لماذا نقول بتوسع الطبقة العاملة؟


التيتي الحبيب
الحوار المتمدن - العدد: 6142 - 2019 / 2 / 11 - 21:33
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


في العقود الاخيرة تعيش كل المجتمعات طفرة قوية نتيجة التطور الصناعي والتكنولوجي. لا يكاد يمضي عام بل حتى شهر بدون اكتشاف او اختراع هنا او هناك. هذا الزخم خلق الكثير من الحماس والانبهار بالاختراعات الحديثة والتي يتم ادخالها الى كافة مجالات الحياة. اننا نعيش عصر ثورة صناعية جديدة يسميها البعض بالثورة الصناعية من الجيل الرابع حيث تغزو التكنولوجيا كل المجالات ويتملكها الجمهور عبر تطبيقات لا تتطلب في بعضها مهارات عالية. هذا الوضع المستجد دفع ببعض المنبهرين الى الاعتقاد بأن الحياة وكأنها تحررت من جانبها المادي الفظ وأصبحت تنساب في العالم الافتراضي.
يعزز هذا التصور او الانطباع ذلك الحجم وتلك المساحة المهمة والمتصاعدة التي بات يعرفها قطاع الخدمات التي تعرف نفس الميل حيث التجارة اصبحت أكثر فأكثر في يد الشركات الرأسمالية الكبيرة( المساحات الكبيرة) وأغلب العاملين فيها هم عمال ونفس الشيء بالنسبة للتعليم والصحة. بل حتى أنشطة كانت منزلية كالتغذية ومهن حرة تتحول إلى نشاط اجتماعي رأسمالي ناهيك عن خدمات الفندقة والترفيه والسياحة بالإضافة الى خدمات تلبي حاجيات او طلبات استهلاكية خلقها الرأسمال بطرق اصطناعية وإيحائية عبر شبكات الاعلام والتواصل.
يستنتج هؤلاء ان هذا القطاع يمكنه ان يتطور بشكل لا نهائي وقد يتحول الى قطاع سائد ويتحرر معه الانسان من الجهد العضلي. ففي المستقبل قد لا يحتاج المرء إلا الى نقرة او كبسة على زر او مفتاح ليحصل على خدمة معينة. وفي هذا الاطار العجائبي ظهرت نظريات تتكلم عن انتاج "الثروة اللامادية" وعن توظيف "الرأسمال اللامادي". وفي مزيد من التفصيل لظواهر هذا العالم المبهر يحدثنا هؤلاء المنظرون عن تغير مفهوم العمل ومعه ظهر العامل الجديد الذي لم يعد يبيع قوة عمله لأنها فقدت طابعها كسلعة وباتت الروبوتات جاهزة لبدل وتوفير قوة العمل تلك. مع هذا الوضع ونتيجة هذا التطور يرى هؤلاء المنظرون ان مفهوم الطبقة العاملة اصبح متجاوزا لانها كطبقة تبيع قوة عملها- في اعتقادهم البسيط قوة العمل تنحصر في الجهد العضلي الشديد الكثافة - هكذا تذوب وتضمحل الطبقة العاملة ليعوضها الروبو ومن وراءه المهندس.
هذه الصورة هي اليوم مقتبسة من عالم الخيال اكثر ما هي مأخوذة من الواقع المعاش حتى في اليابان او المانيا او كوريا الجنوبية حيث دخلت بكثرة وكثافة الروبوتات والذكاء الاصطناعي الى مجالات متعددة من حياة المجتمع.
في العالم الواقعي والمعاش، وفي اكبر واهم الوحدات الصناعية المشغلة للربوتات نجد ان هذه الوحدات في حاجة ضرورية لليد العاملة المسؤولة على تشغيل الروبوتات وبرمجتها والسهر على توجيهها وملائمة الحالات الطارئة والتي يتعذر على اقوى الروبوتات استعمالا للذكاء الاصطناعي القيام بتلك الملائمة الناجحة والمبدعة. هل تحرر العامل من المهام المرهقة والمتعبة؟ هل اصبح يطلب من العامل معارف علمية وتكنولوجية ومهارات معقدة؟ نعم ان التقدم التقني والعلمي والاكتشافات الجدية باتت تسمح بالتخلص من المهام المرهقة والمتعبة واصبحت الآلة هي من يقوم بذلك مثل ما تعرفها قطاعات الشحن والتفريغ والمناولة الميكانيكية للمواد السائلة او الصلبة وفي اللوجيستيك... لكن هذا لا يمنع من كون التركيز والمتابعة لخط الانتاج يتطلب المجهود البدني واللياقة الذهنية كما ان تشغيل آلات كبيرة او معقدة يتطلب تدريبا ومهارات قوية كما ايضا توجد مهام روتينية او بسيطة نسبيا لا تتطلب نفس التكوين ونفس المهارات. ان تواجد قطاعات صناعية ذات تركيبة بنيوية للرأسمال مختلفة (رأسمال ثابت = C ورأسمال متغير= V ) ان هذه التركيبة المختلفة تعد من ضروريات نمط الانتاج الرأسمالي نفسه، وهي ما تفسر الانتقال من قطاع الى آخر بحثا عن اوكار ( niches) تسمح بتحقيق أعلى معدل للربح.
ان الحاجة الى الانتاج المادي والنشاط الفعلي في المجتمع مهما تطور تكنولوجيا حاجة غير قابلة للتجاوز. هل يمكننا تصور وجود مجتمع كل انشطة واشتغال الناس فيه محصور في قطاع الخدمات؟ مثل هذا المجتمع يكون غير قابل للحياة لأنه مجتمع مقطوع عن اسباب وشروط استمراره. فكل نشاط خدماتي ومهما كان شكله او مجاله فهو محكوم او مشروط بماهية او هدف يحققه. ويكف النشاط الخدماتي عن ان يكون نشاط نافعا اذا لم يرمي الى ان يتحقق عبره ذلك الهدف المحدد له مسبقا ويتجسد في ربح ومكسب معنوي ولكن وأساسا مادي. اذا لا بد للنشاط الخدماتي ان يتجسد في نتيجة مادية وإلا اصبح نشاطا ترفيهيا قد يغذي الروح وهذا امر لا يكفي الانسان لكي يعيش وإعادة انتاج قوة العمل الضرورية لمواصلة النشاط الانتاجي نفسه.
في كل مجتمع يحتاج الرأسمال الى شرطين أساسيين: الاول هو شرط الوجود أي توفر قوة العمل كسلعة ينتزع منها فائض القيمة، وشرط البقاء وهو تحقيق معدل الربح مقبول ومتاح وذلك في صراع مصيري مع قانون الميل الانحداري لمعدل الربح ( la baisse tendancielle du taux de profit ) . وفي مرحلة التطور الحالي للنظام الرأسمالي المعولم حيث لم تعد هناك مناطق يمكن استعمارها ونهبها بالطريقة الكلاسيكية، فإن الرأسمال يلجأ الى طرق جديدة تسمح بالتغلغل في مناطق مختلفة حيث ضعف تطور الرأسمالية، فيقتحمها الرأسمال عبر تصدير السلع او تصدير رؤوس الاموال. ومن جهة اخرى تتجه الرأسمالية الى مجال آخر للتوسع وهو قيامها بتسليع الخدمات والمرافق الاجتماعية وخلق سلع تجيب على طلب استهلاكي مصطنع. لقد ساهمت عملية تسليع الحاجيات بدورها في توسيع قطاع الخدمات وعبرها توسيع قاعدة الطبقة العاملة نفسها.ان هذه القطاعات تعرف بدورها نفس التركيبة والعلاقات التي تحكم قطاع الانتاج السلع المادية انها تخضع لقانون العرض والطلب والعامل المنتج للخدمة والرأسمال الثابت والمتغير والسلعة/الخدمة.
هكذا نصل الى النتائج التالية:
1- قطاع الخدمات مهما تعقد وتعددت اوجهه هو في حاجة ضرورية والتي بدونها لا يمكنه الاستمرار او الوجود انه في حاجة الى قطاع الانتاج المادي؛ فمثلا مهما تطور القطاع البنكي او المالي بشكل عام، فإنه يحتاج الى بنية وآلات وأدوات ولوجيستيك، والى سبائك الذهب والمعادن النفيسة والى سك النقود وطباعة الاوراق النقدية والبطائق البنكية. خلف كل هذه الامور هناك انتاج مادي وقوة عمل بشرية تستغل وينتزع منها فائض القيمة.
2- قطاع الخدمات ينتج سلعة/خدمة هي بدورها تخضع لقانون العرض والطلب في السوق وفي مؤسسة انتاج الخدمة هناك قوة عاملة ومالك الرأسمال.
3- فكما تتغير خصائص الرأسمال وتتطور تركيبته باستخدام الاكتشافات العلمية وإدخالها كتطبيقات في الانتاج فان خصائص الطبقة العاملة ايضا تتغير وتتطور وهذا لا يمس في شيء جوهر العلاقة بين العمل والرأسمال وهي علاقة استغلال قائمة على الانفصال الحاد بين من يملك وسائل الانتاج وبين من يبيع قوة عمله لأنها آخر شيء تبقى له لكي يضمن العيش والبقاء.
4- بالمجمل كلما تطور المجتمع وتقدم نمط الانتاج الرأسمالي نحو التحكم في التكنولوجيا والاستخدامات العلمية كلما ضاقت القاعدة الاجتماعية لأرباب رأس المال بفعل المنافسة القوية والشرسة بينهم لكن في المقابل تتوسع القاعدة البشرية للطبقة العاملة بفعل الانتزاع المتنامي للملكية للفئات الاجتماعية الوسطية والرمي بها المتواصل والمطرد في صفوف البروليتاريا المنزوعة الملكية.
5- رغم تقلص النسبي للطبقة العاملة في بعض القطاعات الصناعية فان هناك صناعات جديدة تنشأ قد تعوض ذلك التقلص الاول او تتجاوزه، كما ان تطور الرأسمالية يدفعها لتغزو الفلاحة( عدد الفلاحين في دول المركز أصبح ضئيلا والإنتاج الزراعي الرأسمالي أصبح سائدا وبالتالي تزايد عدد العمال الزراعيين)، كما ان الخدمات تعرف نفس الميل في التوسع؛ مما يجعلنا نخلص على عكس الذين يتنبؤون باضمحلال الطبقة العاملة او تقلصها الحاد، فإنها في توسع وإزدياد مع اكتساح الرأسمالية للعديد من قطاعات الخدمات وتحويل العاملين فيها إلى يد عاملة تعيش، أساسا، ببيع قوة عملها اليدوية والذهنية.
التيتي الحبيب
11/02/2019



تعليقات الفيسبوك