أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كامل عباس - الاسلام والبلشفية













المزيد.....



الاسلام والبلشفية


كامل عباس

الحوار المتمدن-العدد: 1928 - 2007 / 5 / 27 - 11:15
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ما من دعوة دينية جاءت عبر التاريخ ’ الا وكان وراء ظهورها في زمانها ومكانها اشتداد الظلم والقهر والفساد بين البشر , كل الحركات الدينية بداية ظهورها دعت الى الإصلاح الاجتماعي , وكان تصورها لذلك الإصلاح على أسس أخلاقية وقيم ومبادئ مستمدة من صفات الله تعالى , تدعو أتباعها للتحلي بها من أجل أن يعم الخير والحب بين الناس , وان كانت تلك الدعوات قد اتجهت الى السماء في ذلك الوقت من اجل الاصلاح , فان ذلك شيء طبعي يفسره عدم تطور العلم والمعرفة والثقافة والخبرة التي تؤهل القيمين على تلك الدعوات ليستندوا الى الأرض , لهذا السبب على ما أعتقد أُطلٍق على تلك الدعوات – الرسالات السماوية - كل رسالة عبارة عن تصور متكامل للاصلاح في زمان ومكان محددين موحى بها من الله تعالى .
يشذ الاسلام عن بقية الدعوات الدينية بكونه جاء في زمان متقدم عن بقية الأديان عرفت فيه القراءة والكتابة وكثير من المخترعات العلمية , ولذلك احتل مرتبة وسطا بين السماء والأرض , وكان الوحي فيه من أجل مساعدة الدعوة الأرضية الجديدة , وهذا ما يفسر نزول الآيات القرآنية لتحسم جدلا في كثير من الأمور الأرضية التي تهم الدعوة الجديدة , ويفسر أيضا لماذا اعتُبِر الرسول العربي محمد خاتم الأنبياء والرسل .
الاسلام بهذا المعنى كان أقرب للثورات الاجتماعية من الحركات الدينية , والثورة الاجتماعية كما هو معروف تاريخيا تتشابك عوامل عديدة لتجعل حصولها حتميا , ومن أهم هذه العوامل
1- انقسام المجتمع الذي تحصل فيه الثورة انقساما حادا بين قوى قديمة تتمسك بامتيازاتها ومصالحها وقوى جديدة لها مصلحة في تغيير النظام السابق .
2- عجز القوى الاصلاحية عن حل الاستعصاء بين الجهتين عبر الطرق السلمية .
3- تحرك الطبقات صاحبة التغيير بناء على مصلحتها وليس بناء على وعيها .
4- اصطفاف قوى خارجية مجاورة لتدعم هذه الجهة او تلك .
والثورة الشعبية تترافق مع قدر كبير من العنف والإرهاب عادة , ولكن النتيجة تؤدي الى نظام جديد يفتح آفاقا واسعة للتطور الاجتماعي قد تتجاوز نتائجه القوى المحلية لتؤثر على جوارها والعالم بمقدار يتناسب مع أصالة الثورة .
يمكن بحق وصف الاسلام بأنه ثورة عربية لاتقل أصالة عن الثورة الفرنسية والثورة الروسية . تتضح ذلك بالمقارنة مع صيرورة الثورات الثلاث , ونتائج كل منها القريبة والبعيدة , الداخلية والخارجية ’ ولنبدأ بالثورة الفرنسية الأكثر كلاسيكية في التاريخ .
........................................................................................................
1- الثورة الفرنسية:
حالة فرنسا قبل الثورة :
كانت فرنسا قبل عام 1789 مجتمعا إقطاعيا ارستقراطيا أساسه امتياز الولادة والثروة العقارية , وكانت طبقة النبلاء والالكليروس تتمتعان بحقوق تقليدية معروفة يؤمنها لهما الحكم الملكي القائم على نظرية الحق الإلهي (( فالملك بصفته ممثل الله يعلن عن نفسه في كل رسائله الرسمية – ملك فرنسا بنعمة الله – ويمنح التكريس الملك صفته الالهية . ويتم عادة في كاتدرائية ريمس حيث يلفظ الملك محاطا بأعيانه قسم الوفاء للكنيسة ولشعبه . من ثم يتم تكريسه بعد ذلك بدهنه بالزيت المقدس , بينما يلفظ رئيس الأساقفة هذه الصيغة – كن مباركا وقم ملكا في هذه المملكة لأن الله أعطاك أن تقودها )) (1) وفي 3 آذار 1766 أعلن لويس الخامس عشر في البرلمان (( في شخصي وحده تستقر السلطة العليا , والي وحدي تعود السلطة التشريعية دون ارتباط ولا مشاركة , وعني يصدر النظام العام كله , وحقوق النظام العام كله وحقوق الأمة ومصالحها هي بالضرورة متحدة مع حقوقي ومصالحي ولا تستريح الا بين يدي ))
بمواجهة النبلاء والالكليروس شكّل باقي الشعب ما يعرف بالطبقة الثالثة التي كان يقع على كاهلها النظام الضريبي الجائر , ضريبة الرأي وضريبة الملح وضريبة العشر وضريبة المكوس ....الخ
فرنسا في سنوات الثورة :
فرضت الأزمة المالية والدينية نفسها على فرنسا بقوة قبل عام 1789 , وقد تمكنت الأرستقراطية بمساعدة مباشرة من الملك من إجهاض كل المحاولات الإصلاحية للحد من آثار الأزمتين على الشعب الفرنسي , وجاء عام 1789 ومعه أزمة اقتصادية شديدة أدت إلى ارتفاع سعر الخبز وانخفاض سعر الخمر وما رافقه من تضرر أصحاب الكروم في ريف فرنسا ’ كل ذلك أدى الى تمرد باريس والاستيلاء على الباستيل في 14 تموز 1789 (( وكان الباستيل يتحدى الهجوم الشعبي بجدرانه التي يبلغ ارتفاعها 30 مترا وخنادقه الملأى بالماء بعرض 25 متر مع ان دفاعه كان يعتمد فقط على 80 من مشوهي الحرب يحيط بهم 30 سويسريا )) (2) ونجاح الاستيلاء على الباستيل مهد الطريق لتمرد بقية المدن والأرياف الفرنسية وحملها السلاح ضد السلطة وتشكيل الجمعية التأسيسية الفرنسية التي تبنت في 26 آب 1789 إعلان حقوق الانسان والمواطن بمواده السبع عشرة والتي تنص المادة الأولى منه
الناس يولدون ويبقون أحرارا ومتساوين في الحقوق
المادة الثانية :
وهذه الحقوق هي الحرية والملكية والسلامة ومقاومة الاستبداد
المادة التاسعة :
وبما ان الناس سادة على ذواتهم فباستطاعتهم الكلام والنشر مع توضيح كون التعبير عن الآراء لا ينبغي أن يسيء الى النظام الذي أقره القانون .
شجب البابا إعلان حقوق الإنسان كعمل كافر , واشتد الصراع ليس في فرنسا بل في أوروبا كلها بين أصحاب الحق الطبيعي والحق الالهي ’ وكان على رأس القوى المعادية للثورة الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري انطوانيت وقد كُشِف أمر هربه ومحاولة التنسيق مع الخارج للقضاء على الثورة , ونشر الاعلان الذي وجهه الى الفرنسيين في 21 حزيران عام 1791 قبل هروبه (( كل ذلك لم يترك ادني شك حول نواياه ’ لقد كان في نيته الالتحاق بجيش بوبه ’ ومن هناك الى الجيش النمساوي في البلاد المنخفضة ثم العودة الى باريس ليحل الجمعية والنوادي ويستعيد سلطته المطلقة )) (3) ومع ان الإعدام لم يطاله بعد انكشاف أمر هربه , بل طال الذين دبروا العملية . فان ذلك لم يردع الملك عن التنسيق في الداخل والخارج للدفاع عن حقه الالهي في الحكم , مما أدى الى انتفاضة جديدة في العاشر من آب 1972قادت إلى محاكمة لويس السادس عشر وإعدامه في 21 كانون الثاني 1793 و تبعها إرهاب متبادل بين القوى الملكية والقوى الجمهورية .
فرنسا بعد الثورة :
ومع ان الملكية قد انتهت بالقضاء على الملك الا أن الصراع لم يتوقف بين اليسار واليمين كما هو معروف في التاريخ بين الجيرونديين والجبليين , وقد كان استبداد الحرية كما وصفه زعيم اليسار آنذاك مارا صديق الشعب برده على الجيرونديين قائلا- لا تستقر الحرية الا بالعنف وقد حان الوقت لتنظيم استبداد الحرية مؤقتا لسحق استبداد الملوك – ولكن الإرهاب الجديد مّكن القوى الرجعية من تنظيم نفسها كما هو معروف وشكل الردة التروميدورية التي ادت الى اعدام روبسيير وسان جوست وكوتون وتسعة عشر آخرين من زعماء اليسار من دون محاكمة في 28 تموز 1794 وتبعها في اليوم التالي ارسال دفعة الى المقصلة بلغ عدده 71 شخصا , وانتهت الأمور لكي تسقط الثورة بين أحضان العسكر .
نتائج الثورة :
لا تزال الثورة الفرنسة تلهم الأجيال ليس في اوروبا بل والعالم من اجل النضال ضد كل ما هو رجعي وفاسد ومعاد للإنسان وحقوقه وخاصة الملوك ولا تزال أقوال الكثير من ثوار فرنسا تدوي في أذن الملوك الحاليين
(( لقد اجتمع المؤتمر الوطني على الغاء الملكية في 21 أيلول 1792 وقد قدم كوللو ديربوا اقتراحا بذلك وسانده غريغوار – الملوك في النظام المناقبي هم الوحوش في النظام الطبيعي . فالبلاطات هي مصنع الجريمة ومدبغة الفساد , وتاريخ الملوك هو تاريخ شهداء الأمم )) (4)
ولا يزال خطاب سان جوست امام البرلمان الفرنسي في 13 تشرين الثاني يقض مضجع الملوك في كل مكان
(( ان الرجال الذين سيحاكمون لويس عليهم هم أنفسهم ان يؤلفوا جمهورية , ومن يعلقون بعض الأهمية على عقاب عادل للملك لن يؤسسوا أبدا جمهورية ... أما أنا فلا أرى حلا وسطا : فهذا الرجل يجب أن يملك أو يموت ... لا يمكن أن يحكم ببراعة ... فهذا أمر واضح الجنون . فكل ملك هو مغتصب ومستبد ))

2- الثورة الروسية :
حالة روسيا قبل الثورة :
كانت روسيا أوائل القرن العشرين امبراطوية مترامية الأطراف , يعيش أهلها في الأرياف حياة مشاعية بدائية , وفي المدن حياة نصف إقطاعية نصف رأسمالية (( وكانت الصفة الأساسية الثابتة للتاريخ الروسي تتمثل ببطء تطور البلاد وما ينجم عن ذلك من وجود اقتصاد متخلف وبنية اجتماعية بدائية ومستوى ثقافي متدن )) (5) تجلت تلك الصفات بشكل واضح في آخر قيصر من سلالة آل رومانوف التي حكمت روسيا قرونا , وكان نيقولاي الثاني وزوجته كاترين قد أوكلا قرارهما الى راس بوتين زير النساء المشهور , لأن الملكة كانت تعتقد انه رسول العناية الإلهية لحماية القصر (( وكان الامبراطور يتابع الاهتمام بطول المسافة التي قطعها في رحلاته ويتحدث عن تفاهات حياته العادية رغم هدير الرعد فوق رأسه وظهور البرق الخاطف في سمائه , ولقد تساءل احد الجنرالات المقربين من القصر , ماذا يعني كل هذا ؟ هل هو تمالك رائع للنفس يرجع الى التربية والإيمان المطلق بالقدرة الإلهية ام أنه نقص في وعي الأحداث )) (6) ونتيجة للتفاوت الهائل بين غنى القيصر وحاشيته وأعوانه , وبين فقر باقي فئات الشعب , بدأت احداث ثورة عام 1905 بمظاهرة عمالية في بطرسبورغ يقودها كاهن تطالب بالخبز , فاستقبلها جنود القيصر بالرصاص و وتمكنوا من سحق الثورة وشق القوى السياسية وعدم تقديم أي تنازلات للقوى الاصلاحية في البلاد مما جعل من انتفاضة 1905 بروفا لانتفاضة 1917
عشرة ايام هزت العالم :
يعطي كتاب – عشرة أيام هزت العالم – للصحفي الأمريكي جون ريد صورة واقعية عن انقسام المجتمع الروسي في عام الثورة , وتمسك الطبقات الرجعية بامتيازاتها ومقاومتها كل المحاولات الاصلاحية التي قامت بها الحكومة المؤقتة بقيادة كيرنسكي , مما مهد الطريق للانتفاضة الثانية التي تشكلت فيها بشكل عفوي في طول روسيا وعرضها مجالس (سوفييتات ) تضم الفقراء المعدمين من العمال والفلاحين والجنود. يقول جون ريد (( وكان قسم كبير من الطبقات المالكة يفضل الألمان على الثورة وحتى على الحكومة المؤقتة , ولم يكن يحجم عن هذا احد من الأسرة الروسية التي كنت اسكن لديها , كان الحديث على المائدة يدور باستمرار تقريبا حول وشك قدوم الألمان حاملين معهم حكم القانون والنظام )) (7) وحوالي أواخر تشرين الثاني حدثت فتنة الخمر التي كان يراد لها أن تفسد الانتفاضة وتدخلها في متاهات المجهول
(( ابتدأت الفتنة بنهب أقبية الخمر في قصر الشتاء , وخلال أربعة ايام كانت الشوارع تغص بالجنود السكارى وكان واضحا ان يد أعداء الثورة وراء هذا كله الذين وزعوا على الأفواج خرائط تبين مواقع مستودعات الخمر)) (8) ومن المعروف جيدا لدى الروس أن الكسندرا كولنتاي التي عينت كموضة الشعب للتامين الاجتماعي قد استقبلت من قبل موظفي وزارتها بإضراب شامل , وأن وفود الكسيحين الجياع واليتامى وذوي الوجوه الزرق حاصروا مقر مؤسستها الخيرية (( مما دعاها لتأمر- والدموع تنهمر من عينيها - باعتقال المضربين حتى يسلموها مفاتيح الخزينة وعندما حصلت على المفاتيح اكتشفت ان الوزيرة السابقة هربت حاملة معها المال كله )) (9) كثير من لجان العمال والجنود الذين كلفوا بجمع مجوهرات التجار قبل ان يهربوها استطاع التجار الضحك عليهم بإشغالهم بموائد عامرة بالشراب والطعام في حين هربوا ما عندهم من باب آخر غير الباب الذي دخل منه العمال الفقراء , كل ذلك ساعد البلاشفة في تنظيم تلك المجالس والوصول من خلالها الى السلطة .
روسيا بعد الثورة :
من المعلوم ان الثورة الروسية نقلت روسيا في زمن وجيز من دولة متخلفة الى دولة قوية ومقتدرة تدعي انها حامية حمى العمال في كل أنحاء العالم , وان كانت الثورة قد ارتمت في أحضان البيرقراطيين الحزبيين وانتهت الى ما هو معروف , وحصل لها ما حصل للثورة الفرنسية قبلها , فان ذلك لايقلل من أهميتها على مستوى روسيا والعالم , فهي التي أمدت المقهورين بالأمل في إمكانية صنع جنتهم على الأرض يوما ما بدلا من صنعها في السماء وهي التي أدخلت في كل لغات شعوب الأرض كلمات لها مدلولها مثل بلشفيك – الأكثرية - وسوفييتات – مجالس – وبيروسترويكا – إعادة بناء –

3- الثورة الاسلامية العربية :
المنطقة العربية قبل الاسلام :
من الثابت تاريخيا أن العرب قبل الاسلام كانوا قبائل موزعة في الصحراء داخل شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق , غالبية هذه القبائل بدو رحل يتنقلون طلبا للرعي والماء , والقليل من هذه القبائل يستوطن أرضا شكلت تجمعات زراعية مستقرة مثل مملكة الحيرة في العراق ومملكة غسان في بلاد الشام ومملكة حمير في اليمن , وكانت تلك الممالك الصغيرة تخضع بشكل كامل للامبراطوريات المحيطة بالمنطقة العربية وهي امبراطورية الروم والفرس والأحباش (( وقد استعان الفرس والروم بهذه القبائل على أغراضهم السياسية , التي كانت ترمي الى الوقوف في وجه القبائل العربية الأخرى التي تغير على بلادهم وتهدد الأمن في القرى الزراعية والمراكز التجارية المجاورة لتلك القبائل كلما أصابهم الجدب , واستعاض الروم والفرس عن جنودهم بجنود هذه القبائل )) (10) وحرب الكر والفر بين الغساسنة والمناذرة وآل سيف بن ذي يزن معروفة في التاريخ العربي , وعاداتهم وتقاليدهم معروفة ايضا , ومن أهمها وأد الأنثى وهي حية , وعادة الثأر والتعصب بين القبائل ’ وقد كانوا بغالبيتهم لايجيدون القراءة والكتابة ولا يهتمون بذلك , ونتيجة هذا الجهل وتلك العادات حصلت حروب كبيرة بينهم استمرت سنين عديدة من اجل مسائل تافهة جدا مثل حرب البسوس التي وقعت بين قبيلتي بكر وتغلب ابني وائل , ودامت أربعون عاما بسبب ناقة كانت تملكها امرأة عجوز من بكر تدعى البسوس , وحرب داحس والغبراء التي دامت هي الأخرى أربعون عاما ويزيد وكان سببها كما هو معروف ان قيس بن زهير وحمل بن بدر تراهنا على داحس والغبراء أيهما يكون له السبق واختلفا على النتيجة فاشتعلت الحرب بين قبيلة عبس وقبيلة ذبيان ’ وحتى القبائل الحضرية كان لها عادات قبيحة لا تمت للانسانية بصلة مثل عادة المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة حيث كان له يوم بؤس ويوم نعيم ,
من بين تلك التجمعات كانت واحدة اكثر تقدما ورقيا واستقلالا, هي تلك القبائل التي استقرت في واد ضيق منتصف القرن الخامس الميلادي حول نبع دائم المياه يعرف بئر زمزم وشكلت قرية مكة , وقد أهّلها موقعها الجغرافي الى جانب مياهها ان تأخذ مكان مملكة سبأ التي تفرق أهلها بعد سيل العرم المشهور في التاريخ , وفي مكة أقيمت الكعبة التي تحج اليها القبائل في أشهر حرم لا يجوز القتال فيها ’ بل يجب ان تكون للتجارة وتبادل السلع والمنافع حولها , وقد عرفت مكة تنظيما اجتماعيا مقبولا بين أبنائها من مظاهره دار الندوة للتشاور ولمن يزيد عمره عن الأربعين واللواء للأعمال العسكرية والسقاية والرفادة للأعتناء بالحجاج , وقد كانت الزعامة في مكة لقبيلة جرهم وانتقلت بعدها الى قبيلة خزاعة ومنها الى قبيلة قريش (( وقد استولى قصي بن كلاب على أمر مكة والبيت الحرام سنة 440 م من يد خزاعة وأجلاهم عنها بما كان له من العصبية , فرحلت خزاعة ونزلت في بطن مر – وادي فاطمة – ومن ثم عظم نفوذه واجتمعت له السقاية والحجابة والرفادة واللواء ولم تجتمع في رجل من قبله)) (11)
العرب والاسلام في عهد رسوله الكريم
بدأ الرسول العربي دعوته الى التوحيد وهو في سن الأربعين بعد ان نضج تماما لها , وكانت الدعوة في البداية سرية بشكل تام واستمرت كذلك ثلاث سنين , تمكن فيها من تشكيل نخبة من المناضلين الأقحاح المستعدين للتضحية في سبيل قناعاتهم الجديدة , وعندما اطمأن الى الدعاة الجدد جاهر بالدعوة مسلحا بشكل تنظيمي متماسك و بتكتيك واستراتيجية وأيديولوجيا سبقت الأحزاب الشيوعية والقومية بقرون عديدة في عملها السري والعلني – قبل وبعد الاستيلاء على السلطة – وقد تحملت قيادة التنظيم الأولى للإسلام كل أنواع الاضطهاد والظلم والعذاب من المشركين وسقط منهم شهداء تحت التعذيب , مما اضطر القيادة للهجرة من مكة الى المدينة , وهنك باشر المسلمون بزعامة نبيهم في ترجمة النظرية الى الواقع فآخى محمد بين المهاجرين والأنصار وبدأ بتنظيم حياة الناس على أسس جديدة مختلفة عن الأسس المعروفة في الجاهلية نذكر منها على سبيل المثال لاالحصر .
- على الصعيد الاجتماعي , حارب الاسلام العصبية القبلية والعشائرية وخاصة عادة الأخذ بالثار وحرّم وأد الانثى وهي حية , ونّظم علاقة الرجل بالأنثى في أسرة اسلامية لها دستورها وشريعتها الجديدة .
- وعلى الصعيد السياسي تعايش المسلمون مع اليهود والمسيحيين , واحترموا عقيدتهم وشعائرهم .
- وعلى الصعيد الاقتصادي أقر الإسلام نظام ضرائبي جديد ومتطور تجبى فيه الأموال الى بيت مال المسلمين عن طريق الزكاة والفيء ...الخ .
وخاض المسلمون بنظامهم الجديد معارك عدة ضد المشركين انتصروا في أغلبها رغم قلة عددهم وعدتهم مثل غزوة بدر وغزوة المصطلق وغزوة خيبر , ولم تأت السنة السادسة للهجرة حتى كان التنظيم الجديد من الثقة بالنفس لكي يخاطب الجيران - عربا كانوا ام عجما - بشكل ندي لهم ويدعوهم الى دين التوحيد الجديد
(( أرسل الرسول العربي في السنة السادسة للهجرة الكتب الى الملوك والأمراء , فبعث دِحية بن خليفة الكلبي الخزرجي الى هرقل امبراطور الروم , وعبد الله بن حذاقة السهمي الى كسرى فارس , وعمر بن أمية الضمري الى النجاشي , وحاطب بن ابي بلتعة اللخمي الى المقوقس عامل هرقل على مصر , وسليط بن عمرو العامري الى هوذة بن علي الحنفي امير بلاد اليمامة , وشجاع بن وهب من بني أسد بن خزيمة الى الحارث بن أبي شمر الغساني )) (12) وفي السنة الثامنة للهجرة فتح مكة , وفي السنة العشرة للهجرة خرج الرسول الى الحج ومعه أكثر من مائة ألف من المسلمين وقد خطب فيهم خطبة عرفت فيما بعد بخطبة الوداع تعتبر دستور النظام الجديد وما جاء فيها (0 ايها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد , كلكم لآدم وآدم من تراب ’ إن أكرمكم عند الله اتقاكم , لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى)) وبعد الخطبة بثلاثة أشهر انتقل الى جوار ربه .
العرب بعد الاسلام :
ربما كانت الدفعة القوية للتطور الاجتماعي الذي أعطاها الاسلام للعرب والعالم أكبر بكثير من الثورة الفرنسية والبلشفية . الاسلام سبق الثورة الفرنسية في التحدث عن الحرية والاخاء والمساواة بين الناس , وحرم الركوع الا لله تعالى , والاسلام حارب حكم السلالات المرزول عند الروم والفرس , وأقر بحق الحكم لكل انسان ناضج وعاقل بغض النظر عن حسبه ونسبه , فهل يتحمل الاسلام وزر السلالات العربية الحاكمة الآن , وهو القائل (( ان الملوك اذا دخلواقرية أفسدوها )) (13) .
من المؤسف ان ينظر كثيرا من المستشرقين حتى الآن الى الإسلام نظرة الفيلسوف الفرنسي – مونتسكيوا الذي رأى بالإسلام أنه( دين الخوف ) وانه ملائم للاستبداد , مع ان الاسلام جاء لمحاربة الاستبداد , لقد جرى الاسلام فيما بعد , ما جرى للثورة الفرنسية والثورة الروسية , حيث أكلت الثورة أبناءها , وأصبح الاسلام ضحية للاستبداد واكبر من عبر بوضوح عن هذه الفكرة هو الكاتب السعودي تركي الحمد بقوله (( ما يجري في العراق، بل وما يجري في لبنان والسودان والجزائر والصومال وغيرها مما يحمله الرحم العربي، هو نتيجة ثقافة متحجرة تأبي أن تتغير، أو يؤبى عليها أن تتغير، فهي ذاتية الإنتاج بشكل غريب، محمية بحراس أشداء، حتى أن ديناً مثل الإسلام لم يستطع أن يروضها إلا لفترة وجيزة، ثم استوعبته هي، وتحولنا إلى طوائف ومذاهب وعصبيات وقبائل وعشائر وعادات وتقاليد، وقتل الجميعُ الجميعَ دفاعاً عن الإسلام، بينما هي السلطة والثروة والعصبية والجهل من يقف وراء كل ذلك، البعض يفعل ذلك عن وعي وعلم، والبعض عن جهل وعقل لا يعرف إلا التعصب سبيلا. لم يمت المهلهل ولا برد دم كليب ولا انتهت مناوشات بكر وتغلب وغرور ابن كلثوم، فما زالوا يعيشون بين ظهرانينا، حتى نقرر متى نطردهم، ولكن متى؟ هنا يكمن السؤال)) (14)
لقد تمكنت القوى العربية الرجعية منذ عهد الخليفة عثمان من ركوب الاسلام من الداخل وكيفته لمصالحها - وخاصة الحالية - بتشجيع ودعم من القوى الغربية الرجعية المحافظة التي تحالفت مع الفكر الوهابي السلفي الذي أنتج الارهاب , فما بال كثير من الكتاب الغربيين يحطون اللوم على الإسلام !!
وان كان المفكرين الغربيين يسيئون للإسلام بحسن نية او بسوء نية ’ فان من يدعي العلمانية من الكتاب العرب - وما اكثرهم الآن - يستحقون اللوم أكثر بكثير من الغربيين , لقد أصبحت رواية آيات شيطانية مدرسة لهؤلاء العلمانيين , وان كنا لاننكر عليهم حقهم في التعبير عن رأيهم بحرية , فان من حقنا أن نرد على ذلك الفهم السطحي للإسلام والذي لايرى منه الا جانب زيجات الرسول ,( وان الرسول فاخذ عائشة وهي في سن السادسة وهو في سن الخمسين ) والإسلام من التفخيذ الى التفخيخ !!!!! الغريب في أمر هؤلاء اليساريين العلمانيين وجلهم كان وما يزال مبهورا بالثورة البلشفية , ولكنه يصب جام غضبه على الاسلام ونبيه محمد لانه مسئول حسب زعمهم عن الحجاب السميك المفروض على عقل الرجل والمراة المسلمة ’ في حين لايرون الحجاب الكثيف على عقل الشيوعيين الذي سببته ثورة البلاشفة , يمكن للمرء ان يجد عذرا لمسلم يقتدي بنبيه ويصر على ان ترتدي زوجته الحجاب , أو أن يؤمن بالجن والعفاريت , فالدين عند الدينين فوق دائرة العقل , ويجب ان يسلموا بأوامره ومقولاته تسليما . ولكن ما العذر لشيوعيين في كل أنحاء الأرض كانوا يدافعون عن ثورة الشعب بأسره , ويعتقدون ان المجتمع السوفياتي تجاوز الطور الاشتراكي وبدأ بالطور الشيوعي , ألايزال عقل الكثير منهم الذي يردد حتى الآن - ان التاريخ اثبت صحة وجهة نظر الشيوعيين حول قوانين التطور الاجتماعي – في اجازة مفتوحة ؟
سأقارن في هذه الدراسة المتواضعة بين الاسلام والبلشفية واترك استخلاص العبر والدروس للقارىء الكريم .
الاسلام والبلشفية :
لماذا تأثرت الثورة البلشفية بالثورة الاسلامية وكانت امتدادا لها بالرغم من البعد الزمني في حين لم تتأثر كثيرا بالثورة الفرنسية ؟ يكمن الجواب على ما اعتقد في طبيعة التربة والمناخ الذي نبتت فيه كل ثورة ’ فروسيا اقرب في تاريخها ومناخها الى البنية الاستبدادية الراكدة والمغلقة , وليست شبيهه بأوروبا ذات البنية المفتوحة التي أهّلتها لكي تتجاوز الماضي ببساطة , ولهذا السبب يسهل علينا المقارنة ودراسة أوجه الشبه والاختلاف بين البلشفية والإسلام أكثر مما يمكننا المقارنة بين الثورة الفرنسية والثورة الروسية وهذا غيض من فيض .
1- وجه التشابه في الشعارات التي رفعتها الثورتين، ودور الذات قياساً بالموضوع من أجل تحقيق تلك الشعارات. الإسلام. ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين. والبلشفية، يا عمال العالم ويا أيتها الشعوب المضطهدة، اتحدوا... أما دور الذات فقد تجلى بدور الطليعة، دور الحركة السياسية وعلى رأسها الفرد في الجانبين. لينين في البلشفية، ومحمد في الإسلام، ودورهما الحاسم في صنع الثورتين. ترى لو أن تلك العنكبوتة لم تنسج شباكها على غار حرّاء ودخل المشركون إلى الغار وقتلوا محمداً. ماذا كان قد حل بدعوته من بعده ؟. ترى لو أن القطار الذي أقلّ لينين إلى روسيا عام 1917 قد تدهور على الطريق وقتل لينين، هل كان البلاشفة بمقدورهم ان يصلوا الى السلطة في غياب قائدهم ؟ المعروف أن لينين استقال من المركزية إثر وصوله إلى روسيا ـ وغير خطة الحزب واكتسب الأغلبية بنضاله داخل القواعد، وعمل من أجل الانتفاضة وحددها بدقة، وقال إن تأخير أو تقديم يوم قد يحرمنا من النصر.
وجه الشبه بين الرجلين
في السمات الشخصية أيضاً المتسمة بالصلابة والشجاعة والإيمان بعدالة وحتمية انتصار قضيتهما. محمد يقول لعمه: «والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا ما فعلت حتى أهلك دونه»، ولينين يتحدى جلادي القيصر المعروفين بخشونتهم ويجيبهم وهو بين أيديهم عندما يخاطبونه: «إنكم تنطحون حائطاً برؤوسكم... يجيبهم، ولكنه حائط نخره السوس وتكفيه دفعة واحدة حتى ينهار».
وفي البراغماتية الثورية لكل منهما. محمد استعان بالوحي من أجل أن يسوق وراءه جماهير جاهلة لا تعرف مصلحتها، ولينين لوى عنق النظرية أكثر من مرة لكي تخدم روسيا.
وبسبب دور الفرد الكبير في الثورتين، ترك غيابهما المبكر آثاراً كبرى على مسار الثورتين.

2ـ كلتا الثورتين نادتا بالعالمية، ورفعتا راية الإنسان بغض النظر عن جنسه ولونه وقوميته، ولكنهما جيّرتا البعد الأممي لمصلحة القومية مع فارق أن الإسلام كان قوميا في البداية أكثر منه امميا وانتهى لكي يصبح امميا اكسر منه قوميا , الإسلام بجوهره دعوة عربية «وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً، لتنذر أم القرى وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه، فريق في الجنة وفريق في النار..».(15) والقرآن لا تجوز ترجمته ولا تقبل تلاوة آياته في الصلاة إلا كما جاءت، أي تلاوتها بالعربية. أما البلشفية، فالبعد أممي أساسي في الفكر الشيوعي، والاشتراكية لا يمكن أن تمهد الطريق للشيوعية قبل إسقاط نظام الإنتاج الرأسمالي ودك معاقله كلياً. من أجل ذلك عملت الثورة على تشكيل أممية جديدة، وشعارها ولايات أوروبية اشتراكية واحدة، كخطوة نحو الاشتراكية العالمية، وانتصار الاشتراكية في بلد واحد مستحيل، ولما خذلتها أوروبا انكفأت الثورة نحو القومية، وصار همها هو تشكيل الأحزاب الشيوعية لتخفيف الضغط ما أمكن عن الثورة البلشفية. من أجل ذلك بدأ الكومنترن بالتبشير في الشيوعية وإرسال الرسل لتشكيل تلك الأحزاب، وتم الخروج عن روح الفكر الشيوعي كلياً، فالفكر الشيوعي يعلّم أن التناقض الداخلي هو الأهم، وأن الحزب الشيوعي في كل ساحة يجب أن يكون تعبيراً عن طبقتها العاملة ودرجة نضجها وحاجة التطور في تلك الساحة إلى حزب كهذا. كانت الحجة هي الدفاع عن الدولة السوفياتية لأن في ذلك انتصاراً للاشتراكية، وبالتالي تم تطويع النضال القومي من قبل الأحزاب الشيوعية بما يخدم تلك الدولة. البلد الأم للاشتراكية. أي ان البلشفية بدات أممية وانتهت قومية .
3- كلتا الثورتين أخافت الغرب فأشعل عليهما حرباً ساخنة حيناً، وباردة حيناً آخر. الحروب الصليبية ضد المسلمين وحملاتها المتكررة استمرت قروناً بحجة الاستيلاء على بيت المقدس. أما في روسيا فقد وصل هتلر إلى أبواب قصر الشتاء، وكانت حرباً ساخنة انكسر فيها لتبدأ حرباً باردة ضد الثورة وإيديولوجيتها بقيادة أمريكا.
4 ـ كلتا الثورتين انقسمت إيديولوجيتهما بعد الانتصار والاستيلاء على السلطة إلى فرق ومذاهب. كل فرقة تدّعي أنها في الجنة وبقية الفرق في النار. الإسلام انقسم إلى سنّة وشيعة وخوارج ، والبلشفية إلى تروتسكية وستالينية وماوية , ومذاهب وفرق البلشفية مثلها مثل فرق الإسلام كلها تتفق على عصمة النبي، وتختلف على من بعده من القديسين والأولياء. ولكن من الإنصاف القول أن الفرق الاسلامية كان للبرنامج دور في التسمية ’ في حين كان رمز الفرق البلشفية هو الفرد ’ ففي الاسلام تقول سنة وشيعة وخوارج وأهل الرأي وأهل الحديث ودهريين وعبدة شيطان ... الخ وعند الشيوعين تقول ستالينيين وتروتسكيين وماويين وغيفاريين و بول بوتيين وكاسترويين , وبريجنيفيين ...الخ
5- وجه التشابه بين اللاسلام والبلشفية لم ينحصر في السياسة بل تعداه الى الاقتصاد ودور الدولة فيه واعتمادهما على الضرائب والتفنن بطرق جبايتها من المواطنين وتخبطهما بين الانطلاق من العام الى الخاص او العكس , الزكاة والفيء في الاسلام والخراج وشيوعية الحرب والسياسة الاقتصادية الجديدة ( النيب ) عند البلاشفة .
الديمقراطية بين الاسلام والبلشفية :
يتفق الاسلام مع البلشفية في ان الجانب الاجتماعي في الديمقراطية أهم من الجانب السياسي , والديمقراطية تتضمن قدرا من العدالة الاجتماعية , وبالتاليكان هم القائدين محمد ولينين بالدرجة الأولى هو إعادة توزيع الثروة, والتحيز المكشوف للفقراء ضد الأغنياء , ففي الاسلام حق معلوم للسائل والمحروم من أموال الأغنياء (( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم , يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجيوبهم وظهورهم هذا ماكنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ))(16 ) وفي البلشفية كان المرسوم الأول هو الأرض الذي أعاد توزيع الملكية . والاسلام والبلشفية قدمتا الكثير في أول عهدهما للفقراء والكادحين , وفي الثورتين كان التركيز على التغيير الاجتماعي من أعلى الى أسفل بقيادة المثقفين الذين يمتلكون الوعي ويحملون هموم ومشاكل الأمة والانسان فيها , ويسعون للعمل من اجل قضيتهم عن طريق تحولات اقتصادية في المجتمع اولا تنعكس عليهم اجتماعيا وترفع سوية وعيهم فيما بعد , ولكن اذا كان باحث مثلي يرى بالديمقراطية آلية للحكم ولا يضمنها أي قدر من العدالة الاجتماعية , , أو اذا كان يرى بالجانب السياسي للديمقراطية ممرا اجباريا للجانب الاجتماعي فانه لابد أن يعترف بان الاسلام كان متقدما على البلشفية في هذا الجانب ,
لينين كان واضحا في سخريته من الديمقراطية السياسية داخل كتابه الشهير ما العمل
(( ان منظمة الثوريين الحقيقيين لا تحجم عن وسيلة للخلاص من عضو فاسد , ولدينا فوق ذلك في الوسط الثوري الروسي والعالمي رأي عام متطور بشكل كاف ومتأصل في أعماق الماضي يعاقب أشد العقاب على الخروج عن واجبات الرفاقية , والديمقراطية الحقيقية لا الصبيانية تدخل في مفهوم الرفاقية, خذوا كل ذلك بعين الاعتبار, تذكروا مبلغ ما يفوح من هذه الخطابات والقرارات بصدد الميول المعادية للديمقراطية من اللعب في الخارج بلعبة الجنرالات )) (17)
(( يتعذر في المجتمع الراهن على كل طبقة من الطبقات أن تناضل بثبات بدون دستة من الزعماء والنوابغ - والنوابغ لا يولدون بالمئات - المجربين والمتفقين في الرأي والذين حنكتهم تجارب الأيام )) (18) وهكذا بدا قرآن لينين وكأنه يسند الأمناء العامون في كل زمان ومكان , ومن يعمل لتغيير الأمين العام يسهل اتهامه بانه زنديق لا يريد للطبقة العاملة الخير ويعمل ضد مصلحتها ’اذ يحرمها من القيادة المجرية والمحنكة , والتي تمرست في النضال من خلال المعارك الطبقية, ويريد كلما اكتسب أمين عام هذه الخبرة أن يغيره ليأتي بغيره , وربما دافع بعضهم عن توريث الأمانة العامة الى الأبناء لأنهم يعيشون في نفس البيئة والمحيط ويرقبون المعارك الطبقية التي تخاض من قبل آبائهم بحكم تواجدهم الدائم الى جانبهم, وبناء على نموذج ما العمل ’ لم يُعرف عن حزب ماركسي لينيني عقد مؤتمره قبل ترتيب المناصب من قبل القادة , فهم أوعى من القواعد ويفهمون مصلحة الطبقات العاملة أكثر منها , ولم يزح أمين عام واحد بطريقة ديمقراطية , بل الجميع اذيحو اما بالحديد والنار , واما بالموت , من ستالين , الى بريجنيف , الى ماوتسي تونغ , الى هوساك , الى تشاوشسكوا , الى كاسترو, الى كم اينغ ايلسون , الى أنور خوجا ’ الى علي يعته ’ الى خالد بكداش , البلشفية واضحة ومنسجمة مع نفسها ’ الديمقراطية السياسية زعبرة ولعبة جنرالات, والانسان وحقوقه تفاهات بورجوازية والأهم هو الحفاظ على الصيرورة الثورية , وقد تتطلب أحيانا ظلم أفراد ’ لكن ذلك يهون أمام مصلحة المجتمع , وبالتالي قانون الرهائن الذي يبيح احتجاز الآباء والأبناء والأقرباء من أجل الضغط على المشاغبين المطلوبين من قبل رجال الأمن , وافق عليه لينين وتروتسكي وكل القادة البلاشفة وما زال معمولا به حتى هذ اللحظة في الدول التي تهتدي بهدي االشرعية الثورية

صدر الإسلام كان أرحب بكثير من صدر البلشفية بالنسبة للرأي الآخر، وبالنسبة للإنسان وحقوقه الفردية.
الاسلام بقادته الأوائل حرصوا على تكريس الشورى أكثر مما حرص القادة البلاشفة على تطبيق مبدأ الديمقراطية والاحتكام له داخل حزبهم .لقد ذهب النبي دون أن يوصي بالخلافة إلى أحد، وعجز كل فريق من إيجاد نص صريح يخدمه. والخليفة العادل عمر بن الخطاب مؤسس مجلس الشورى اشترط على ابنه عبدالله بداخله عدم ترشيح نفسه للخلافة، وعندما سئل عن ذلك أجاب أنه لا يودّ تحويل الإسلام إلى سلالات حاكمة مثل الإمبراطوريات القديمة التي جاء الإسلام ليحاربها. أما علي بن أبي طالب الوجه اليساري والمبدئي في الإسلام، فقد آثر أن يعلّم الناس الأخذ بالشورى ولو كانت على حسابه. المعروف أن علي بن أبي طالب كان يعرف ألعوبة معاوية وجيشه ورفع المصاحف على أسنة الرماح في حرب صفين، وكان مع مواصلة القتال، ولكن الألعوبة كانت ذكية بحيث قسّمت معسكره إلى أقلية مع رأيه وأكثرية ضده، وقد فضل الوقوف إلى جانب الأكثرية مع معرفته بما يترتب على ذلك. وقد خرج عليه الخوارج وقتلوه، وبقي ثلاثة أيام على فراش الموت حاول فيها أنصاره جاهدين أن يوصي بالخلافة بعده إلى ابنه، ولكنه رفض، وعندما ألحوا عليه قال قولته الشهيرة التي تدعم الشورى في الإسلام «لا آمركم ولا أنهاكم»، أما بالنسبة لحقوق الإنسان، فمبدأ الإسلام واضح وصريح في الآية الكريمة «ولا تذر وازرة وذر أخرى» وكل نفس بما كسبت رهينة . وعندما خطب زياد بن أبيه في جموع العراق خطبته الشهيرة، وقال فيها «لآخذن البريء منكم بالمسيء». حاججه رجل من عامة الشعب اسمه فجر بالآية الكريمة وأحرجه، فحقد عليه لكنه لم يتمكن من قتله إلا بعد ستة أشهر. في حين يذكر مؤرخوا سيرة لينين انه اوصى بالخلافة لمن بعده وحصرها بين ستة من القادة البلاشفة , زينوفيف , كامنييف , ستالين , تروتسكي , ريكوف , بوخارين .
الوجه الدموي القمعي إبان الصراع على السلطة كان أشد بكثير في البلشفية منه في الإسلام. مؤسس الدولة العربية (معاوية ) مشهور بسلوكه كداهية ومن أقواله التي تدل على ذلك .
ـ والله لو كان بيني وبين الناس شعرة لما انقطعت إذا شدوها أرخيتها، وإذا أرخوها شددت.
ـ لن أحول بيني وبين الناس ما لم يحولوا بيني وبين ملكي.
ـ لن استعمل السيف على شخص لم يستعمل علي سوى لسانه.
أما ستالين باني الدولة السوفياتية، فقد تحوّل مخه إلى آلة حاسبة الكترونية خالية من كل دفء إنساني، وهو لم يقطع كل شعرة بينه وبين الناس، بل أعدم الكثير من رفاقه لمجرد كونهم منافسين محتملين له في القرار السياسي ولم يرف له جفن،
الإسلام كانت وطأته على معارضيه أخف من البلشفية. القمع هناك سد كل السبل أمام الشعب فلم يجد من متنفس مسموح به سوى الفودكا والجنس والمخدرات، في حين وجد في الإسلام طريقاً له هو التصوف. وشتان ما بين النتيجتين، فالتصوف بدأ حركة فلسفية مركزها الإنسان العادي. الصراع الفكري في الإسلام طوّر الثقافة العالمية وأغناها بدءاً من الفلسفة اليونانية حيث ظهر أفلاطون وأفلوطين بشكل فلسفي شرقي جديد على يد ابن سينا والفارابي، وفلسفة ابن رشد، وعلم اجتماع ابن خلدون الذي سبق ماركس بقرون. أما بالنسبة لفترة حكم البلاشفة فلم تكن هناك أي درجة من الحرية تسمح بحوار الآراء لتزدهر الفلسفة وتتطور، بل هناك بعداً أحادياً للتاريخ، من لا يتطابق معه لا يُسمح لفلسفته أن ترى النور. كان انحطاط تلك المرحلة واضحاً في حقل الأدب، هذا النوع من الإبداع الذي لا يزدهر إلا في مناخ الحرية، ولذلك خلت تلك المرحلة من أي عمل فني ذو قيمة على المستوى العالمي قياساً بأعمال أدباء روس مشهورين قبل تلك المرحلة. تولستوي، دوستوفسكي، غوغول، تشيخوف.. إلخ.
الخلاصة :
عُدت الثورات في الماضي قاطرة التطور الاجتماعي ’ وهي كذلك فعلا رغم كل ما رافقها من عنف وإرهاب متبادل بين الطبقات القديمة والطبقات الجديدة , واعتقد ان الظروف قد نضجت لكي يكون هم المناضلين الدفع بالوعي لكي يكون قاطرة التاريخ للمستقبل وليس العنف , الاصلاح وليس الثورة , ولدى المناضلين من اجل غد أفضل للإنسان تراث أنساني كبير في الشرق والغرب والشمال والجنوب , وفي مقدمتهم المسيح ومحمد وغاندي وبوذا وماركس ولينين ومارا ودانتون , هكذا اردت أن افهم التاريخ وحضاراته لكي تتكامل في ظل تطور وسائل المواصلات والمعلومات ليكون همنا الانسان وحقوقه في كل مكان ولنجعل الصراع الأساسي بين الانسان وقوى الطبيعة الغامضة وما تجلبه لنا من أعاصير وزلازل وليس بين الإنسان وأخيه الإنسان , أما من يعزفون على صراع الحضارات وكل منهم يجعل من أمته او قوميته هي الأساس في التطور العالمي فالمفروض مجابهته سواء كان غربيا لايرى في لاسلام الا انه دين العنف او عربيا يصر ان يعتبر أمته خير امة أخرجت للناس , وينكر ما قدمت الحضارة الغربية للانسان وقضيته .
ماضي الجنس البشري بما فيه من قسوة وصراع يجب أن يلهمنا لدراسته على قاعدة الجديد ينبثق من القديم ويأخذ ذبدة ما فيه .
كامل عباس – اللاذقية
.............................................................................

هوامش :
1- تاريخ الثورة الفرنسية , تأليف البير سوبول , ترجمة جورج كوسى ص 64
2- المرجع السابق ص124
3- المرجع السابق ص 201
4- المرجع السبق ص247
5- تاريخ الثورة الروسية تأليف ليون تروتسكي , ترجمة أكرم ديري ص 49
6- المرجع السابق ص96
7- عشرة أيام هزت العالم تاليف جون ريد , ترجمة دار التقدم ص46
8- المرجع السابق ص 364
9- المرجع السابق ص347
10- تاريخ الاسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي , تاليف د حسن ابراهيم حسن , ج 1 ص 31
11- المرجع السابق ص 41
12- الطبري ج3 ص 84
13- الآية 33 من سورة النمل
14- من مقال منشور في جريدة الشرق الوسط بتاريخ 17 /1/2007 تحت عنوان - ومازال دم كليب سخنا - بقلم تركي الحمد
15- سورة الشورى الآية السابعة
16- سورة التوبة الآية 34 – 35
17- فلادميير لينين , ما العمل ص 179
18- المرجع السابق ص155
######################







حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- امسح واربح
- هواجس حول الإصلاح الديني وضرورته الحالية في بلادي
- حضارة الاستهلاك وأثرها في الصحوة الدينية الحالية
- الجرح العراقي والملح الأمريكي
- الصيام الأكبر
- من أجل يسار لبرالي عربي جديد
- اللبرالية والوضع الراهن في سوريا
- اللبرالية في التاريخ السوري - خالد العظم نموذجٌ
- اللبرالية في التاريخ السوري - الكواكبي رائداً
- اللبرالية والعلمانية
- اللبرالية وعلاقتها بالديمقراطية
- اللبرالية ومسيرة التطور الاجتماعي
- نجيب محفوظ في ذمة التاريخ
- عماد شيحا في روايته الثانية - غبار الطلع -
- شرق أوسط جديد بفوضاه !!
- تعريف برابطة العمل الشيوعي في سوريا
- اليسار السوري والتحرر الجنسي
- الطريقة السورية في تكريم المثقفين عند بلوغهم سن الستين
- الخف الوطني
- إذا كان بيتك من زجاج فلا ترجم بيوت الناس بالحجارة


المزيد.....




- مقاتلو حركة طالبان يسيطرون على منطقة في شمال أفغانستان وسط ت ...
- الشريعة والحياة.. ما أوجه الإعجاز في القرآن ومناهج تفسيره؟
- الشريعة والحياة في رمضان.. هذه أوجه إعجاز القرآن ومناهج تفسي ...
- مصر: اقتراح قانون لفصل أي موظف حكومي يثبت انتماؤه لـ-الإخوان ...
- الصميدعي : فلسطين قضية عقائدية إنسانية إسلامية
- مصر... الموافقة على إقامة صلاة عيد الفطر في المساجد الكبرى ف ...
- اسماعيل هنية: ادعو جماهير شعبنا والامة الاسلامية للدفاع عن ا ...
- إسماعيل هنية: تهديد المستوطنين الصهاينة باقتحام المسجد الأقص ...
- إسماعيل هنية: على الأمة الإسلامية بكل دولها أن لاتخذل القدس ...
- العراق الصميدعي: يوم القدس يوم عظيم وكبير ونأمل ان يجعل المس ...


المزيد.....

- أفيون الشعب – الكتاب كاملاً / أنور كامل
- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي
-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كامل عباس - الاسلام والبلشفية