أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حامد خيري الحيدر - نظرة على تطور النظام القضائي في العراق القديم















المزيد.....

نظرة على تطور النظام القضائي في العراق القديم


حامد خيري الحيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8881 - 2026 / 11 / 6 - 22:16
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


تطور النظام القضائي في العراق القديم مع المتغيّرات المُتتالية التي لحقت بمجتمعه، وتحوله منذ أواسط الألف الرابع قبل الميلاد نحو الحياة المدنية، بما تفرضه من علاقات خدمية مَنفعية بين الناس مَبنية على أساس المصالح المتبادلة، وقد تطلب تحديد أطر تلك العلاقات وجود سلطات إدارية لتنظيمها وأخرى تحكيمية مهمتها فَضّ النزاعات وحَل المشاكل والخُصومات التي قد تحدث بين أفراد المجتمع، نتيجة تضارب مصالحهم أو تقاطعها، ومن هنا ولدت الحالة القضائية العراقية القديمة كشكل من أشكال تقسيم السلطات والاختصاصات التي تربط الحاكم بالمَحكوم، ورغم المُتغيرات التي حَصلت في هيكلية هذا النظام واساليب عمله وتخصّصه مع تعاقب الحِقب التاريخية، إلا أنه سار وفق نفس المنهج مبتغياً ذات الهدف والغاية المُتمثل بإظهار الحقيقة وارجاع الحق لأصحابه.
وفق ذلك مَرّ النظام القضائي العراقي القديم بثلاث مراحل تاريخية، أولها كانت البدايات الأولى التي تشمل الفترات المبكرة للبلاد حتى نهاية الألف الرابع قبل الميلاد، وكان يؤدي دور القضاء خلالها أما شيوخ القبائل أصحاب النفوذ الأسري على الناس أو أولئك المُتحكمين بتسيير العلاقات الاقتصادية المُعتمدة على الإنتاج الزراعي، حيث كانت كل مدينة باعتبارها كيان مُستقل تعتمد على عاداتها وتقاليدها الموروثة في تحديد هوية القضاء، ثم أخذ الكهنة لاحقاً يتولون هذه المسؤولية بعد أن أصبح للمعبد سلطته الاعتبارية المُحايّدة يلتجأ الأفراد إليها عند التخاصم فيما بينهم، كوّن هؤلاء يُمثلون السلطة والرؤية الإلهية المُفترضة التي تُميّز الحق من الباطل وبالتالي تُنصف الأطراف المُتنازعة وفق قاعدة العدل الإلهي.
وتمثل المرحلة الثانية الفترة الزمنية المُمتدة من عصر دويلات المدن السومرية 3000_2371 ق.م حتى أواسط فترة العصر البابلي القديم 2006_1595 ق.م وخلال هذه الفترة وموازاة مع الانتشار الكبير للكتابة بمختلف مجالات الحياة ظهرت أولى الإشارات عن طبيعة وشكل النظام القضائي، الذي تم التعبير خلالها عن مفهومه العام بالمصطلح السومري "دي" والأكدي "دان"، كما وَردت أيضاً تعابير أخرى بالسومرية تُبين بعض الجوانب القضائية، مثل كلمة "دي.نو.تيل.لا" التي تعني "قضية لم يُبتّ فيها"، وكلمة "دي. تيل.لا" التي تعني "قضية تم البتّ فيها" وتقابلها بذات المعنى بالأكدية كلمة "كَامروم"، وأيضاً تم التعبير بالأكدية عن المعنى العام لمفهوم "القضية" بمصطلح "دينو"، كما أشير لأول مرة عن معنى "المحكمة" الذي وَرَد بالسومرية بصيغة "أي.دي.كو" وبالأكدية "بيت ديني"، كما وَردت تسمية أخرى لها بالسومرية هي "كي.نام.أيريم" والتي تعني "مكان إداء القسم"، أما الشخص الموكل بالقضاء أي القاضي فقد سُميَّ يالسومرية "دي.كو" وبالأكدية "ديانوم"، وكان يؤدي دوره حاكم المدينة الذي يجمع بين السلطتين الدينية والمدنية والذي يُعرف بالسومرية باسم "أين"، ثم أخذت تتولى هذه المسؤولية المجالس البلدية في المدن بصفة مستشارين قضائيين على أن يبت بالحكم النهائي اشخاص موثوق فيهم ينتدبهم أمير البلاد أو ملكها لهذا الأمر، وكانت أول إشارة واضحة لهذا الانتداب تعود الى أواخر سلالة "لكَش" الأولى في حدود 2420 ق.م، وفي حال صعوب القضية يتم رفعها مباشرة الى الأمير أو الملك ليتخذ بشأنها الحُكم المناسب كونه القاضي الأعلى ومُمثل الآلهة على الأرض، وبعد تشريع الملك السومري "أورنمو" 2113_2095 ق.م أول قانون مدون في البلاد ثم ما تلاه من قانوي "لبت عشتار" و"مملكة أشنونا" مع بداية الألف الثاني قبل الميلاد، برز دور القضاء كعامل مُكمّل للتشريع القانوني بعد أن أخذت الأحكام يتم اصدارها وفق ما هو مُشّرع وليس بشكل اجتهاد شخصي يُحدده القاضي وفق قناعته ورؤيته، مع مَنح الجانب الديني شخصيته وصفته المعنوية حيث كانت أغلب القضايا يتم النظر بها داخل المعابد، وعليه ظهر قضاة مُتخصّصين كل في جانب وتوجه مُعيّن وخاصة في المجالات الاقتصادية، حيث ظهر ما يَشبه مُهمة "الكاتب العدل" الذي يتولى توثيق العقود التي تتناول مختلف جوانب الحياة وهؤلاء كانوا يؤدون واجبهم عادة في المنطقة التجارية من المدينة أو مينائها.
أما المرحلة الثالثة من النظام القضائي فتبدأ من فترة حكم الملك البابلي "حمورابي" 1792_1750 ق.م، وتشريعه قانونه الشهير وحتى آخر الفترات التاريخية للبلاد، وخلال هذه الفترة حدث تطور هام في النظام القضائي حيث انتقل من القيود والتبعية الدينية المُتمثلة بسلطة المعبد الروحية ومحاكمه الرمزية إلى نظام المحاكم المدنية الخالصة التي تُدار ويُنظم عملها من قبل السلطة السياسية وعلى رأسها الملك، الذي يتولى الأشراف عليها شخصياً بالإضافة الى تعيينه قضاة مُتخصّصين معروفين بنزاهتهم وحياديتهم، يجري اختيارهم بدقة بعد التشاور مع حكام الأقاليم، على أن يكونوا من مختلف طبقات وشرائح المجتمع بما فيهم الكهنة الذين يتولون بشكل خاص البَتّ في القضايا المدنية مثل الإرث والتبني والطلاق، وكانت جلسات المحاكمات تُعقد غالباً في الساحات العامة وعند بوابات المدن حتى تكون علنية الطابع تُجرى مُرافعاتها أمام الناس من أجل العِبرة والاتعاظ وإشهار القانون، بالإضافة الى المعابد وكذلك القصر الملكي أو قصور حكام الولايات في حال اقتضاء الحاجة لذلك، كما تَميّز النظام القضائي في هذه الفترة أيضاً بأن القضايا كان يُنظر بها ليس من قبل قاضٍ واحد وإنما من قبل هيئة قضائية تتكون عادة من ثلاثة أو أربعة قضاة يتميّزون بالصَرامة والحدّية والشدة في إصدار الأحكام، الهادفة الى إعادة الحقوق الى أصحابها ورَدع الجُناة والمُتجاوزين من أجل اصلاحهم، بالاعتماد على حلف اليمين وعرض البراهين وتبيان الوثائق المكتوبة الموثقة وشهادات الشهود.
وكانت إجراءات التقاضي تَمر بعدة خطوات إجرائية، أولها هي "الإحالة الى القضاء"، وفيها يتم تسجيل الدعوة القضائية لدى السلطات المحلية التي تُحيلها أما الى الملك أو حُكام المقاطعات أو قضاة مُتخصّصون حسب أهميتها وصعوبتها، أما الثانية فهي "الاستدعاء" وفيها تجري دعوة أطراف الدعوة من المُشتكين والمُتهمين للمثول أمام قضاة أبتدائيين لسماع اقوالهم وتقديم اثباتاتهم، لتعقبها الخطوة الثالثة وهي اجراءات التحقيق التي تستغرق بعض الوقت ويتم خلالها التحقق من مدى مصداقية ادعاءات أركان القضية من أجل إحالتها الى الهيئة القضائية المُختصّة بأجراء "المُحاكة" التي تُعتبر الخطوة الرابعة والأخيرة في الإجراءات القضائية، وخلالها يتم استجواب الجوانب المُتنازعة بعد حلفهم اليمين بالآلهة للتأكد من مدى أحقية المُدعيّن والمُدعّى عليهم، لتنتهي بعد المُداولات والمٌناقشات بإصدار الحُكم الذي يكون أما بالمُصالحة بين الأطراف أو الاعتراف بالذنب أو الإدانة بالجُرم، عندها يتم أتخاذ قرار الحكم وطبيعة العقوبة المُناسبة للطرف المُذنب والمُحددة وفق القانون، وبعد أن يتم حسم القضية تكتب تفاصيلها وتُحفظ لدى أرشيف خاص مُلحق بالمحكمة، حتى لا تُثار القضية مرة أخرى أو للاستفادة من أسلوب تعاطي الحكم الصادر بحقها في حل قضايا أخرى مشابهة مستقبلاً.


المصادر:

_ رضا جواد الهاشمي ... القانون والأحوال الشخصية ... حضارة العراق / الجزء الثاني ... بغداد 1984
_ طه باقر ... مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة / الجزء الأول ... بغداد 1973
_ عامر سليمان ... القانون في العراق القديم ... بغداد 1987
_ عامر سليمان ... العراق في التاريخ القديم / الجزء الثاني ... الموصل 1993
_ هاري ساكز ... عظمة بابل ... ترجمة / عامر سليمان ... الموصل 1979



#حامد_خيري_الحيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المعاهدات والاتفاقيات السياسية في وادي الرافدين
- أساليب التدوين التاريخي في وادي الرافدين
- نظرة على مبادئ علم الرياضيات في وادي الرافدين
- مجلة سومر الآثارية ... مُنجز يَستحق الفخر
- ذكريات آثارية ... مَسح آثاري لمَشروع رَي الضلوعية عام 1994 . ...
- ذكريات آثارية ... مَسح آثاري لمَشروع رَي الضلوعية عام 1994 . ...
- غُروب سانتوريني ... قصة قصيرة
- عُيون اللازَورد ... قصة قصيرة
- قصة أكتشاف أكبر معبد دائري في وادي الرافدين ... القسم الرابع ...
- قصة أكتشاف أكبر معبد دائري في وادي الرافدين ... القسم الثالث
- قصة أكتشاف أكبر مَعبد دائري في وادي الرافدين ... القسم الثان ...
- قصة أكتشاف أكبر مَعبد دائري في وادي الرافدين ... القسم الأول
- نظرة على سَد البَند الأثري
- خلف أسوار السنين .. مشاهدات من واقع المجتمع العراقي ... القس ...
- خلف أسوار السنين .. مشاهدات من واقع المجتمع العراقي ... القس ...
- خلف أسوار السنين .. مشاهدات من واقع المجتمع العراقي ... القس ...
- خلف أسوار السنين .. مشاهدات من واقع المجتمع العراقي ... القس ...
- خلف أسوار السنين .. مشاهدات من واقع المجتمع العراقي ... القس ...
- خلف أسوار السنين .. مشاهدات من واقع المجتمع العراقي ... القس ...
- طرائف الأخبار في عمل الآثار


المزيد.....




- سوزي وايلز تنضم إلى قائمة نساء بإدارة ترامب -حلَّ محلهن رجال ...
- استقالة مدع عام أمريكي يشرف على تحقيقات في قضايا سابقة لترام ...
- مسؤولون يكشفون تفاصيل الدعم السوري للرياض في مواجهة الحوثيين ...
- الدفاع السورية تعلن إحباط محاولة تهريب مواد مخدرة قادمة من ل ...
- مصر.. التحذير من طريقة نصب جديدة و-خطيرة- أمام الـATM (فيديو ...
- من هو ستيفن ميلر رئيس طاقم ترامب الجديد؟
- وزير الهجرة اليوناني: 1700 مهاجر وصلوا من ليبيا إلى كريت خلا ...
- مدفيديف يسخر من -حديقة- بوريل بعد حريق مدرسة في ليون
- الجزائر.. تطهير مخلفات النووي الفرنسي
- دول الخليج وإيران.. اتصالات لوقف التصعيد


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حامد خيري الحيدر - نظرة على تطور النظام القضائي في العراق القديم