|
|
من أوهام بغداد إلى صراعات الحاضر:
نافع شابو ابراهيم
الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 00:58
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
القراءة النقدية في تشكُّل «الإسلام المؤسسي» وتداعياته الممتدة مقدّمة: في ضرورة النقد التاريخي نافع شابو تتجلّى معضلة الوعي في الشرق الأوسط المعاصر في العجز عن الفصل بين الجوهر الأخلاقي والروحي للرسالات، وبين «المنتَج التاريخي الإمبراطوري» الذي صيغ في أروقة السلطة ومحاريب دواوين بغداد. إن الصراعات المذهبية والطائفية التي تعصف بالشرق الأوسط اليوم، والحروب المستعرة بين المسلمين أنفسهم، ليست قدرًا محتومًا ولا مجرّد نتاج لتقاطعات مصالح سياسية حديثة؛ بل هي امتداد مباشر لبنية أيديولوجية وفقهية أُسست في العصر العباسي عبر عملية تزوير وتأطير شاملة مَسّت ثلاثة أركان رئيسية: التاريخ التاريخاني لقرن التأسيس، والشخصية التاريخية لمحمّد، وصيرورة النص القرآني والجغرافيا المقدّسة الأولى. يهدف هذا المقال الأكاديمي الشامل إلى تتبّع خط السيادة التاريخية من لحظة «حركة المؤمنين» الأولى في القرن السابع الميلادي، مروراً بالحروب والفتن الثلاث الأولى وما رافقها من مآسٍ ودمار ومجاعات، ثم الانقلاب العباسي وتفرسة الإمبراطورية، وصولاً إلى واقع الحروب الأهلية الممتدة في العصر الحديث. أولاً: البدايات المادية: من «حركة المؤمنين» إلى المركزية الشامية أثبتت المناهج الحديثة في الدراسات الأثرية (والفلولوجية ،(فقه اللغات) اعتماداً على الوثائق المادية المعاصرة (كالنقوش، والمسكوكات، والبرديات، والمخطوطات القرآنية، والوثائق والشهادات السريانية واليونانية والأرمنية والقبطية المكتوبة في القرن السابع)، أن الحركة المبكرة التي قادها «محمد» نبي الإسلام لم تبدأ كديانة إمبراطورية مغلقة ومستقلة كلياً عن محيطها التوحيدي. لقد كشفت دراسات النقد التاريخي (مثل أبحاث فريد دونر) أن الحركة الإسماعيلية نبتت كـ «حركة مؤمنين» ذات طابع توحيدي إبراهيمي وأخروي (Eschatological). كانت حركة مفتوحة تضم العرب واليهود الموحدين والنصارى (هرطقات مسيحية) غير الخلقيدونيين (المؤمنون بالثالوث أي اله واحد في ثلاثة اقانيم)، تجمعهم ثلاثة أركان: «التوحيد الإبراهيمي لإلهٍ واحد، ضد العقيدة والكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية الرسمية للإمبراطورية في ذلك الوقت». تؤكد الوثائق المعاصرة للأحداث — مثل وثيقة "دوكترينا جاكوب" Doctrina Jacobi (634 م)، ومخطوطة توما الأسقف (640 م)، وتاريخ سيبوس الأرميني (660 م)، ويوحنا الدمشقي والمصادر القبطية كيُوحنَّا النقيوسي — الوجود التاريخي لشخصية «محمد» كقائد ومشرّع وتاجر ومُوجّه إبراهيمي قاد حركة إسماعيلية-يهودية نحو فلسطين، خلافاً للتلفيقات اللاحقة التي حاولت إما أسطرته أو تحويله إلى لقب مجرد. ثانياً: الفتن الثلاث الكبرى: صراع السلطة والجغرافيا ومآسي الدمار والمجاعات عقب وفاة القائد والمؤسس(محمد)، لم ينتقل المجتمع الناشئ إلى حالة من الانسجام الروحي كما تُصوّرها الأدبيات العباسية المتأخرة، بل انخرط في سلسلة من الفتن والحروب الأهلية الطاحنة التي كانت صراعاً جيو-سياسياً على الجباية والسلطة والنفوذ الإقليمي بين الشرق (العراق وفارس) والغرب (الشام والحجاز). وقد وثّقت المصادر المعاصرة، وعلى رأسها كتابات الراهب السرياني يوحنا بار بنكايي (John Bar Penkaye - نحو 687 م)، التصدّعات الأخلاقية والمآسي الإنسانية المروعة التي خلفها هذا الصراع: 1 - الفتنة الأولى (معركة الجمل وصفين ومقتل علي): طبيعة الصراع: كانت الفتنة صراعاً هوياتيّاً بين الشام (بقيادة معاوية بن أبي سفيان) المتأثرة بالإدارة المتوسطية-البيزنطية، وبين العراق (بقيادة علي بن أبي طالب) المعتمدة على القبائل والمحيط الساساني. الأهوال والدمار في شهادة يوحنا بار بنكايي: يصف يوحنا بار بنكايي أهوال الفتنة الأولى وتداعيات القتال بين «أهل الشرق» و«أهل الغرب»، موثقاً حالة الفوضى العارمة والقتل والخراب والنهب الشامل للحقول والقرى، والدمار الذي لحق بالبلدات، وانتشار الأوبئة والمجاعات الخانقة التي أكلت الأخضر واليابس عقب الحملات العسكرية. ويؤكد ابن بنكايي أن معاوية عقب انتصاره استطاع إقرار السلام والاستقرار وحماية الأماكن المقدسة وسائر الموحدين (من عرب ومسيحيين ويهود)، مما أثبت استمرار طابع الحركة التوحيدي المفتوح برغم المآسي الدموية للقتال السياسي. 2 - الفتنة الثانية (عبد الملك بن مروان ضد عبد الله بن الزبير والمراديين): أهوال القتال وتخريب البيعة (الكنائس) والمقدسات: شهدت الفتنة الثانية ذروة الوحشية والدمار الإنساني في الشام والعراق والحجاز. توثق وثيقة يوحنا بار بنكايي بأسى عميق نتائج حرب عبد الملك بن مروان وواليه الحجاج بن يوسف الثقفي ضد عبد الله بن الزبير والمختار الثقفي ومرادي العراق؛ حيث استشرى القتل الجماعي، وتكدست الجثث في البراري والمدن دون دفن حتى أُنهرت منها الأودية (انهار من الدم) وضربت البلاد مجاعة هائلة وأوبئة طاعونية طاحنة نفق فيها البشر والحيوانات، حتى اضطر الناس لأكل الجيف والفضلات، وتداعت القرى وتخربت الكنائس والديارات جراء الغارات المتواصلة وفرض الجباية ونهب الأرزاق. الاستجابة الإمبراطورية للأزمة: في خضم هذا الدمار والانهيار الشامل، سعى عبد الملك بن مروان لتثبيت أركان دولته وحسم الصراع؛ فقام ببناء قبة الصخرة في القدس (72 هجرية المصادف 692 م) لتكون المركز الإبراهيمي والإمبراطوري الشامل والرد الديني على حركة ابن الزبير بالحجاز، وتلا ذلك بالإصلاح النقدي الكبير (77 هـ / 697 م) بإلغاء الصور والرموز الساسانية والبيزنطية(مثل الشعلات الزرادشتية والصلبان المسيحية) واستبدالها بالتجريد النصي الخالص لتتكرس الشام والقدس كمحور أول للسيادة. 3 - الفتنة الثالثة (سقوط الدولة الأموية وعمليات الإبادة الجماعية العباسية): الانقلاب العباسي والسيادة الساسانية: تمثلت الفتنة الثالثة في الحروب الأهلية الأموية التي انتهت بالانقلاب العباسي (750 م). لم تكن هذه الفتنة مجرد تغيير لأسرة حاكمة، بل كانت عملية إبادة جماعية شاملة أدارتها القيادات العسكرية والسياسية الإيرانية والساسانية (مثل أبو مسلم الخراساني وموالي خراسان) الذين تحكموا في المفاصل الفعليه للبيت العباسي. المذابح المروعة ونبش القبور: أقدم العباسيون وحلفاؤهم الفرس على مجازر استئصالية لم يسبق لها مثيل؛ حيث جرى ذبح الأمويين نهاراً في المآدب (كمجزرة نهر أبي فطرس)، وتتبع كل من يمت لهم بصلة بالقتل والتصفية، حتى خلت بلاد الشام من نخبتها. ولم يكتفِ القادة الفرس والعباسيون بالقتلى الأحياء، بل أقدموا على نبش قبور خلفاء بني أمية في دمشق والرصافة (كقبر معاوية، وعمار، وعبد الملك بن مروان، وهشام بن عبد الملك) وسحل جثثهم وإحراقها، مع قصف دمشق وتخريب المعالم الشامية ونقل العاصمة كلياً إلى العمق الساساني في العراق. ثالثاً: الانقلاب العباسي وتفرسة الإمبراطورية (ثلاثية التزوير الكبرى) «شَهِدَ عام 750 ميلادية (عام سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية) تحولاً هو الأشد خطورة في تاريخ المنطقة. فمع نقل العاصمة إلى بغداد المتاخمة لمدينة "المدائن" (عاصمة الإمبراطورية الفارسية الساسانية قديماً)، بدأت مرحلة "تَفْرِسَة" شاملة للدولة، أي صبغ الإمبراطورية بالطابع والنظام الفارسي. في هذه الفترة، اقتبس العباسيون طقوس "الملكية المطلقة" من الفارسية؛ فلم يعد الخليفة حاكماً يُقابل الناس ببساطة، بل أصبح يُلقّب بـ "ظل الله في أرضه" (وهي ترجمة لمفهوم التقديس الملكي الساساني القديم وهكذا في هذا العصر الخميني الذي قام بمذابح ضد الشعب الأيراني والعراقي لُقِّب بروح الله ). واختفى الخليفة عن أنظار الناس خلف الحُجّاب والأسوار، وأحاط نفسه بهالة من الخوف والترهيب عبر أدوات البطش الفوري (السياف وبساط الإعدام/النطع)، تحت إدارة وتنظيم عائلات ذات أصول ساسانية كـ "البرامكة". وفي هذا المناخ العباسي المتأثر بالنظام الساساني، اكتملت عملية التزوير الثلاثية الكبرى:» 1 - تزوير التاريخ وصناعة الانقسام الطائفي: أُعيدت كتابة تاريخ القرنين الأول والثاني الهجريين عبر آلية الإسقاط اللاحق (Retrojection). فجُردت الحركة الأولى من طابعها التوحيدي الإبراهيمي الشامل(أي بدايات الإسلام بقيادة محمد)، وتمَّ محو التحالفات الأولى مع اليهود والنصارى الموحدين، وحُوّلوا فقهياً إلى «أعداء ومكفرين» عبر تقنين أحكام الذمة والجزية لخدمة النمط الإمبراطوري (أي تزوير الشريعة او الوثيقة العمرية بخصوص المسيحيين واليهود). وفي الوقت ذاته، جرت مأسسة الشرخ بين «السنة» و«الشيعة»؛ إذ أدى البطش العباسي بالعلويين إلى تحويل التشيع السياسي إلى عقيدة إمامية باطنية وسرية، بينما رعت الدولة «أهل السنة» كأرثوذكسية سلطوية تُشرّع الاستبداد وتكفر الخصوم. 2 - تزوير شخصية محمد والمدونة النبوية: في دواوين البصرة والكوفة وبغداد، صِيغت «السيرة النبوية» ومجموعات الحديث. فجرى إفراغ شخصية النبي من أبعادها التاريخية ، وإسباغ النمط الإمبراطوري والمعجزي عليها؛ لتصبح شخصيته -وفق المدوّنة العباسية- مؤسساً لكيان حربي وتشريعي مغلق ومباين لكافة الأديان السابقة، بما يخدم شرعنة فتوحات الدولة العباسية ونظامها الفقهي السلطوي. «ومما يُكرّس هذا التحول الحضاري والإثني، أن غالبية المؤرخين وكتّاب السيرة والحديث الذين صاغوا هذه المدونة في العصر العباسي كانوا من أصول فارسية وإيرانية (كالبخاري، والطبري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والواقدي، وغيرهم) ، حيث أعادوا قراءة وترسيم الشخصية النبوية والتاريخ الإسلامي المبكر بعيون ومفاهيم البيئة الفارسية والساسانية التي نشأوا فيها.»
3 - تزوير القرآن والمراكز الأولى للمقدسات: كشفت أبحاث المخطوطات المبكرة (كمخطوطات صنعاء Sana a Palimpsest) أشكال التباين والتطور في القراءات وتثبيت الرسم الإداري التدريجي خلال القرن الأول الهجري قبل فرض النسخة الرسمية العباسية الموحدة وتجريم القراءات الأخرى. تأطير النص القرآني: من الجذور النبطية والسريانية إلى التثبيت والتنقيط العباسي تثبت الدراسات الفلولوجية واللغوية المعاصرة (وفي مقدمتها أبحاث الباحث الألماني كريستوف لوكسنبرغ Christoph Luxenberg في أطروحته حول القراءة السريانية-الآرامية للقرآن، ودراسات الخطوط القديمة) أن اللغة والكتابة العربية المبكرة التي كُتب بها القرآن في عهد النبي وصحابته لم تكن لغة عربية معزولة أو مكتملة التنقيط والرسم القياسي المعجم كما نعرفها اليوم. الأصول النبطية والسريانية للخط والنص: نَشَأَت الكتابة العربية المبكرة (الخط الحجازي والكوفي المبكر) كفرع تطوري مباشر عن الخط النبطي والآرامي/السرياني. وفي القرن السابع الميلادي، كانت اللغة الآرامية والسريانية هي لغة الثقافة، والكتابة، والطقوس الدينية السائدة في الشرق الأدنى. وبناءً على ذلك، كُتبت المخطوطات القرآنية الأولى برسم خطي مجرد (غير منقوط ولا مؤطر بحركات)، يدمج مصطلحات ومفاهيم سريانية وآرامية ونبطية أصلية في بنيته التركيبية.
التنقيط والضبط العباسي وتحريف المعاني: مع صعود الدولة العباسية وانتقال المركز الحضاري إلى بغداد والعراق، قام علماء اللغة والنساخ والفقهاء تحت رعاية السلطة بـ إعادة هندسة وتشكيل النص القرآني: إدخال الإعجام (التنقيط) والتشكيل: أدى تنقيط الحروف المتشابهة في الرسم المجرد (مثل: ب، ت، ث، ن، ي) وتسكين الحركات بأوامر إدارية وسياسية إلى حسم وتحجيم الاحتمالات الدلالية للنص الأصلي؛ حيث حُوّلت كلمات وآيات كاملة عن معانيها الآرامية/السريانية أو النبطية الأصلية لتتطابق مع القواعد النحوية والمعاجم اللغوية التي دُوّنت واُبتكرت في دواوين البصرة والكوفة. إقصاء القراءات وتمرير القالب الإمبراطوري: تحول النص القرآني من رسم يتسع لقراءات وتأويلات بيئية متعددة إلى نص مؤطر ومقنن صلب؛ حيث فُرض التشكيل والنطق الذي يخدم الرؤية العقائدية والفقهية للإمبراطورية العباسية، مع طمس الأصول الفلولوجية والسريانية الأولى التي نبت فيها النص في الحجاز والشام، لتثبيت أسطورة اللسان العربي القرشي الخالص والمعزول عن محيطه الآرامي. وعلى صعيد الجغرافيا المقدسة، جرى تهميش المركزية الأولى للقدس والشام -لتدمير التراث الأموي ونفي شرعيته- وتثبيت مكة والحجاز كمهد حصري ومطلق للدين منذ اليوم الأول، مع إعادة توجيه القبلات والمساجد لتأطير جغرافيا مقدسة جديدة خاضعة للهيمنة العباسية. تزوير الجغرافيا المقدسة: جرى تهميش المركزية الأولى للقدس والشام -لتدمير التراث الأموي ونفي شرعيته- وتثبيت مكة والحجاز كمهد حصري ومطلق للدين منذ اليوم الأول، مع إعادة توجيه القبلات والمساجد لتأطير جغرافية مقدسة جديدة خاضعة للهيمنة العباسية. من الشام والبتراء إلى مكة المصنوعة عباسياً: تؤكد أحدث الأبحاث الأكاديمية في علم الآثار الفلكي والتاريخي (مثل دراسات دان جيبسون وديفيد كينغ) أن جغرافية البدايات الأولى لم تكن في "مكة الحالية"، بل خضعت لهندسة وتزوير مكاني في العصرين الأموي والعباسي: انحراف القبلات الأولى: أثبتت المسوحات الأثرية الفلكية للمساجد المبكرة في القرن الأول الهجري أن اتجاهاتها لم تكن نحو مكة، بل نحو القدس، أو البتراء (جنوب الأردن)، أو شمال الجزيرة، مما يؤكد أن الحركة انطلقت من المحيط الشامي-الشمالي. غياب الآثار ونقل الجغرافيا: تفتقر مكة الحالية إلى أي دلائل أثرية معمارية للقرن السابع الميلادي(زمن محمد رسول المسلمين والصحابة والأمويين) تتناسب مع بيئة النص القرآني. ولإلغاء الإرث السياسي للأمويين وتأسيس مركزية إمبراطورية خالصة، قامت دواوين العباسيين بـ نقل وتوطين الأحداث والمقدسات حصراً في مكة الحالية، وأعادت توجيه القبلات، طامسة الجغرافية الحقيقية الأولى للحركة في الشام وشمال الجزيرة.
رابعاً: امتداد الإرث العباسي إلى العصر الحديث (الحروب التي لا تنتهي) إن خطورة هذا التزوير العباسي لا تكمن فقط في كونه زيف حقائق القرن السابع الميلادي، بل في كونه صاغ «حمضاً نووياً أيديولوجياً» تعيش عليه المجتمعات الإسلامية اليوم، حيث أُعيد توظيفه في العصر الحديث لتحويل الصراعات السياسية والجغرافية إلى حروب وجودية ومذهبية طاحنة: 1-الصراع الصفوي - العثماني (القرن 16 م): عندما نشأ الصراع الجيوسياسي بين الإمبراطورية العثمانية والدولة الصفوية، لم تجد السلطتان أداة للتعبئة أشد فاعلية من استدعاء النصوص والفتاوى والتاريخ الطائفي الذي دُوّن في بغداد العباسية. فرسّخ الصفويون التشيع الإمامي، بينما كرّس العثمانيون التسنين السلطوي، واشتعلت حروب طاحنة كفّر فيها الطرفان بعضهما البعض بناءً على مرويات العصر العباسي. 2-الاستقطاب الإقليمي والحروب الأهلية المعاصرة (الكارثة الإنسانية الكبرى): في العصر الحديث، انفتحت الحويصلة الأيديولوجية الساسانية-العباسية لتدمر بنيان الدولة الوطنية العربية عبر حروب مذهبية متلاحقة: الحرب العراقية - الإيرانية (1980 - 1988): استُدعي فيها إرث الصراع الساساني-العربي والتجييش المذهبي بكل ضراوة؛ فاستخدم نظام الثورة الخمينية الأدبيات المذهبية لتصدير الثورة، بينما وظف النظام العراقي أدبيات "قادسية صدام" للدفاع عن البوابة الشرقية. أسفرت هذه الحرب الاستنزافية الطاحنة عن سقوط أكثر من مليون قتيل ومئات الآلاف من الجرحى والمعاقين، مع استنزاف هائل للموارد الاقتصادية للبشر والبلاد، وشل البنية التحتية لكلتا الدولتين. الحرب السورية (الصراع المذهبي المسلح): تحول الحراك الشعبي في سوريا إلى حرب استقطابية مذهبية مسلحة بين النظام (المعتمد على نفوذه الأقليتي والعلوي وحلفائه الإقليميين) وبين المعارضة المسلحة (المؤطرة بالفصائل السنية)؛ حيث أُدخلت التنظيمات المذهبية العابرة للحدود بفتواها التكفيرية التاريخية. أفضت هذه الحرب إلى مقتل أكثر من نصف مليون إنسان، وتشريد وتهجير ما يزيد على 12 مليون سوري بين نازح في الداخل ولاجئ في دول العالم، إضافة إلى التدمير الشامل والشبه الكامل للمدن التاريخية (كحلب، وحمص، وريف دمشق)، وتفتيك النسيج الاجتماعي السوري بالكامل. الحرب اليمنية (التجريف المذهبي والاستقطاب): انزلقت اليمن إلى آتون حرب مأساوية إثر سيطرة جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) ذات الامتداد الزيدي/الجعفري والمردودة بأيديولوجيا الولاية والسيطرة، ومواجهتها مع المكونات اليمنية الأخرى؛ مما أدخل البلاد في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ المعاصر. نتج عن ذلك مئات الآلاف من القتلى والموتى نتيجة القصف والمجاعات والأوبئة مثل الكوليرا وتشريد الملايين، وإيصال أكثر من 80% من الشعب اليمني تحت خط الفقر والاعتماد التام على المساعدات. التمدد الإيراني عبر الأذرع والميليشيات في الوطن العربي: نجحت إيران في بناء شبكة أذرع وميليشيات مذهبية عابرة للدول (في العراق، وسوريا، ولبنان عبر حزب الله، واليمن عبر الحوثيين وحتى في غزة )، مستخدمة ذات الخطاب العقائدي المصنوع في بغداد العباسية عن المظلومية والثأر التاريخي. تسبب هذا التدخل المباشر والأيديولوجي في سلب القرار الوطني السيادي لهذه الدول العربية، وتحطيم مؤسساتها الوطنية، وإفلاس اقتصاداتها، وإدخال مجتمعاتها في حالة فقر وتشريد طاحن، وتغيير ديمغرافي ممنهج، ليتحول الشرق الأوسط بسبب هذا الاستقطاب إلى ساحة خرائب وتهجير جماعي مستمر. خاتمة: الطريق نحو التحرر الفكري إن تشخيص أزمة الحاضر يمر حتماً عبر شجاعة تفكيك الماضي. إن قراءة أحدث الأبحاث الأكاديمية والأدلة المادية الأثرية تُثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن «الإسلام المؤسسي التقليدي» هو نتاج صيرورة سياسية وإمبراطورية صنعتها صراعات الفتن الثلاث وحروب العباسيين والفرس ومآسيها، وليست حقيقة أزلية معصومة. إن التحرر من هذا التزوير التاريخي لا يعني التخلي عن الجوهر الروحي والأخلاقي السامي للرسالة التوحيدية الأولى؛ بل يعني نزع القداسة عن التاريخ البشري وسلطة السلاطين، وتفكيك العقل الطائفي الإقصائي، وإعادة بناء وعي حضاري جديد يقدم الإنسان، والحرية، والعدالة، وقبول الآخر على نصوص ومرويات صُكّت لخدمة إمبراطوريات رحلت وظلت آثامها المذهبية تحرق شرقنا إلى اليوم.
#نافع_شابو_ابراهيم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
رحلة البحث عن الأمان والحرية: تشخيص شامل لأسباب نزيف العقول
...
-
الأيديولوجيا عندما تُحيّد الإنسانية: من قصة -وفاء البس- إلى
...
-
زلزال الشرق الأوسط: هل يعيد التاريخ نفسه بين سقوط العثمانيين
...
-
سورة القدر في ضوء أبحاث كريستوفر لوكسنبرغ ونافع شابو
-
بين شعار الثورة وواقع الخراب: كيف كشفت الحروب حقيقة الأيديول
...
-
بين شعار الثورة وواقع الخراب: قراءة في مسار الثورة الإسلامية
...
-
ألأسلام ألأول كان طائفة نصرانية ج3 من هم النصارى ؟ وما علاقت
...
-
ألأسلام ألأول كان طائفة -نصرانية-
المزيد.....
-
الأردن.. تعابير وجه الملك عبدالله بعد هجوم الكنيسة بالكرك تل
...
-
الأردن.. رواج تحليل معاني حمل مسدس والزي العسكري بصور الملك
...
-
تردد قناة طيور الجنة الجديد 2026 على القمر نايل سات 11258 أف
...
-
ملك الأردن عبد الله الثاني يزور المصابين في الهجوم على الكني
...
-
تردد قناة طيور الجنة الجديد 2026 على القمر نايل سات 11258 أف
...
-
رئيس الوزراء الأردني يؤكد أن منفذي الهجوم على الكنيسة في الك
...
-
4 دول إسلامية من إسطنبول: إسرائيل ?المصدر الأساسي لعدم ?استق
...
-
حسين الهنداوي: مشروع التنوير العربي يبدأ بإعادة التعامل مع ا
...
-
من هم المسيحيون الأردنيون؟ وماذا نعرف عن تاريخهم؟
-
كيف يستخدم الجمهوريون -ورقة الإخوان- لهزيمة عبدول السيد؟
المزيد.....
-
محادثات مع الله للمراهقين
/ نيل دونالد والش
-
في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
الخروج من الإسلام السياسي
/ رزيقة عدناني
-
حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
المزيد.....
|