أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - بكر محي طه - فن صناعة الأزمات














المزيد.....

فن صناعة الأزمات


بكر محي طه
مدون حر

(Bakr Muhi Taha)


الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 10:25
المحور: المجتمع المدني
    


تعيش المُجتمعات العربية وابرزها المُجتمع العراقي تجربة قاسية تتكرر بوجوه مختلفة الا وهي أزمات اقتصادية تتفاقم وخدمات تتدهور وبطالة تمتد، بالاضافة الى فساد ينخر الإدارة مع غياب العدالة وازدراء متزايد لكرامة الإنسان.
وهنا يظهر مفهوم مهم وهو فن صناعة الأزمات ليس كحدث منفرد بل كمنظومة تشتغل على تحويل المجتمع من البحث عن الحلول إلى الانشغال بالصدمات.
أزمات تُختلق أو تُضخَّم لتُقدَّم كقضايا كبرى لا تحتمل التأجيل، تُشغل الناس يوماً وراء يوم، وتستنزف طاقاتهم، وتجرّ انتباههم إلى صراعات لا تنتهي، لوجود شيء آخر يحدث بالتوازي مع هذه المعاناة.
والغرض الاهم من الازمات هو خلق حالة من التوتر المستمر داخل المجتمع لإعادة تشكيل الوعي العام، لتحويل الانتباه عن المشكلات الحقيقية (الاقتصاد، الفساد، البطالة، ضعف الخدمات)، وتثبيت السيطرة عبر منطق الخوف من مُنطلق (الأهم الآن هو البقاء، لا الإصلاح)، لاستنزاف المجتمع نفسياً وسياسياً حتى لا يمتلك طاقة للمحاسبة ويصبح المواطن معتاداً على الألم، فيقلّ سؤاله: (لماذا نحن نُعاني دائماً؟)، فالأزمة في هذا السياق تصبح أداة إدارة، لا نتيجة ظرف عابر.
والسبب الاهم هو الهروب من الفشل، فعندما تعجز الدولة أو المؤسسات الرسمية عن تقديم الخدمات للمواطن أو حماية الاقتصاد، يصبح أسهل طريقة للتغطية هي جرّ الناس نحو معركة أخرى، فالأزمات تُستخدم لتكريس الانقسام المذهبي أو العرقي أو الحزبي أو الإقليمي، وكلما تعمق الانقسام، تقل فرص العمل المشترك على برنامج إصلاح حقيقي، لذلك تُقام جبهات يومية، فتتحول السياسة إلى استعراض لا إلى حلول.
فبدل السؤال عن الرواتب، الكهرباء، الماء، المدارس، المستشفيات، الخ… يتجه النقاش إلى صراع على من السبب؟ ومن العدو؟ وما الذي يجب فعله الآن؟ لتضخيم الانقسام بدل معالجة الأزمات وايضاً كسباً للوقت وتمديداً للامتيازات، ويصبح أي إصلاح متأخراً بحجة الظروف.
ويتم صناعة الازمات من خلال ادوات عملية تبدأ من عناوين ضخمة وتهويل الأحداث وانتقائية في مصادر الأخبار، مع بث مشاعر الخوف / الغضب بسرعة ليصل المواطن إلى مرحلة لا يملك وقتاً للتحقق ولا قدرة على التحليل بل يكتفي برد فعل عاطفي.
ثم يتم التحشيد الرمزي كلغة تخدير بشعارات كبيرة تُشبع الإحساس بالانتماء، لكنها لا تُصلح الواقع، مع تحويل الأخطاء إلى مؤامرة -داخلية / خرجية- وإن الفشل سببه جهة تريد إسقاط الدولة.
لتتكرر جملة ضمنية: (لا تسأل الآن عن راتبك او حقوقك بل اسأل عن الحرب- الصراع- التهديد- المؤامرة!).
وهكذا تُلغى مسؤولية الإدارة، ويُستبدل التقويم بالاتهام، ومع الوقت يتعلم المجتمع درساً مؤلماً: (ان المعاناة ثابتة… والأزمات المتغيرة هي وسيلة لتجنب الإصلاح!).
اما عن كيفية مواجهة المجتمع لــ(إلهاء الأزمات) في المجتمع العربي عموماً والعراق خصوصاً فيتم من خلال:-
1- تعزيز ثقافة التحقق / ففي لحظات التصعيد تتكاثر الشائعات والمجتمع الذي يحقق ويقارن مصادره يكون أقل قابلية للاختطاف الإعلامي.
2- إعادة تعريف الأولويات / من خلال العودة إلى الأساسيات (الكهرباء، الماء، التعليم، فرص العمل، الصحة، مكافحة الفساد، العدالة).
3- لغة المطالب القابلة للقياس / فبدل ان يكون المطلب (نريد الكهرباء!) يجب ان يتطور الى (ما الخطة؟ ما الجدول؟ كم ساعة للتجهيز؟ ما هي التعاقدات؟ ما هي الميزانية المتوفرة؟، فالقياس يقلل فرص التلاعب.
4- دعم التنظيم المدني المهني / من خلال تدريب الشباب ومتابعة الخدمات
ونشر التقارير الرقابية والمبادرات الشفافية المدنية، حيث تستطيع أن تحوّل صدمة الأزمة إلى مسار حل.

5- محاسبة الاداء / إذا كانت الدولة أو المؤسسات مشغولة بأزمات متكررة، فهل لديها خطط واضحة للخدمات؟ وهل الميزانيات تُصرف للإصلاح أم لإدارة الحدث؟ فالمحاسبة جزء من التقويم المستمر لعمل الدولة.
في المحصلة النهائية فان المواطن العربي والعراقي خصوصاً لا يحتاج أن يشعر فقط بأن بأزمة معينة قد حدثت فعلاً، بل يحتاج أن يرى ( أين الحل الواقعي؟ ومن يشرح خطة التنفيذ؟ ومتى سيبدأ التحسن الحقيقي؟)، فقد يكون الألم يومياً، لكن الأهم هو أن يُمنع الألم من أن يتحول إلى أداة إلهاء دائمة.
إن فن صناعة الأزمات يمكن قراءته كآلية لإعادة ترتيب الاهتمام العام بما يضعف الضغط الإصلاحي المستمر، ومقاومته لا تكون بتجاهل الأحداث، بل بإعادة توجيه النقاش نحو الأساسيات (خدمات أفضل، عدالة وظيفية، اقتصاد أكثر استقراراً، شفافية مالية، وخطة تنفيذية قابلة للقياس).



#بكر_محي_طه (هاشتاغ)       Bakr_Muhi_Taha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عصر الروبوتات الالية
- تداعيات الحروب
- السلام الداخلي
- ضرر غسيل الاموال على المصارف العراقية
- ترند الفضائح!
- ثقافة الادخار
- تأثير النظام العشائري على المجتمع المدني العراقي
- الحساب المصرفي ضرورة حياتية!
- أهمية تعلم لغة اخرى!
- ظاهرة القتل العشوائي في العراق
- متلازمة الشخصية الرئيسية
- اليهود من زاوية اقتصادية (يهود العراق انموذجاً)
- ما بعد الذكاء الاصطناعي
- الرفق بالحيوانات في فصل الصيف
- ثقافة الاختزال
- ما أهم مُقومات بناء مجتمع يسودهُ السلام والثقة؟
- الامانة في العمل
- السلامة أولاً!
- تنمر الاطفال!
- اهمية نشر ثقافة التشجير


المزيد.....




- العدل الأوروبية تقر بـ -عدم قانونية- تقليص المساعدات لطالبي ...
- شهيدة وجرحى في مجزرة استهدفت خيام النازحين بخانيونس وتصاعد خ ...
- توتر أمني واشتباكات واسعة في السويداء عقب تحرير محتجزين واعت ...
- فرنسا تفتح تحقيقاً رسمياً في شبهات ارتكاب إسرائيل جرائم حرب ...
- فرنسا تفتح تحقيقا في -تعذيب وجرائم حرب- بحق أسطول الصمود
- لماذا أثار اعتقال رجل الأعمال المصري صبري نخنوخ جدلاً؟
- عطش يهدد حياة الآلاف: أزمة المياه تخنق مخيمات النازحين في مو ...
- العطش يحاصر مخيمات النازحين في مواصي خان يونس
- واشنطن تعتزم إلغاء شرط الإبلاغ عن وفيات المهاجرين بعد الإفرا ...
- اعتقال عراقي مطلوب للسويد منذ عشر سنوات


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - بكر محي طه - فن صناعة الأزمات