فريد الحداد
الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 08:35
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كيف نفكر
تداعي النهج اليميني والفارق بين حقيقة التحول التكتيكي والبديل الماركسي الثوري وتأصيل النضال الثوري.
منذ فترة ليست بالقصيرة، نراقب على مواقع التواصل الاجتماعي تردّد مفردة (اليسار العراقي) فجأة على ألسنة بعض قيادات وكوادر "الحزب الشيوعي العراقي"، والدعوة إلى لقاءات تحت هذا المسمى.
لقد كان ذلك مدعاة للاستغراب والتساؤل: هل استفاقت قيادات الحزب وكوادره (المتحجرة) الآن، وتذكرت أنه ينبغي أن تكون يسارية وأن تنتمي إلى اليسار العراقي؟
لكن، في الآونة الأخيرة، انكشف ما كان في "نفس يعقوب"؛ حيث تتردد الآن—وبعد فوات الأوان الذي كان يجب أن يتحقق منذ زمن بعيد—رغبة هذه القيادات في تغيير اسم الحزب الشيوعي العراقي إلى "حزب اليسار العراقي."
تجريد الحزب من جوهره الماركسي والإفلاس السياسي.
لقد دنس هذا النهج اليميني المخزي اسم الحزب الشيوعي العراقي، بالتخلي عن كل ما يربطه بالشيوعية واليسار العراقي والعربي والأممي. أتى ذلك عبر التعاون بدايةً مع المحتل، ثم التخلي عن أهم ركائز الفكر الماركسي، والتنازل عن أهم مبدأ في الاشتراكية وتبنّي "سوق العمل الرأسمالي".
ومنذ عام 2003 وحتى اليوم، لم تستطع هذه القيادات كسب الشارع العراقي، وفقدت ارتباطها بالطبقة العاملة أوعلى الأقل ببقاياها. وعلى الرغم من اتساع مساحة المعدمين والفئات المسحوقة في بحر الفساد الذي غرق فيه البلد، لم تتمكن هذه القيادة والكوادر من التأثير ولو قيد أنملة.
بل على العكس، فقد الحزبُ شعبيته في الساحة السياسية العراقية إلى درجة أضحى فيها أضحوكة على لسان الإنسان العراقي في الشارع، وأصبح وزنه يقاس بميزان القوى الصغيرة حسب توصيف القوى الطبقية الرجعية الحاكمة، بفضل هذه القيادات والكوادر المتحجرة.
وهنا يتبادر سؤال كبير: ماذا أبقيتم من الماركسية واليسار لتدافعوا عنه؟ وماذا ستفعلون في حزب تعدّون لتغيير اسمه بعد أن عجزتم عن فعل أي شيء حين كنتم تقودون حزباً عريقاً ترك بصمة كبيرة في المجتمع ثقافياً واجتماعياً وسياسياً—حزب فهد وسلام عادل—وحوّلتموه إلى تشفٍّ على ألسنة أعدائه الطبقيين؟
تاريخ من الانحراف عن مسار النضال الماركسي المستقل.
إن هذه المسيرة الانحرافية بدأت منذ محاولة حل الحزب الشيوعي العراقي بما يُعرف تاريخياً بـ(خط آب 1964)، ثم بـ"الجبهة اللاوطنية" التي صارت وصمة عار على جبين قيادتكم منذ استشهاد سلام عادل، واستلام شلة يمينية جثمت على صدر الحزب لتنتهي به إلى ما صار عليه اليوم.
لقد كانت ثلة يمينية تحولت إلى سرطان يسري في جسد الحزب، لتتولّد منه خلايا سرطانية أفرزت قيادات خلال الفترة من 8/2/1963 وحتى يومنا هذا، حتى أنهوا الحزب وأطفؤوا شعلة اليسار العراقي التي أوقدها فهد واستلمها سلام عادل.
فهل انتهيتم من سرطنة الحزب وأنهيتموه، وتريدون الآن الانتقال إلى الخلايا النظيفة التي شكلت اليسار العراقي لسرطنتها وبدء مسيرة تهديم جديدة؟
إننا في حزب اليسار العراقي الورثة الحقيقيون للحزب الشيوعي العراقي، الرافعون لراية الماركسية الحقيقية، والمدافعون عن حقوق الطبقة العاملة العراقية والمعدمين من هذا الشعب العريق.
لقد ناضلنا باستماتة ضد قياداتكم المتخاذلة اليمينية منذ هزيمتكم وهروبكم من العراق عام 1979، تاركين الحزب والرفاق تحت رحمة الفاشية لتنقذوا جلودكم، وواصلنا النضال لكي لا تسقط راية الماركسية في العراق وضد قياداتكم اليمينية.
وقد اتخذ نضالنا المستمر أشكالاً متعددة؛ حيث نظّمنا حراكنا تحت اسم "منظمة سلام عادل في الحزب الشيوعي"، وأصدرنا نشرة دورية باسم (الحركة) ثم (الكفاح).
وكنا—للأسف—وبعد أن يئسنا من التغيير من خلال القنوات الحزبية الداخلية، لأن ذلك الشكل لم يجدِ نفعاً، لأن جمهرة واسعة من الكوادر الوسطى والرفاق كان ارتباطها العاطفي بالحزب يعمي بصيرتها ويوقف صراع المنطق في عقليتها، قد انتقلنا إلى النضال المكشوف.
بعد ذلك، كان لا بد من الانتقال إلى الخيار الحتمي:
الانتقال إلى النضال المستقل، وتحمّل مسؤولية رفع راية الماركسية، والدفاع عن مصالح الطبقة العاملة والفلاحين والفئات المعدمة.
وقد تجسد ذلك في الحراك الشعبي الذي كان لنا فيه دور مهم وريادي في انتفاضات الشباب منذ عام 2011 وحتى "انتفاضة تشرين". وكمرحلة انتقالية، عملنا تحت مسمى (التيار اليساري الوطني العراقي)، وشكّلنا (لجنة العمل اليساري المشترك) في 1/2/2013
التيار اليساري الوطني العراقي الذي تعرفه قيادة "الحزب الشيوعي" حق المعرفة، ولدينا توثيق كامل لهذه العلاقات والمحاولات لخلق مسار تصحيحي عند هذه القيادة. كما كان لنا دور موثّق مع اليسار العربي واجتماعاتهم، بحضور ثلاثة أعضاء من هذه القيادة على التوالي في اللقاء اليساري الأول والثاني والثالث والرابع في بيروت.
إلا أن النهج اليميني كان قد تأصل في هذه القيادات لدرجة أن بعضهم أصبح رأسمالياً يتندّر به أعداء الحزب، ففشلت محاولة سحب هذه القيادة من خندق التخادم مع القوى الطبقية المعادية في منظومة 9 نيسان.
تأسيس حزب اليسار العراقي (2018) وحتمية البديل الثوري.
بعد ذلك، كان الخيار الأهم والأصعب هو التحول من تيار إلى حزب، خاصة بعد تشكّل ركيزة واعية من خيرة الشباب العراقي ممن صقلتهم ظروف العراق خلال فترة الطاغية صدام، وتفتّحت آفاقهم السياسية في مرحلة الاحتلال، ووجدوا أنفسهم بحاجة إلى النضال في صفوف حزب يمثلهم ويثبت نضج أفكارهم الماركسية. (علماً أن بعضهم كان قد انضم إلى الحزب الشيوعي العراقي ليجد نفسه في المكان الخطأ بعد اكتشاف حقيقة القيادة اليمينية، فترك صفوفه، كما ترك الحزبَ العديد ممن انتموا إليه بعد الاحتلال من خلفيات عائلات شيوعية بسبب هذه القيادة).
من كل هؤلاء الشباب، ومن أعضاء قدامى مناضلين سابقين عاشوا تجربة قيادات الحزب الفاشلة، ولدت حتمية ولادة حزب ماركسي حقيقي جديد على الساحة العراقية؛ فكان عام 2018 هو السنة التي تأسس فيها حزبنا: (حزب اليسار العراقي)، ونفّذنا مبدأ/وصية الرفيق الشهيد خالد فهد: «قوّوا تنظيم حزبكم، قوّوا تنظيم الحركة الوطنية»، بتشكيل (جبهة الإرادة الشعبية للإنقاذ والتغيير) في 26/9/2018، وكان من مؤسسيها وقادتها القائد الوطني الثائر الشهيد إيهاب جواد، ونخبة من القيادات النقابية العمالية والمثقفين الثوريين والمدنيين الوطنيين.
ولأننا لا نؤمن بهذا النظام المولود من رحم الاحتلال—نظام فاسد قاد البلاد إلى الفشل من 2003 إلى يومنا هذا—فلم نتقدم بالتسجيل الرسمي لديه، بل سجلنا أنفسنا تاريخياً لنكون جزءاً من تاريخ هذا البلد العريق في نضاله من أجل التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي.
وبشهادة المناضلين الحقيقيين من اليساريين العراقيين والعرب، كانت لنا جريدتنا الأولى في 2004 وهي (اتحاد الشعب)، ثم جريدة (اليسار) في 2011، وجريدة اليسار العراقي. (2016-2019)
وهكذا صنعنا تاريخاً نفخر به، ولن نسمح بمرور أي مؤامرة لتدميره أو السطو عليه.
الشرط الوحيد لأي إعادة بناء يساري.
قد يكون من العقلانية تغيير اسم "الحزب الشيوعي العراقي"، ولو جاء ذلك متأخراً جداً، لكن لا يمكن إطلاقاً أن يتم هذا التغيير تحت قيادة هذه الزمرة اليمينية؛ لأنه سيكون حزباً يولد مصاباً بالسرطان، يولد ليموت.
إن الحل الوحيد لإعادة بناء حركة يسارية حقيقية يستوجب:
1) تقديم جميع قيادات الحزب الشيوعي الحالية استقالتها بلا استثناء.
2) الدعوة إلى مؤتمر عام يضم ما تبقى من الأعضاء، بالإضافة إلى كل من ترك الحزب أو طُرِد تعسفياً.
3) انتخاب قيادة جديدة تدعو القوى التقدمية على الساحة العراقية—وفي مقدمتها حزب اليسار العراقي—لمناقشة ورقة إعادة بناء حزب يساري جديد يتبنى الماركسية اللينينية، بنظام داخلي وبرنامج جديد، ووفق رؤى وأوراق عمل تستوعب تطورات العصر.
حينها فقط، يحق لهذا الحزب الجديد أن يحمل اسم اليسار العراقي، ويكون هو حزب اليسار العراقي الذي كلّل نضاله في 2018 بتأسيس الحزب الماركسي الثوري الحقيقي.
#فريد_الحداد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟