|
|
الأمة التي يمكن الاستغناء عنها ا قراءة في كتاب ولي نصر
سجاد طعمه حمود
الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 07:54
المحور:
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
ثمة فرق جوهري بين دولة تقرر تقليص حضورها في العالم بعد مراجعة استراتيجية لمصالحها ، و دولة تنسحب من مسؤولياتها الدولية من دون أن تمتلك تصورا واضحا لما سيملأ الفراغ الذي تتركه خلفها . في الحالة الأولى ، يكون الانكفاء خيارا محسوبا ؛ أما في الثانية ، فقد يتحول إلى تنازل مجاني عن النفوذ ، و إلى دعوة مفتوحة أمام القوى المنافسة لإعادة ترتيب النظام الإقليمي و الدولي على مقاس مصالحها . من هذه الفجوة بين الانسحاب المدروس و التراجع غير المحسوب ينطلق المفكر و الباحث الأمريكي من أصول إيرانية ، الدكتور ولي نصر ، في كتابه ( الأمة التي يمكن الاستغناء عنها : السياسة الخارجية الأمريكية في حالة تراجع ) (The Dispensable Nation: American Foreign Policy in Retreat ) ، الصادر باللغة الانجليزية عام 2013 عن دار دابلداي و باللغة العربية عن درا المعقدين العراقية عام 2017 بترجمة قيس قاسم العجرش . و هو كتاب يتجاوز حدود النقد التقليدي لإدارة الرئيس باراك أوباما الأولى ، ليطرح سؤالا يتصل بجوهر القيادة الأمريكية في عالم تتغير فيه موازين القوة ، و تتداخل فيه الأزمات الإقليمية مع المنافسة الاقتصادية و الاستراتيجية بين القوى الكبرى . الأطروحة المركزية للكتاب ليست أن الولايات المتحدة فقدت قدرتها على التأثير ، بل إنها أخذت تتصرف ، في نظر مؤلفه ، كما لو أن بوسعها الاحتفاظ بمصالحها و نفوذها مع تقليص التزاماتها الدبلوماسية و السياسية . و هنا تكمن المفارقة التي يمنح بها نصر عنوان كتابه دلالته : قد تكون الأمة التي لا غنى عنها في حسابات النظام الدولي هي نفسها الأمة التي توحي سياساتها بأنها تستطيع الاستغناء عن دورها . إنها ليست دعوة إلى الهيمنة الأمريكية بلا حدود ، و لا دفاعا ساذجا عن كل ما فعلته واشنطن في الشرق الأوسط . إنها ، في المقام الأول ، محاكمة لفكرة أن تقليص الانخراط السياسي و الدبلوماسي يمكن أن يحقق الاستقرار تلقائيا ، و أن القوة العسكرية و العقوبات و الضربات المحدودة تستطيع أن تحل محل السياسة في إدارة النزاعات . فالفراغ ، في العلاقات الدولية ، لا يبقى فراغا طويلا ؛ و ما لا تملؤه الدبلوماسية قد تملؤه المنافسة ، و ما لا تنظمه التسويات قد تعيد الحروب إنتاجه بصورة أكثر كلفة و تعقيدا . المؤلف الذي انتقل من مقعد الباحث إلى ممرات القرار تنبع أهمية ولي نصر من اجتماع ثلاثة عناصر قلما تجتمع بهذا الوضوح في كاتب واحد : التخصص الأكاديمي في الشرق الأوسط و العلاقات الدولية ، و الخبرة المباشرة داخل الإدارة الأمريكية ، و القدرة على قراءة التحولات الإقليمية من منظور يتجاوز التفسيرات الأمنية المبسطة . يشغل نصر منصب أستاذ دراسات الشرق الأوسط والعلاقات الدولية في مدرسة الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز ، و قد تولى عمادتها بين عامي 2012 و2019 . حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 1991 ، و عمل بين عامي 2009 و 2011 مستشارا أول للسفير الأمريكي ريتشارد هولبروك ، المبعوث الخاص للرئيس أوباما إلى أفغانستان و باكستان . و قد أتاحت له هذه التجربة الاطلاع على التفاعلات بين وزارة الخارجية و البيت الأبيض و المؤسسات الأمنية و العسكرية ، و على المسافة التي قد تفصل بين ما يقترحه الدبلوماسيون و ما تسمح به الحسابات السياسية في العاصمة الأمريكية . أما خلفيته الإيرانية الأمريكية ، فلا ينبغي التعامل معها باعتبارها تفسيرا جاهزا لمواقفه أو دليلا على انحياز مسبق . قيمتها الحقيقية ، إن كان لها أثر في قراءته ، أنها تضع صاحبها عند تقاطع معرفي بين مجتمع سياسي أمريكي يصنع القرارات ، و منطقة كثيرا ما تتعرض للاختزال داخل ذلك المجتمع . و مع ذلك ، تظل أفكاره بحاجة إلى أن تُقاس بحججها و أدلتها ، لا بهويته أو أصوله . سبق لنصر أن تناول تحولات التوازنات المذهبية و السياسية في كتابه ( الصحوة الشيعية ) ، كما بحث في الطبقات الوسطى المسلمة و التحولات الاجتماعية و الاقتصادية . و في كتابه موضوع القراءة ، يستثمر هذه الخلفية ليقدم صورة عن الشرق الأوسط لا بوصفه مسرحا لحروب الإرهاب وحدها ، بل فضاءً تتقاطع فيه الدولة و المجتمع و الهوية و المصالح الاقتصادية و التنافس الدولي . و لعل أهم ما يميز موقعه في هذا العمل أنه لا يكتب عن الدبلوماسية من خارجها تماما ، و لا من داخلها على نحو يفقده القدرة على نقدها . إنه يكتب بوصفه أكاديميا دخل المؤسسة ، ثم اكتشف أن امتلاك المعرفة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تحويلها إلى سياسة . بنية الكتاب و خريطته الاستراتيجية يتألف الكتاب من تسعة فصول رئيسية ، تسبقها معالجة للتحولات التي شهدها النظام العالمي ، و تنتقل من تفاصيل العمل الدبلوماسي في أفغانستان و باكستان إلى ملفات إيران و العراق و الربيع العربي ، قبل أن توسع زاوية النظر لتشمل الصين و موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي . و وفق فهرس الكتاب ، تتوزع الفصول على موضوعات محددة ، لكن الرابط بينها هو السؤال عن كيفية تآكل النفوذ الأمريكي حين تنفصل أدوات القوة عن رؤية سياسية متماسكة .
1- أفغانستان : الحرب الجيدة التي ساءت نتائجها يفتتح نصر نقده من أفغانستان ، حيث تداخلت أهداف مكافحة الإرهاب مع بناء الدولة ، و مواجهة التمرد مع السعي إلى تسوية سياسية . فالمعضلة ، وفق قراءته ، لم تكن في غياب القوة الأمريكية أو نقص الموارد العسكرية فحسب ، بل في صعوبة تحديد الغاية السياسية التي ينبغي أن تخدمها تلك القوة . لقد بدا أن واشنطن تريد هزيمة خصومها ، و تقليص خسائرها ، و بناء مؤسسات أفغانية قادرة على الحكم ، في وقت واحد ، من دون أن تنجح دائما في ترتيب هذه الأهداف بحسب الأولوية أو التوفيق بين متطلباتها المتعارضة . و في مثل هذه البيئة ، تصبح الانتصارات التكتيكية قابلة للتبديد ، لأن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة السيطرة على المسار السياسي . لا يعفي هذا التحليل حركة طالبان من مسؤوليتها عن العنف ، و لا يجعل المصالحة حلا مضمونا . لكنه يلفت إلى حقيقة استراتيجية مهمة : لا يمكن إنهاء حرب ذات جذور سياسية و اجتماعية بالوسائل العسكرية وحدها ، و لا يمكن بناء سلام مستدام إذا عومل التفاوض بوصفه علامة ضعف بدلا من اعتباره أداة لإعادة تشكيل شروط الصراع . 2- المصالحة الأفغانية : السياسة المؤجلة يخصص نصر فصلا مستقلا لمعضلة المصالحة ، بما يعكس اعتقاده بأن إنهاء الحرب كان يتطلب التفكير في التسوية السياسية قبل أن تتحول كلفة الصراع إلى قيد على خيارات واشنطن . و يستعيد ، من خلال تجربته مع هولبروك ، الخلافات التي أحاطت بإمكان فتح قنوات تفاوضية مع طالبان ، و القيود التي فرضتها الحسابات العسكرية و السياسية على الدبلوماسية . تكمن أهمية هذه المعالجة في أنها تميز بين التفاوض بوصفه مكافأة للخصم ، و التفاوض بوصفه وسيلة لاختبار إمكانات إنهاء الحرب . فرفض الحوار لا يلغي الخصم، بل قد يمنحه الوقت لتقوية موقعه ؛ و قبول الحوار لا يضمن النجاح ، لكنه قد يفتح مسارا لا توفره القوة العسكرية وحدها . و مع ذلك ، فإن نقد نصر يثير سؤالا مضادا لا يقل أهمية : هل كانت المصالحة قابلة للتحقق بالشروط المتاحة آنذاك ؟ فالتفاوض يحتاج إلى شركاء قادرين على الالتزام ، و إلى ضمانات أمنية ، و إلى تسوية بشأن السلطة و حقوق المواطنين و موقع الحكومة الأفغانية . لذلك ، تبدو الدبلوماسية ضرورة لا غنى عنها ، لكنها ليست وصفة سحرية تتجاوز موازين القوى و الانقسامات الداخلية . 3- باكستان : الحليف الذي لا تكفي تسميته حليفا في فصل ( من خسر باكستان ؟ ) ، يتناول نصر علاقة شديدة التعقيد ، تتجاور فيها الشراكة الأمنية مع الشك المتبادل ، و تتعارض فيها أولويات مكافحة الإرهاب مع حسابات المؤسسة العسكرية الباكستانية و مخاوفها الإقليمية ، و لا سيما تجاه الهند و أفغانستان . يُظهر هذا الملف حدود السياسة الأمريكية عندما تختزل دولة محورية في وظيفة أمنية واحدة : أن تكون شريكا في الحرب على الإرهاب . فباكستان ليست مجرد ممر للإمدادات أو منصة للتعاون الاستخباراتي ؛ إنها دولة ذات مؤسسات و مصالح وحسابات داخلية و إقليمية ، و قد تتقاطع مصالحها مع واشنطن في ملف و تتصادم معها في ملف آخر . و من هنا ، فإن إدارة التناقضات عبر الضغوط وحدها لا تكفي . كما أن استمرار التعاون من دون معالجة مصادر الخلاف قد يحول العلاقة إلى شراكة شكلية ، يحتفظ فيها كل طرف بأجندته الخاصة . لكن هذه الحجة لا ينبغي أن تقود إلى التساهل مع ازدواجية السياسات أو التغاضي عن دعم جماعات مسلحة تهدد الاستقرار الإقليمي . المطلوب هو التمييز بين فهم سلوك الحليف و تبريره ؛ فالفهم شرط لصناعة سياسة فعالة ، أما التبرير فليس شرطا له و لا نتيجة لازمة عنه . 4- إيران : بين الحرب و الاحتواء يمثل الملف الإيراني أحد أكثر فصول الكتاب حساسية ، لأنه يكشف التناقض بين هدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي و بين الوسائل المستخدمة لتحقيق هذا الهدف . يناقش نصر منطق العقوبات و التهديدات العسكرية ، و مخاطر أن تتحول سياسة الضغط إلى استراتيجية مغلقة لا تترك للخصم حافزا عمليا لتغيير سلوكه . إن العقوبات قد ترفع كلفة خيارات الدولة المستهدفة ، لكنها لا تنتج وحدها اتفاقا سياسيا . و التهديد العسكري قد يدفع إلى التفاوض في ظروف معينة ، لكنه قد يعزز أيضا شعور النظام المستهدف بأن امتلاك قدرة ردع أكبر هو الضمانة الوحيدة لبقائه . من هذه الزاوية ، يدافع نصر عن ضرورة الجمع بين الضغط و المفاوضات ، مع إبقاء مخرج سياسي يمكن أن يحول التنازلات المتبادلة إلى اتفاق قابل للاستمرار . و لا يعني ذلك أن المخاوف المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني غير مشروعة ، أو أن طهران لا تتحمل مسؤولية خياراتها الإقليمية ؛ بل يعني أن السياسة الناجحة تُقاس بقدرتها على تحقيق أهداف قابلة للتحقق ، لا بمدى صرامة خطابها . و الدرس الأعمق هنا أن الخصومة الطويلة قد تصبح مؤسسة قائمة بذاتها : تستمد أطرافها شرعيتها من استمرارها ، و تتحول الإجراءات التي بدأت بوصفها أدوات ضغط إلى غايات مستقلة ، بينما يتراجع السؤال الأصلي عن النتيجة المطلوبة . 5- العراق : ديمقراطية الإشارة و حدود الانسحاب في العراق ، يربط نصر بين الانسحاب الأمريكي و بين هشاشة الترتيبات السياسية التي خلفتها سنوات الاحتلال . و يشير عنوان الفصل ، ( ديمقراطية الإشارة ) ، إلى الفجوة بين الصورة التي يمكن تقديمها باعتبارها نجاحا ديمقراطيا ، و بين صعوبة بناء نظام قادر على احتواء التنافس السياسي و منع تحول الخلافات إلى صراعات طائفية . يضع هذا التحليل أمام القارئ حقيقة لا تخص العراق وحده : الانتخابات لا تكفي لإنتاج الديمقراطية إذا لم تصحبها مؤسسات ضابطة للسلطة ، و قضاء مستقل ، و قواعد مقبولة لتوزيع المسؤوليات ، و ضمانات تحمي حقوق المكونات المختلفة . كما أن الانسحاب العسكري ، مهما كانت ضرورته ، لا يساوي اكتمال المهمة السياسية . فقد تنتهي عملية عسكرية بينما تستمر آثارها في مؤسسات الدولة و في توازن القوى الإقليمية و في علاقة الجماعات المحلية بعضها ببعض . و مع ذلك ، لا يصح أن يتحول هذا الاستنتاج إلى حجة دائمة لتبرير بقاء القوات الأجنبية . فالحضور العسكري قد يفاقم التبعية أو يغذي الرفض الشعبي ، كما أن المسؤولية عن بناء دولة عراقية مستقرة تقع أساسا على العراقيين و مؤسساتهم و قواهم السياسية . الأصح هو أن الانسحاب يحتاج إلى رؤية سياسية واقعية ، و أن نجاح هذه الرؤية لا يمكن ضمانه بالوجود العسكري وحده . 6- الربيع العربي : فرصة تاريخية لم تتحول إلى استراتيجية ينتقل نصر إلى الانتفاضات العربية التي أطاحت أو هددت أنظمة استبدادية ، متوقفاً عند التناقض بين الخطاب الأمريكي المؤيد للديمقراطية و بين الحذر الذي حكم الاستجابة العملية للتحولات . فقد بدت واشنطن ، في قراءته ، أكثر قدرة على التكيف مع سقوط بعض الأنظمة من قدرتها على المساهمة في بناء ترتيبات سياسية مستقرة بعدها . و الفارق كبير بين الترحيب بتغيير سياسي و بين امتلاك سياسة تساعد على حماية فرصه . فالثورات لا تنتج مؤسسات ديمقراطية بمجرد إسقاط الحاكم ، و الانتخابات لا تمنع الاستقطاب إذا لم تتوافر قواعد للتداول السلمي للسلطة . و بين لحظة انهيار النظام القديم و لحظة استقرار النظام الجديد ، توجد مساحة واسعة يمكن أن تتنافس فيها القوى المحلية و الإقليمية و الدولية . غير أن نقد نصر يستدعي بدوره قدرا من التحفظ. فليس من الواقعي افتراض أن الولايات المتحدة تستطيع توجيه التحولات الشعبية وفق رغبتها ، أو أن تدخلها الخارجي سيقود بالضرورة إلى نتائج ديمقراطية أفضل . و قد يؤدي الدعم الأمريكي الصريح إلى إضعاف شرعية القوى المحلية ، فيما قد تتحول المساعدات المشروطة إلى وسيلة للتأثير في خيارات المجتمعات . الأدق أن المسؤولية الأمريكية لا تكمن في صناعة الثورات أو التحكم بمآلاتها ، بل في اتساق المواقف ، و فهم القوى الاجتماعية الفاعلة ، و تجنب دعم الاستبداد حين يخدم المصالح الآنية ، ثم الاكتفاء بإعلان التأييد للديمقراطية عندما تتغير الظروف . 7- العاصفة المتجمعة : الشرق الأوسط بعد لحظة التفاؤل يأتي فصل ( العاصفة المتجمعة ) ليضع أزمات المنطقة ضمن صورة أوسع ، تتداخل فيها هشاشة الدولة ، و الصراعات الإقليمية ، و تنامي الاستقطاب ، و تراجع الثقة بالولايات المتحدة . و يكتسب هذا الفصل أهميته من رفضه الفصل المصطنع بين أزمات تبدو مستقلة على الخريطة ، لكنها مترابطة عبر التحالفات و التنافس على النفوذ و تداعيات الحروب . فالشرق الأوسط ليس مجموعة ملفات يمكن إغلاق كل منها على حدة ؛ أزمة العراق تؤثر في حسابات إيران ، و مستقبل أفغانستان يتصل بباكستان ، و الصراع العربي الصهيوني يؤثر في شرعية السياسات الإقليمية ، فيما ينعكس اضطراب الدول على أمن الطاقة و التجارة و الهجرة و مكافحة التنظيمات المسلحة . لكن الترابط لا يعني أن المنطقة تخضع لمعادلة واحدة ، أو أن الولايات المتحدة قادرة على حل جميع مشكلاتها . فلكل مجتمع تاريخه و مؤسساته و تناقضاته ، و للقوى الإقليمية إرادات و مصالح لا يمكن اختزالها في ردود فعل على واشنطن . 8- التحدي الصيني : حين يلتقي الشرق الأوسط بآسيا في فصل ( التحدي الصيني ) ، يوسع نصر نطاق التحليل إلى المنافسة بين القوى الكبرى ، معتبرا أن الانشغال الأمريكي بتقليص الحضور في الشرق الأوسط قد يتيح للصين توسيع نفوذها الاقتصادي و الاستراتيجي في مناطق ظلت واشنطن تعدها ذات أهمية حيوية . و تكمن قوة هذه الفكرة في أنها تربط بين الجغرافيا السياسية و الاقتصاد . فالتأثير الدولي لا يتحدد بعدد القواعد العسكرية أو حجم الإنفاق الدفاعي فقط ، بل كذلك بالتجارة و الاستثمار و التكنولوجيا و شبكات التمويل و القدرة على بناء علاقات طويلة الأمد . و قد لا تحتاج القوة الصاعدة إلى إزاحة منافسها عسكريا كي تغير موازين النفوذ ؛ يكفي أحيانا أن تصبح الشريك الذي يصعب الاستغناء عنه . و مع ذلك ، فإن العلاقة بين الحضور الأمريكي و توسع النفوذ الصيني ليست بالضرورة لعبة صفرية . تستطيع الولايات المتحدة إعادة ترتيب أولوياتها ، و تستطيع دول الشرق الأوسط تنويع شراكاتها ، من دون أن يعني كل اتفاق اقتصادي مع بكين تحولا استراتيجيا ضد واشنطن . كما أن للصين مصالحها و حدودها ، و ليست بالضرورة راغبة في تحمل كل الأعباء الأمنية التي تتجنبها القوى الأخرى . 9- الأمة المحورية : استعادة القيادة أم إعادة تعريفها ؟ يصل الكتاب إلى خلاصته في الفصل المعنون ( أمريكا ، الأمة المحورية ) ، حيث يطرح نصر تصورا لدور أمريكي لا يقوم على التدخل في كل أزمة ، بل على إدراك أن النفوذ يتطلب استمرار المشاركة السياسية و الدبلوماسية ، حتى عندما تكون النتائج غير مضمونة . و هو يدافع عن استعادة التوازن بين القوة الصلبة و القوة الدبلوماسية ، و يرى أن الانكفاء لا يوفر بالضرورة الموارد أو يقلل المخاطر ؛ فقد يتيح للخصوم توسيع نفوذهم ، و يجعل العودة إلى إدارة الأزمات أكثر كلفة في المستقبل . و تتضح هنا الرسالة الكبرى للكتاب : ليست المشكلة في أن الولايات المتحدة تريد تغيير أولوياتها ، بل في أن تقليص حضورها قد يسبق بناء البديل الاستراتيجي . فالقيادة ليست التزاما مفتوحا بالتدخل ، لكنها أيضا ليست امتيازا يمكن الاحتفاظ بمكاسبه بعد التخلي عن مسؤولياته . لماذا يستحق الكتاب القراءة ؟ تكمن الأهمية الأولى للكتاب في أنه ينقل النقاش من مستوى الشعارات إلى داخل عملية صناعة القرار . فهو لا يكتفي بالسؤال عما إذا كانت السياسة الأمريكية ناجحة أو فاشلة ، بل يسأل كيف تُصنع هذه السياسة ، و من يؤثر فيها ، و كيف تتنافس المؤسسات على تحديد أولوياتها . و تتجلى أهميته الثانية في دفاعه عن الدبلوماسية باعتبارها ممارسة استراتيجية ، لا نشاطا بروتوكوليا يأتي بعد استنفاد الخيارات الأخرى . فالتفاوض يحتاج إلى وقت ، و الاتفاقات تتطلب تنازلات ، و النتائج قد تكون أقل من طموحات الأطراف ؛ لكن البديل عن هذه العملية ليس دائما انتصارا حاسما ، بل قد يكون استمرار الصراع بكلفة أعلى . أما الأهمية الثالثة فتتمثل في تحذيره من اختزال السياسة الخارجية في حسابات الرأي العام و الانتخابات . فالقرار الذي يحظى بشعبية داخلية قد يترك آثارا سلبية طويلة الأمد خارج الحدود ، كما أن القرار الذي يبدو مكلفا سياسيا في لحظته قد يوفر على الدولة خسائر أكبر مستقبلا . و تبرز الأهمية الرابعة في إظهار الترابط بين الشرق الأوسط و النظام الدولي . فالمنطقة ليست هامشا منفصلا عن المنافسة العالمية ، و لا مجرد مصدر للتهديدات الأمنية ؛ إنها عقدة استراتيجية تتقاطع فيها الطاقة و التجارة و التحالفات و ممرات النقل والتنافس على النفوذ . أين أتفق مع ولي نصر ، و أين أختلف معه ؟ أتفق مع نصر في تشخيصه الخلل الذي ينشأ عندما تتحول السياسة الخارجية إلى إدارة يومية للأزمات بدلا من أن تكون تعبيرا عن استراتيجية بعيدة المدى . كما أتفق معه في أن القوة العسكرية ، مهما بلغت فعاليتها ، لا تستطيع وحدها إنتاج شرعية سياسية أو بناء نظام مستقر . و قد تمنح العمليات العسكرية الدولة قدرة على تعطيل خصومها ، لكنها لا تمنحها تلقائيا القدرة على تشكيل المستقبل . و أتفق كذلك مع تأكيده أن الدبلوماسية ليست نقيض القوة ، بل أحد أشكال استخدامها . فالدولة القوية ليست تلك التي تستطيع التهديد فحسب ، بل تلك التي تستطيع تحويل قدراتها إلى ترتيبات سياسية قابلة للاستمرار . و من هذه الزاوية ، تبدو الدبلوماسية استثمارا في تقليل كلفة القوة ، لا اعترافا بالعجز عنها . و أجد أن نقده للانفصال بين إعلان المبادئ و تطبيقها نقد وجيه أيضا . فالدفاع عن الديمقراطية يفقد صدقيته حين يخضع لمعايير متباينة بحسب هوية الحليف أو الخصم ، كما أن دعم التحولات السياسية لا يمكن أن يقتصر على الاحتفاء بسقوط الأنظمة ، متجاهلا المؤسسات و الاقتصاد و الأمن و العدالة التي يحتاج إليها أي انتقال ناجح . لكنني أختلف معه في مقدار المسؤولية التي يحمّلها للانسحاب الأمريكي عن تراجع النفوذ و الاستقرار . فبعض الأزمات التي يناقشها الكتاب نتجت أيضا من تدخلات أمريكية سابقة ، و من اختيارات محلية و إقليمية مستقلة ، و من اختلالات مؤسسية و اجتماعية لا يمكن تفسيرها بقرارات البيت الأبيض وحدها . إن تصوير الحضور الأمريكي باعتباره ضمانة للاستقرار قد يقلل من شأن الكلفة التي تحملتها المجتمعات نتيجة الحروب و التدخلات ، كما قد يحجب حقيقة أن بعض الأزمات يتطلب تقليص التدخل الخارجي ، لا تحسين إدارته فحسب . و أتحفظ كذلك على الميل إلى منح الدبلوماسية الأمريكية ، ممثلة في هولبروك و وزارة الخارجية ، موقعا أخلاقيا أو استراتيجيا متقدما أكثر مما تسمح به الوقائع . فالدبلوماسيون ليسوا خارج منظومة المصالح ، و الوزارة ليست بالضرورة أكثر حكمة من المؤسسات العسكرية أو الأمنية في كل ملف . قد يخطئ الدبلوماسي في تقدير الطرف المقابل ، و قد يبالغ في فرص التسوية ، و قد تصطدم مقترحاته بقيود حقيقية لا يمكن اختزالها في تدخل البيت الأبيض أو الحسابات الانتخابية . و يثير الكتاب أيضا سؤالا أعمق : هل ينبغي قياس نجاح السياسة الخارجية بقدرة الولايات المتحدة على الاحتفاظ بموقعها القيادي ، أم بقدرتها على تحقيق الأمن و الازدهار و تقليل الحروب ؟ إن هذين الهدفين قد يتقاطعان ، لكنهما ليسا متطابقين دائما . فاستعادة النفوذ الأمريكي ليست قيمة مستقلة عن النتائج التي يحققها ذلك النفوذ ، كما أن تراجع الهيمنة لا يعني بالضرورة انهيار النظام الدولي . و من هنا ، أرى أن الكتاب أقوى حين يشرح آليات التراجع الاستراتيجي ، و أقل إقناعا حين يقترب من افتراض أن قيادة أمريكية أكثر نشاطا كانت ستقود بالضرورة إلى نتائج أفضل . فالتاريخ لا يمنحنا ضمانات كهذه ، و السياسة الخارجية ليست معادلة يمكن فيها عزل أثر القرار الأمريكي عن إرادات الشعوب و مصالح القوى الأخرى . ما الذي يعنيه الكتاب للقارئ العربي ؟ بالنسبة إلى القارئ العربي ، لا تكمن قيمة الكتاب في استنتاج أن واشنطن يجب أن تبقى في المنطقة إلى الأبد ، أو أن على دولها انتظار استراتيجية أمريكية أكثر كفاءة . بل في إدراك أن تغير الأولويات الأمريكية لا يلغي أهمية المنطقة ، و إنما قد يغير شروط التعامل معها ، و يزيد الحاجة إلى بناء قدرات محلية على التفاوض و إدارة الخلافات و تنويع الشراكات . كما يدعو الكتاب ، بصورة غير مباشرة ، إلى تجاوز تفسير الأحداث الإقليمية من خلال سؤال واحد : ماذا تريد الولايات المتحدة ؟ فهذا السؤال مهم ، لكنه غير كافٍ . ينبغي أن يُستكمل بأسئلة أخرى : ماذا تريد القوى الإقليمية ؟ و ما الذي تملكه الدول العربية من أدوات اقتصادية و سياسية ؟ و كيف يمكن بناء مؤسسات تمنع تحول المنافسة الخارجية إلى صراعات داخلية ؟ وما الشروط التي تجعل الشراكة الدولية مفيدة للمجتمع ، لا للنخب السياسية وحدها ؟ إن الدولة التي تعتمد كليا على قوة خارجية لتأمين استقرارها تظل معرضة لتقلب أولويات تلك القوة . و الدولة التي ترفض التعامل مع العالم باسم الاستقلال قد تعزل نفسها عن الموارد و الشراكات التي تحتاج إليها . بين التبعية و العزلة توجد مساحة للسياسة الذكية : تنويع العلاقات ، و بناء المؤسسات ، و تحديد المصالح الوطنية بوضوح ، و استخدام الدبلوماسية لتحقيق توازن لا يقوم على الارتهان لطرف واحد .
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
إسبانيا و العراق : من إدارة التنوع إلى بناء الدولة المتعددة
-
برنارد عرّاب السقوط
المزيد.....
-
إطلاق نار في مدرسة ابتدائية بأوريغون يسفر عن إصابات ومقتل ال
...
-
بالصور.. ترامب يحتفل مع إيفانكا بعيد ميلاد حفيده -جوزيف- في
...
-
شاهد.. سيول جارفة تحوّل شوارع في تكساس إلى أنهار
-
الصين تحث إسرائيل على وقف -البناء القسري- للمستوطنات في الضف
...
-
ترامب يتحدث عن نزع السلاح النووي ويحذر من اقتراب الصين من مس
...
-
زلزال بقوة 6.9 درجة يضرب كامتشاتكا الروسية
-
ترامب: هجوم زيلينسكي على مصافي النفط الروسية -عار ولا يقدم أ
...
-
دبلوماسي سعودي: عرضنا في يوليو الاجتماع مع الحوثيين إنهاء ال
...
-
هل يستطيع الصغار استخدام مسحوق البروتين؟
-
سي إن إن: إقالة زامبولي المبعوث الخاص المقرب من عائلة ترمب
المزيد.....
-
قراءة في -العقل والثورة- -2
/ نايف سلوم
-
قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير
...
/ رياض الشرايطي
-
نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و
...
/ زهير الخويلدي
-
-فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2
/ نايف سلوم
-
فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا
...
/ زهير الخويلدي
-
الكونية والعدالة وسياسة الهوية
/ زهير الخويلدي
-
فصل من كتاب حرية التعبير...
/ عبدالرزاق دحنون
-
الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية
...
/ محمود الصباغ
-
تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد
/ غازي الصوراني
-
قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل
/ كاظم حبيب
المزيد.....
|