وطنٌ بعلمين! - علي السوري- 9-


لمى محمد
الحوار المتمدن - العدد: 4294 - 2013 / 12 / 3 - 20:15
المحور: الادب والفن     

أصبحت العلاقة مع " الله" مثنى و ثلاث و رباع...
- استغفر الله يا " عمّار" .. ( شو هالحكي )؟!
- مثنى: و ضرّة مشاعرك الأولى هي اللحى..
ثلاث: يقطنها الملوك و السلاطين..
رباع: ل فقرك و ذلك الذَين يجعلان من إنسانيتك ( ممسحة).. لم تقوَ إلا على ترديد كلام الأوليّن...
- لا أعرفك كافراً يا رجل؟! ما أصابك؟!
- من طول عمره الكافر يُسيء للبسطاء فقط، فلا أحد يجرؤ على الإساءة للمال و النفوذ، و لا أحد يقدر على الإساءة ل "الله"..
اليوم أجدع (الكفّار) هم الذين ينطقون.. أما ( هوشة) القاطنين تحت سقف وهمي للدين و الوطن ف (تُقاة).. أقول لك:
- اتركني على صمتي.. فعندما تتحدث الأحقاد.. يصمتُ البسطاء.

و توجه عمار يمّ بيته، كان يعلم أنه مازال مريضاً و أن " هبة" ليست سوى عابرة أخرى في كتاب حياته الذي ملكته " عبير"..
علم أيضاً أن الرسائل التي لا زال يحتفظ بها ككنز صغير ستستمر بإسقاط السحر عليه..
كل صباح كان يستيقظ على تميمة دمشقية..
إحدى رسائل عبير تطرق النوافذ و لا تكترث للأبواب:

استيقظْ..
رميتُ على باب صباحك ياسمينة و (تميمة)..
سامحني إن أسقطتُ السحر عليك..
اليوم هو نومك الأخير..فالعشاق يشبهون " العراق"، أنت تعلم كم كانت " بغداد" جميلةً في الليل...
هااا تذكرتُ:
لستُ أعرف عن دينك شيئاً..
أبوذيّ أنت أيها الأمير؟!
كم أتمنى أن تكون بلا طائفة..

أنت تعرف كم سترجع " بغداد" جميلة في الليل...

ايه أيتها الساحرة.. مررتُ اليوم بتفجيرين و لم أكترث.. سأمرّ بالثالث و لن أموت، فلعنة الحب تشترط البقاء على قيد العذاب.
**********

لم يكن ينقصني سوى هذا المرض العتيد.. إيجابية تحاليل مناعية، شك كبيرٌ بمرض سيأكلني،" صلابة جلد معممة "و ماذا يعني؟!
عمر آخر سينقص أم عمري.. لو لم يكن السوريّ هنا لقلت أنني اكتفيتُ من هذه المهزلة الدنيوية.. لكان لي في السخرية من المرض باع طويل.. و في اختراع ما بعد الموت باع أطول...
ماذا سينتظر سيئةَ حظ مثلي حلمتْ بحب مزمن فحصلت على مرض مزمن؟!

هكذا كنت أفكر و أنا جالسة أنتظر " علي" على المقعد الخشبي في ذلك الطريق المليء بالأشجار الملونة...
وصلني صوته الهادئ:
- بم تفكر صاحبة المعطف الأبيض الجميل؟!
-الجميل أم الجميلة؟!.. ضحكتُ و أضفت: أراقب الخريف يلوّن المكان.. لوحة فيها كثير من العتب.. أوراق تفرّ قبل قدوم البرد و لا تدري أنها متى ما تركت مكانها لن تتصير سوى سماد..
كم تشبهنا هذه الأوراق.. تركنا أوطاننا خوفاً من صقيع الظلم، و سننتهي سماداً لحضارات أخرى...
- لا تظلمي نفسك، لم يكن رحيلنا خياراً، فالأوراق لا تسقط بإرادتها.. حدثيني عن "كمال"...
- ماذا تريد أن تعرف؟!
-كل ما أردتِ قوله..
- كنت أقرأ ل " مارك توين".. أعجبتني فكرة :
من الأفضل أن تستحق الشرف ولا تحصل عليه، على أن تحصل عليه ولا تستحقه!!
في قصتي مع " كمال" كان الحب من حقي و لم أحصل عليه.. لهذا أعتبر نفسي محظوظة...

- ذكية أنت.. أما زلت تحبينه؟!

- لم أحبه يوماً.. أحببت فكرة أن أحبه.. قلت لك أن محظوظة لأن العتيّ رفع لواء طائفته عالياً و مزق علم وطنيته...

شربنا القهوة في قهوة أمريكية هادئة اسمها:
" نسيان".. السوري كالعادة على " الفيسبوك".. و الأرض لا تشبه ( الافتراض) في شيء.
.
كنت أمعن في عينيّ السوريّ .. تتكلمان.. تحكيان قصة وطن.. ثورة.. حلم.. جهاد.. عهر.. حرب.. تكفير.. و دمار...
عبر رسالة ( دردشة) كتبتُ له:
-اكتشفت بعد ( الربيع) العربي أن الشتاء لم يمطر مع أن البرد أكل أصابع أقدام الأطفال.. أن الصيف لن يأتي.. مع أن الأطفال غادروا الشوارع قاصدين الغيم..
و أن الخريف سيتأخر لأنّ الغرباء قرروا الحرب..
أن حقوق الإنسان مصطلح فضفاض متسخ بالنفط و مسمم بالغاز..
و أن الفصول لا تتعاقب على وطن بعلمين...

توقف عن التحديق في شاشة ( الكومبيوتر) و صمتَ و هو ينظر إلى السماء الغائمة عبر زجاج المقهى.. ايه ما أجمل العسليتين عندما تستسقيان المطر و.. أمطرتْ، عندها خرج " السوريّ" عن صمته و كتب:
- أنا من سلالة تبدأ ب " جفلة" و " دلعونا" و لا تنتهي عند " زنوبيا" و " جوليا دومنا".. لذلك أبدأ يومي بالغناء و أنهيه بالبكاء.. كم من الإناث يحتضرن في داخلي و أنا أرى وطني بنقاب أسود...
ثم نظر إليّ و تابع قائلاً:
- كلّ يمنح أتباعه صكوك الغفران.. الفقراء وحدهم من يموتون.. و الوطن لن يغفر لأحد..
يبدو أن الغيوم في عينيّ السوري معدية، تهدج صوتي و أنا أحاول أن أشرح له آلاف المتناقضات في رأسي، كان السوري مرآتي، و كم كنت في حاجة إلى مصارحة نفسي:

- عندما أرى ما حلّ في بلدي من دمار.. أتمنى لو بقيّ السوريون على حالهم و استقرارهم، كيف نثور و نحن محكومون بالقبور؟!
الاستبداد الذي يحكمنا باسم الدين هو اللعنة الأولى المستحقة الدفع، دفعنا و ندفع و سندفع ثمنها.. نحن أجبن من أن نقول:
النقاب: جريمة بحق الإنسانية...
الدين الحقيقي السليم لا يدعو لقتل المخالف..
الإسلام لا يشبه لحى الدجالين..
في "الحج" كثير من التقاليد لا نعرف مصدراً لها، و لا يجرؤ " مسلمٌ" على التفكير بها...
وضع الحجاب كوضع الصليب: شعار ديني و ليس رمزاً للعفة...
المؤمن ليس حتماً مسلم..
( المسلم) ليس دوماً مؤمن..
" الله" لا يميّز البشر بدينهم و إلا سيكون غير عادل عندما يخلق غير المتدينين.. و يخلق مختلفين ممن يرثون ذات الدين..
" الله" عادل لذلك وهبنا العقل لنواجه الفجّار و التجّار.. أنصاف البشر و المنافقين..
و " الإسلام" :
يحتاج فعلاً إلى من ينقذه من أصنام ( المسلمين).
ابتسم السوري بحزن، أشار إلى معطفي الأبيض:
- كم ثمنه؟!
ثم التفت إلى الشاشة و سمعت وقع أنامله تكتب شيئاً ما، وصلت جمله عبر ( الدردشة) تباعاً، و السوريّ فنان في رصّ الحكايا:

-هل تعلمين لمَ ثُرنا؟!.. لأننا نحب أوطاننا.. كانت أمنياتنا عريضة بأن نعمل، نبدع، نبقى في شوارع ذكرياتنا..
نفتح بيوتاً حقيقية بين من نحب و ندعم بيوتاً في مستقبل من نساعدهم..
كان الأمل كبيراً بأن نكبر فيها.. نمرض فيها..
بأن يكون لأطفالنا جدٌّ و جدّة ..
عمّ، خال، ابنة عمة.. و الكثير من الأصدقاء.. حلمنا بأن لا نشد العمر إلى بلدان لا تعرف كلمة " يا بعد عمري".. و لا " يا بعد روحي"..

حلمنا بالفرح بلا ضريبة.. بالبكاء بلا انهزام..

كان أملنا كبير بأن نحيا لا أن نعيش في بلدان ما عاد لنا مكان بين تجارها و مسؤوليها..
هل تعلمين لمَ أكره من تبنوا قضيتنا؟!

هنا انتظرتُ خمس دقائق بخمسة أيام حتى وصلت رسالة السوري:
لأنهم أضافوا إلى مصائبنا عاهة (الطوائف).. و كارثة ( اللحى).. فأحرقوا حتى الذكريات التي كنّا نعيش عليها..

يا صديقتي الجميلة ذات المعطف الجميل:
أكتب لك دوماً ما أودّ أن أحكيه، لكنني أجبن من صدى الصوت...

كنتُ على وشك أن أخبر السوريّ عن إيجابية التحاليل.. لكنه أغلق محموله و رحل.. أهكذا يفعل الرجال عندما يبكون!
ما علينا المرض مزمن، و السوريّ في القلب مستوطن.. (سأراهما) غداً...

يتبع...