تصحيح لتشخيص خاطئ ودعوات ملتبسة حول ما يسمى صراع الشيوخ وترتيب بيت الحكم… والحلّ البديل


أحمد الديين
الحوار المتمدن - العدد: 6675 - 2020 / 9 / 13 - 21:04
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية     


في ظل احتدام أزمة السلطة وحلفها الطبقي الرأسمالي الطفيلي كثيراً ما تُطرح دعوات من شاكلة “وقف صراع الشيوخ” وضرورة ما يسمى “ترتيب بيت الحكم”.
وأنا هنا لا أنكر أن هناك صراعاً وتنافساً محمومين بين بعض للشيوخ، وأن لهذا الصراع والتنافس انعكاسات سلبية على شؤون الدولة، جراء الدور المحوري للشيوخ في مراكز القرار السياسي للدولة، ولكن التوقف عند حدود هذا التشخيص لأزمة السلطة وحلفها الطبقي الرأسمالي الطفيلي يبقى تشخيصاً قاصراً ومجتزأً ولا يعبّر تماماً عن واقع السلطة وتشكيلها وتناقضاتها… ذلك أن السلطة اليوم لا تقتصر على الشيوخ فقط، بل أنّ السلطة أصبحت حلفاً طبقياً بلغ درجة من تشابك المصالح والاندماج بين بعض الشيوخ والطغمة الرأسمالية الطفيلية الكبيرة، وبالتالي فإن الصراع الدائر هو صراع بين مراكز القوى أو مراكز النفوذ التي تضم شيوخاً وهذا الطرف أو ذاك من أطراف الطغمة الرأسمالية، وليس مجرد صراع وتنافس بين الشيوخ، كما كانت عليه الحال في ظروف تاريخية سابقة مثل صراعات ومنافسات شيوخ الخمسينات والستينات والسبعينات… ومثل هذا الفارق بين التشخيصين “صراع شيوخ” أو صراع مراكز قوى ليس فارقاً شكلياً أو نظرياً، وإنما هو فارق جوهري بين مَنْ يرى السلطة شيوخاً فقط، ومَنْ يراها في المقابل تعبيراً عن حلف طبقي متشابك المصالح بين شيوخ ورأسماليين كبار…وفارق يعكس تطور بنية السلطة وطبيعتها الاجتماعية والقوى التي تمثلها، التي كانت في السابق مقتصرة على البنية العشائرية وأصبحت اليوم ذات بنية اندمجت فيها البنية العشائرية بالبنية الطبقية الرأسمالية، وأي تجاهل لهذا التطور في تركيبة السلطة وطبيعتها والقوى الاجتماعية التي تمثلها إنما هو تجاهل للواقع وتناقضاته.
أما الدعوات التي يطلقها كثيرون لما يسمى ضرورة ترتيب بيت الحكم، فهي من جهة تنطلق من ذلك التحليل القاصر لبنية السلطة وطبيعتها، وهي من جهة أخرى تتنافى مع الدستور وأحكامه ومع قانون توارث الإمارة ذي الصفة الدستورية.
إذ ينطلق الدستور من معادلة تجمع بين المادة الرابعة التي تقول إنّ الكويت إمارة وراثية في ذرية المغفور له مبارك الصباح والمادة السادسة التي تقول إنّ نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعاً… وملخص هذه المعادلة: الإمارة للذرية والحكم للأمة.
وللتوضيح أكثر، فأنّ سمو أمير البلاد لا يتولى دوره بوصفه ممثلاً للذرية أو رئيساً لها، وإنما هو الرئيس الدستوري للدولة الكويتية.
ولا دور مقرراً للذرية في المادة الرابعة من الدستور وقانون توارث الإمارة غير الاختيار منها، وليس مقرراً لها أن تمارس هي بنفسها هذا الاختيار، وإنما يمارسه سمو أمير البلاد بصفته الدستورية في تزكية ولي العهد أولاً وليس تعيينه، ثم تعيينه بعد مبايعة مجلس الأمة، أو يمارس مجلس الوزراء دوره في المناداة بولي العهد أميراً للبلاد عند خلو مسند الإمارة، أو يتولى مجلس الوزراء مهام رئاسة الدولة مؤقتاً ويرشح أميراً من الذرية إلى مجلس الأمة في حال خلو المنصبين، والكلمة النهائية دستورياً في ذلك كله تنعقد لمجلس الأمة، الذي لا يمكن إنكار العوامل الواقعية المؤثرة على قراره ، وطبيعة تركيبة المجلس، وموازين القوى السياسية في البلد، التي لا يستطيع أحد تجاهلها والقفز عليها، وهي بالتأكيد سلبية ومختلة في وقتنا الحاضر.
ويضاف إلى ذلك أن المذكرة التفسيرية قررت أن تعيين أفراد الأسرة كوزراء هو “الطريق الوحيد لمشاركتهم في الحكم”، وليس هناك طريق آخر سواه.
هذا ناهيك عن الدستور وقانون توارث الإمارة، وهما يشكلان معاً الوثيقة الدستورية الكاملة، لا يتضمنان أدنى إشارة إلى ما يسمى “ترتيب بيت الحكم” ولا يتضمنان أي مناصب غير الأمير وولي العهد ونائب الأمير، فيما يردد البعض عن جهل أو تقليد دعوات لاستحداث مناصب غير مقررة في الدستور وقانون توارث الإمارة من شاكلة “ولي ولي العهد”.
وفي هذا السياق تتردد أحياناً دعوات لعدم التدخل في شؤون الأسرة، فإذا كان المقصود الشؤون الاجتماعية والعائلية والمالية، فليس هناك حق لأحد في مثل هذا التدخل في شؤون أسرة الصباح الكرام أو أي أسرة أخرى، ولكن عندما يتصل الأمر بتولي المناصب المقررة دستورياً، فهناك أحكام واضحة في الدستور وقانون توارث الإمارة، وهو شأن دستوري وليس شأناً أسرياً خاصاً.
وغير هذا وذاك فقد صدقت المذكرة التفسيرية للدستور عندما ذكرت أن “الأسرة الحاكمة من صميم الشعب تحس بإحساسه ولا تعيش في معزل عنه”، وهو وضع مختلف تماماً تتميز به أسرة الصباح عن أوضاع معظم الأسر الحاكمة في المنطقة، ولهذا الوضع المميز جذوره التاريخية وأسبابه الاجتماعية ومظاهره الواقعية.
خلاصة القول: إنّ الكويت اليوم مقبلة على منعطف كبير، وليس هناك من بديل سوى أن تكون للشعب الكويتي كلمته الحاضرة والمسموعة، وألا يتقرر الأمر وفق نفوذ وصراعات وتسويات مراكز القوى بمعزل عن الإرادة الشعبية، وهذا ما يتطلب تأكيد القوى الحيّة في المجتمع الكويتي على الالتزام بالأحكام الدستورية، والمطالبة بإعادة الاعتبار إلى مشروع بناء الدولة الكويتية الحديثة وليس تكريس نهج وعقلية المشيخة، وأن يتم التخلي عن نهج الانفراد بالقرار ورعاية قوى الفساد والتضييق على الحريات، بالتزامن مع تدارك حالة التردي والانهيار التي تواجهها البلاد عبر تشكيل حكومة إنقاذ تكون قادرة على وقف التردي، وتتولى تطهير جهاز الدولة من العناصر الفاسدة، وتضع قانون انتخابات انتقالي بديلاً لنظام الصوت الواحد المجزوء، وتطوي صفحة الأزمة السياسية الممتدة منذ ٢٠١١ بكل تداعياتها من قوانين متعسفة وأحكام وعقوبات وملاحقات وإسقاط للجنسية.
الأشهر وربما الأسابيع أو حتى الأيام المقبلة ستكون حاسمة ومقررة لمسار الكويت حاضراً ومستقبلاً، فإما أن تتجه نحو المزيد من التدهور باستمرار الحال على ما هي عليه بأيدي مراكز القوى المتصارعة، أو إنقاذها شعبياً.