمتي الإلياذة Ilias والاوديسيا Odusseia" ( وهما أقدم نصوص الأدب اليوناني) تصورا عن مجتمع الآلهة فوق جبال الأولمب الذي يترأسه الإله زيوس، أبو الآلهة والبشر، والقائد الأعلى، والقادر علي تحدي كل شيء حتي قوة القدر، يليه سلسلة مكونة من أثني عشر الأرباب والربات مثل بوسيدون الذي يحكم البحر،وافروديت كرمز لقوة الحب، وأثينا Athena ربة الحكمة ..الخ.

ومثّلت أشعار هوميروس المرجع الرئيس للحضارة اليونانية في بواكيرها الأولي وذخيرة اللغة والتاريخ، ولها منزلة دينية وأخلاقية عظمي عند اليونانيين حتي أنها كانت تحفظ في المدارس للتلاميذ، وكان أهل أثينا هم الأكثر براعة في تلقينها، إلي درجة أن وصفها المحدثون بـ "إنجيل الإغريق"، ويرجع إليها الفضل في رسم ملامح الآلهة الشبيهة بالبشر في الذهنية الإغريقية.فالآلهة عنده تشبه البشر ولا تختلف عنهم في شيء سوي أن عروقهم يسري فيها دماء الخلود، والطبيعة عنده حيه مريدة،كالبشر تماما وهو ما يعني أنهم مزجوا الذاتي بالموضوعي، ولذلك نسبوا للطبيعة أفعال وسلوكيات ومشاعر كالحب والكراهية مثلما تنسب للبشر تماما،وهذا انعكس علي موقف المدرسة الملطية من فهمهم للطبيعة علي ذات المنوال.

وتدريجيا انحازت كل مدينة لأحد الآلهة، أو لأكثر من إله، بما يعني اندماج الدين في الحياة الاجتماعية وبالتالي في الهوية والسياسة بالضرورة. ولم يكن الإنسان فحسب هو من تأثر بالعقائد الدينية الموجودة بل ودخلت الطبيعة أيضا كجزء من التشكل التعبدي والتوظيف الديني، حيث الطبيعة حية- كما أسلفنا - ولتضاريسها معان ودلالات، فالجبل هو عرش إله السماء، والهضبة هي مكان الصلاة من أجل هطول الأمطار، فالطبيعة تعني قوة الحياة، لذلك فإن أشجار البلوط والزيتون والنباتات العطرية والبساتين..الخ كانت مقدسة، مما يعني أن البشر والآلهة والطبيعة اندمجوا سويا في وحدة عضوية داخل إطار منظور الألوهية الإغريقية وفقا لأشعار هوميروس، أو بمعني أخر وفقا للحضارة الإغريقية في بواكيرها الأولي. ومن ثم كان من الضروري أن يكتسب الدين– الذي يحتوي كل صور الحياة العقلية والمادية - سمات مميزة وفوقية، حيث لا يدخل المحراب أو قاعة الإسرار الدينية كل الناس طوال الوقت، فكانت أبنية أو قاعات مفصولة عن باقي الأبنية بصورة تميزها.إن القداسة الدينية لم تكتسب فقط مع ظهور أديان التوحيد، وإنما هي جزء من اشتراطات الهيبة والهيمنة.

وما يبدو واضحا في أشعار هوميروس أنها تحدثت عن آلهة متعددة، يقسمون مناطق النفوذ فيما بينهم، فلا ينبغي أن يتعدي احدهم علي منطقة نفوذ الآخر، وهذا ما فعله بوسيدون إله البحر حينما رفض الانصياع لأوامر زيوس كبير الآلهة قائلا : لن اعمل بحسب مشيئة زيوس. وهنا يضعف من شأنهم بل ويجعل الاختلافات بينهم قد تصل لحد الصدام، إضافة إلي أن الأشعار منحت "القدر والضرورة" قيمة فائقة تفوق قدرات الآلهة، وأكسبت بعض البشر من القادة قدرات فوق بشرية، وكل هذا أسهم في سمات وملامح الفكر الفلسفي في مرحلته الأولي بعد ذلك.

بيد أن ثمة من تشكك في قدرة هوميروس علي انجاز هاتين الملحمتين بمفرده فالناقد الألماني فريدرك فولف في بحث له نشر 1795، قال بأن الإلياذة لا يمكن أن تكون كلها من نظم هوميروس بل أضيف لها من شعراء مقلدين من بعده، فيما اثبت ارنست هافت الناقد الفرنسي في بحث مضاد في القرن التاسع عشر أنها من نظمه نظرا لوحدة اللغة والأسلوب،وأن هوميروس نظم الإلياذة في شبابه والأوديسا في مرحلة متقدمه من عمره.

2- هزيود: عن أصل الآلهة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولد هزيود Hesiodos في أسكرا فوق سفح الهليكون لأسرة فقيرة، نهاية القرن الثامن قبل الميلاد ( وهناك خلاف عن معاصرته لهوميروس) واشتغل في بداية حياته بالفلاحة ورعي الأغنام، وهذا ما يفسر اهتمامه بالحصاد والزرع في أعماله. ويقال أنه مات مقتولا في بيت احدي الأسر التي حل ضيفا عليها. وكتب ملحمتان هما " الأعمال والأيام" 828 بيتا، وتقسم إلي خمسة أقسام، وتدور عن العمل والعدالة والزراعة والحصاد والحرث وإرشادات للفلاحين، وتكشف لنا عن الحياة الاجتماعية في اليونان في عصره. وتناول فيها أوضاع البشر بعد أن خلقهم زيوس ولذلك فهم مدينون له بكل شيء وخاصة أنه خلقهم محدودي الإرادة ومحكومون بعوامل الزمان والمكان فهو لا شك في حاجة دائما إلي الإله وليس عليه سوي أن يستسلم لإرادته العليا. .

أما الملحة الثانية فهي " أنساب الآلهة" في القرن السابع قبل الميلاد؛ أسس فيها للفهم الميتافيزيقي لأصل الكون ونشأته وحركاته، فقدم سردا لآلهة جبال الأوليمب، حيث بدا الكون بحالة بدائية سرمدية تكون عنها مجموعة من الآلهة جاءت من العدم أو خلقت من أشياء غير معروفة. وينشب صراعا بين الآلهة وينتصر زيوس بعد أن أطاح بعرش أبيه كرنوس وينشئ مملكته ويسيطر علي كل الآلهة. وسمة الآلهة أنها خالدة ولا تموت، وقادرة علي الفعل.ويشير أيضا إلي أن العدم والفوضي كانا يسودان ثم خلق منهما الوجود بداية من إله الأرض " Ge" وإله العالم السفلي،وظل هزيود يفسر تطور الأشياء ونشأتها بترتيب منطقي من الأكبر إلي الأصغر، ومن الكل إلي الجزء، فالجبل يخرج من الأرض، ويبدو في تنظيم حركة الخلق جانب عقلي واضح، أي سبب ونتيجة،وتحدث عن فكرة العماء أو الكاووس Chaos التي ستكون محورا للنقاش الفلسفي بعد ذلك. فيقول في أنساب الآلهة هزيود :" هيا، ولنبدأ بربات الفنون.. اللواتي بشدوهن، يفرحن قلب زيوس الأب.. في منزل الأولمب.. يخبرن بما هو كائن... وبما سيكون وبما كان.. من سالف الزمان "، وهذا النص يؤكد أنه يقدم للإنسان اليوناني مسار حركة الكون والبشر.

نخلص من قراءتنا لهذين الشاعرين اللذان شكلا الجذر الديني والثقافي واللغوي والاجتماعي في الحضارة اليونانية بما يلي :
أ‌- أن هوميروس كان شاعر الماضي، بينما كان هزيود شاعر الحاضر. فيما يعتبر هوميروس هو العقل المنشئ للتعاليم، أما هزيود فكان بمثابة العقل المنظم للتعاليم الذي اهتم بوضع التقاويم الدينية أي ترسيخ المعتقدات في الأرض.
ب‌- بينما حلق هوميروس في عالم السماء ليحدثنا في ملحمتيه عن هذا العالم الفوقي – لم ينشغل بالتاريخ ولا بالإفراد ولا بالدولة – بقدر ما انشغل برسم عالم كثيف الضباب يبدو للمتلقي قادما أو مرسلا من فوق السماوات، فرسم معمار الكون في جبروته وقوته، وغرس في نفوس اليونانيين الإحساس بالضعف والاحتياج إلي تلك الآلهة التي أبدع في وصفها وجعل منها قوي مفارقة رغم كونها ذات صلة مباشرة بالبشر في أحيان كثيرة. وهذا علي خلاف هزيود الذي حاول أن يكتب عن الأرض وليس عن السماء، ففي "الأعمال والأيام" تحدث عن الحياة التي علي الأرض عن الزراعة وكيفية عمل الفلاح، ومواعيد الحرث والحصاد والحياة الواقعية للبشر. والأمر في تقديري يعني أن ثنائية "هوميروس وهزيود" هي نفسها ثنائية الأرض والسماء، كلاهما يشكلان معا منظومة عقائدية أفرزت تلك الحالة اليونانية في الفصل الأول من تاريخها الحضاري، ذلك التاريخ الذي كان هيولي الفكر الغربي بل والإنساني، وحداثته بعد ذلك. هكذا رسم هوميروس وهزيود ملامح الأيديولوجيا الدينية الإغريقية كأرض خصبة جعلت من الآلهة في سماتها أو في تعددها أو وحدتها برنامج العمل الفلسفي ربما حتي اليوم.
جـ - انتقد أفلاطون في "الجمهورية " الأخلاق الهوميرية، التي وردت في الإلياذة، لأنه يثير فيها الغضب ضد الآلهة وهذه مشاعر لا يجب تلقينها لحراس الجمهورية.الذين لا ينبغي لهم معرفة مثل هذه الحالات من الخوف، ومن المؤكد أن موقف أفلاطون هذا إنما كان انعكاسا لموقفه المثالي بالضرورة. فيما يشير هيرودوت إلي أن هزيود وهوميروس هما من وضعا للإغريق انساب ألهتهم وأعطيا الآلهة أسماءها وصفاتها وقدراتها وتنوعهم وملامحهم ومراتبهم المختلفة، في صورة أشعار دينية، ولذلك اعتبرهما مؤسسا علم اللاهوت الإغريقي.( وما قاله هيرودوت، بالضبط ، هو ما استهدفناه من هذا المقال )

3- الأورفية وتأسيس ثنائية الجسم والنفس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأورفية: نحلة أو عقيدة ظهرت في القرن السادس قبل الميلاد، وكانت سرية لأنها استمدت طقوسها من أفكار دينية من خارج الثقافة والمجتمع الإغريقي الذي لم يكن يسمح بتصورات دينية خارج إطار ما يؤمن به، مثل الشرق ومصر- كما يقول هيرودوت.

والأورفية نسبة إلي أورفيوس Orpheus( شاعر وموسيقي ورجل دين سافر إلي الشرق وتأثر بدياناتهم وخاصة روح التصوف، يعتقد أنصاره أنه من نسب الهي فأبوه أبوللو. واختلف المفسرون حول حقيقة وجوده، وهل هو بشر أم إله) ، وقدسوا الإله ديونيسيوس. ونظرا لأنها كانت مُحكمة السرية لم يصلنا الكثير عنها وكل ما ورد بخصوصهم إنما مصدره أفلاطون وأرسطو.

وثمة من يذهب إلي أن أورفيوس هو ابن لميوز وارجوني، وينتمي لذلك العصر البطولي الذي تحدث عنه هوميروس في أشعاره، وبالتالي فهو يمتلك صفات الألهة. ويُرجح أنه نشأ في كريت – كما يقول برتراند رسل– ويُحكي أيضا عن موته الكثير منها الانتحار والموت بصاعقة،وهناك رأي يقول أن عابدات الإله ديونيسوس قتلنه.

ونظرا للغموض الذي يحيط بشخصيته، فقد نسبت الكثير من الكتابات الأورفية اللاحقة إليه، رغم أنه من غير المؤكد أن يكون قد كتبها، ولكن اسمه كان يستخدم أحيانا للتخفي خلفه، ويقال أن فيثاغورث نفسه استخدم اسمه أكثر من مرة. وخلاصة القول، أن عددا من الباحثين قالوا بأنه عاش قبل عصر هوميروس، ولكن أشعاره لم تكتشف إلا في القرن السادس قبل الميلاد.

أ‌- كيف نشأ الكون ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
فسر الأروفيون نشأة الكون بالماء كأصل أول لكل شيء، ومنه خُلق الطين، ومن امتزاج الماء بالطين خُلق الزمان، الذي يمتلك صفات "الضرورة والقضاء والقدر"، وتلك الصفات هي ما تحرك الكون بأسره. ومن الزمان تم إنجاب الأثير والعماء والظلام. وخَلق الزمان من الأثير بيضة، وخرج من البيضة الأرض" Ge جي " والسماء " أورانوس"، وتلك الألهة أنجبت النور( وله عدة أسماء مثل زيوس وايروس إله الحب، و" بان" إله التناسل، و"ميتيس" إله العقل ) الذي تولي خلق كل شيء بعد ذلك، ومما أنجب كان الليل ثم اتصل بها وأنجب الأرض والسماء،فتزوجا هما أيضا وأنجبا ستة بنين وثلاث بنات، هنا خاف أورانوس" السماء "علي نفسه من بطش أبنائه به،فألقي بهم في النهر، فغضبت الأم" الأرض" فأنجبت كائنات جبارة تسمي التيتان Titanes منهم الابن كرونوس الذي قتل أبيه أورانوس، ثم تزوج من أخته " ريا"، ولما أنجب منها ابتلع أبنائه منها خوفا من أن يلقي نفس مصير أبيه. إلا ان الأم " ريا" استطاعت أن تنقذ ابنها زيوس من الابتلاع، وهربته إلي كريت حتي يبلغ أشده،ولما كبر ابتلع النور فأخذ عنه القوة وكافة صفاته، فأصبح البدء الوسط والنهاية، وأعاد ترتيب الكون من جديد، وتزوج "ريا" وأنجب إبنه، ولما كبرت اغتصبها فأنجبت له ديونيسيوس،الذي وهبه أبوه السيطرة علي العالم، ولكن هيرا زوجة زيوس ترفض تلك الإمارة فتطلق عليه التيتان، فكان ديونيسيوس يتخفي في صور مختلفة، لكي لا ينالوا منه، ولكنهم في النهاية استطاعوا القبض عليه وقتله.

ولكن الألهة التي تعاطفت معه كثيرا استطاعت أن تنقذ قلبه من بين أيدي التيتان وإعادة بعثه من جديد في صورة ديونسيوس الجديد الذي بعث مرة أخري للحياة. وانتقم منهم زيوس وحرقهم جميعا، ومن رمادهم خلق الإنسان، ولذلك يحمل الإنسان طبيعتان"خيره وشريرة"، الأولي تعود إلي ديونيسوس الذي أكلته التيتان،وتحول بعد حرقهم إلي رماد أيضا، والثانية تعود إلي رماد التيتان نفسها. ومن هنا أصبح ديونيسيوس إله الأورفية ومعبودها. ويمثل ديونيسيوس عندهم النفس الخالدة.

ب‌- ثنائية الجسم والنفس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كما أسلفنا، يحمل الإنسان طبيعة خيِّره ومصدرها ديونيسيوس، وأخري شريرة مصدرها طائفة الألهة التيتان. والنفس سجينة البدن تكفيرا لها عن ذنب اقترفته،يعتقد أنها خطيئة سابقة نظرا لفكرة تناسخ الأرواح التي يؤمنون بها، فالنفس من طبيعة ديونيسية والجسم من طبيعة تيتانية، والغرض من الحياة هو ان تبقي النفس سجينة في قبر الجسم حتي تتطهر تماما من ذلك الذنب، ثم تمتلك حريتها بعد ذلك بعد أن تفارق الجسد. ولكن كيف دخلت النفس إلي الجسد؟ بالتنفس، هكذا يري الأورفيون.ولكن أرسطو يتساءل، وماذا عن النبات الذي لا يتنفس بالطريقة البشرية ؟ كيف تدخل إليه النفس إذن ؟

ولكي تتطهر النفس عليها أن تمر بصعوبات كثيرة جدا في الحياة وهي تنتقل من جسم إلي آخر عبر آلاف السنين، ولكي تعبر تلك الرحلة الطويلة فلابد أن يكون لها مرشد ودليل يصوِّب مسارها دائما ويعطيها التعليمات الصالحة، هذا المرشد هو أورفيوس نفسه وتعاليمه. ولأن حياة الإنسان الفرد لا تكفي لتطهير النفس فهي تظل تحل في أجسام أخري حتي تتطهر تماما، ومن هنا جاءت فكرة التناسخ.

وللتطهر أساليب كثيرة، بعضها مأخوذ عن كتاب الموتي عند المصريين القدماء وخاصة الصلوات.ويتم أيضا عن طريق تقديم القرابين. والانتحار غير مشروع عندهم، لأنه قرار بإخراج النفس من الجسد قبل التطهر.

وبعد الموت تنزل النفس إلي العالم السفلي وتسير في طريق علي يمينها نهر الذكري وعلي يسارها نهر النسيان، فمن عمل خيرا يشرب من نهر الذكري ومن عمل شرا يشرب من نهر النسيان، وإذا شربت من نهر الذكري صارت من الأنقياء، وتكون قد تطهرت بالكامل وصالحة لأن تجاور الألهة وتعود إلي مقامها الأول.وبالتالي ففي نظرهم تصبح النفس خالدة. ولكن تسيلرZeller في كتابه Outlines of the History of Greek Philosophy يشير إلي أن فكرة خلود النفس كانت فكرة خارج سياق الثقافة اليونانية تماما التي كانت تعطي الأولوية للجسد باعتباره هو الأصل،لكونه مادة..ونتساءل نحن بدورنا، كيف إذن انتشرت الفكرة في الفكر اليوناني ما بعد سقراط ؟

وبناء علي ذلك يهمنا أن نرصد أهم ما قدمته الأورفية للفكر الفلسفي:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• كانت الأورفية- في احدي صور فهمها - تلبية لاحتياج يوناني في إيجاد نسق ديني متماسك يجعل من العالم الأخر قيمة واضحة يتم الوصول له عبر تعاليم محددة، بعد ان أرهقهم تعدد الألهة وصراعاتها واختلافاتها أحيانا كثيرة.لذلك انتشرت بسرعة كبيرة بل وكانت مؤثرة في الثقافة اليونانية والفلسفة والحياة الاجتماعية بدرجة كبيرة.ولذلك ادعي الأورفيون أن عقديتهم تلك مأخوذة عن وحي مكتوب، وهذه هي أهم ملاحظة يجب الانتباه إليها.
• تركت أثرا كبيرا علي الفكر الفلسفي والديني فيما بعد، فهي من جهة أولي وضعت أورفيوس في مواجهة الألهة الهوميرية، وقدمت أفكارا كانت جديدة علي العقلية اليونانية إلي حد كبير، أفكار مستمدة من الأديان والعقائد الشرقية بالأساس، ومن أهمها أفكار الضمير والنفس المضادة للجسد وفكرة الخطيئة، وقالت بالتناسخ " الفكرة التي استندت إليها الفيثاغورية بعد ذلك في نظريتها الوجودية". إضافة إلي حديثهم عن النار وعلاقتها بالتطهير، وعن الجنة كمكافأة للصالحين، وقدموا أفكارا كثيرة استلهمتها المسيحية بعد ذلك مثل العشاء الرباني والابن المقدس الذي قُتل ثم وُلد من جديد.
• تغلغلت الأورفية في كافة جوانب الفكر الفلسفي اليوناني من الفيثاغورية وحتي الأفلاطونية مرورا بالكثير من الفلاسفة الإغريق، حيث رسخت للكثير من الأفكار التي أنتجت المثالية الفلسفية، فقالت أن عالم الأرض هو عالم الآلام وعالم السماء هو عالم الرحمة، وأن الجسم سجن والنفس طاهرة بطبيعتها، وأن التناسخ الهدف منه تطهير النفس تماما.

..... يتبع في الجزء الثالث عن المدرسة الفلسفية الملطية..