سجاد طعمه حمود
الحوار المتمدن-العدد: 8858 - 2026 / 10 / 14 - 21:57
المحور:
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
يمثل الكتاب الصادر عن مركز البيان للدراسات و التخطيط ، و بتأليف الباحث و المترجم الصحفي قيس قاسم العجرش ، الموسوم بـ ( وثائق و حقائق : الدولة العراقية و المشروع الأمريكي : مجموعة مختارة من الوثائق لخمسة عقود من العلاقة الشائكة ) ، محطة بحثية فريدة من نوعها في حقل التاريخ الدبلوماسي و السياسي الحديث للعراق .
فالعمل ليس مجرد سرد تقليدي لتطورات علاقة ثنائية بين عاصمة عربية مركزية و دولة عظمى ، بل هو سبر أغوار عميق في بنية القرار الاستراتيجي ، و تفكيك شامل لمنظومة التقاطعات التي حكمت مسار الدولة العراقية الحديثة طوال خمسة عقود مثقلة بالتحولات العاصفة .
يعيد الكاتب من خلال هذا الجهد توجيه بوصلة القراءة التاريخية نحو الوثيقة الرسمية كمادة خام و موضوعية ، بعيدا عن الإنشاء الأيديولوجي أو التنميق السياسي الموجه ، ليضع الباحث و صانع القرار و القارئ النخبوي أمام مرآة الأرشيف المكشوف ، حيث تتجلى بوضوح تقاطعات المصالح ، و صراع الإرادات ، و تأثيرات الحرب الباردة و الساخنة على مصير كيان سياسي بأكمله .
إن دراسة الأرشيف الدبلوماسي و الاستخباراتي الأمريكي المتعلق بالعراق لا تنفصل بحال من الأحوال عن فهم الطبيعة الجيوسياسية للمنطقة ؛ فالعراق و منذ تأسيس كيانه السياسي الحديث في أوائل القرن العشرين ، كان يمثل عقدا استراتيجيا حرجا في قلب الشرق الأوسط .
و من هنا ، تأتي أهمية هذا السفر ليفتح الباب على مصراعيه أمام قراءة نقدية تخصصية تتجاوز السطح الإعلامي إلى عمق البنى التحتية لصناعة السياسة الخارجية الدولية و تأثيراتها المدمرة أو البانية على الكيانات الوطنية .
الهيكلية المنهجية للكتاب : خمسة عقود من الاشتباك العضوي و المؤسساتي .
ينطلق العجرش في مقاربته المنهجية من فرضية أساسية مفادها أن العلاقة بين الدولة العراقية و المشروع الأمريكي لم تكن وليدة لحظة الغزو العسكري المباشر في عام 2003 ، و لا وليدة أزمة الخليج الثانية و اجتياح الكويت عام 1990 ، بل هي امتداد لسلسلة متصلة من الحلقات الاستراتيجية الموصولة التي بدأت ملامحها بالتبلور بوضوح مع صعود الجمهوريات و نقاط التحول الكبرى في خارطة الشرق الأوسط الحديث إثر الحرب العالمية الثانية و انقسام العالم إلى معسكرين .
تغطي الوثائق المختارة بعناية فائقة عقودا خمسة شهدت تحولات كبرى و هزات هيكلية ؛ بدءا من مرحلة التشكل الحذر و بدايات الانخراط الدبلوماسي و الاستخباراتي الأمريكي في تفاصيل البيئة السياسية العراقية الداخلية ، مرورا بمرحلة الصراعات الإقليمية الكبرى و توازنات الحرب الباردة و انقلاباتها المتلاحقة ، وصولا إلى عقود الحصار الشامل و الانهيار الهيكلي الذي مهّد الطريق أمام مرحلة ما بعد الاحتلال .
يظهر المؤلف براعة استثنائية في عملية ( الفلترة ) و الاختيار ، إذ إن تدوين أو نشر الأرشيف الأمريكي ( الذي أفرج عن جزء كبير منه بموجب قوانين رفع السرية الأمريكية كقانون حرية المعلومات Freedom of Information Act ) يتطلب جهدا مضاعفا لتجنب الحشو ، و تقديم خلاصات مركزة تنطق بها البرقيات الدبلوماسية ، و تقارير وكالة الاستخبارات المركزية ( CIA ) ، و مخاطبات البيت الأبيض و وزارة الخارجية و مجلس الأمن القومي .
تتميز هيكلية الكتاب بقدرتها على وضع القارئ أمام التسلسل الزمني المنضبط ، حيث لا تُترك الوثائق تتحدث عن نفسها فحسب ، بل يتم تأطيرها ضمن سياق تحليلي دقيق يربط السبب بالنتيجة ، و يوضح الكيفية التي استقبلت بها الدوائر الأمريكية التقلبات السياسية في بغداد ، و كيف صيغت استجابات واشنطن بالسر و العلن .
قراءة في عقل صانع القرار الأمريكي : الاستراتيجية و الهيمنة و ثروات الطاقة
يسلط الكتاب الضوء بكثافة تحليلية مذهلة على الكيفية التي تتشكل بها رؤية الإدارة الأمريكية تجاه العراق على اختلاف إداراتها المتعاقبة ( سواء الديمقراطية أو الجمهورية ) . فالوثائق المعروضة تكشف بوضوح تام أن صانع القرار في واشنطن لم يهمش العراق قط في حساباته الاستراتيجية ؛ بل كان يُنظَر إليه باعتباره ( جوهرة التاج ) الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي و الشرق الأوسط عموما .
يعود هذا الاهتمام الاستثنائي إلى عدة عوامل مركزية تتكشف طياتها تباعا في الوثائق :
ثروات الطاقة الهائلة : يمتلك العراق احتياطيات نفطية هائلة تجعله لاعبا مركزيا في أسواق الطاقة العالمية ، و هو ما يجعل أي اضطراب فيه تهديدا مباشرا للاقتصاد العالمي و الأمن القومي الأمريكي .
الموقع الجيوسياسي الفريد : يتحكم العراق بطرق التجارة و مفاصل الاستقرار الإقليمي ، و يقع على خط التماس المباشر مع قوى إقليمية كبرى مثل إيران و تركيا ، مما يجعله نقطة ارتكاز محورية لأي مشروع للهيمنة في المنطقة .
معادلة الصراع العربي الصهيوني و أمن الخليج : طالما نظرت واشنطن إلى العراق باعتباره قوة عسكرية و بشرية كبرى قادرة على تغيير التوازنات الإقليمية ، و لذلك كان الهدف الاستراتيجي الدائم للسياسة الأمريكية هو تحييد هذه القوة أو توجيهها بما لا يتعارض مع المصالح الحيوية الأمريكية و أمن الكيان الصهيوني المؤقت .
تكشف البرقيات الدبلوماسية المرفقة في الكتاب عن تلمس دقيق لمديات الهشاشة البنيوية في الدولة العراقية عبر عقودها المختلفة ؛ حيث يبرز الصراع الدائم بين مركزية الدولة و قوتها المؤسساتية من جهة ، و بين التصدعات الاجتماعية و الإثنية و الطائفية الكامنة من جهة أخرى . و هي تصدعات طالما رصدتها الدوائر الأمريكية بدقة متناهية ، و استثمرت فيها حينا ، أو خشيت من تداعيات انفجارها غير المضبط حينا آخر .
يعرض العجرش من خلال الوثائق كيف تحولت نظرة واشنطن التدريجية من محاولة الاحتواء و التوجيه و التأثير على سياسات الأنظمة العراقية المتعاقبة ، إلى مرحلة التغيير الجذري و هدم بنية الدولة القديمة بالكامل و إعادة تركيبها على أسس هندسية جديدة ( طائفية و عرقية محاصصاتية ) تخدم المصالح الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة و حلفائها الإقليميين و الدوليين على المدى الطويل .
الدولة العراقية في مواجهة المشروع الإمبراطوري : إشكاليات السيادة و التبعية
واحدة من أبرز الإضاءات الفكرية و التحليلية التي يقدمها كتاب ( وثائق و حقائق ) هي معالجته العميقة و البالغة الحساسية لمفهوم السيادة الوطنية في سياق دولة تواجه مشروعا إمبراطوريا عابرا للبحار . فالوثائق لا تُظهر الجانب الأمريكي فحسب ، بل تعكس بمرارة و عمق حجم المأزق التاريخي و البنيوي الذي وجدت الدولة العراقية نفسها فيه ؛ حيث تراوحت الاستجابة الرسمية العراقية عبر التاريخ بين النزعة الاستقلالية الحادة و محاولات التحرر التام من الهيمنة الغربية ، و بين الوقوع في فخ ردود الفعل غير المدروسة التي كانت تمنح الذرائع للتدخل الأجنبي و تبرر الحصار و العدوان .
يُظهر التحليل المرافق للوثائق أن صانع القرار العراقي ، في محطات تاريخية عديدة و مفصلية ، قلّل من تقدير القوة الكامنة وراء المشروع الأمريكي ، أو اعتمد على حسابات إقليمية ودولية متغيرة ثبت هشاشتها وقت الاختبار الحقيقي .
هذا التفاعل المعقد خلق بيئة من الريبة المتبادلة و العداء المستحكم ، انتهت في محطات تاريخية كبرى إلى كارثة وطنية طالت البنيان و المجتمع ، و تفككت فيها أواصر الدولة المؤسساتية لتتحول تدريجيا إلى ساحة رخوة لتصفية الحسابات الدولية و الإقليمية .
و يقف القارئ أمام وثائق تكشف كيف كانت التقارير الاستخباراتية ترصد بدقة مفرطة تفاصيل الضعف الاقتصادي الناجم عن الحروب العبثية و سياسات التسلح ، و كيف وظفت واشنطن هذه المعطيات للضغط القصوى ( Maximum Pressure ) ، وصولا إلى فرض عقوبات اقتصادية غير مسبوقة في تاريخ البشرية الحديث خلال تسعينيات القرن الماضي ، و التي استهدفت بنية المجتمع العراقي قبل أن تستهدف نظامه السياسي المباشر .
القيمة الصحفية و الأكاديمية للعمل : منهجية التوثيق و التحليل
من الناحية المهنية و التخصصية ، يمثل الكتاب تحفة في الصحافة الاستقصائية التاريخية و التوثيق السياسي . فالباحث قيس قاسم العجرش ، بما يمتلكه من باع طويل و خبرة عميقة في الترجمة الرصينة و التحليل الصحفي و التوثيق المرئي و المكتوب ، نجح في تقديم مادة تتسم بالخصائص المنهجية التالية :
الأمانة الأرشيفية المطلقة : الاعتماد الكلي على وثائق رسمية أصلية و مفرج عنها ، مما يمنح النص صلابة موضوعية مطلقة بعيدة عن الانفعال العاطفي أو السرديات الإنشائية .
العمق السياقي و التاريخي : لم يكتفِ المؤلف بنشر الوثائق مترجمة فحسب ، بل وضعها في سياقها التاريخي و السياسي و المكاني السليم ، ليفهم القارئ الدلالات الكامنة خلف السطور و العبارات الدبلوماسية المعقدة .
الجرأة النقدية الشجاعة : تفكيك السرديات الرسمية السائدة ( سواء كانت عراقية أو أمريكية ) و كشف الفجوات الكبرى بين ما يُعلن على المنابر و في الخطابات العلنية ، و ما يُطبخ بحرص في الغرف المغلقة للدوائر السرية لصنع القرار .
الموضوعية في معالجة الملفات الشائكة : تجنب السقوط في فخ التبرير أو التحامل الأيديولوجي ، و تلك ميزة نادرا ما توجد في الأدبيات التي تتناول التاريخ السياسي العراقي الحديث المعاصر .
أبعاد ما بعد الاحتلال : قراءة في الهندسة السياسية الجديدة
لا يقتصر الكتاب على رصد مرحلة الصراع التقليدي ، بل يمتد بوعظ و تحليل عميق ليمهد لفهم الطبيعة التي أفرزتها مرحلة ما بعد التغيير القسري عام 2003 . فالوثائق و العقود الخمسة التي يغطيها الكتاب تفسر بوضوح كيف أُنتجت البنية السياسية الحالية في العراق ؛ إذ تتضح عبر الأرشيف النوايا و المخططات المسبقة التي وضعتها مراكز الأبحاث الاستراتيجية الأمريكية ( Think Tanks ) و صانعو السياسات في واشنطن لإعادة هندسة المجتمع العراقي وفق مقولات الانقسام الإثني و المذهبي .
يُظهر الكتاب أن الفوضى التي أعقبت السقوط لم تكن بالضرورة وليدة الصدفة البحتة ، بل كانت في كثير من جوانبها نتيجة حتمية لانهيار منظومة الدولة المركزية دون وجود بديل مؤسساتي راسخ ، و تحت وطأة مشروع أمريكي افتقر إلى الرؤية الإعمارية و اقتصر على الرؤية الأمنية و الهيمنة الجيوسياسية . و بهذا المعنى ، يصبح كتاب ( وثائق و حقائق ) مفتاحا أساسيا لكل باحث يرغب في تفكيك أسباب الأزمات البنيوية المتتالية التي يعاني منها النظام السياسي العراقي المعاصر حتى يومنا هذا .
لماذا يجب قراءة هذا الكتاب اليوم و أكثر من أي وقت مضى ؟
في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة العربية عموما ، و عراق اليوم خصوصا ، مخاضات عسيرة و مستمرة لإعادة إنتاج أدوارها و تثبيت ركائز سيادتها الوطنية في عالم متعدد القطب ، يأتي كتاب ( وثائق و حقائق : الدولة العراقية و المشروع الأمريكي ) ليكون بمثابة بوصلة معرفية و تاريخية بالغة الأهمية و الضرورة . إنه ليس كتابا يُقراء لمتعة التسلية التاريخية أو استرجاع الذكريات ، بل هو وثيقة إدانة و تحليل و اختبار حقيقي لمدى قدرة النخب السياسية و الثقافية و الفكرية على التعلم من دروس الماضي الدامية .
إن فهم آليات اشتغال المشروع الأمريكي عبر التاريخ ، و إدراك نقاط الضعف البنيوية و القاتلة في تاريخ الدولة العراقية الحديثة ، هما الشرط المسبق و الضروري لأي محاولة جادة و حقيقية لبناء دولة مؤسسات راسخة ، قادرة على حماية مصالح شعبها ، و الوقوف بندية و اقتدار أمام التيارات و الرياح الجيوسياسية العاصفة . و لعل الرسالة الأعمق و الأبرز التي يتركها لنا الباحث قيس قاسم العجرش في هذا السفر القيم هي أن التاريخ الذي لا ندرك وثائقه و أسراره و خباياه ، محكوم بلا شك بتكرار نفسه على شكل مآسٍ و كوارث جديدة .
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟