“الطليعة” ليست مجرد صحيفة… إنها شاهد على تاريخ الكويت وأحد صنّاع هذا التاريخ لأكثر من نصف قرن


أحمد الديين
الحوار المتمدن - العدد: 6016 - 2018 / 10 / 7 - 15:28
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية     


بغض النظر عن تفاصيل تصفية شركة “الطليعة” للصحافة والطباعة والنشر وما أحاط بها من ملابسات بائسة ليس هذا مجال تناولها، فإنّ الإيقاف النهائي لإصدار صحيفة “الطليعة” الأسبوعية على النحو المؤسف الذي توقفت فيه عن الصدور يحمل في طياته دلالات كبيرة تتجاوز حدود إيقاف صحيفة أسبوعية عن الصدور، ذلك أن “الطليعة” لم تكن مجرد صحيفة أسبوعية، وإنما هي جزء من تاريخ الكويت السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والإعلامي، وأزيد من دون ادعاء أو مبالغة أنّ “الطليعة” لم تكن مجرد شاهد على هذا التاريخ يوثق أحداثه بل كانت في حقيقة الأمر صانعاً لجزء من تاريخ الكويت وعنصراً مؤثراً في تطوره.
كانت “الطليعة” لسان حال الحركة الوطنية والديمقراطية الكويتية، وعلى نحو أدق كانت “الطليعة” أحد أهم مراكز تجمعات هذه الحركة لعقود طويلة، خصوصاً في عقدي الستينيات والسبعينات، شأنها في ذلك شأن نادي الاستقلال، الذي عطلته السلطة بعد انقلابها الأول على الدستور في أواسط سبعينيات القرن العشرين… وبالطبع لم تسلم “الطليعة” من التعطيل الإداري المتكرر، وأحياناً بأحكام قضائية، ولكنها استمرت وواصلت دورها لأكثر من نصف قرن من الزمان بكل تقلباته وتناقضاته وصراعاته.
كان لـ “الطليعة” دورها المشهود في قضية رفض اتفاقية تنفيق العائدات المجحفة مثلما حاولت شركات النفط الأجنبية فرضها على الكويت، ونجحت “الطليعة” في تعبئة الرأي العام ضدها عبر حملتها الإعلامية الشهيرة التي عنونتها بجزء من بيت الشعر العربي “يا أمة ضحكت” ما ساهم في تعزيز معارضة مجلس الأمة لتلك الاتفاقية وحصول الكويت، وبالتالي الدول المنتجة للنفط على مزايا أفضل.
وكذلك فقد كان لـ “الطليعة” مساهمتها البارزة في معركة رفض اتفاقية المشاركة النفطية مع الشركات الأجنبية في النصف الأول من سبعينيات القرن العشرين؛ وكان فارسها بل فارس الكويت في تلك المعركة الأخ الكبير الأستاذ عبدالله النيباري، وصولاً إلى تأميم شركات النفط الأجنبية والسيطرة الوطنية على القطاع النفطي وهو الانجاز الكبير الذي تحقق في العام 1975.
كما ساهمت “الطليعة” في تسليط الضوء مبكراً على فضائح الفساد واستغلال النفوذ، بدءاً من قضايا الاستيلاء على أملاك الدولة، مروراً بالفساد الإداري والمالي، وصولاً إلى التصدي لقضايا الفساد الكبرى التي برزت في نهاية الثمانينات وبداية التسعينيات.
وقادت “الطليعة” معركة الدفاع عن الديمقراطية بدءاً من تصديها لترسانة القوانين المقيدة للحريات التي فرضتها السلطة بالتعاون مع الغالبية النيابية الموالية لها في مجلس الأمة الأول، وأدت إلى استقالة نواب المعارضة الثمانية، مروراً بالتصدي لتزوير انتخابات مجلس الأمة الثاني في 25 يناير من العام 1967، وصولاً إلى دور “الطليعة” في التصدي للانقلاب الأول على الدستور في العام 1976 حيث دفعت الثمن غالياً بتعطيلها إدارياً أكثر من مرة عبر سلاح المادة 35 مكرر من قانون المطبوعات والنشر، ثم رفضها الانقلاب الثاني على الدستور في العام 1986 ومحاولتها التعبير عن ذلك الموقف بهذا الشكل أو ذاك على الرغم من الرقابة الحكومية المسبقة على الصحف.
وكانت “الطليعة” اللسان المعبّر عن هموم الطبقة العاملة والفئات الشعبية والداعم الأول للحركة النقابية العمالية الكويتية عند انطلاقتها في أواسط ستينيات القرن العشرين عبر صفحتها العمالية، كما كان لـ “الطليعة” دورها في إبراز الحركة الطلابية الكويتية ممثلة في الاتحاد الوطني لطلبة الكويت وكذلك الاتحاد المحلي لطلبة الكويت في المرحلة الثانوية، اللذان أنشأهما طلبة الحركة الوطنية الكويتية.
وفي العام 1970 قامت “الطليعة” بتصحيح موقفها القومي المتعصب تجاه قضية الكويتيين من أصول فارسية، وفتحت باب المناقشة على صفحاتها حول هذه القضية، حيث دارت حوارات غنية ساهم فيها عدد من الكتّاب الكويتيين والخليجيين من اتجاهات مختلفة.
وحملت “الطليعة” لواء القضية القومية سواء قضية فلسطين ومقاومة الاحتلال الصهيوني أو قضية الوحدة العربية، ودعمت حركات التحرر الثورية في جنوبي اليمن وفي ظفار وكذلك في إرتيريا، بل لعل ما نشرته “الطليعة” عن هذه القضايا والحركات التحررية يمثّل أهم المراجع لأي دارس أو باحث لها.
وتصدت “الطليعة” بقوة لما كانت تخطط له الدوائر الإمبريالية والصهيونية والرجعية في صراعها مع القوى التقدمية والتحررية في العالم وفي منطقتنا العربية، وكانت “الطليعة” في صدارة القوى الرافضة للاستسلام ومهادنة العدو الصهيوني ومخططات التطبيع.
وفي مرحلة ما بعد التحرير كانت “الطليعة” منبراً وطنياً ديمقراطياً من أجل محاسبة المسؤولين المقصرين والمتهاونين عن دورهم في كارثة الغزو والاحتلال، وكذلك من أجل الإصلاح السياسي الديمقراطي المتصلة بفصل ولاية العهد عن رئاسة مجلس الوزراء، وإصلاح النظام الانتخابي، والإقرار بالحقوق السياسية للمرأة.
وتصدت “الطليعة” عبر تاريخها الممتد لأكثر من نصف قرن بوضوح للقوى الرجعية المتسترة وراء الدين وكشفت الارتباطات المشبوهة لبعض هذه القوى بالدوائر الإمبريالية والأنظمة الحاكمة في المنطقة.
لقد كانت “الطليعة” عبر تاريخها صوت الشعب الكويتي وصوت التقدم والديمقراطية… وبالطبع فقد كان للطليعة نواقصها وأخطاؤها، ولكن هذه النواقص والأخطاء، كانت الاستثناء العابر، بينما كان تمسكها بخطها الوطني والديمقراطي هو الأساس الثابت والسمة الغالبة لمسيرتها.
وبالتأكيد فإنّ توقف “الطليعة” عن الصدور نهائياً سيترك فراغاً كبيراً يتجاوز حدود غيابها كصحيفة.