أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - بكر محي طه - كيف تحوّل العالم إلى اللون الرمادي؟














المزيد.....

كيف تحوّل العالم إلى اللون الرمادي؟


بكر محي طه
مدون حر

(Bakr Muhi Taha)


الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 00:43
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


كانت ألوان العالم منذ زمن بعيد حاضرةً في تفاصيل الحياة اليومية، من خضرة الحقول وزرقة السماء وصفاء الجداول وتنوع الزهور واختلاف ألوان الطيور والفراشات، لكن هذه اللوحة بدأت تفقد بعض ملامحها مع توسع المدن وازدياد المصانع والطرق وتراجع المساحات الخضراء.
لم يستيقظ العالم ذات صباح ليجد ألوانه قد اختفت دفعةً واحدة، ولم تنطفئ السماء، ولم تتحول الأشجار فجأةً إلى ظلال باهتة، ولم تفقد البحار زرقتها في لحظة، لكن حدث الأمر ببطء، فلونٌ خفت هنا وآخر تراجع هناك، حتى بدا المشهد كله كأنه صورة قديمة غطّاها الغبار.
فقد حلّت الأبنية الإسمنتية محل الأشجار وازدحمت الشوارع بالدخان وأصبحت بعض الأنهار تحمل آثار ما نلقيه فيها أكثر مما تعكس زرقة السماء وفي مناطق كثيرة تراجعت الحياة البرية وتضررت المواطن الطبيعية التي كانت تمنح المكان تنوعه وبهاءه.
اذ لم يكن الرمادي لوناً جديداً أضيف إلى العالم بل كان نتيجةً لما أخذناه من الطبيعة ومن قدرتنا على رؤية الجمال، ففي المدن الحديثة أصبح الرمادي لوناً مألوفاً متمثلاً برمادية الأرصفة والواجهات والطرق والسماء التي يحجبها التلوث أحياناً، وقد تبدو هذه المدن من بعيد علاماتٍ على التقدم والإنجاز لكنها تكشف أيضاً عن ثمن ذلك التقدم عندما لا يرافقه اهتمام بالإنسان بالبيئة.
فالمباني المتشابهة قد تجعل الأماكن تفقد خصوصيتها والازدحام قد يسرق من الناس هدوءهم، والضجيج المستمر يجعل لحظات الصمت نادرة، ومع انتشار الشاشات والإعلانات، باتت الأنظار تتحرك بسرعة من صورة إلى أخرى من دون أن تتوقف طويلاً عند شجرة أو غيمة أو وجهٍ عابر، وهكذا لم تتغير ألوان المكان وحده بل تغيرت طريقة رؤيتنا له.
أحياناً يتكون الرمادي داخل النفس البشرية حين تصبح الأيام متشابهة وتتحول المسؤوليات إلى دائرة لا تنتهي، فمع إيقاع الحياة السريع يشعر بعض الناس بأنهم يركضون طوال الوقت من مهمة إلى أخرى ومن موعد إلى موعد، فتقل المساحة المخصصة للتأمل واللعب والحديث الصادق، وعندها يفقد المرء القدرة على تخيل مستقبل مختلف أو البحث عن معنى في يومه، ليبهت الإحساس بالأشياء الصغيرة التي كانت تمنح الأيام لونها.
وفي الحقيقة، لا يحمل الرمادي معنى واحداً، فهو قد يرمز إلى التعب والرتابة وفقدان الأمل، لكنه قد يعني أيضاً الهدوء والاتزان والتأمل، فليس كل ما يبدو باهتاً خالياً من القيمة، اذ انه أحياناً تساعدنا الألوان الهادئة على رؤية بعض التفاصيل، ليكون الرمادي مساحةً بين الأبيض والأسود، تذكّرنا بأن الحياة أكثر تعقيداً من الأحكام السريعة.
وفي المحصلة النهائية لن يعود العالم إلى ألوانه في يوم واحد اذ تداخلت في ذلك عوامل كثيرة اهمها تضرر الطبيعة واتساع المدن وتسارع احداث الحياة وضغط الأخبار المتسارعة، لكن الألوان لم تختفِ تماماً ما زالت موجودة في الغابات والبحار وفي العلاقات الطيبة وفي الأفكار الجديدة.
ومن الممكن استعادة اللون من لحظة (أن نتوقف قليلاً) وننظر حولنا ونسأل أنفسنا عمّا فقدناه؟.. وما الذي يمكننا حمايته؟.. وأين يمكننا أن نزرع شيئاً جديداً؟.. فالعالم لا يحتاج إلى من يصف رماديته فحسب بل إلى من يشارك في تلوينه من جديد لإصلاح ما أفسدناه.



#بكر_محي_طه (هاشتاغ)       Bakr_Muhi_Taha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التسليع الناعم
- ثقافة تقبل الرأي الاخر
- اهمية الوعي الاستهلاكي في العراق
- تداعيات الخطاب الطائفي
- فن صناعة الأزمات
- عصر الروبوتات الالية
- تداعيات الحروب
- السلام الداخلي
- ضرر غسيل الاموال على المصارف العراقية
- ترند الفضائح!
- ثقافة الادخار
- تأثير النظام العشائري على المجتمع المدني العراقي
- الحساب المصرفي ضرورة حياتية!
- أهمية تعلم لغة اخرى!
- ظاهرة القتل العشوائي في العراق
- متلازمة الشخصية الرئيسية
- اليهود من زاوية اقتصادية (يهود العراق انموذجاً)
- ما بعد الذكاء الاصطناعي
- الرفق بالحيوانات في فصل الصيف
- ثقافة الاختزال


المزيد.....




- كيف قد يُغري عرض ترامب الأخير لبوتين بشأن أوكرانيا لتصعيد حر ...
- دميترييف للأوروبيين: لا تقلقوا من تصريحات كوشنر بشأن المحادث ...
- -يا إلهي.. كم هي قوية-.. آخر كلمات مساعدة طيار -ليرجيت-
- عزيزي: لن نسمح لترامب بمغادرة المنطقة دون تعويضات
- سماع دوي انفجارات في قشم وبندر خمير جنوبي إيران
- لتقديم المشورة والتدريب العسكري بمواجهة الحوثيين.. تقرير يكش ...
- ترامب وبوتين يرسمان مستقبل أوروبا من دونها؟ القادة الأوروبيو ...
- هل تحوّل تيك توك إلى خطر على الصحة النفسية؟ بروكسل تكشف ما ت ...
- أردوغان يحذّر من انهيار اتفاق غزة: 1800 قتيل منذ وقف إطلاق ا ...
- المفوضية تحذر: 15.4 مليون سوداني بحاجة لمأوى ومستودعاتنا -فا ...


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - بكر محي طه - كيف تحوّل العالم إلى اللون الرمادي؟