مقدمة في فلسفة اللغة


محمد دوير
الحوار المتمدن - العدد: 6679 - 2020 / 9 / 17 - 17:46
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

إذا ما كان التصور القديم للفلسفة يري أن الميتافيزيقا هي الفلسفة الأولي، ثم تغيرت الفكرة مع ديكارت الذي جعل من الابستمولوجيا محور كل بحث فلسفي، فإنه في ذلك العصر، ومنذ أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين ،صارت فلسفة العقل هي موضوع كل إسهام فلسفي ، وسر ذلك يكمن في أن قصدية اللغة مشتقة من قصدية العقل،فاللغة عند فتجنشتين المعني الأساسي للفكر، وكلاهما شيء واحد، ذلك لأن" اللغة مجموع القضايا وما القضايا إلا أفكارا في ذهن الإنسان، فالفكر هو القضية ذات المعني"( عزمي اسلام: فتجنشتين، ص 153،154).وهذا الرأي هو علي الأقل ما يؤمن به أنصار السيميوطيقا بوجه عام. ولكننا في كل الأحوال لا ينبغي أن نلزم أنفسنا بأولية شيء ما في الدراسات الفلسفية.
1- اللغة كظاهرة اجتماعية
كان الاهتمام باللغة language وتركيبها وعلاقاتها الداخلية والخارجية موضع بحث ودراسة من قبل العديد من اللغويين والفلاسفة منذ البداية، ويمكن رصد صور هذا الاهتمام إذا تتبعنا تطور اللغة عبر العصور حتي انتهي الأمر إلي ظهور علم اللغة العام وفروعه الناتجة عنه،فاللغة هي "أداة تواصل ونظام من العلامات الشفوية الخاصة بأعضاء مجموعة تواصلية واحدة"( نصر أبو زيد – سيزا قاسم : مدخل إلي السيميوطيقا، ص354).ويشير رورتي إلي أن كلمة " اللغة" لا يجب النظر إليها بوصفها شيئا في ذاته ذي طبيعة جوهرية ثابتة وإنما ينبغي دراستها وتناولها بوصفها اختصارا لمجموعة من التفاعلات المعقدة بين الإنسان والعالم المحيط به. إنها إذن ظاهرة اجتماعية ذات أنماط متعددة،يشترك فيها مجموعة من البشر لفترة زمنية ما.
أما من حيث علاقاتها بالكلام فقد وضع دي سوسير الاختلاف بين اللغة والكلام" فاللغة عند سوسير وكذلك عند لغوي مدرسة براج وعند البنائيين الأمريكيين هي نظام من العلاقات، أو بمعني أدق مجموعة من الأنظمة المترابطة فيما بينها حيث لا تتمتع العناصر" الأصوات والكلمات" بأي قيمة مستقلة خارج علاقات التعارض أو التساوي التي تربطها بالعناصر الأخرى" ( نصر أبو زيد – سيزا قاسم : مدخل إلي السيميوطيقا، ص354)، وانطلاقا من هذا الوعي بدور اللغة وقيمتها استطاع سوسير" أن يؤسس مدرسة لغوية حديثة أصبحت تعد نموذجا رائدا للعلوم الإنسانية وقدرتها علي أن تصبح علوما دقيقة تضارع العلوم الطبيعية والرياضية في خضوعها للمنهج العلمي المضبوط"( صلاح فضل: نظرية البنائية في النقد الادبي، ص19)
2- الموقف الفلسفي من اللغة
ما علاقة اللغة بالفلسفة ؟ وهل هناك ارتباط أو علاقة بين اللغة والفكر من جهة واللغة والواقع من حيث أنها تصوير وصياغة موازية له من جهة أخري ؟ بمعني آخر هل تكشف لنا اللغة عن البناء الداخلي للواقع فقط أم أن ميولنا وأفكارنا تتدخل بصورة ما في فهم وإدراك ووصف العالم الخارجي؟
وبناء علي تلك التساؤلات يمكننا رصد علاقة اللغة بالفلسفة انطلاقا من اللحظة التي بدأ فيها الإنسان التفكير في المعاني ودلالات كلماته.وإذا ما كنا ننشغل هنا بعلاقة اللغة بالفلسفة فيجب أن نبدأ من الفلسفة اليونانية القديمة، حيث اهتمت باللغة ووظيفتها ووضوحها، إذ اعتمد سقراط علي الوضوح الشديد والتحديد الكامن في اللغة، وذلك انطلاقا نحو البحث عن معرفة الذات وتحديد التصورات الثابتة.وقد عرض كاسيرر في كتابه" فلسفة الأشكال الرمزية" في الفصل الأول منه والخاص بدراسة اللغة لبدايات الارتباط بين اللغة والفلسفة، فيذهب إلي أنه إذا كانت البداية الحقة للفلسفة ترجع إلي اليونان باعتبارهم أول من اتجه إلي تأكيد استقلال الفكر بذاته،إلا أنه يميل أيضا إلي أن" يقرن بداية الفلسفة ببداية تفهم المظهر المنطقي والوظيفة السيمانتيكية للغة، وهو ما يعني اقتران نشأة الفلسفة ببداية التحرر من النظرة السحرية للغة التي تزامنت مع نشأة الأسطورة"( مجدي الجابري: السيميوطيقا وفلسفة اللغة، ص24).وقد رأي كاسيرر أن كلمة" اللوغوس" عند هيرقليطس مثلا تشكل دلالة فلسفية جديدة لأول مرة في تاريخ الفكر الفلسفي بشكل عام، حيث وحَّد القوة التي تسيطر علي العالم في كلمة واحدة، وهو بذلك يعد أول من ربط التأمل باللغة من خلال كلمة "لوغوس".
ثم جاء السوفسطائيون بعد ذلك بنظرتهم النسبية ليحلوا محل هيرقليطس وتتحول العلاقة بين اللغة والوجود إلي علاقة من نوع جديد وهي اللغة والحياة السياسية والاجتماعية، فلم تعد مهمة اللغة لديهم تكمن في وصف الأشياء أو تحليلها بل إثارة العواطف البشرية وتوجيه البشر إلي ما فيه نفعهم. وقد أكدوا بصورة جديدة علي عامل الغموض والعرضية في الكلمات.
أما أفلاطون فهو أول من حاول تحديد القيمة المعرفية للغة بصورة منهجية خالصة، فاللغة تستمد قيمتها من كونها البداية الأولي للمعرفة، وهي من زاوية ليست سوي مجرد وسيلة للمعرفة وأداة تعبير وتوصيل، وأن الصورة الصوتية للكلمة أو الجملة شأنها في ذلك شأن النموذج أو الصورة لا يمكنها أن تحتوي المضمون الحقيقي للفكرة." ومن الآراء القديمة ما نجده في محاورة أفلاطون كراتيلوس من أن الدال هو كلمة في اللغة، والمدلول هو شيء في الحياة يرمز إلي Stands For ، أو يشير إلي Refers to ، أو يدل علي Denotes "( بالمر: علم الدلالة، ص38) وقد عبر بعد ذلك دي سوسير عنها بما يسمي العلامة اللغوية التي تتكون من" دال ومدلول، هما– علي نحو دقيق–صورة صوتية وتصور وكل منهما يرتبط برباط نفسي متعلق بتداعي المعاني، بمعني أن كلا من الأصوات التي نطلقها والأشياء التي توجد في الحياة ونتحدث عنها، تعكسها– علي نحو ما – كيانات تصورية"( بالمر: علم الدلالة،ص46)
وهكذا نجد أن الكلمة أو اللغة قد شغلت الفكر الفلسفي اليوناني، وطرح موقفه منها. أما في اللاهوت الديني فقد جاء الموقف من اللغة موازيا ومتفقا مع الكتب السماوية أو الرأي الديني في ذلك.
واتخذت الدراسات اللغوية دفعة جديدة للأمام في العصر الحديث. ويعتبر ديفيد هيوم أول فيلسوف يدرك أن التفكير الاستنباطي وحده لا يصل بنا إلي معرفة حقيقية عن العالم الخارجي،فالاستنباط المنطقي العقلي الصرف الذي يصل من خلاله الإنسان لنتائج عن العالم الخارجي لا يؤتي ثمارا نافعة. فكأن هيوم هنا كان أول من وجه نقدا مباشرا للتفكير الميتافيزيقي، وقد ارتكزت أفكاره بشكل أساسي علي الخبرة الحسية المباشرة حينما تحدث عن احدي ظواهر العالم الخارجي.
ثم تأتي الخطوة الثانية في هذا المضمار علي يد ليبنتز، فإليه يرجع الفضل في التمييز بين نوعين من القضايا،الأول القضايا التي يقتضي تحقيق صدقها رجوعا إلي عالم الوقائع، والثاني هو القضايا التي لا تقتضي أكثر من مراجعة الكلام نفسه أو الجملة ذاتها لنري ما إذا كانت متسقة مع نفسها أم لا. إذن ميز ليبنتز بين ما اسماه بحقائق العقل وحقائق الواقع، فالأولي أزلية وصدقها ضروري والثانية يتوقف صدقها أو كذبها علي فهمي وإدراكي لها. وبذلك مهد الطريق نحو إحداث التفرقة التي جاءت بعد ذلك بين القضايا التحليلية والقضايا التركيبية،أو بصيغة أخري القضايا التكرارية التي يكون محمولها تكرارا لما في موضوعها من عناصر، ولذلك فهي يقينية، والقضايا الإخبارية وهي التي يضيف محمولها إلي موضوعها خبرا جديدا ولذلك فهي احتمالية. وتلك التفرقة هي الأساس الذي قامت عليه الفلسفة التحليلية بعد ذلك. تلك الفلسفة التي أسسها "فريجه" فاحدث ثورة في الفلسفة بعدما أزاح عن كاهلها الدور الأولي الابستمولوجيا واحل محله فلسفة اللغة أو نظرية المعني.
ثم كان إسهام جون لوك إضافة إلي هذا الحقل الذي يبدو أنه في طريقه إلي التشكل والتكوين، حينما قام بدراسة علم العلامات أو السيميوطيقا فأشار إلي أنه العلم الذي يبحث في طبيعة العلامات، والتي إذا ما فهمها العقل استطاع أن ينقلها كخبرات للآخرين في سياق تواصله المعرفي معهم.وهذا ما ذهب إليه كانط أيضا– رغم الاختلافات الفلسفية بينهما– حينما أكد علي" أن مجال الخبرة هو المجال الوحيد الذي يمكن أن يستمد منه الإنسان أحكامه العلمية، أما إذا جاوز الإنسان حدود خبرته فقد جاوز بذلك حدوده المشروعة وعرض نفسه للوقوع في الخطأ"( زكي نجيب محمود: نحو فلسفة علمية، ص38) ، فكل الأفكار والمبادئ المطبوعة في العقل دائما ما تستخدم في تطبيقات عملية في حدود الخبرة الإنسانية.
وكان بيرس احد أهم الذين انشغلوا بدراسة علم العلامات أو السيميوطيقا فرأي أن الإنسان واللغة من جنس واحد، فالكلمة علامة يستخدمها الإنسان حينما يعمل عقله في الأشياء المحيطة،تلك الأشياء التي تتحول إلي علامات في ذهنه،ولذلك يشير إلي أن الإنسان في ذاته علامة. أما فتجنشتين فإنه يحصر مهمة الفلسفة وموضوعها في" التوضيح المنطقي للأفكار، فالفلسفة ليست نظرية بل فاعلية، ولذلك يتكون العمل الفلسفي أساسا من توضيحات. ولا تكون نتيجة الفلسفة عددا من القضايا الفلسفية، وإنما توضيح للقضايا"( فتجنشتين:رسالة منطقية فلسفية، ص91)
لقد ظلت اللغة لفترة طويلة اختصاص مرتبط بدراسات أخري كالمنطق والفلسفة والتاريخ، ولذلك جاءت غالبية الدراسات اللغوية من خارج اللغة كتخصص مستقل. وابتداء من سلسلة المحاضرات التي تركها دي سوسير بدأت المقاربة العلمية تتخذ منحي يجعلها أكثر استقلال عن ذي قبل، بما أدي إلي تأسيس مدرسة لغوية قدمت النموذج الرائد في العلوم الإنسانية من حيث الدقة التي تضارع بها العلوم الطبيعية،" فأحد فروع علم اللغة علي الأقل – وهي الصوتيات – تتميز بكل خصائص العلوم الدقيقة، مما يؤذن بتغيير شامل لا يقتصر علي علم اللغة، وإنما يتجاوزه إلي بقية العلوم الإنسانية، إذ يقوم بالنسبة لها بنفس الدور الذي قام به علم الطبيعة بالنسبة للعلوم البحتة"(صلاح فضل: النظرية البنائية، ص89)، ومن ثم تحولت وظيفة هذا التخصص من السؤال عن وظيفة اللغة -كما انشغل الفكر الفلسفي- إلي السؤال عن كيف تعمل اللغة ؟ وعالم اللغة يحاول الإجابة علي هكذا سؤال " من خلال دراسة لغات محددة، وهو يحاول أن يكون موضوعيا علي قدر الإمكان، بهدف تحاشي الأفكار الخاطئة حول طبيعة اللغة واللغات والتي ظلت مهيمنة لفترة طويلة"( دافيد كريستل: التعريف بعلم اللغة، ص77) مما يعني أن الرغبة في الاستقلالي المنهجي والابستمولوجي كان أحد محاور الدراسات اللغوية الحديثة.ومنذ ذلك الحين صارت اللغة تعبير عن نظام مثالي– مثلما ذهب إلي ذلك كل من دي سوسير وتشومسكي– لا يمكن أن نستند إلي أساس تجريبي في تناولها أو تفسيرها أو تعريفها.أو تقوم علي تصورات فلسفية تأملية بعيدا عن مجال البحث التجريبي. وهذا ما أكد عليه مالينوفسكي أيضا حينما أشار إلي أن اللغة هي أسلوب عمل وليست توثيق للفكر.