أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عادل المغربي - أزمة التجربة السوفياتية وحدود النقد التروتسكي















المزيد.....



أزمة التجربة السوفياتية وحدود النقد التروتسكي


عادل المغربي

الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 02:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ان المقال الذي كتبه ليفيو مايتان سنة 1988 و اعادت نشرة جريدة "المناضلة" يمثل نموذجًا واضحًا للطريقة التي تقرأ بها التروتسكية تاريخ الحركة الشيوعية العالمية: تحويل التناقضات والأخطاء التي عرفتها التجربة السوفياتية إلى برهان على صحة التروتسكية، ثم تحويل هزيمة الخط السياسي الذي ارتبط بستالين إلى انتصار نظري بأثر رجعي لتروتسكي . وهنا تكمن، في تقديرنا، المشكلة المنهجية الأساسية للنص.
فليس كل نقد صحيح لستالين تأكيدًا لصحة تروتسكي، كما أن إخفاق تجربة تاريخية لا يثبت، بصورة آلية، صحة البديل الذي عارضها. ولكي يصح الاستنتاج الذي يتبناه مايتان، ينبغي البرهنة على ثلاث قضايا مترابطة:

* أن إخفاقات التجربة السوفياتية كانت نتيجة ضرورية للخط الذي دافع عنه ستالين، لا نتيجة مجموعة متداخلة من التناقضات الداخلية والظروف التاريخية والاختيارات السياسية.
*أن البدائل التي قدمها تروتسكي كانت صحيحة نظريًا وقابلة للتحقق عمليًا في الظروف التاريخية نفسها.
* أن التروتسكية، باعتبارها حركة سياسية وتنظيمية مستقلة، أثبتت خلال تاريخها قدرتها على قيادة الثورة الاشتراكية وبناء السلطة البروليتارية وتطويرها.
مايتان لا يقدم البرهان الكافي على أي من هذه القضايا الثلاث، بل ينتقل من الأولى إلى الثالثة عبر افتراض صحة الثانية .
ينطلق ليفيو مايتان، في مقاله «إخفاقات الستالينية تؤكد صحة نقد تروتسكي»، من الأزمة العميقة التي كانت تعصف بالاتحاد السوفياتي أواخر ثمانينيات القرن الماضي، ليعيد قراءة تاريخ الحركة الشيوعية العالمية بوصفه صراعًا بين خطين: خط انتصر سياسيًا وتنظيميًا، لكنه انتهى إلى الإفلاس التاريخي، وخط هُزم في الصراعات الداخلية للحزب البلشفي، لكنه أثبت، بحسب الكاتب، صحة تصوراته وتحذيراته. وبهذه الطريقة، تتحول أزمة التجربة السوفياتية إلى شهادة متأخرة لصالح تروتسكي، ويغدو تاريخ الثورة الاشتراكية، بتناقضاته وتحولاته وانتصاراته وهزائمه، أشبه بمحاكمة تاريخية انتهت إلى إنصاف طرف وإدانة آخر.
غير أن هذه القراءة، رغم استنادها إلى مشكلات حقيقية عرفتها التجربة السوفياتية، تنطوي على خلل منهجي ونظري عميق، لأنها تستعيض عن التحليل المادي للتناقضات الاجتماعية والسياسية بإقامة علاقة مباشرة بين إخفاق تجربة تاريخية وصحة الخط الذي عارضها، دون أن تثبت أن هذا الأخير كان يمتلك فعلًا الشروط النظرية والعملية لتجاوز تلك الإخفاقات.
إن الإقرار بما عرفه الاتحاد السوفياتي من أخطاء وانحرافات لا يقود بالضرورة إلى تبني الاستنتاجات التروتسكية. فالنقد الثوري لا تُقاس صحته بمجرد كشف أخطاء الخصوم، وإنما بقدرته على تفسير الأسباب الموضوعية والذاتية التي أنتجت تلك الأخطاء، وتحديد القوى الاجتماعية الحاملة لها، والكشف عن اتجاه تطورها التاريخي، وصياغة البدائل الكفيلة بتجاوزها. ومن هنا، فإن المسألة الحقيقية ليست إثبات أن ستالين أخطأ في هذا القرار أو ذاك، أو أن تروتسكي أصاب في بعض انتقاداته، بل فهم التناقضات التي واجهت أول تجربة لبناء الاشتراكية، وطبيعة الصراعات التي نشأت داخل الحزب والدولة، والكيفية التي أمكن بها لتحولات سياسية وأيديولوجية داخل قيادة الحزب أن تفتح الطريق أمام تغيرات تمس الطبيعة الطبقية للسلطة نفسها.
لقد شكلت ثورة أكتوبر قطيعة تاريخية مع النظام الرأسمالي، وفتحت لأول مرة إمكانية انتقال الطبقة العاملة من موقع الطبقة المحكومة إلى ممارسة السلطة السياسية والشروع في تحويل علاقات الإنتاج. غير أن هذه الثورة لم تنطلق في شروط اختارتها، بل في بلد متأخر نسبيًا، أنهكته الحرب، وكانت الطبقة العاملة فيه محدودة العدد قياسًا إلى الجماهير الفلاحية الواسعة، ومحاطًا بعالم إمبريالي معادٍ. وقد فرضت الحرب الأهلية والتدخلات الأجنبية والتخريب الاقتصادي وتعثر الثورات الأوروبية على السلطة السوفياتية مواجهة مشكلات لم تكن التجربة التاريخية قد قدمت لها حلولًا جاهزة. ولذلك فإن تقييم السياسات التي اتُّبعت بعد الثورة لا يمكن فصله عن هذه الشروط، كما لا يمكن اختزاله في الصراع الشخصي بين ستالين وتروتسكي، أو في افتراض وجود بديلين متكاملين ومكتملين منذ البداية.

وفي هذا السياق، تكتسب مسألة بناء الاشتراكية في بلد واحد دلالة خاصة، إذ يعرضها مايتان كما لو أن التجربة السوفياتية أثبتت بطلان إمكان البناء الاشتراكي داخل حدود دولة واحدة، وأكدت بالتالي صحة تصور تروتسكي حول الارتباط العضوي بين الثورة الروسية والثورة العالمية. غير أن هذا الطرح يطمس تمييزًا أساسيًا بين إمكانية انتصار الثورة والشروع في البناء الاشتراكي داخل بلد بعينه، وبين الضمان النهائي لانتصار الاشتراكية في عالم ما زالت تهيمن عليه الرأسمالية.
فقد انطلق لينين من قانون التطور غير المتكافئ للرأسمالية ليؤكد إمكان انتصار الاشتراكية أولًا في بلد واحد أو في عدد محدود من البلدان، دون أن يعني ذلك إمكان إلغاء التناقض مع النظام الإمبريالي العالمي أو الاستغناء عن الثورة الأممية. وكان بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي، في تلك الظروف، ضرورة تاريخية تفرضها المحافظة على السلطة الثورية وتطوير قاعدتها المادية، وليس اختيارًا نظريًا مجردًا بين الأممية والانغلاق القومي.
ومن ثم، فإن المقابلة بين بناء الاشتراكية في بلد واحد والثورة العالمية مقابلة مضللة متى جرى التعامل معهما باعتبارهما نقيضين مطلقين. فالسلطة البروليتارية المنتصرة مطالبة بتطوير قوى الإنتاج وتغيير علاقات الملكية والتوزيع وتوسيع المشاركة الجماهيرية في إدارة المجتمع، كما أنها مطالبة في الوقت نفسه بدعم نضالات العمال والشعوب المضطهدة عبر العالم. وليس ثمة تعارض ضروري بين هاتين المهمتين، بل إن التناقض ينشأ عندما تتحول ضرورات الدفاع عن الدولة الاشتراكية إلى مبرر لإخضاع الحركة الثورية العالمية لمصالحها الدبلوماسية، أو عندما يصبح انتظار الثورة العالمية ذريعة للتقليل من أهمية البناء الاشتراكي الفعلي في البلدان التي انتصرت فيها الثورة.
لقد أثبتت التجربة السوفياتية، رغم أخطائها وتناقضاتها، إمكان تحقيق تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة خارج إطار الملكية الرأسمالية الخاصة. فقد انتقل الاتحاد السوفياتي خلال عقود قليلة من اقتصاد يغلب عليه الطابع الزراعي إلى قوة صناعية وعلمية وعسكرية كبرى، وأُنجزت تحولات واسعة في التعليم والصحة والبنية الإنتاجية، وشكلت هذه القاعدة المادية أحد العوامل الحاسمة في هزيمة النازية. ولا يمكن للتقييم التاريخي الجاد أن يتجاهل هذه التحولات أو يختزلها في مجرد توسع للبيروقراطية. لكن الاعتراف بهذه المنجزات لا يبرر، في المقابل، السياسات القسرية التي رافقت التجميع الزراعي، ولا القمع الواسع الذي طال قطاعات من الحزب والمجتمع والجيش، ولا مظاهر المركزية المفرطة التي أضعفت المبادرة الجماهيرية وأعاقت تصحيح الأخطاء. فالموقف الثوري من هذه التجربة لا يقوم على إنكار تناقضاتها، بل على فهمها في وحدتها التاريخية، والكشف عن العلاقة بين منجزاتها وحدودها، دون تبرير الأخطاء باسم الانتصارات أو محو الانتصارات باسم الأخطاء.
وعلى هذا الأساس تحديدًا ينبغي فهم الموقف الذي اتخذه الحزب الشيوعي الصيني من إرث ستالين. فلم يكن دفاعه عن الدور التاريخي لستالين قائمًا، في جوهره، على إنكار الأخطاء أو إضفاء العصمة على القيادة، بل على رفض تحويل تلك الأخطاء إلى وسيلة لنفي التجربة الاشتراكية السوفياتية برمتها. فقد ميز هذا الموقف بين الدور الأساسي الذي اضطلع به ستالين في الدفاع عن السلطة السوفياتية وتطوير البناء الاشتراكي ومواجهة الفاشية، وبين الأخطاء التي ارتكبها في معالجة التناقضات داخل الحزب والمجتمع، وفي أساليب القيادة والعلاقات مع الأحزاب الشيوعية الأخرى. ولم تكن الصيغة المعروفة التي ترجح منجزاته على أخطائه، بنسبة سبعين إلى ثلاثين، قياسًا كميًا للتاريخ بقدر ما كانت تعبيرًا سياسيًا عن ضرورة التمييز بين الجانب الرئيسي والجانب الثانوي في تقييم تجربة متناقضة.
غير أن أهمية هذا الموقف لا تتوقف عند مسألة ستالين، بل تتجلى بصورة أوضح في الخلاف الذي تفجر عقب المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي سنة 1956. فذلك المؤتمر لم يفتح مجرد نقاش حول عبادة الشخصية أو تجاوزات أجهزة الأمن، وإنما دشن مسارًا من التحولات الأيديولوجية والسياسية التي ستطال لاحقًا المفاهيم الأساسية المتعلقة بالدولة والطبقة والثورة والأممية. ومن الضروري، مع ذلك، التمييز بين بداية هذا المسار وتبلوره اللاحق؛ فقد كانت المواقف الصينية الأولى سنة 1956 أكثر تركيبًا، إذ أقرت بالحاجة إلى نقد الأخطاء وتطوير القيادة الجماعية، ثم تطور الخلاف مع القيادة السوفياتية واتخذ طابعه النظري والسياسي الشامل خلال السنوات اللاحقة، وخاصة مع السجال المفتوح في مطلع الستينيات. وهكذا لم تكن القطيعة نتيجة موقف انفعالي من خطاب خروتشوف، بل حصيلة صراع متصاعد حول طبيعة الخط السياسي والاجتماعي الذي أخذ يتبلور داخل الاتحاد السوفياتي والحركة الشيوعية العالمية.
إن المسألة الجوهرية في هذا الصراع لم تكن الدفاع عن شخص ستالين، وإنما تحديد ما إذا كانت القيادة السوفياتية الجديدة تعمل على تصحيح أخطاء التجربة الاشتراكية وتعميقها، أم أنها بدأت تتخلى تدريجيًا عن أسسها الطبقية والثورية. فقد ترافق نقد ستالين مع تصاعد الأطروحات التي جعلت من الانتقال السلمي إلى الاشتراكية، والمنافسة السلمية، والتعايش السلمي الشامل، محاور أساسية للاستراتيجية السوفياتية. ثم جاءت أطروحتا «دولة الشعب كله» و«حزب الشعب كله» لتعبرا عن تحول أعمق، تمثل في نفي الطابع الطبقي الخاص للدولة والحزب خلال مرحلة الانتقال الاشتراكي.
ولم يكن الخلاف حول هذه المفاهيم خلافًا لفظيًا، بل كان يمس جوهر النظرية الماركسية للدولة، التي تعتبر أن السلطة السياسية لا يمكن فصلها عن علاقات الطبقات ومصالحها، وأن زوال الطبقات والدولة لا يتحقق بمجرد إعلان سياسي، بل عبر سيرورة تاريخية طويلة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والصراع الطبقي.
لقد كان تحويل التعايش السلمي من مبدأ ينظم العلاقات بين دول ذات أنظمة اجتماعية مختلفة إلى استراتيجية عامة للحركة الشيوعية أحد أبرز مظاهر هذا الانحراف. فالتعايش بين الدول لا يعني توقف الصراع بين الطبقات، كما أن تجنب الحرب الدولية لا يلغي حق الشعوب المضطهدة في تقرير مصيرها ومقاومة السيطرة الإمبريالية. وقد كانت القيادة السوفياتية الجديدة تميل بصورة متزايدة إلى جعل استقرار العلاقات بين القوتين العظميين معيارًا تتحكم بموجبه في مواقفها من الثورات والحركات التحررية. وهكذا بدأ خطر إخضاع الأممية البروليتارية لمتطلبات التوازن الدبلوماسي بين الدول، وتحويل التضامن الثوري من التزام مبدئي إلى أداة تخضع لحسابات السياسة الخارجية.
أما أطروحة الانتقال السلمي، فقد مثلت في صيغتها التعميمية عودة إلى أوهام إصلاحية سبق أن واجهتها الحركة الماركسية منذ الصراع مع الانتهازية داخل الأممية الثانية. ذلك أن المشاركة في المؤسسات البرلمانية أو الاستفادة من أشكال النضال القانونية لا تعني أن جهاز الدولة البرجوازية يفقد طبيعته الطبقية أو يتحول تلقائيًا إلى أداة للتحرر الاشتراكي. فالمسألة لا تتحدد بالشكل السلمي أو غير السلمي للنضال في ذاته، وإنما بطبيعة السلطة القائمة والقوى الاجتماعية التي تسندها والشروط الملموسة لانتقال السلطة. وعندما يتحول احتمال تاريخي مشروط إلى طريق عام ونهائي، وعندما يجري إحلال الإصلاح التدريجي محل التحول الثوري لعلاقات السلطة والإنتاج، فإننا نكون أمام مراجعة فعلية للأسس التي قامت عليها ثورة أكتوبر.
لكن النقد الأعمق للتحريفية لا يقف عند حدود الانحرافات البرنامجية والأيديولوجية. فالأفكار السياسية لا تنشأ خارج العلاقات الاجتماعية، ولا يمكن تفسير تحول حزب حاكم بالاستناد إلى تبدل قناعات قادته وحدها. ولذلك اكتسب التحليل الذي تطور داخل الحزب الشيوعي الصيني أهميته عندما ربط التحريفية بالتحولات التي تعرفها البنية الطبقية للمجتمع الاشتراكي، وبإمكان نشوء فئات ذات مصالح مادية متميزة داخل أجهزة الحزب والدولة والمؤسسات الاقتصادية. فإلغاء الملكية الرأسمالية الخاصة لا يؤدي بصورة آلية إلى اختفاء التناقضات الطبقية، كما أن تأميم وسائل الإنتاج لا يضمن وحده أن تظل السلطة الاقتصادية والسياسية خاضعة لرقابة العمال والفلاحين. ومن داخل علاقات الإدارة والتوزيع وتقسيم العمل، ومن استمرار الفوارق بين العمل اليدوي والعمل الذهني، وبين المدينة والريف، وبين القادة والجماهير، يمكن أن تتولد مصالح واتجاهات تعيد إنتاج أشكال من الامتياز والسيطرة والانفصال عن المنتجين المباشرين.
هنا يتجلى أحد الحدود الأساسية للتحليل التروتسكي الذي يستند إليه مايتان..
لقد سمح تطوير تحليل الصراع الطبقي في المجتمع الاشتراكي بنقل النقاش من نقد الامتيازات البيروقراطية إلى البحث في الطبيعة الاجتماعية للقوى التي تمارس السلطة، وفي الخط السياسي الذي يحدد اتجاه تطور علاقات الإنتاج. فالبيروقراطية ليست طبقة مستقلة بالضرورة، ولا تتحول كل وظيفة إدارية إلى علاقة استغلال. لكن جهاز الإدارة يمكن أن يصبح قاعدة لتشكل فئات متميزة المصالح، قادرة، في شروط معينة، على تحويل سيطرتها السياسية إلى سلطة اقتصادية واجتماعية. ولا يتحدد ذلك بوجود الامتيازات وحدها، بل بموقع هذه الفئات في علاقات الإنتاج، وبكيفية تصرفها في الفائض الاجتماعي، وبقدرتها على فرض خيارات تعيد إنتاج التفاوتات الطبقية وتوسع علاقات السوق والاستغلال.
ومن هذه الزاوية، فإن الصراع الذي نشأ داخل الاتحاد السوفياتي بعد وفاة ستالين لا يمكن اختزاله في مواجهة بين بيروقراطية محافظة وأخرى إصلاحية، أو بين أنصار الديمقراطية ومعارضيها. لقد تعلق الأمر أيضًا، وفق هذا التحليل، بصعود خط سياسي يعبر عن مصالح اجتماعية آخذة في التبلور داخل أجهزة الدولة والحزب، ويسعى إلى إعادة تنظيم السلطة والاقتصاد على أسس تبتعد تدريجيًا عن مقتضيات الانتقال الاشتراكي. ولم تكن الاستعادة الرأسمالية، في هذا التصور، حدثًا يبدأ بالضرورة عند خوصصة المصانع أو إلغاء التخطيط رسميًا، بل سيرورة يمكن أن تتقدم داخل الأشكال القانونية للملكية العامة نفسها، متى تغير مضمون السلطة الطبقية والعلاقات الاجتماعية التي تنظم الإنتاج والتوزيع.
وفي هذا المستوى بالذات تكمن القيمة النظرية الكبرى للسجال الصيني السوفياتي، الذي يكاد يغيب عن مقال مايتان. فقد طرحت وثائق «مقترح بشأن الخط العام للحركة الشيوعية العالمية» سنة 1963، و«حول شيوعية خروتشوف المزيفة ودروسها التاريخية للعالم» سنة 1964، مسائل كانت تتجاوز الدفاع عن الإرث السوفياتي إلى البحث في مصادر التحريفية الحديثة وقاعدتها الاجتماعية وإمكان تحول الدولة الاشتراكية من الداخل. وكان جوهر هذا التحليل أن الصراع بين الطريق الاشتراكي والطريق الرأسمالي لا ينتهي بمجرد انتصار الثورة، بل يستمر بأشكال جديدة خلال مرحلة الانتقال، وينعكس داخل الحزب الحاكم نفسه. وإذا كان انتصار الثورة يحطم السلطة السياسية للبرجوازية القديمة، فإنه لا يلغي بصورة فورية الشروط الاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية التي تسمح بإعادة إنتاج الاتجاهات البرجوازية.
غير أن هذا التطور النظري لا ينبغي أن يحجب أخطاء التجربة السوفياتية السابقة على خروتشوف، ولا أن يوحي بأن التحريفية ظهرت بصورة مفاجئة سنة 1956 دون مقدمات تاريخية. فقد أسهمت العديد من العوامل كضعف الرقابة الجماهيرية وخلط التناقضات داخل الشعب بالتناقضات مع القوى المعادية للثورة، إلى جانب اتساع بعض الامتيازات الإدارية، في خلق شروط ساعدت على تفاقم الأزمة. كما أن التقدير الذي اعتبر أن اختفاء الطبقات المالكة القديمة يعني اقتراب نهاية الصراعات الطبقية داخل المجتمع الاشتراكي أدى إلى التقليل من شأن التناقضات الجديدة الناشئة داخل علاقات السلطة والإنتاج. وتكمن أهمية النقد الثوري في الربط بين هذه الاختلالات وبين التحولات اللاحقة، دون محو الفروق السياسية والطبقية بين المراحل أو الادعاء بوجود استمرارية بسيطة لا انقطاع فيها من ستالين إلى خروتشوف ثم غورباتشوف.
ولم تكن هذه المسألة منفصلة عن حصيلة الحركة الشيوعية العالمية. فمايتان يستدعي أخطاء الأممية الثالثة، خصوصًا في ألمانيا مطلع الثلاثينيات، لتأكيد صحة النقد التروتسكي. ولا شك أن السياسة التي ساوت عمليًا بين الاشتراكية الديمقراطية والفاشية، وعرقلت إمكان بناء جبهة عمالية موحدة في مواجهة صعود النازية، شكلت خطأ سياسيًا بالغ الخطورة. غير أن الإقرار بصحة هذا النقد المحدد لا يبرر اختزال تاريخ الأممية الشيوعية في تلك المرحلة، كما يفعل المقال حين يتجاهل التحول الذي بلوره مؤتمرها السابع سنة 1935، من خلال الدعوة إلى الجبهة الموحدة والجبهة الشعبية المناهضة للفاشية. ولا تلغي هذه المراجعة الأخطاء السابقة، أو التناقضات التي صاحبت تطبيق سياسة الجبهات، لكنها تبين أن الحركة الشيوعية لم تكن مجرد جهاز جامد يكرر خطًا واحدًا، بل عرفت صراعات وتعديلات وتطورات ينبغي تحليلها في شروطها الملموسة.
إن تقييم الأممية الثالثة يستدعي النظر إلى مجمل دورها التاريخي في نشر الشيوعية وتنظيم الأحزاب الثورية ودعم نضالات التحرر الوطني، كما يقتضي إخضاع سياساتها للبحث النقدي، بما في ذلك علاقاتها بالقيادة السوفياتية وقرار حلها سنة 1943. ومن الخطأ أن تتحول الأخطاء التي عرفتها بعض مراحلها إلى حجة لإسقاط تجربتها كاملة، تمامًا كما سيكون من الخطأ اعتبار إنجازاتها مبررًا لإعفاء قيادتها من المسؤولية عن هزائم سياسية محددة. فالمعيار الحاسم هو مدى قدرتها على الجمع بين وحدة الحركة الشيوعية العالمية والاستقلال النسبي للأحزاب الثورية في تحديد سياساتها انطلاقًا من التناقضات الملموسة في بلدانها.
وتزداد محدودية القراءة التي يقدمها مايتان عندما نستحضر تجربة الثورة الصينية. فقد أظهرت هذه الثورة أن تطور الصراع الطبقي في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة لا يخضع لمسار واحد، وأن التحالف بين العمال والفلاحين، وبناء قواعد ثورية في الريف، وتطوير حرب ثورية طويلة الأمد، يمكن أن يشكل طريقًا إلى إسقاط السلطة القائمة والانتقال نحو تحولات اجتماعية عميقة. ولم يكن هذا المسار مجرد تطبيق محلي لنموذج ثورة أكتوبر، بل تطويرًا للاستراتيجية الثورية في شروط تاريخية مختلفة. لقد أبدى تروتسكي، في كتاباته حول الحرب الفلاحية في الصين سنة 1932، مخاوف من التناقض بين الجيوش الثورية ذات القاعدة الفلاحية والطبقة العاملة في المدن. ولم تكن جميع هذه المخاوف مجرد أوهام، لأن التناقضات بين الطبقات المتحالفة تبقى قائمة حتى داخل الحركة الثورية. غير أن انتصار الثورة الصينية سنة 1949 كشف حدود التصورات التي تقلل من إمكان قيام حزب شيوعي بقيادة حركة ثورية واسعة ترتكز أساسًا على الفلاحين، وتعيد تشكيل العلاقة بين النضال الوطني والديمقراطي والتحول الاشتراكي.
لقد أعادت الثورة الصينية، كما فعلت تجارب ثورية أخرى في آسيا وأمريكا اللاتينية، طرح العلاقة بين الثورة الوطنية الديمقراطية والثورة الاشتراكية، وبين المركز والأطراف في النظام الإمبريالي العالمي.
وبينما كانت تصورات كثيرة داخل الحركة الاشتراكية الأوروبية تمنح الثورات في البلدان الصناعية المتقدمة موقعًا حاسمًا في تحديد آفاق الثورة العالمية، أظهرت التجارب التاريخية أن التناقضات الإمبريالية يمكن أن تتفجر بصورة أشد في البلدان المضطهدة، وأن هذه البلدان قد تتحول إلى مراكز رئيسية للمبادرة الثورية. ولم يكن ذلك نفيًا للدور التاريخي للطبقة العاملة، بل إعادة نظر في الأشكال الملموسة لقيادتها السياسية وفي طبيعة التحالفات الضرورية لإنجاز الثورة.
على أن الدرس الأبعد مدى الذي طرحته التجربة الصينية لم يتعلق بكيفية الاستيلاء على السلطة فحسب، بل بكيفية منع تحول السلطة الثورية نفسها إلى أداة لإعادة إنتاج العلاقات الطبقية القديمة. ومن هنا جاءت محاولة تطوير نظرية استمرار الثورة في ظل السلطة الاشتراكية، التي انطلقت من أن التناقض بين الطريق الاشتراكي والطريق الرأسمالي يظل حاضرًا خلال مرحلة الانتقال، وأن الصراع حول اتجاه المجتمع لا يجري خارج الحزب والدولة فقط، بل داخلهما أيضًا. وقد حاولت الثورة الثقافية الكبرى معالجة هذا التناقض من خلال تعبئة الجماهير ضد الاتجاهات البيروقراطية والقوى الدافعة نحو إعادة الرأسمالية.
ومن هنا يتضح أن النقد الثوري للتحريفية لا يمكن أن يقتصر على إدانة قيادة سياسية منحرفة، كما لا يكفي أن يستبدل أسماء القادة أو يعيد الاعتبار إلى "رموز تاريخية " أخرى. فالمشكلة تتعلق بالأسس الاجتماعية التي تسمح بانفصال الحزب عن الطبقة التي يفترض أن يقودها، وبانتقال أجهزة الدولة من أدوات للتحويل الاجتماعي إلى مؤسسات تعيد إنتاج سلطتها ومصالحها الخاصة. كما تتعلق بمدى قدرة الجماهير على ممارسة رقابة فعلية على المسؤولين، والمشاركة الواعية في توجيه الإنتاج وتوزيع الثروة، وتصحيح الاختلالات، ومواجهة الاتجاهات التي تحول السلطة السياسية إلى امتياز مستقل عن المجتمع. ولا يمكن للسلطة أن تحتفظ بطابعها الثوري بمجرد إعلانها الانتساب إلى العمال، إذا كانت علاقتها الفعلية بهم تقوم على إقصائهم من القرار وإضعاف تنظيمهم ومبادرتهم.
وتكتسب هذه الإشكالية أهميتها القصوى عند العودة إلى مقال مايتان من موقع التجربة التاريخية اللاحقة لسنة 1988. فقد رأى الكاتب في الأزمة السوفياتية التي رافقت إصلاحات غورباتشوف بداية دينامية ثورة مناهضة للبيروقراطية، وتطلع إلى إمكان أن تفتح هذه الأزمة طريقًا أمام تجدد الحركة العمالية والاشتراكية. غير أن ما جرى بعد ذلك لم يكن انتصارًا لثورة عمالية تستعيد السيطرة على الدولة ووسائل الإنتاج، بل تفكك الاتحاد السوفياتي سنة 1991، وتسارع الانتقال إلى اقتصاد السوق والملكية الرأسمالية الخاصة، وتحوّل قطاعات من الأجهزة الإدارية والاقتصادية القديمة إلى قوى مستفيدة من الخوصصة وإعادة توزيع الثروة والسلطة.
أن الأزمة التي قدمها مايتان بوصفها بداية تجدد ثوري لم تتخذ المسار الذي علق عليه آماله. والأهم أنها تعيد طرح السؤال الذي كان السجال الصيني السوفياتي قد وضعه في قلب النقاش قبل ذلك بعقود: كيف يمكن للانحراف في الخط السياسي والطبيعة الطبقية للسلطة أن يمهد لتحولات اقتصادية واجتماعية رأسمالية، حتى قبل إلغاء الأشكال القانونية للملكية العامة؟ إن ما وقع في الاتحاد السوفياتي يثبت بصورة كبيرة معظم الأحكام التي صدرت خلال ذلك السجال، و يمنح فرضية الاستعادة الرأسمالية من داخل بنية السلطة الاشتراكية أهمية تفسيرية لا يمكن تجاوزها.
وفي ضوء ذلك، يبدو الاستنتاج الذي يقدمه مايتان حول الأممية الرابعة أكثر إشكالية. فهو يعتبر أن استمرارها التنظيمي وحفاظها على تراث المعارضة اليسارية يمثلان دليلًا على إنجاز مهمة تاريخية أساسية. لكن يظل السؤال عن حصيلتها السياسية الفعلية قائما أمام التاريخ و أمام الجميع. فقد مرت عقود طويلة على تأسيس الأممية الرابعة دون أن تتمكن من التحول إلى قيادة جماهيرية حاسمة لثورة اشتراكية منتصرة وفق برنامجها الخاص، بينما عرفت انقسامات متكررة واختلافات استراتيجية عميقة، وصلت في بعض تياراتها إلى تبني مسارات إصلاحية أو الاندماج في تشكيلات واسعة.
ولا يجوز تفسير هذه الحصيلة بالاستناد إلى القمع أو قوة الأحزاب الشيوعية المنافسة وحدهما، رغم الأثر الحقيقي لهذه العوامل. فالعلاقة بين صحة النظرية وفعاليتها السياسية لا يمكن اختزالها في مجرد المحافظة على الاستمرارية التنظيمية. إن أي خط ثوري مطالب بإثبات قدرته على فهم التناقضات الملموسة، وبناء صلات عضوية بالجماهير، وتطوير أشكال التنظيم والنضال الملائمة للشروط التاريخية، وتقديم إجابات عملية عن المشكلات التي تواجه الطبقات المستغَلة. وإذا كانت الحركة التروتسكية قد عجزت تاريخيًا عن بناء قيادة ثورية جماهيرية قادرة على تحقيق أهدافها المعلنة، فإن هذا العجز نفسه ينبغي أن يصبح موضوعًا للتحليل والنقد، لا أن يجري تجاوزه بالحديث عن انتصار نظري مؤجل.
إن إحدى المشكلات المتكررة في الخطاب التروتسكي تتمثل في الميل إلى تفسير هزائم الثورات أساسًا بأزمة القيادة، كما لو أن الجماهير تمتلك على الدوام الشروط الموضوعية للانتصار، وأن ما يفصلها عنه هو غياب قيادة تمتلك البرنامج الصحيح.



#عادل_المغربي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأسس المادية و الطبقية لتشكل للبرجوازية الكمبرادورية بالمغر ...
- حق الأمم في تقرير مصيرها: قراءة في بعض الأبعاد الطبقية للقوم ...
- معركة طوفان الأقصى... جرأة أم انتحار؟
- الأسير الفلسطيني: جبهة متقدّمة ضد الصهيونية والإمبريالية
- ترامب… حين يمشي رأس المال على قدميه
- نزع السلاح: تراجيديا الشعب الاعزل في محراب التاريخ
- لنناضل من أجل بناء جبهة شعبية لمناهضة الامبريالية


المزيد.....




- بسبب عطل فني.. -التحالف- يعلن سقوط طائرة في نجران ومقتل طيار ...
- وزيرا خارجية مصر وإيران يلتقيان بالعراق.. ماذا دار بينهما؟
- مسيرات أوكرانية تستهدف محطة نفط ومركز بيانات ومرافق مدنية أخ ...
- ترامب يتعهد باتخاذ قرار -جيد جدا- بشأن العقوبات ضد روسيا
- الرئاسة اللبنانية: وفد عسكري لبناني سيشارك بمحادثات ثلاثية ف ...
- روبيو: واشنطن تتفق مع تصريحات لندن حول مسؤولية طهران عن الهج ...
- تجميد العقوبات على روسيا.. زيلينسكي يحذّر وروبيو يشرح مبررات ...
- ترامب يزداد نفورا من زيلينسكي
- مكيال واشنطن للنفط الروسي يُثير استياء دلهي
- روسيا..ابتكار إسفنج جديد لوقف النزيف وتطهير الجروح


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عادل المغربي - أزمة التجربة السوفياتية وحدود النقد التروتسكي