|
|
الحرب السيبرانية والتدمير المادي للبنية التحتية الحيوية: قراءة قانونية تحليلية في ضوء تجربة «ستوكسنت» وقواعد القانون الدولي العام
مصطفى محمود مقلد
باحث قانونى - محام
(Mustafa Mahmoud Maklad)
الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 09:33
المحور:
دراسات وابحاث قانونية
لم تعد الحروب المعاصرة تُقاس بقدرة الجيوش على عبور الحدود أو السيطرة على الأرض وحدها؛ فقد أضاف التطور التقني إلى أدوات الصراع مجالاً جديداً تتجاوز فيه القوة حدودها المادية، لتنفذ إلى الأنظمة التي تدير الطاقة والمياه والاتصالات والنقل والمنشآت الصناعية والنووية. وفي هذا المجال، لا تكون الغاية بالضرورة تدمير المنشأة بقذيفة أو صاروخ، بل قد تتحقق بإحداث تغيير خفي في الأوامر الرقمية التي تتحكم في معداتها، أو التلاعب بالبيانات التي تعتمد عليها منظومات التشغيل، بما يجعل النظام ينفذ بنفسه سلوكاً مادياً لم يصمَّم لتنفيذه. وهنا تتبدل طبيعة الخطر؛ إذ لا يعود الحاسوب مجرد مستودع للمعلومات أو وسيلة للاتصال، وإنما يصبح مدخلاً للتأثير في العالم المادي، وقد تتحول الشفرة البرمجية إلى سبب مباشر في تعطل معدات صناعية أو اضطراب عملية إنتاجية أو تهديد سلامة منشأة حيوية. المصدر: المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا، Guide to Operational Technology Security – NIST SP 800-82 Rev.3، 2023، "الرابط الرسمي" (https://doi.org/10.6028/NIST.SP.800-82r3).
وتكمن الأهمية القانونية والاستراتيجية لهذا التحول في أن البنية التحتية الحيوية لم تعد محمية بالوسائل المادية وحدها؛ فالكثير من المنشآت تعتمد على منظومات تحكم صناعي تتولى مراقبة العمليات الفيزيائية وإدارتها، ومنها أنظمة التحكم الإشرافي وجمع البيانات (SCADA)، وأنظمة التحكم الموزع (DCS)، ووحدات التحكم المنطقية القابلة للبرمجة (PLCs). وتختلف هذه البيئات عن شبكات تقنية المعلومات التقليدية؛ لأن معيار نجاحها لا يقتصر على سرية البيانات وسلامتها وتوافرها، بل يمتد إلى استمرارية العملية الصناعية، ودقة التوقيت، واستقرار المعدات، وحماية العاملين والجمهور من المخاطر المادية. ومن ثم فإن اختراق نظام تقني داخل منشأة صناعية لا يُقاس أثره بعدد الملفات المسروقة أو الحسابات المخترقة، وإنما بما يمكن أن يحدثه من تغيير في العملية الفيزيائية التي يديرها النظام، وبمدى انعكاس ذلك على السلامة العامة والاقتصاد والأمن الوطني. المصدر: NIST SP 800-82 Rev.3، المرجع السابق؛ "النص الكامل" (https://csrc.nist.gov/pubs/sp/800/82/r3/final).
ولعل تجربة البرمجية الخبيثة «ستوكسنت» (Stuxnet) تمثل أوضح النماذج المنشورة التي كشفت عن هذا الانتقال من الاختراق المعلوماتي إلى التأثير المادي المنظم. فقد ارتبطت البرمجية بمنشأة تخصيب اليورانيوم في نطنز الإيرانية، واستهدفت، وفق التحليلات الفنية المنشورة، منظومات تحكم صناعي من إنتاج شركة سيمنز، بما في ذلك وحدات تحكم مرتبطة بمحولات تردد تتحكم في سرعة أجهزة الطرد المركزي. ولم تكن خطورة البرمجية في قدرتها على الانتشار أو إخفاء وجودها فحسب، بل في تصميمها لاستهداف بيئة صناعية محددة، والتدخل في طريقة تشغيل معداتها، مع محاولة إخفاء التغيرات التي تحدثها عن المشغلين. وبذلك كشفت «ستوكسنت» عن إمكانية تحويل الاختراق الرقمي من وسيلة للتجسس أو تعطيل المعلومات إلى أداة للتأثير في معدات مادية داخل منشأة استراتيجية. المصدر: Institute for Science and International Security (ISIS)، Stuxnet Malware and Natanz: -Update-of ISIS December 22, 2010 Report، 16 فبراير 2011، "الرابط" (https://isis-online.org/isis-reports/stuxnet-malware-and-natanz-update-of-isis-december-22-2010-reportsupa-href1).
وتقتضي الدقة العلمية التمييز بين ما أثبتته التحليلات التقنية وما بقي في نطاق الترجيح. فقد أشار تقرير لمعهد العلوم والأمن الدولي إلى أن إيران أزالت واستبدلت نحو ألف جهاز طرد مركزي من طراز IR-1 في منشأة نطنز خلال أواخر عام 2009 أو أوائل عام 2010، وأن هذا العدد تجاوز مستوى الأعطال المتوقع في تلك الفترة، وطرح التقرير احتمال أن تكون إصابة «ستوكسنت» قد أسهمت في تلك الخسائر. غير أن التقرير لم يثبت أن البرمجية وحدها تسببت في تلف جميع هذه الأجهزة؛ ولذلك لا يصح تحويل التزامن الزمني والقرائن الفنية إلى علاقة سببية قطعية لا ينهض بها الدليل المنشور. كما أن نطنز منشأة لتخصيب اليورانيوم، وليست محطة لتوليد الطاقة النووية، وهو تمييز فني وقانوني تترتب عليه آثار مهمة عند بحث نطاق الحماية الخاصة المقررة لبعض المنشآت بموجب القانون الدولي الإنساني. المصدر: David Albright, Paul Brannan & Christina Walrond, ISIS, Did Stuxnet Take Out 1,000 Centrifuges at the Natanz Enrichment Plant?, 22 ديسمبر 2010، "الرابط" (https://isis-online.org/isis-reports/did-stuxnet-take-out-1000-centrifuges-at-the-natanz-enrichment-plant).
أما من حيث الإسناد السياسي، فقد ارتبطت «ستوكسنت» في تقارير صحفية وتحليلات أمنية واسعة النطاق بالولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن هذا الارتباط لا ينبغي عرضه باعتباره حقيقة قضائية دولية محسومة أو إقراراً رسمياً علنياً نهائياً؛ إذ يظل من الضروري الفصل بين التحليل الاستخباراتي والتقني الذي يرجح جهة بعينها، وبين الإسناد القانوني الذي يستلزم إثبات الصلة بين الفعل والدولة وفق قواعد المسؤولية الدولية. وهذه التفرقة ليست شكلية، بل تمثل أحد أهم مواطن التعقيد في النزاعات السيبرانية؛ لأن القدرة على تحديد البنية التقنية المستخدمة أو مصدر الاتصال لا تكفي وحدها لإثبات أن دولة معينة أصدرت التعليمات أو مارست التوجيه أو السيطرة على العملية محل البحث. المصدر: لجنة القانون الدولي، مشروع مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً، المادة 8، 2001، "النص الرسمي للأمم المتحدة" (https://legal.un.org/ilc/texts/instruments/english/draft_articles/9_6_2001.pdf).
وقد تجاوزت دلالة «ستوكسنت» حدود الواقعة الإيرانية؛ لأنها أظهرت أن العزل الشبكي، أو ما يُعرف بمفهوم (Air-Gapping)، لا يمثل ضمانة مطلقة ضد الاختراق. ففصل شبكة التحكم الصناعي عن الإنترنت يقلل من مسارات التعرض المباشر، لكنه لا يلغي احتمالات انتقال البرمجيات عبر وسائط التخزين القابلة للإزالة، أو أجهزة الصيانة، أو حواسيب الموردين، أو الاتصالات المؤقتة التي تُنشأ لأغراض الدعم الفني، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بسلاسل توريد الأجهزة والبرمجيات. ومع ذلك، ينبغي عدم الجزم بأن وسيلة الإدخال الأولى إلى بيئة نطنز قد حُسمت نهائياً؛ فالتحليلات المنشورة ناقشت احتمال استخدام وسائط قابلة للإزالة، لكن تفاصيل مسار الدخول الأول لا تزال غير مؤكدة على نحو قاطع. والنتيجة الأهم أن الأمن الصناعي لا يتحقق بمجرد قطع الاتصال الخارجي، بل يتطلب إدارة دورة حياة النظام بأكملها، من التصميم والشراء والتحديث والصيانة إلى التشغيل والمراقبة والاستجابة للحوادث. المصدر: NIST SP 800-82 Rev.3، المرجع السابق؛ ENISA، التحليلات الفنية المتعلقة ببرمجية Stuxnet، "موقع الوكالة الأوروبية للأمن السيبراني" (https://www.enisa.europa.eu/).
ومن الخطأ النظر إلى هذه المخاطر باعتبارها محصورة في المنشآت النووية؛ فأنظمة التحكم الصناعي تدخل في قطاعات الطاقة والمياه والنفط والغاز والصناعة والنقل والمرافق العامة، وأي خلل جسيم في هذه الأنظمة قد يمتد أثره من نطاق المنشأة إلى المجتمع المحيط بها. وتوضح حادثة محطة ديفيس-بيسي النووية في الولايات المتحدة عام 2003 جانباً من هذه المخاطر، عندما أصابت دودة «SQL Slammer» شبكة المحطة، التي كانت متوقفة آنذاك، وأدت إلى تعطيل عرض بعض مؤشرات السلامة ونظام حاسوبي تشغيلي لساعات. غير أن الواقعة لا تعني أن الدودة عطلت أنظمة التحكم الفعلية في المفاعل أو أفضت إلى حادث نووي؛ فقد كانت المحطة متوقفة، وظلت هناك وسائل بديلة لمتابعة المؤشرات، ولم يثبت تأثر وظائف السلامة الأساسية. وتكمن أهمية الحادثة في أنها أظهرت كيف يمكن لثغرة في شبكة معلوماتية متصلة ببيئة تشغيل صناعية أن تؤثر في أدوات المراقبة واتخاذ القرار، حتى دون أن تصل إلى التحكم المباشر في العملية الفيزيائية. المصدر: U.S. Government Accountability Office (GAO)، تقريره بشأن أمن أنظمة المعلومات في محطات الطاقة النووية وحادثة Davis-Besse؛ ويمكن الرجوع إلى "موقع GAO" (https://www.gao.gov/) وإلى دراسة Idaho National Laboratory المنشورة عام 2025 بشأن الحادثة.
وتقدم برمجية «تريتون» (Triton/Trisis) مثالاً آخر على خطورة استهداف أنظمة السلامة الصناعية ذاتها. فقد ارتبطت هذه البرمجية بهجوم استهدف أنظمة السلامة الآلية (Safety Instrumented Systems – SIS) في منشأة بتروكيماوية بالمملكة العربية السعودية عام 2017، وهي أنظمة يُفترض أن تتدخل عند وقوع ظروف تشغيل خطرة لإعادة العملية إلى حالة آمنة أو الحد من آثار الخلل. وتكمن خطورة هذا النمط في أن استهداف نظام السلامة لا يقتصر على تعطيل الإنتاج، بل قد يمس طبقة الحماية المصممة لمنع الحوادث أو احتواء نتائجها. ومع ذلك، ينبغي وصف النتيجة المثبتة بدقة؛ فقد أدى الحادث إلى توقف تشغيلي بعد انتقال النظام إلى حالة الإيقاف الآمن، ولا يصح الادعاء بأنه تسبب في تدمير مادي مؤكد للمنشأة. إن الدلالة الاستراتيجية هنا تتمثل في أن المهاجم قد يسعى إلى إضعاف آليات الحماية قبل إحداث اضطراب في العملية الصناعية، وهو ما يجعل أمن أنظمة السلامة جزءاً أصيلاً من الأمن السيبراني للبنية التحتية الحيوية. المصدر: MITRE ATT&CK، TRITON – ICS Malware، "الرابط" (https://attack.mitre.org/software/S1009/)؛ CISA، التحذيرات الفنية المتعلقة ببرمجية TRITON، "الموقع الرسمي" (https://www.cisa.gov/).
وتكشف هذه النماذج عن ضرورة التمييز بين التجسس السيبراني والتخريب السيبراني، وإن كان الحد الفاصل بينهما قد يصبح ملتبساً في بعض العمليات. فالتجسس يستهدف جمع المعلومات أو مراقبة الأنظمة أو الوصول إلى أسرار التشغيل، بينما يتجه التخريب إلى إحداث تغيير في البيانات أو الأوامر أو الوظائف بما يؤدي إلى تعطيل النظام أو إلحاق ضرر مادي أو اقتصادي. وقد يبدأ النشاط بوجود طويل الأمد داخل الشبكة بغرض الاستطلاع ورسم خريطة البنية التقنية وتحديد نقاط الضعف، ثم يتحول، عند توافر القرار والقدرة، إلى عملية تخريبية. وتبرز هنا أهمية حملات وأدوات مثل Duqu وFlame وHavex في تاريخ التهديدات السيبرانية المرتبطة بقطاعات الطاقة والصناعة؛ لكن لا يجوز وضعها جميعاً في مرتبة واحدة مع «ستوكسنت»، أو القول إنها أحدثت جميعاً أضراراً مادية في منشآت نووية بعينها؛ فلكل منها سياقه ووظيفته وأهدافه التي ينبغي إثباتها بصورة مستقلة. المصدر: ENISA، التحليلات المتعلقة بالتهديدات السيبرانية الصناعية، "الموقع الرسمي" (https://www.enisa.europa.eu/)؛ NIST SP 800-82 Rev.3، المرجع السابق.
ويزداد تعقيد المشهد مع تقارب شبكات تقنية المعلومات (IT) وشبكات التكنولوجيا التشغيلية (OT)، واتساع الاعتماد على الخدمات السحابية، وإنترنت الأشياء الصناعي (IIoT)، وأنظمة المراقبة والتحليل عن بُعد. فالتكامل التقني يحقق مكاسب مهمة في الكفاءة التشغيلية والصيانة التنبؤية وسرعة اتخاذ القرار، لكنه يوسع في المقابل سطح الهجوم، ويخلق مسارات اتصال جديدة بين الأنظمة التي كانت تعمل تاريخياً في بيئات أكثر عزلة. ولا يعني ذلك أن الاتصال السحابي يؤدي حتماً إلى اختراق المنشآت، وإنما يعني أن كل واجهة اتصال أو حساب إداري أو خدمة دعم أو تحديث برمجي تمثل نقطة ينبغي تقييمها ضمن نموذج المخاطر. ومن ثم فإن التحدي لم يعد مجرد حماية جهاز التحكم المنطقي أو الخادم المركزي، بل ضمان أمن العلاقات والاتصالات والامتيازات التي تربط مكونات المنظومة بعضها ببعض، بما في ذلك الموردون ومقدمو الخدمات والأطراف الخارجية. المصدر: NIST SP 800-82 Rev.3، المرجع السابق؛ NIST SP 800-82 Rev.4، المسودة العامة الأولية المنشورة في 21 سبتمبر 2026، "الرابط الرسمي" (https://csrc.nist.gov/pubs/sp/800/82/r4/ipd). وتجدر الإشارة إلى أن Rev.4 ما زالت مسودة أولية وليست إصداراً نهائياً معتمداً.
وفي هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه عاملاً يغير كفاءة بعض مراحل الهجوم والدفاع، لا بوصفه قوة مستقلة قادرة، وفق الأدلة المنشورة، على إدارة هجوم سيبراني متكامل ضد منشأة صناعية من بدايته إلى نهايته دون تدخل بشري. فقد أشار التقرير الدولي لسلامة الذكاء الاصطناعي لعام 2026 إلى وجود أدلة قوية على استخدام جهات إجرامية وجهات مرتبطة بدول لأدوات الذكاء الاصطناعي في بعض العمليات السيبرانية، وإلى قدرة هذه الأدوات على المساعدة في اكتشاف الثغرات وكتابة الشيفرات الخبيثة وأتمتة أجزاء من سلسلة الهجوم. لكنه أكد في الوقت نفسه أن مدى مساهمة هذه الأدوات في زيادة الحجم الإجمالي للهجمات وشدتها لا يزال غير محسوم، وأن الهجمات الواقعية المستقلة بالكامل من البداية إلى النهاية لم يثبت الإبلاغ عنها. وتكمن الخطورة العملية في خفض كلفة بعض مراحل الاستطلاع والتحليل والتطوير، وتسريع إنتاج أدوات مخصصة، بما قد يوسع دائرة الفاعلين القادرين على تنفيذ عمليات أكثر تعقيداً؛ وهو ما يفرض في المقابل تطوير قدرات دفاعية تستفيد من التقنية ذاتها دون الوقوع في المبالغة بشأن مستوى استقلاليتها الفعلية. المصدر: International AI Safety Report 2026، القسم الخاص بالهجمات السيبرانية، فبراير 2026، "الموقع الرسمي والتقرير" (https://internationalaisafetyreport.org/publication/international-ai-safety-report-2026).
ومن منظور استراتيجي، لا ينبغي اختزال الهجمات السيبرانية على المنشآت الحيوية في مفهوم الحرب التقليدية؛ إذ قد تقع بعض العمليات في نطاق ما يُعرف بـ«صراعات المنطقة الرمادية» (Gray Zone Conflicts)، حيث تتداخل أنشطة التجسس والتخريب والضغط الاقتصادي والتأثير المعلوماتي دون إعلان حرب أو بلوغ عتبة النزاع المسلح بالضرورة. وتسمح هذه البيئة للفاعل بأن يحقق مكاسب استراتيجية تدريجية، وأن يختبر قدرات خصمه الدفاعية، وأن يفرض عليه كلفة تشغيلية ونفسية واقتصادية، مع الاستفادة من صعوبة الإسناد وغموض النية وتعدد الفاعلين. غير أن وصف عملية بأنها جزء من صراع في المنطقة الرمادية لا يمنحها وضعاً قانونياً مستقلاً، ولا يعفي من إخضاعها للقواعد القانونية القائمة؛ فالتوصيف الاستراتيجي يفسر طبيعة السلوك وسياقه، بينما يظل التكييف القانوني رهناً بطبيعة الفعل وآثاره والظروف المحيطة به ومدى نسبته إلى دولة أو جهة أخرى. المصدر: Tallinn Manual 2.0 on the International Law Applicable to Cyber Operations، Cambridge University Press، 2017؛ NATO Cooperative Cyber Defence Centre of Excellence، "التعريف الرسمي بطبيعة دليل تالين" (https://ccdcoe.org/research/tallinn-manual/).
وتتجاوز المسألة التقنية إلى سؤال قانوني محوري: متى يتحول الهجوم السيبراني إلى استخدام للقوة محظور بموجب القانون الدولي؟ ومتى يبلغ حد «الهجوم المسلح» الذي يفتح باب التمسك بحق الدفاع الشرعي؟ إن المادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة تلزم الدول بالامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأية دولة، أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة. ولا يتضمن النص تمييزاً بين وسيلة مادية وأخرى رقمية؛ ولذلك فإن طبيعة الوسيلة السيبرانية لا تكفي بذاتها لإخراج العملية من نطاق الحظر، متى كانت آثارها وملابساتها تبلغ الحد الذي يجعلها مماثلة في طبيعتها ونتائجها لاستخدام القوة بالوسائل التقليدية. وقد تبنت المملكة المتحدة في موقفها الرسمي بشأن تطبيق القانون الدولي على سلوك الدول في الفضاء السيبراني أن العملية السيبرانية يمكن، بحسب وقائع كل حالة وظروفها، أن تشكل استخداماً للقوة إذا كانت آثارها الفعلية أو المتوقعة مماثلة أو مشابهة لآثار السلوك الحركي. المصدر: ميثاق الأمم المتحدة، المادة 2/4، "النص الرسمي" (https://www.un.org/en/about-us/un-charter/full-text)؛ UK Government، Application of International Law to States’ Conduct in Cyberspace، "الموقف الرسمي" (https://www.gov.uk/government/publications/application-of-international-law-to-states-conduct-in-cyberspace-uk-statement/application-of-international-law-to-states-conduct-in-cyberspace-uk-statement).
ويثور بعد ذلك سؤال أكثر دقة يتعلق بالتمييز بين «استخدام القوة» و«الهجوم المسلح». فليس كل استخدام للقوة يبلغ بالضرورة العتبة التي تجيز ممارسة حق الدفاع الشرعي وفق المادة 51 من الميثاق؛ إذ يتطلب الأمر تقييماً لمدى جسامة العملية ونطاقها وآثارها. ويُستند في هذا السياق إلى معيار «النطاق والآثار» (Scale and Effects)، الذي يقارن نتائج العملية السيبرانية بنتائج الهجوم الحركي، من حيث الوفيات والإصابات والأضرار المادية الجسيمة وتعطيل الوظائف الحيوية على نحو بالغ. وقد أكدت المملكة المتحدة في موقفها الرسمي أن العملية السيبرانية قد تشكل هجوماً مسلحاً إذا كانت في نطاقها وآثارها مكافئة لهجوم مسلح باستخدام الوسائل الحركية. ومع ذلك، لا يصح تقديم هذا المعيار باعتباره اختباراً دولياً وحيداً متفقاً عليه في جميع تفاصيله؛ فمواقف الدول والفقه القانوني لا تزال تتباين في تحديد الحدود الدقيقة بين مستويات التدخل السيبراني المختلفة. المصدر: ميثاق الأمم المتحدة، المادة 51، "النص الرسمي" (https://www.un.org/en/about-us/un-charter/full-text)؛ UK Government، المرجع السابق؛ Tallinn Manual 2.0، Cambridge University Press، 2017.
وبناءً على ذلك، لا يكفي القول إن الهجوم استهدف منشأة نووية أو مرفقاً حيوياً حتى يُوصف تلقائياً بأنه هجوم مسلح؛ إذ يتعين فحص النتائج الفعلية أو المتوقعة، ومدى تأثير العملية في حياة السكان وسلامتهم، وحجم الأضرار المادية، ومدة تعطيل المرفق، وما إذا كانت الآثار قد امتدت إلى مرافق أخرى أو أحدثت خطراً واسع النطاق. فقد يكون اختراق منشأة استراتيجية لأغراض التجسس عملاً بالغ الخطورة من الناحية الأمنية، لكنه لا يبلغ بالضرورة عتبة استخدام القوة. وقد يكون تعطيل مرفق حيوي لفترة محدودة دون خسائر مادية أو بشرية أقل جسامة من عملية تؤدي إلى انهيار نظام تبريد أو إطلاق مواد خطرة أو تعريض السكان لخطر جسيم. ومن ثم فإن التكييف القانوني لا يتأسس على صفة الهدف وحدها، بل على طبيعة السلوك ونتائجه وسياقه، مع عدم الخلط بين الأهمية الاستراتيجية للمنشأة وبين العتبة القانونية لاستخدام القوة أو وقوع الهجوم المسلح. المصدر: UN Charter، المادتان 2/4 و51، "النص الرسمي" (https://www.un.org/en/about-us/un-charter/full-text)؛ Tallinn Manual 2.0، 2017؛ UK Government، Application of International Law to States’ Conduct in Cyberspace، "الرابط" (https://www.gov.uk/government/publications/application-of-international-law-to-states-conduct-in-cyberspace-uk-statement/application-of-international-law-to-states-conduct-in-cyberspace-uk-statement).
أما إذا وقعت العملية في سياق نزاع مسلح، فإن قواعد القانون الدولي الإنساني تفرض تقييماً إضافياً لا يقل أهمية عن التكييف بموجب ميثاق الأمم المتحدة. وتظل المبادئ الأساسية، وفي مقدمتها التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات الممكنة، واجبة المراعاة عند تنفيذ العمليات العسكرية، بما في ذلك العمليات السيبرانية التي قد تُحدث آثاراً في الأعيان المدنية أو السكان المدنيين. وتبرز هنا المادة 56 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، التي تقرر حماية خاصة للأشغال والمنشآت المحتوية على قوى خطرة، ومن بينها السدود والجسور ومحطات توليد الكهرباء النووية، متى كان الهجوم عليها قد يؤدي إلى إطلاق قوى خطرة وما يترتب على ذلك من خسائر جسيمة بين السكان المدنيين، مع مراعاة الشروط والاستثناءات الواردة في النص. ولا يجوز، مع ذلك، توسيع نطاق هذه المادة بصورة آلية ليشمل كل منشأة ذات صلة بالنشاط النووي؛ فالنص يذكر محطات توليد الكهرباء النووية، بينما تختلف عنها وظيفياً وقانونياً منشآت تخصيب اليورانيوم ومراكز الأبحاث والمرافق المرتبطة بدورة الوقود النووي، ويستلزم إخضاع كل منشأة للحماية القانونية المناسبة تحديد طبيعتها ووظيفتها والقاعدة المنطبقة عليها. المصدر: البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1977، المادة 56، "قاعدة بيانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر" (https://ihl-databases.icrc.org/en/ihl-treaties/api-1977/article-56).
ولا ينفصل هذا التقييم عن مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية؛ فمجرد وجود نظام تحكم صناعي أو شبكة حاسوبية داخل منشأة حيوية لا يجعل جميع مكوناتها أهدافاً عسكرية مشروعة. كما أن استخدام وسيلة سيبرانية لا يعفي المهاجم من تقدير الآثار العرضية المتوقعة على المدنيين، ولا من اتخاذ الاحتياطات الممكنة لتجنب تلك الآثار أو تقليلها. وتزداد أهمية هذه القواعد عندما تكون الأنظمة المستهدفة متداخلة مع مرافق مدنية أخرى، أو عندما يؤدي تعطيلها إلى انقطاع الكهرباء أو المياه أو الخدمات الصحية أو الاتصالات عن السكان. فالضرر السيبراني قد ينتقل عبر الترابط التقني من هدف محدد إلى شبكة أوسع من المرافق، الأمر الذي يجعل تقدير الأثر المتوقع ضرورة قانونية وعملياتية، لا مجرد إجراء فني لاحق على وقوع الهجوم. المصدر: البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، المواد 48 و51 و52 و57؛ اللجنة الدولية للصليب الأحمر، "قاعدة بيانات القانون الدولي الإنساني" (https://ihl-databases.icrc.org/).
ومن أكثر المسائل تعقيداً في هذا المجال مسألة إسناد الهجوم السيبراني إلى الدولة. فالبيئة الرقمية تتيح للمهاجم استخدام خوادم وسيطة وشبكات مخترقة وأجهزة تابعة لأشخاص من دول مختلفة، كما يمكن إخفاء مصدر العملية أو تضليل المحققين بشأنه. ولذلك لا يكفي تحديد عنوان بروتوكول الإنترنت (IP Address)، أو اكتشاف شيفرة برمجية ذات سمات مشتركة مع أدوات سبق استخدامها من جهة معينة، لإثبات المسؤولية الدولية لدولة بعينها. فالإسناد الفني يحدد، بوسائل التحليل الرقمي والاستخباراتي، المؤشرات التي قد تقود إلى الفاعل أو البنية المستخدمة، بينما يتطلب الإسناد القانوني إثبات رابطة معتبرة بين السلوك والدولة وفق قواعد مسؤولية الدول. وتكتسب المادة 8 من مواد مسؤولية الدول أهمية خاصة في هذا السياق، إذ تنسب إلى الدولة أفعال الأشخاص أو الجماعات إذا كانوا يتصرفون بناءً على تعليماتها أو تحت توجيهها أو سيطرتها في تنفيذ السلوك محل البحث. المصدر: لجنة القانون الدولي، Articles on Responsibility of States for Internationally Wrongful Acts، المادة 8، 2001، "النص الرسمي" (https://legal.un.org/ilc/texts/instruments/english/draft_articles/9_6_2001.pdf).
ويقتضي تطبيق المادة 8 عدم الخلط بين معيار «السيطرة الفعلية» (Effective Control) الذي ارتبط باجتهاد محكمة العدل الدولية في قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا، وبين معيار «السيطرة الشاملة» (Overall Control) الذي ظهر في سياق مختلف يتعلق بتصنيف النزاع المسلح. فلكل معيار وظيفته القانونية ومجاله، ولا يصح نقله من سياقه إلى سياق آخر دون بيان الأساس القانوني لذلك. كما أن مجرد استفادة دولة من الهجوم أو توافق نتائجه مع مصالحها لا يكفي بذاته لإسناد الفعل إليها؛ إذ يجب فحص الأدلة المتعلقة بالتعليمات أو التوجيه أو السيطرة، إلى جانب طبيعة العلاقة بين الجهة المنفذة وأجهزة الدولة. وهذا ما يجعل التحقيق في الهجمات السيبرانية ذات البعد الدولي عملية مركبة، تجمع الأدلة التقنية والقرائن الاستخباراتية والوثائق والاتصالات والسياق السياسي، دون أن يحل أي عنصر منفرد محل التقييم القانوني الشامل. المصدر: محكمة العدل الدولية، Military and Paramilitary Activities in and against Nicaragua (Nicaragua v. United States of America)، حكم الموضوع، 27 يونيو 1986؛ لجنة القانون الدولي، المادة 8 من مواد مسؤولية الدول، "النص" (https://legal.un.org/ilc/texts/instruments/english/draft_articles/9_6_2001.pdf).
وتُطرح كذلك مسألة واجب العناية الواجبة (Due Diligence)، ومدى التزام الدولة باتخاذ التدابير المعقولة لمنع استخدام إقليمها أو بنيتها التحتية في تنفيذ أعمال سيبرانية تضر بدول أخرى. ويُستحضر في هذا الإطار حكم محكمة العدل الدولية في قضية مضيق كورفو، الذي قرر مبدأ عدم جواز أن تسمح الدولة، عن علم، باستخدام إقليمها لأعمال تتعارض مع حقوق الدول الأخرى. غير أن نقل هذا المبدأ إلى الفضاء السيبراني يثير خلافاً بشأن نطاق الالتزام ومصدره وشروط تفعيله، ومدى اشتراط العلم الفعلي أو توافر القدرة المعقولة على المنع، وما إذا كان الامتناع عن اتخاذ التدابير المناسبة يرتب مسؤولية دولية في كل حالة. لذلك لا يصح اعتبار واجب العناية الواجبة قاعدة سيبرانية محسومة التفاصيل، ولا اعتباره شكلاً تلقائياً من أشكال إسناد الهجوم إلى الدولة التي مرت عبر بنيتها التحتية الاتصالات المستخدمة فيه؛ بل ينبغي بحثه في ضوء القواعد العامة ومواقف الدول والظروف الواقعية لكل واقعة. المصدر: محكمة العدل الدولية، Corfu Channel Case (United Kingdom v. Albania)، حكم 9 أبريل 1949؛ Tallinn Manual 2.0، 2017؛ UK Government، موقفها بشأن تطبيق القانون الدولي على سلوك الدول في الفضاء السيبراني، "الرابط" (https://www.gov.uk/government/publications/application-of-international-law-to-states-conduct-in-cyberspace-uk-statement/application-of-international-law-to-states-conduct-in-cyberspace-uk-statement).
ويظل دليل تالين (Tallinn Manual) من أهم الأعمال الفقهية التي تناولت تطبيق قواعد القانون الدولي على العمليات السيبرانية، لا سيما في مسائل السيادة واستخدام القوة والدفاع الشرعي ومسؤولية الدول وقواعد القانون الدولي الإنساني. غير أن قيمته العلمية لا تعني أنه معاهدة دولية أو مصدر مستقل للالتزام القانوني؛ فهو عمل أكاديمي أعدته مجموعة من الخبراء، ويهدف إلى تحليل كيفية انطباق القواعد القائمة على الفضاء السيبراني، مع وجود تباينات في بعض المسائل بين الخبراء والدول. كما أن المركز التعاوني للدفاع السيبراني التابع لحلف شمال الأطلسي، الذي ارتبطت به مبادرة الدليل، يوضح أن الدليل لا يمثل الموقف القانوني الرسمي للحلف أو لأي دولة أو منظمة دولية. ومن ثم فإن الاستناد إليه ينبغي أن يكون بوصفه مرجعاً تفسيرياً وفقهياً مهماً، لا باعتباره نصاً ملزماً يحسم الخلافات القانونية. المصدر: NATO Cooperative Cyber Defence Centre of Excellence، The Tallinn Manual، "الصفحة الرسمية" (https://ccdcoe.org/research/tallinn-manual/).
ولا يعني ثبوت وقوع هجوم سيبراني جسيم أن الدولة المستهدفة تملك تلقائياً حق الرد العسكري؛ فممارسة الدفاع الشرعي بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تظل مرتبطة بوقوع هجوم مسلح، وبشروط الضرورة والتناسب وفق القانون الدولي، فضلاً عن الالتزام بإبلاغ مجلس الأمن بالتدابير المتخذة في ممارسة هذا الحق. وقد يكون الرد المشروع في بعض الحالات دفاعاً سيبرانياً أو تدبيراً غير عسكري أو إجراءً آخر تسمح به قواعد القانون الدولي، بحسب طبيعة الفعل ودرجته والظروف المحيطة به. أما إذا بلغ الهجوم عتبة الهجوم المسلح، فلا يعني ذلك أن كل رد يصبح مشروعاً؛ إذ تظل الضرورة والتناسب قيدين جوهريين على ممارسة الدفاع الشرعي، ولا يجوز اتخاذ وصف «الردع» أو «الانتقام» ذريعة لتجاوز هذه القيود. المصدر: ميثاق الأمم المتحدة، المادة 51، "النص الرسمي" (https://www.un.org/en/about-us/un-charter/full-text)؛ UK Government، Application of International Law to States’ Conduct in Cyberspace، "الرابط" (https://www.gov.uk/government/publications/application-of-international-law-to-states-conduct-in-cyberspace-uk-statement/application-of-international-law-to-states-conduct-in-cyberspace-uk-statement).
ومن زاوية الردع، لا يمكن تفسير عدم تكرار نموذج «ستوكسنت» بالصورة ذاتها باعتباره دليلاً على استحالة إعادة إنتاجه أو على أن هذا النوع من العمليات لا يصلح إلا للاستخدام مرة واحدة. فبناء عملية سيبرانية قادرة على التأثير في معدات صناعية محددة يتطلب معرفة دقيقة بالبنية المستهدفة، وطبيعة المعدات، وبرمجيات التحكم، وظروف التشغيل، واختباراً فنياً بالغ التعقيد. كما أن انكشاف أدوات الهجوم بعد استخدامها يتيح للمدافعين تحليلها وتطوير وسائل للكشف عنها، ويزيد مخاطر فشل العملية أو خروج آثارها عن النطاق المقصود. ويضاف إلى ذلك أن تنفيذ هجوم من هذا النوع قد يفتح باباً للتصعيد السياسي والعسكري، أو يكشف قدرات استخباراتية وتقنية ذات قيمة استراتيجية. ولذلك فإن عدم ظهور نسخة مطابقة من «ستوكسنت» لا يثبت غياب عمليات أخرى أو استحالة تطويرها؛ بل يعكس مجموعة من الاعتبارات الفنية والاستراتيجية والسياسية التي يصعب اختزالها في سبب واحد. المصدر: ENISA، التحليلات الفنية لبرمجية Stuxnet، "الموقع الرسمي" (https://www.enisa.europa.eu/)؛ ISIS، تقارير تحليل Stuxnet ونطنز، "الموقع" (https://isis-online.org/isis-reports/).
إن بناء منظومة دفاع فعالة عن المنشآت الحيوية يقتضي الانتقال من مفهوم الحماية المحيطية إلى مفهوم إدارة المخاطر عبر دورة حياة النظام. فلا يكفي تركيب جدار ناري أو فصل الشبكة أو تحديث برنامج بعينه، بل ينبغي حصر الأصول الرقمية والتشغيلية، وتحديد الاتصالات المسموح بها، وتقسيم الشبكات بحسب الوظائف ومستويات الحساسية، وتقييد صلاحيات الوصول، والتحقق من سلامة التحديثات والبرمجيات الواردة من الموردين، ومراقبة السلوك غير المعتاد في بيئة التشغيل، ووضع خطط للاستجابة والتعافي واختبارها بصورة دورية. كما يجب أن تراعي التدابير الأمنية متطلبات السلامة التشغيلية؛ فبعض التحديثات أو إجراءات العزل التي تصلح لشبكات المكاتب قد تؤدي إلى تعطيل عمليات صناعية حساسة إذا طُبقت دون دراسة هندسية. ومن ثم فإن أمن التكنولوجيا التشغيلية ليس مجرد امتداد تقني لأمن المعلومات، بل تخصص متداخل تتكامل فيه هندسة الأنظمة وإدارة المخاطر والأمن السيبراني والسلامة الصناعية. المصدر: NIST SP 800-82 Rev.3، المرجع السابق؛ NIST SP 800-82 Rev.4، المسودة العامة الأولية، سبتمبر 2026، "الرابط" (https://csrc.nist.gov/pubs/sp/800/82/r4/ipd).
ويجب أن تتضمن الحماية أيضاً تصوراً واضحاً لمخاطر سلاسل التوريد؛ إذ قد تنشأ نقاط الضعف من أجهزة أو برمجيات أو مكونات خارجية، أو من حسابات الصيانة والدعم الفني، أو من تحديثات لا تخضع للتحقق الكافي. ولا يعني ذلك أن كل مورد يمثل تهديداً أو أن وجود مكون أجنبي يثبت وجود باب خلفي متعمد؛ فمثل هذه الادعاءات تحتاج إلى أدلة فنية محددة. لكن الاعتماد على أطراف خارجية يفرض على مشغلي المنشآت تقييم موثوقية الموردين، والتحقق من سلامة المكونات والتحديثات، وتحديد صلاحيات الوصول عن بُعد، ومراقبة عمليات الصيانة، والاحتفاظ بسجلات قابلة للمراجعة. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في المنشآت النووية ومرافق الطاقة؛ لأن أي خلل في مكون تقني قد يتجاوز أثره حدود الجهاز إلى العملية الصناعية التي يعتمد عليها. المصدر: NIST SP 800-82 Rev.3، المرجع السابق؛ NIST SP 800-82 Rev.4، المسودة الأولية المنشورة في سبتمبر 2026، "الرابط الرسمي" (https://csrc.nist.gov/pubs/sp/800/82/r4/ipd).
وعلى المستوى الدولي، تبرز الحاجة إلى تعزيز التعاون في تبادل المعلومات الفنية المتعلقة بالتهديدات، وتطوير آليات مشتركة للإبلاغ عن الحوادث والتحقيق فيها، وتحديد قنوات اتصال فعالة بين الدول والجهات المشغلة للمنشآت الحيوية. كما تظل المعايير الفنية الدولية، وإرشادات الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن الأمن النووي، ذات أهمية في دعم حماية المنشآت والمواد والأنظمة ذات الصلة، مع ضرورة التمييز بين الإرشادات الفنية والتزامات المعاهدات والقواعد القانونية الملزمة. فالتعاون لا يقتصر على تبادل مؤشرات الاختراق، بل ينبغي أن يشمل بناء القدرات، وتدريب فرق الاستجابة، وإجراء اختبارات مشتركة، وتطوير قواعد لحفظ الأدلة الرقمية وسلامة سلاسل حيازتها، بما يسمح باستخدامها في التحقيقات الوطنية والدولية دون الإضرار بقيمتها الإثباتية. المصدر: الوكالة الدولية للطاقة الذرية، Computer Security of Instrumentation and Control Systems at Nuclear Facilities، سلسلة الأمن النووي رقم 33-T، "موقع الوكالة" (https://www.iaea.org/publications).
إن الإشكال الحقيقي الذي تثيره الحرب السيبرانية لا يتمثل في غياب القواعد القانونية بقدر ما يتمثل في صعوبة تطبيقها على وقائع تتسم بالتعقيد التقني وسرعة التغير وغموض الإسناد. فميثاق الأمم المتحدة لم يفقد صلاحيته أمام الوسائل الرقمية، وقواعد القانون الدولي الإنساني لا تتوقف عن التطبيق لمجرد أن الهجوم نُفذ بواسطة شيفرة برمجية بدلاً من سلاح تقليدي، متى توافرت شروط انطباقها. لكن ذلك لا يعفي الباحث أو صانع القرار من ضرورة التمييز بين مستويات الفعل السيبراني، وبين الخطر التقني والضرر المادي، وبين المسؤولية السياسية والإسناد القانوني، وبين استخدام القوة والهجوم المسلح. فالتوسع غير المنضبط في هذه المفاهيم قد يؤدي إلى تكييفات قانونية خاطئة، وربما إلى قرارات تصعيدية لا تستند إلى أساس قانوني كافٍ.
ومن ثم فإن حماية المنشآت النووية والبنية التحتية الحيوية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مسألة أمن تقني منفصلة عن القانون، ولا باعتبارها قضية قانونية مجردة عن واقع الأنظمة الصناعية؛ بل هي مساحة تلتقي فيها هندسة التشغيل مع الأمن القومي والمسؤولية الدولية وقواعد استخدام القوة وحماية المدنيين. وقد أثبتت تجربة «ستوكسنت» أن الأثر المادي لم يعد يتطلب بالضرورة اختراقاً مادياً للمنشأة أو استخدام سلاح تقليدي ضدها، وأن الشفرة البرمجية يمكن، في ظروف محددة، أن تتحول إلى أداة للتأثير في المعدات والعمليات الصناعية. غير أن هذه الحقيقة لا تبرر المبالغة في تقدير قدرات الهجوم، أو افتراض تحقق الضرر بمجرد وجود الاختراق، أو إسباغ وصف الحرب والهجوم المسلح على كل نشاط سيبراني. فالقوة الحقيقية للتحليل القانوني تكمن في ضبط المصطلح، والتحقق من الواقعة، وتحديد معيار المسؤولية، ثم إنزال القاعدة القانونية على الوقائع دون توسع أو انتقاص. وفي النهاية، فإن مستقبل الأمن الدولي لن يتحدد فقط بقدرة الدول على تطوير أدوات هجومية أكثر تعقيداً، بل بقدرتها على بناء منظومات حماية ومساءلة وتعاون تمنع تحول الفضاء الرقمي إلى مجال مفتوح لإلحاق الضرر بالمجتمعات والمنشآت المدنية. فكلما ازدادت قدرة الشيفرة على التأثير في الواقع المادي، ازدادت ضرورة إخضاعها لمقتضيات القانون، وكلما تعاظمت خطورة البنية التحتية الحيوية، أصبح أمنها مسؤولية تتجاوز حدود المنشأة والدولة إلى استقرار النظام الدولي ذاته. وليس التحدي القانوني أن نبتكر قواعد منفصلة لكل تقنية جديدة، بقدر ما هو أن نحسن تطبيق المبادئ المستقرة على صور مستحدثة من السلوك، وأن نمنع الغموض التقني من أن يتحول إلى فراغ قانوني، أو ذريعة لتجاوز القيود التي وُضعت أصلاً لحماية السلم والأمن الدوليين والإنسان.
#الحرب_السيبرانية #الأمن_السيبراني #التدمير_السيبراني #البنية_التحتية_الحيوية #ستوكسنت #Stuxnet #القانون_الدولي_العام #القانون_الدولي_الإنساني #المسؤولية_الدولية_للدول #الهجمات_السيبرانية #أنظمة_التحكم_الصناعي #القانون_والتكنولوجيا #HorusLegalHub
#مصطفى_محمود_مقلد (هاشتاغ)
Mustafa_Mahmoud_Maklad#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الفراغ التشريعي للذكاء الاصطناعي (2): ما بعد الإنسان والآلة
...
-
الفراغ التشريعي للذكاء الاصطناعي: من أزمة التنظيم إلى إعادة
...
-
صناعة التشريع بين أروقة المحاكم ونقابة المحامين***نحو تأسيس
...
-
الجزء الثالث والأخير: هندسة المستقبل وإعادة بناء المدرسة الم
...
-
إعادة هندسة التعليم الثانوي في مصر: من امتحان المصير إلى نظا
...
-
الجزء الثاني: هندسة التنفيذ والتحول الرقمي لنظام المسارات ال
...
-
التوازن الصعب بين معجزات الطب ومبالغات وادي السيليكون: قراءة
...
-
الذكاء الاصطناعي التوليدي وإشكاليات الملكية الفكرية: دراسة ت
...
-
التنظيم القانوني والفلسفي للميتافيرس: من فلسفة الوجود الافتر
...
-
التنظيم القانوني والفلسفي للميتافيرس: امتداد الوعي الإنساني
...
-
السيولة الرقمية وأزمة المسؤولية القانونية في عصر الذكاء الاص
...
-
المعمار القانوني للأمن السيبراني في عصر الحوسبة الكمومية وال
...
-
فلسفة التكنولوجيا وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي دراسة قانونية ف
...
-
المسؤولية القانونية عن أخطاء الذكاء الاصطناعي في المركبات ذا
...
-
جدل المادة والمعنى: كيف تجاوز الإنسانُ منطقَ المنفعة، وأصبح
...
-
الولي في الزواج بين النص الفقهي والمقاصد الشرعية: جدل السلطة
...
-
جدل المادة والمعنى: كيف تحوّل الإنسان من نتاجٍ صامتٍ لقوانين
...
-
جدل المادة والمعنى: كيف أصبحت المادة وعيًا يسأل عن نفسه؟
-
جدل المادة والمعنى: صمت العظام وتحوّل الرمز… هل أنجبت الضرور
...
-
تسريب البيانات وانكشاف هشاشة السيادة في العصر الرقمي
المزيد.....
-
الاحتلال يشن حملة اقتحامات واسعة بالضفة تطال منازل واعتقال أ
...
-
اقتحام الملعب ومطاردة اللاعبين.. كلاسيكو باراغواي ينتهي بالف
...
-
محو الأمية في الشيخ عثمان بعدن تكثّف أنشطتها التوعوية لتعزيز
...
-
شهداء وجرحى في غارات للاحتلال استهدفت خيام النازحين بغزة وخا
...
-
الكويت.. إعدام وافد قتل صديقه لنشره صور زوجته على -فيسبوك-
-
هجوم كنيسة الكرك.. إحالة المتهمين للمحاكمة والإعدام متوقع
-
الرئيس اللبناني: لم نعد قادرين على استيعاب مزيد من النازحين
...
-
لوكاشينكو يقترح ترامب أمينا عاما للأمم المتحدة لتحريك المستن
...
-
الاحتلال يجدد الاعتقال الإداري للأسيرة شيماء خازم للمرة الخا
...
-
يونيسف: استهداف مركز صحي في لحج باليمن يهدد خدمات الرعاية لن
...
المزيد.....
-
كتب في فلسفة القانون
/ مؤلفون مختلفون ومتعددون
-
أخطاء المشرع اليمني
/ رائد الجحافي
-
الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق
/ رابطة المرأة العراقية
-
التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من
...
/ هيثم الفقى
-
محاضرات في الترجمة القانونية
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة
...
/ سعيد زيوش
-
قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية
...
/ محمد أوبالاك
-
الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات
...
/ محمد أوبالاك
-
أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف
...
/ نجم الدين فارس
-
قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه
/ القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
المزيد.....
|